musique

السبت، 12 يناير 2019

[المشاكلة]



اللغة العربية: إبداع وإمتاع وإقناع
علم البديع
دروس مهمة لكل شاعر وكاتب وأديب
الدرس الرابع والتسعون (94)
[المشاكلة]
المشاكلة في اللغة: المشابهة والموافقة.
وفي الاصطلاح: ذكر الشيء بلفظ غيره، لوقوعه في صحبته تحقيقا أو تقديرا.
فالأول: وهو ما يكون وقوعه في صحبة غيره تحقيقا
كقوله تعالى "وجزاء سيئة سيئة مثلها" فإن الثانية لكونها حقيقة لا تكون سيئة، لكن لوقوعها في صحبة الأولى عبّر عنها بالسيئة.
فالجزاء عن السيئة في الحقيقة غير سيئة، والأصل وجزاء سيئة عقوبة مثلها
وقوله تعالى: "تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك"
والأصل تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما عندك
فلما عبّر عن الأول بما في نفسي، عبّر عن الثاني بما في نفسك مشاكلة، لأن الحق تعالى وتقدس لا يستعمل في حقه لفظة النفس، إلا أنها استعملت هنا مشاكلة لما تقدم من لفظ النفس.
ومنه قوله تعالى: ( ومكروا ومكر الله ) والأصل أخذهم بمكرهم. ومنه قوله تعالى: ( فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم ) أي فعاقبوه، فعدل عن هذا لأجل المشاكلة اللفظية.
ولا يلزم تقديم الصاحب لمجيئه متأخرا، كقوله عليه السلام: (أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قلَّ فعليكم من الأعمال بما تطيقون فإن الله لا يمل حتى تملوا) فعبّر عن قطع الثواب بالملل لوقوعه في صحبته وهو متأخر عنه.
وكقول الشاعر:
قالوا اقترح شيئا نجد لك طبخة **** قلت اطبخوا لي جبة وقميصا
ذكر خياطة الجبة بلفظ الطبخ لوقوعها في صحبة الطعام..
وقول أبي تمام:
من مبلغ أفناء يعرب كلها **** إني بنيت الجار قبل المنزل
فبناء الجار إنما سوغه بناء المنزل وهو متأخر عنه.
ومنه قول أبي تمام أيضا:
لا تسقني ماء الملام فإنني **** صب قد استعذبت ماء بكائي
قالوا إنه من هذا الباب، وإن إثبات الماء للملام بمشاكلة ماء البكاء المتأخر عنه.
واستشهدوا كثيرا لهذا النوع بقول ابن كلثوم:
ألا لا يجهلن أحد علينا **** فنجهل فوق جهل الجاهلينا
قالوا: سمى جزاء الجهل جهلا مشاكلة. واعترض بأنه إنما كان جهلا للزيادة على جهل الأول، فهو أيضاً جاهل متعد كالأول، وغاية ما يمكن أن يقال في جوابه: إن الزيادة على جهل الظالم في مكافأة ظلمه ليس ظلما في اعتقاد الشاعر، لأن الجهل عنده ما لا يكون له سبب يحال عليه عادة، والأول كذلك، وأما الثاني وإن زاد فيصح أن يحال على الأول.
وقد تقرر أن هذا النوع أعني المشاكلة اللفظية ـ أي التي تكون تحقيقا ــ أن يأتي المتكلم في كلامه باسم من الأسماء المشتركة في موضعين فتشاكل إحدى اللفظتين الأخرى في الخط واللفظ ومفهومهما مختلف
ومن إنشادات التبريزي في هذا الباب قول أبي سعيد المخزومي
حَدَقَ الآجالَ آجالُ **** والهوى للمرء قتال
فلفظة الآجال الأولى أسراب البقر الوحشية، مفرده إجل، والثانية منتهى الأعمار مفرده أجل، وبينهما مشاكلة في اللفظ والخط
وإن كان بعض علماء البديع صنّفوه من الجناس التامّ
والثاني: وهو ما يكون وقوعه في صحبة غيره تقديرا.
كقوله تعالى "صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة ونحن له عابدون" فقوله: صبغة الله, مصدر مؤكد منتصب عن قوله: آمنا بالله, لأن الإيمان يطهر النفوس, فعبر عن الإيمان بالصبغة وإن لم يقع في الصبغ. لأن سبب النزول دال عليه, وذلك أن النصارى كانوا يغمسون أولادهم في ماء أصفر يسمونه المعمودية ويقولون هو تطهير لهم, فعبر عن مقابله من تطهير القلوب بالإيمان بصبغة الله مشاكلة, لوقوعه في صحبة صبغة النصارى تقديرا وإن لم يذكر ذلك لفظا, وهذا كما تقول لمن يغرس الأشجار: اغرس كما يغرس فلان, تريد رجلا يصطنع الكرام ويحسن إليهم, فتعبر عن الاصطناع بلفظ الغرس للمشاكلة, وقرينة الحال, حيث كان مشغولا بالغرس وإن لم يكن له ذكر في المقال.
حكي أن فقيراً وقف على بعض الولاة وهو يغرس فسيلا فأنشده:
إن الولاية لا تدوم لواحد **** إن كنت تنكره فأين الأول
فاغرس من الفعل الجميل غرائسا **** فإذا عُزِلتَ فإنها لا تُعزَل
وأرباب البديعيات إنما بنوا أبياتهم على النوع الأول, وهو ما يكون وقوعه في صحبة غيره تحقيقا لأنه الأشهر والأكثر في الاستعمال.
وبيت بديعية الصفي قوله:
يجزي إساءة باغيهم بسيئة **** ولم يكن عاديا منهم على ارم
وبيت بديعية ابن جابر الأندلسي قوله:
سقاهم الغيث واستسقى لهم ذهبا **** فغير كفيه إن أمحلت لا تشم
وبيت بديعية عز الدين الموصلي قوله:
يجزي بسيئة للضد سيئة **** معنى مشاكلة من خير منتقم
وبيت بديعية ابن حجة قوله:
من اعتدى فبعدوان يشاكله **** لحكمة هو فيها خير منتقم
وبيت بديعية المقري قوله:
يضاعف الأجر والحسنى ويردع عن **** ظلم بظلم ويعفو عن كثيرهم
وبيت بديعية العلوي قوله:
إن الرحيم جزى بالسوء سيئة **** قطيعة العفو للأصحاب والرحم
وبيت بديعية الطبري قوله:
جازى بالإحسان إحسانا مشاكلة **** وألف اللفظ بالمعنى لملتئم
وبيت بديعية ابن معصوم الحسني قوله:
يجزى العداة بعدوان مشاكلة **** والفضل بالفضل ضعفا في جزائهم
المصادر:
كتاب البديع في البديع لابن المعتز ت247ه
العمدة في محاسن الشعر لابن رشيق القيرواني ت390ه
زهر الآداب للحصري القيرواني ت453ه
خزانة الأدب لابن حجة الحموي ت837ه
أنوار الربيع في أنواع البديع لابن معصوم الحسني ت1119ه
جمع وإعداد وتقديم: محمد أبورزق
يُتبع

الخميس، 3 يناير 2019

[التهذيب والتأديب]

اللغة العربية: إبداع وإمتاع وإقناع
علم البديع
دروس مهمة لكل شاعر وكاتب وأديب
الدرس التسعون (90)
[التهذيب والتأديب]
**وهو درس مهم جدّا يجب الإستفادة منه
هذا النوع ليس له شاهد من الشعر أو النثر يخصه وإن كان من مستحسنات البديع، لأنه وصفٌ يعمُّ كلّ كلام مُهذّبٍ مُحرّرٍ نظما كان أو نثرا.
وهو عبارة عن تهذيب المتكلّم كلامَه، وتنقيحَه ومراجعتَه بالنظر والفكر فيه، فيُسقِط ما يجب إسقاطه، ويُصلح ما يتعين إصلاحه، ويحرر مقاصده ومبانيه، ويبين أغراضه ومعانيه، بحيث لا يمكن أن يقال فيه: لو كان غير هذا لكان أحسن، ولو زيد هذا لكان يستحسن، ولو قُدّم هذا لكان أجمل، ولو تُرك هذا لكان أفضل.
وقلّما راجع الإنسان كلاما قاله إلا وعنَّتْ له هذه المقالة، كما قيل:
ما خَطَّ كف امرء شيئاً وراجَعه **** إلا وعَنَّ له تبديلُ ما فيه
وقال ذاك كذا أولى وذاك كذا **** وهكذا إن يكن تسمو قوافيه
فإذا سلِم البيت من لو كان هكذا، وليته كان هكذا، عُدّ من مستحسنات البديع، وشمله حَدُّ التهذيب والتأديب، وإلا فهو خارج عما نحن فيه، مردود على من خرج من فيه.
وكان زهير بن أبي سلمى يُضرب به المثل في تنقيح الشعر وتهذيبه، فيقال: حوليات زهير، لأنه كان يعمل القصيدة في ليلة، ثم تبقى حولا ينقحها.
وقيل: بل كان ينظمها في شهر وينقحها في أحد عشر شهرا. وقيل: بل كان ينظمها في أربعة أشهر، وينقحها في أربعة أشهر، ويعرضها على علماء أصحابه أربعة أشهر، ولهذا كان عمر بن الخطاب يعتقد أنه شاعر الشعراء.
وكان الحطيئة يقول: خير الشعر الحولي المحكك، إقتداء بمذهب زهير.
قال أبو العتاهية لمحمد بن مناذر: ‏ ‏ كم بيتـًا من الشـِّعر تنظم في اليوم؟ ‏ ‏ قال: ثلاثة أبيات أو خمسة. ‏ ‏ فقال أبو العتاهية: ‏ ‏ ولكني أقول المائة والمائتين. ‏ ‏ قال ابن مناذر: ‏ ‏ أجل، إنك تقول:
‏ يا عُتْبُ مالي ولكِ **** يا ليتني لم أركِ
وأنا أقول: ‏
سـتُظلم بغـداد وتجلو لنا الدُّجَى **** بمكــة مـا عشـــنا ثلاثــة أقمـر
إذا نزلوا بطحـاء مكـة أشـرقت **** بيحيى وبالفضل بن يحيى وجعفر
ومـا خُـــلِقتْ إلاَّ لجـودٍ أكــفَّهم **** وأقــــدامُهم إلا لأعــــواد منــبر
ولو أردتَ أنتَ أن تنظم مثلَ هذا لطال عليك الدّهر! ‏
ومثل هذه الحكاية ما يحكى أن أبا نواس اجتمع مع مسلم بن الوليد
المعروف بصريع الغواني، فجرى بينهما كلام، فقال مسلم: لو كنت أرضى أن أقول مثل قولك:
لبيك إن الحمد لك **** والملك لا شريك لك
والليل لما إن حلك **** والسابحات في الفلك
لقلت في اليوم عشرة آلاف بيت، لكني أقول:
موف على رهج في يوم ذي رهج **** كأنه أجل يسعى إلى أمل
ينال بالرفق ما يعيا الرجال به **** كالموت مستعجلا يأتي على مهل
يكسو السيوف نفوس الناكثين به **** ويجعل الروس تيجان القنا الذبل
قال امرؤ القيس في تهذيبه لشعره :
أذود القوافي عنّي ذياداً **** ذيادَ غلامٍ جريء جرَّادَا
فلما كثُرنَ وعنَّيْنَه **** تخيَّر منهن شتَّى جِيادا
فأعزلُ مرجانها جانباً **** وآخذُ من درها المستجادا
فإذا كان أشعر الشعراء يصنع هذا ويحكيه عن نفسه، فكيف ينبغي لغيره أن يصنع؟
وقال عدي بن الرقاع في تهذيبه لشعره:
وقصيدة قد بِتُّ أجمع بيتها **** حتى أُقوِّم ميلها وسنادها
نَظَرَ المثقفِ في كعوب قناته **** حتى يقيم ثقافه منادها
وتبيت حتى ما أسائل عالما **** عن حرف واحدة لكي أزدادها
وقال أبو تمام:
خذها ابنة الفكر المهذب في الدجى **** والليل أسود رقعة الجلباب
وقال ابن عنين:
معنى بديع وألفاظ منقحة **** عن نية وقواف كلها نخب
وما أحسن ما قال أبو محمد يحيى بن علي المنجم:
رب شعر نقدته مثلما ين **** قد رأس الصيارف الدينارا
ثم أرسلته فكانت معاني **** ــهِ وألفاظه معا أبكارا
لو تأنى لقالة الشعر ما أس **** قط منه حلوا به الأشعارا
إن خير الكلام ما يستعير ال **** ناس منه ولم يكن مستعارا
ولله الآخر حيث يقول:
لا تعرضن على الرواة قصيدة **** ما لم تكن بالغت في تهذيبها
فإذا عرضت الشعر غير مهذب **** عَدُّوهُ منك وساوسا تهذي بها
قيل لبشار بن برد: بم فقت أهل عصرك، وسبقت أهل أندادك في دهرك، في حسن معاني الشعر، وتهذيب ألفاظه؟ فقال: لأني لم أقبل كل ما تورده علي قريحتي، وتناجيني به طبيعتي، وتبعثه فكرتي. ونظرت إلى مغارس الفطن ومعادن الحقائق، ولطائف التشبيهات فصرت إليها بفهم جيد، وغريزة قوية فأَبَحْتُ سرّها، وانتقيتُ حُرَّها، وكشفت عن حقائقها، واحترزت عن متكلَّفِها، لا والله ما ملك قيادي قط الإعجاب بشيء مما آتي به.
وقال أبو عبادة البحتري الشاعر: كنت في حداثتي أروم الشعر، وكنت أرجع فيه إلى طبع سليم، ولم أكن وقفت له على تسهيل مأخذ ووجوه اقتضاب، حتى قصدت أبا تمام وانقطعت إليه، واتكلت في تعريفه عليه، فكان أوّل ما قال لي: يا أبا عبادة، تخيّر الأوقات وأنت قليل الهموم، صِفرٌ من الغموم، واعلم أن العادة في الأوقات إذا قصد الإنسان تأليف بيت أو حفظه أن يختار وقت السحر، وذلك أن النفس تكون قد أخذت حظها من الراحة، وقسطها من النوم، وخف عنها ثقل الغذاء، وصفا من أكثر الأبخرة والأدخنة جسم الهواء، وسكنت الغماغم، ورقت النسائم، وتغنت الحمائم. وإذا شرعت في التأليف تغنَّ بالشعر، فإن الغناء مضماره الذي يجري فيه، واجتهد في إيضاح معانيه، فإن أردت التشبيب فاجعل اللفظ رقيقا، والمعنى رشيقا، وأكثر فيه من بيان الصبابة، وتوجع الكآبة، وقلق الأشواق والفراق، والتعلل باستنشاق النسائم وغناء الحمائم، والبروق اللامعة، والنجوم الطالعة، والتبرم من العُذّال والوقوف على الأطلال , وإذا أخذت في مدح سيد فأشهر مناقبه، وأظهر مناسبه، وأرهف من عزائمه، ورغِّب في مكارمه، واحذر المجهول من المعاني، وإياك أن تشين شعرك بالعبارة الرديئة، والألفاظ الحوشية، وناسب بين الألفاظ والمعاني في تأليف الكلام، وكن كأنك خياط يقدر الثياب على مقادير الأجسام.
وإذا عارضك الضجر فأرح نفسك، ولا تعمل إلا وأنت فارغ القلب ولا تنظم إلا برغبة، فإن الرغبة نعم المعين على حسن النظم، وجملة الحال أن تعتبر شعرك بم سلف من أشعار الماضيين، فما استحسن العلماء فاقصده، وما استقبحوه فاجتنبه.
وقال أبو الفتح نصر الله بن الأثير: جيّد الشعر ما كانت ألفاظه حلوة، ومخارجه سهلة، وقوافيه مألوفة، ووزنه حسنا تقبله النفس، سالما من الزحاف. واعلم أن اللفظ كالصورة والمعنى كالروح، فإن اتفقا وقع الكمال، وإن اختلفا وقع النقص. وأحسن الألفاظ ثلاثة: التطبيق، والتجنيس، والمقابلة. وأحسن المعاني ثلاثة: الاستعارة، والتشبيه، والمثل. فعليك بها على سبيل الاقتصاد. وينبغي أن يرغب الشاعر في الحلاوة واللطافة، والجزالة والفخامة، ويتجنب السوقي القريب، والحوشي الغريب، كما قال بعضهم:
عليك بأوساط الأمور فإنها **** نجاة ولا تركب ذلولا ولا صعبا
وينبغي أن يحصل المعنى قبل اللفظ، والقوافي قبل الأبيات، ويكتب كل لفظ يسنح، وكل معنى يلمح، ويترنم بالشعر وهو يصنعه، ويقصد علمه وقت السحر وهو خال من الهم، لأن النفس تكون قد أخذت حظها من الراحة، ويجعل شهوته لقول الشعر التوصل إلى من نظمه فإنها نعم المعين، ويعرف أغراض المخاطب كائناً من كان، لأن لكل مقام مقالا، فيخاطب الناس على قدر طبقاتهم وتعلقاتهم. فإن نسب ذل وخضع، وإن مدح أطرى وأسمع، وإن هجا أقل وأوجع، وإن فخر خب ووضع، وإن عاتب خفض ورفع، وإن استعطف حن ورجع. ويحسن الفواتح والخواتم والمطالع، ويلطف الخروج إلى المدح والهجاء، لأن حسن الافتتاح داعية الانشراح، وخاتمة الكلام أبقى في السمع، وألصق بالنفس لقرب العهد بها، فتقع من الأسماع والألقاب على حسبها، ولطافة الخروج أشد ارتياحا للممدوح، ويتفقد خاطره بالمذاكرة، فإنها زناده، وتشب أيقاده.
وتتفجر عيون المعاني، وتثبت قواعد المباني بمطالعة الأشعار وترنم جيدها، فإنهما يولدان الرغبة. وقيل: ما استدعي شارد الشعر بمثل الماء الجاري، والشرف العالي، والمكان الخالي، وتملّي الحالي (يراد الحالي من الروض) .
وقال الشيخ زكي الدين بن أبي الأصبع في وصية له: لا ينبغي للشاعر أن يكره الخاطر على وزن مخصوص، ورَوِيٍّ مقصود، بل ينبغي أن يتوخى الكلام الجزل دون الرذل، والسهل دون الصعب، والعذب دون المستكره، والمستحسن دون المستهجن. ولا تعمل نظما ولا نثرا عند الملل فإن الكثير معه قليل، والنفيس معه خسيس. والخواطر ينابيع، إذا رُفقَ بها جمعت، وإذا كثر استعمالها نزحت. واكتب كل معنى يَسْنَح، وقيِّدْ كل فائدة تعرض، فإن نتائج الأفكار كلمعة البرق ولمحة الطرف إن لم تقيدها شردت وندت، وإن لم يستعطف عليها بالتكرار صدت. والترنم بالشعر مما يعين عليه، فقد قال الشاعر:
تغنَّ بالشعر إمّا كنتَ قائلَه **** إن الغناء لقول الشعر مضمار
وقد يكلّ خاطر الشاعر ويعصى عليه الشعر زمانا. كما رُوي عن الفرزدق أنه قال: لقد يمرّ عليّ زمان وقلعُ ضرس من أضراسي أهون علي من أن أقول بيتا واحدا. فإذا كان كذلك فاتركه حتى يأتيك عفوا، وينقاد إليك طوعا. وإياك وتعفيد المعاني وتقعيرالألفاظ، وتَوَخَّ حسن النسق عند التهذيب، ليكون كلامك بعضه آخذا بأعناق بعض. وكرر التنقيح وعاود التهذيب، ولا تخرج عنك ما نظمته إلا بعد تدقيق النقد، وإمعان النظر.
وما أحسن ما قال أبو محمد الخازن:
لا يحسن الشعر ما لم يُسترقَّ له **** حُرُّ الكلام وتستخدم له الفكر
أنظر تجد صور الأشعار واحدة **** وإنما لِمَعانٍ تُعشقُ الصور
وإذ قد ذكرنا تهذيب بن الأثير: يستحب للشاعر أن يكون حسن الأخلاق، حلو الشمائل، مأمون الجانب، طلق الوجه، طلق اليدين، وإلا هو كما قال ابن أبي فنن:
وإن أحق الناس باللوم شاعر **** يلوم على البخلِ الرجالَ ويبخلُ
ويستحب له أن يكثر من حفظ شعر العرب لاشتماله على ذكر أخبارهم وآثارهم، وأنسابهم وأحسابهم، وفي ذلك تقوية لطبعه، وبه يعرف المقاصد، ويسهل عليه اللفظ، ويتسع المذهب، فإنه إذا كان له طبع وأخل بذلك فربما طلب معنى فلا يصل إليه، وهو ماثل بين يديه لضعف آلته، كالمقعد يجد في نفسه القوة على النهوض فلا تعينه آلته.
وسئل رؤبة بن العجاج عن الفحل من الشعراء فقال: هو الراوية، لأنه إذا روى إستفحل، قال ابن حبيب: لأنه يجمع إلى جيّد شعره معرفة جيد شعر غيره، فلا يحمل نفسه إلا على بصيرة.
وقال رؤبة في صفة شاعر:
لقد خشيت أن يكون ساحرا **** راوية مَرّاً ومَرّا شاعرا
فاستعظم حاله حتى قرنها بالسحر.
وكان امرؤ القيس راويةَ أبي داود الأيادي، مع فضل ذخيرته، وقوة غريزته.
وكان زهير راويةَ أوس بن حجر، وطفيل الغنوي.
وكان الحطيئة راويةَ زهير.
وكان الفرزدق على فضله يروي للحطيئة كثيرا.
وكان كُثير عزّة راويةَ جميل، ولم يكن بدون الفرزدق وجرير، بل كان يُقدّمُ عليهما عند أهل الحجاز.
ولا يستغني عن تصفح أشعار المحدثين المجيدين لما فيها من حلاوة اللفظ ، وقرب المأخذ، وإشارات الملح، ووجوه البديع، وأن يكون متصرفا في أنواع الشعر، من جد وهزل، وحلو وجزل، ومدح وهجاء، ورثاء وافتخار واعتذار، فإن كان كذلك لم يُمَلَّ شعره، فيُحكمُ له بالتصرف والتقدم.
وقد ادعى ذلك حبيب في القصيدة الواحدة فقال:
الجد والهزل في توشيع لحمتها **** إلا التصرف والسخف والأشجان والطرب
وقال إسماعيل بن القاسم أبو عتاهية:
لا يصلح النفس إذا كانت مركبة **** إلا التصرف من حال إلى حال
ويُكره للشاعر أن يكون معجبا بنفسه، مثنيا على شعره وإن كان مجيدا، إلا أنْ يريدَ ترغيب ممدوح أو ترهيبه، فيثني على نفسه، ويذكر فضل قصيدته، فقد جوزوا له ذلك مسامحة.
كالذي يعرض لكثير من الشعراء في أشعارهم من مدح قصائدهم، على أن أبا تمام يقول:
ويسيء بالإحسان ظناً لا كمن **** يأتيك وهو بشعره مفتون
المصادر:
كتاب البديع في البديع لابن المعتز ت247ه
العمدة في محاسن الشعر لابن رشيق القيرواني ت390ه
زهر الآداب للحصري القيرواني ت453ه
خزانة الأدب لابن حجة الحموي ت837ه
أنوار الربيع في أنواع البديع لابن معصوم الحسني ت1119ه
جمع وإعداد وتقديم: محمد أبورزق
يُتبع

الثلاثاء، 1 يناير 2019

[ الغُلُوّ ]

اللغة العربية: إبداع وإمتاع وإقناع
علم البديع
دروس مهمة لكل شاعر وكاتب وأديب
الدرس السابع والثمانون (87)
[ الغُلُوّ ]
الغُلُو في اللغة: مجاوزة الحدّ والقدر والإفراط فيه.
وفي الإصطلاح: هو أن تدعي لشيء وصفا بالغا حدّ الاستحالة عقلا وعادة.
وقد تقدم القول على المبالغة وتقرر أنها في الاصطلاح إفراط وصف الشيء بالممكن القريب وقوعه عادة وتقرر أن الإغراق فوقها في الرتبة وهو في الاصطلاح إفراط وصف الشيء بالممكن البعيد وقوعه عادة
والغلو فوقهما فإنه الإفراط في وصف الشيء بالمستحيل وقوعه عقلا وعادة.
وهو ينقسم إلى قسمين: مقبول وغير مقبول
فالمقبول لا بد أن يقربه الناظم إلى القبول بأداة التقريب اللهم إلا أن يكون الغلو في مديح النبي فلا غلو
ويجب على ناظم الغلو أن يسبكه في قوالب التخيلات الحسنة التي يدعو العقل إلى قبولها في أول وهلة كقوله تعالى ( يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار ) فإن إضاءة الزيت من غير مس نار مستحيلة عقلا ولكن لفظة يكاد قربته فصار مقبولا.
ومنه قول أبي العلاء المعري
تكاد قسيه من غير رام **** تمكن في قلوبهم النبالا
تكاد سيوفه من غير سل **** تجد إلى رقابهم انسلالا
وقول ابن المعتز:
يكاد يجري من القميص من ال **** نعمة لولا القميص يمسكه
وقول أبي الشيص:
لولا التمنطق والسوار معا **** والحجل والدملوج في العضد
لتزايلت من كل ناحية **** لكن جعلن لها على عمد
ومنه أخذ ابن النبيه قوله:
لها معصم لولا السوار يصده **** إذا حسرت أكمامها لجرى نهرا
وقول عبد العزيز بن عبد الرزاق :
قالت وقد صرت كطيف الخيال **** كيف ترى فعل الدمى بالرجال
وسددت سهما إلى مقتلي **** تقول هل فيك لدفع النصال
رقيقة الجسم فلولا الذي **** يمسكه من قسوة القلب سال
وقول شرف الدين الحلاوي يصف قدحا من أبيات:
رق فلولا الأكف تمسكه **** سال مع الخمر حين ترشفه
وقول ابن حمديس الصقلي في وصف فرس
ويكاد يخرج سرعة من ظله **** لو كان يرغب في فراق رفيق
ولمؤيد الدين الطغرائي يصف خيلا:
سبقت حوافرها النواظر فاستوى **** سبق إلى غاياتها وشفون
لولا ترائي الغايتين لأقسم ال **** راؤن أن حراكها تسكين
وتكاد تشبهها البروق لو أنها **** لم تعتلقها أعين وظنون
وقول أبي العتاهية في فرس للرشيد. حدث ابن الأعرابي قال: أجرى هارون الرشيد الخيل فجاء فرس يقال له المشمر سابقا, وكان الرشيد معجبا بذلك الفرس, فأمر الشعراء أن يقولوا فيه فبدرهم أبو العتاهية فقال:
جاء المشمر والأفراس يقدمها **** عفوا على رسله منها وما انبهرا
وخلف الريح حسرى وهي جامدة **** ومر يختطف الأبصار والنظرا
قال: فأجزل وصلته, وما جسر أحد بعد أبي العتاهية أن يقول شيئا.
ومنه قول الفرزدق في علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم أجمعين
يكاد يمسكه عرفان راحته **** ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم
وقول الشريف الرضي والغلو فيه مجازي:
أشكو ليالي غير معتبة **** أما من طول أو من القصر
تطول في هجركم وتقصر **** في الوصل فما تلتقي على قدر
يا ليلة كاد من تقاصرها **** يعثر فيه العشاء بالسحر
ومن الغلو المقبول بغير أداة التقريب قول أبي الطيب المتنبي في ممدوحه
عقدت سنابكها عليه عثيرا **** فلو ابتغى عنقا عليه أمكنا
معنى هذا البيت أن سنابك الخيل وهي أطراف الحوافر عقدت على هذا الممدوح عثيرا وهو الغبار حتى لو أراد أنه يمشي عليه عنقا لأمكن والعنق هو المشي السريع وانعقاد الغبار في الهواء حتى يمكن المشي عليه مستحيل عقلا وعادة إلا أنه تخيل حسن مقبول
وقد وقع للقاضي الأرجاني جمع فيه بين الشيئين الموجبين للقبول والتقريب وهما ما جرى بهما مجرى كاد والتخيل الحسن وذلك قوله
يخيل لي أن سمر الشهب في الدجا **** وشدت بأهدابي إليهن أجفاني
فقوله (يخيل) هي أداة التقريب, فإنه جعل المدعى توهما لا حقيقة وأما حسن التخييل فهو ما أدعاه من أنه لطول ليلة وشدة سهره يوقع في خياله أن الشهب محكمة بالمسامير لا تزول عن مكانها. وشدت أجفانه إليها بأهدابه لعدم انطباقها والتقائها, فجعل الأهداب بمنزلة الحبال. ولا خفاء بما في هذا التخييل من الحسن
ـــ وأما الغلو الذي هو غير مقبول فكقول أبي نواس
فلما شربناها ودب دبيبها **** إلى موضع الأسرار قلت لها قفي
مخافة أن يسطو علي شعاعها **** فيطلع ندماني على سري الخفي
قالوا إن سطوة شعاع الخمر عليه بحيث يصير جسمه شفافا يظهر لنديمه ما في باطنه لا يمكن عقلا ولا عادة
ومنه قول بعضهم
أسكر بالأمس إن عزمت على **** الشرب غدا إن ذا من العجب
فسكره بالأمس بسبب عزمه على الشرب غدا مما لا يمكن عقلا ولا عادة أيضا
ومنه قول أبي نواس
وأخفت أهل الشرك حتى إنه **** لتخافك النطف التي لم تخلق
وهذا الذي قاله أبو نواس أيضا أمر مستحيل فإن قيام العرض الموجود وهو الخوف بالمعدوم وهي النطف التي لم تخلق لا يمكن عقلا ولا عادة ومن ألطف ما يحكى هنا أن العتابي الشاعر لقي أبا نواس فقال له أما تستحي من الله بقولك وأخفت أهل الشرك البيت فقال له أبو نواس وأنت أيضا ما استحيت من الله بقولك
ما زلت في غمرات الموت مطرحا **** يضيق عني وسيع الرأي من حيل
فلم تزل دائبا تسعى بلطفك لي **** حتى اختلست حياتي من يدي أجلي
فقال العتابي قد علم الله وعلمت أن هذا ليس مثل قولك ولكنك أعددت لكل سؤال جوابا
ومنه قول بعضهم
قد كان لي فيما مضى خاتم **** واليوم لو شئت تمنطقت به
وذبت حتى صرت لو زج بي **** في مقلة النائم لم ينتبه
ومثل هذا أيضا لا يقبله العقل ولا عليه رونق القبول
ومراتب الغلو تتفاوت إلى أن تؤول بقائلها إلى الكفر فمن ذلك قول ابن دريد
مارستُ من لوْ هَوَتِ الأفلاك من **** جوانب الجوّ عليه ما شكا
يعني أنه تحدّى المهالك ومحن الدهر بصلابة وقوة حتى أنه لو سقطت عليه الأفلاك ما تألّم ولا شكا
قيل إنه لأجل هذا البيت والإدّعاء العظيم الذي ادعى فيه ابتلي بمرض كان فيه يخاف من الذباب أن يقع عليه
ومنه قوله
ولو حمى المقدار عنه مهجة **** لرامها أو تستبيح ما حمى
تغدو المنايا طائعات أمره **** ترضى الذي يرضى وتأبى ما أبى
ومثله قول أبي الطيب
كأني دحوت الأرض من خبرتي بها **** وكأن بنى الإسكندر السد من عزمي
هذا أيضا من الغلو الذي يؤدي إلى سخافة العقل مع ما فيه من قبح التركيب وبعده عن البلاغة
وأقبح من هذا كله قول عضد الدولة
ليس شرب الراح إلا في المطر **** وغناء من جوار في السحر
غانيات سالبات للنهى **** ناغمات من تضاعيف الوتر
مبرزات الكأس من مطلعها **** ساقيات الراح من فاق البشر
عضد الدولة بان ركنها **** ملك الأملاك غلاب القدر
روي أنه لم يفلح بعد هذا القول وكان لا ينطق إلا بقوله تعالى ( ما أغنى عني ماليه هلك عني سلطانيه )
والشعراء المشهورون بالاستكثار من الغلو المردود والقبيح: أبو نواس وأبو الطيب المتنبي, وابن هاني الأندلسي وهو أشهرهم بذلك, وأبو العلاء المعري, والمتأخرين ابن النبيه.
فمن غلو أبي نواس القبيح قوله يمدح الفضل بن العباس:
يداه في الأرض والسماء فما **** تجوز قطريه كف مخلوق
وقوله في الرشيد:
فلا يتعذرن عليك عفو **** وسعت به جميع العالمينا
وهذا إنما هو عفو الله سبحانه لا عفو الرشيد.
وقوله فيه أيضاً:
يا ناق لا تسأمي أو تبلغي ملكا **** تقبيل راحته والركن سيان
وقوله في الغزل:
متتايه بجماله صلف **** لا يستطاع كلامه تيها
للحسن في وجناته بدع **** ما إن ميل الدرس قاريها
لو كانت الأشياء تعقله **** أجللته إجلال باريها
قال أبو منصور الثعالبي في يتيمة الدهر عند ذكره ما نعي على أبي الطيب المتنبي من معائب شعره ومقابحه: منها الإفصاح عن ضعف العقيدة, ورقة الدين. على أن الديانة ليست عيارا على الشعر, ولا سوء الاعتقاد سببا لتأخر الشعر, ولكن الإسلام حقه من الإجلال الذي لا يسوغ الإخلال به, قولا وفعلا ونظما ونثرا, ومن استهان بأمره, ولم يضع ذكره وذكر ما يتعلق به في موضع استحقاقه فقد باء بغضب من الله تعالى, وتعرض لمقته في وقته.
ــ وأنا أستغفر الله تعالى من إثبات هذه الأشياء، فليحذر الأديب الأريب الوقوع في مثل ذلك، وما ذكرته هنا إلا لمعفة الغلوّ المفرط الغير مقبول، ولأن علماء البديع تطرقوا له وعابوه، وليتجنب الأديب هذه المسالك فإن صدور مثل ذلك من الشاعر منقصة في دينه, ولا يعود عليه منه إلا المقت من رحمة الله وخلقه. (ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب) ـــ .
المصادر:
كتاب البديع في البديع لابن المعتز ت247ه
العمدة في محاسن الشعر لابن رشيق القيرواني ت390ه
زهر الآداب للحصري القيرواني ت453ه
خزانة الأدب لابن حجة الحموي ت837ه
أنوار الربيع في أنواع البديع لابن معصوم الحسني ت1119ه
جمع وإعداد وتقديم: محمد أبورزق
يُتبع

[ الإيغال ]



اللغة العربية: إبداع وإمتاع وإقناع
علم البديع
دروس مهمة لكل شاعر وكاتب وأديب
الدرس الثامن والثمانون (88) 
[ الإيغال ] 
الإيغال في اللغة: مصدر وغل في البلاد، إذا ذهب وبالغ وأبعد فيها،وفي الاصطلاح: هو ختم الكلام نثرا كان أو نظما بما يفيد نكتة يتم المعنى بدونها،
ومعنى ذلك أن المتكلم أو الشاعر إذا انتهى إلى آخر القرينة أو البيت إستخرج سجعة أو قافية يريد معنى زائدا أو كُلّا منهما، فكأن المتكلم أو الشاعر قد تجاوز حد المعنى الذي هو آخذ فيه وبلغ مراده فيه إلى زيادة عن الحد. 
وهذا النوع مما فرّعه قدامة وفسره بأن قال هو أن يستكمل الشاعر معنى بيته بتمامه قبل أن يأتي بقافيته فإذا أراد الإتيان بها ليكون الكلام شعرا أفاد بها معنى زائدا على معنى البيت
والفرق بين الإيغال والتتميم أن التتميم يأتي إلى المحتاج فيتممه كقول الشاعر وقد تقدم 
أناس إذا لم يقبل الحق منهم **** ويعطوه غاروا بالسيوف القواضب 
فإن المعنى بدون قوله ويعطوه ناقص والإيغال لا يرد إلا على المعنى التام فيزيده كمالا ويفيد فيه معنى زائدا.
والفرق بين الإيغال والتكميل من وجهين:
أحدهما: أن التكميل يؤتى به لإفادته معنى آخر يكمل المعنى الأول كما مر في بابه، والإيغال يؤتى به لإفادته نكتة في ذلك المعنى بعينه، كما سيأتي في الأمثلة. 
الثاني: أن التكميل قد يكون في أثناء الكلام، وقد يكون في آخره، والإيغال لا يكون إلا ختما للكلام. 
والإيغال يكون في النثر والشعر:
فمن شواهد الإيغال في النثر:
قوله تعالى: "أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين", فقوله: وما كانوا مهتدين, إيغال تم المعنى بدونه أفاد به زيادة المبالغة في ضلالتهم, لأن مطلوب التجار في متصرفاتهم سلامة رأس المال, وحصول الربح, وربما تضيع الطلبات ويبقى لهم معرفة التصرف في طريق التجارة, فيهتدون بطرق المعاش, وهؤلاء قد أضاعوا الطلبتين لاشتراكهم الضلالة بالهدى, وعدم حصول الربح, وضلوا الطرق أيضاً فدمروا تدميرا, وقوله تعالى "قال يا قوم اتبعوا المرسلين. اتبعوا من لا يسألكم أجرا وهم مهتدون" فإن قوله: وهم مهتدون, مما يتم المعنى بدونه, لأن الرسول مهتد لا محالة, لكنه إيغال أفاد زيادة حث على الإتباع وترغيب في الرسل, لا تخسرون معهم شيئا في دنياكم, وتربحون صحة دينكم, فينتظم لكم خير الدنيا والآخرة.
وقوله تعالى ( أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون ) فإن الكلام تم بقوله تعالى ( ومن أحسن من الله حكما ) ثم احتاج الكلام إلى فاصلة تناسب القرينة الأولى فلما أتى بها أفاد معنى زائدا ومثله قوله تعالى ( ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين ) فإن المعنى تم بقوله تعالى ( ولا تسمع الصم الدعاء ) ثم أراد وهو أعلم إتمام الكلام بالفاصلة فقال ( إذا ولوا مدبرين). 
وبهذا يظهر بطلان قول من زعم أن هذا النوع خاص بالشعر
ومن شواهده في الشعر:
قول الخنساء:
وإن صخرا لتأتم الهداة به **** كأنه علم في رأسه نار
فإن قولها: كأنه علم واف بالمقصود, وهو تشبيه بما هو معروف بالهداية, لكنها أتت بقولها: في رأسه نار, إيغالا لزيادة المبالغة,
وهذه المرأة لم ترض لأخيها أن يأتم به جهال الناس حتى جعلته يأتم به أئمة الناس وهذا تتميم ولم ترض تشبيهه بالعلم وهو الجبل المرتفع المعروف بالهداية حتى جعلت في رأسه نارا 
وقد حكي عن الأصمعي أنه سئل من أشعر الناس فقال الذي يأتي إلى المعنى الخسيس فيجعله بلفظه كثيرا وينقضي كلامه قبل القافية فإن احتاج إليها أفاد معنى زائدا فقيل له نحو من فقال : نحو الأعشى إذ يقول:
كناطح صخرة يوما ليفلقها ... فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل
فقد تم المثل بقوله: وأوهى قرنه، فلما احتاج إلى القافية قال " الوعل " قال: قلت: وكيف صار الوعل مفضلا على كل ما ينطح؟ قال: لأنه ينحط من قنة الجبل على قرنه فلا يضيره، قال: قلت: ثم نحو من؟ قال: نحو ذي الرمة بقوله:
قف العيس في أطلال مية واسأل ... رسوماً كأخلاق الرداء المسلسل
فتمم كلامه، ثم احتاج إلى القافية فقال " المسلسل " فزاد شيئاً، وقوله:
أظن الذي يجدي عليك سؤالها ... دموعاً كتبديد الجمان المفصل
فتمم كلامه، ثم احتاج إلى القافية فقال " المفلل " فزاد شيئاً أيضاً.
والفاتح لأبواب هذا المعني ومبتكره هو امرؤ القيس حيث قال: 
كأن عيون الوحش حول خبائنا **** وأرحلنا الجزع الذي لم يثقب 
شبه عيون الوحش حول خبائهم وأرحلهم بالجزع -وهو بالفتح-: الخرز اليماني الذي فيه سواد وبياض تشبه به العيون, وهو واف بالغرض من التشبيه, لكنه أتى بقوله: لم يثقب, إيغالا وتحقيقا للتشبيه, لأن الجزع إذا كان غير مثقوب كان أشبه بالعيون. قال الأصمعي: الظبي والبقرة إذا كانا حيين فعوينهما كلها سواد, وإذا ماتا بدا بياضها, وإنما شبهها بالجزع وفيه بياض وسواد بعدما موتت. والمراد كثرة الصيد, يعني لكثرة ما أكلنا منه كثرت العيون عندنا.
ومثله قول زهير 
كأن فتات العهن في كل منزل **** نزلن به حب الفنا لم يحطم 
ومعنى قول زهير انتهى في كلامه إلى قوله حب الفنا وزيادة المعنى في قوله لم يحطم فيها نكتة بديعية غريبة على ما قرره الأصمعي وما ذاك إلا أن زهيرا شبه ما تفتت من العهن بحب الفنا والفنا شجر ثمره حب أحمر وفيه نقط سود وقال الفراء هو عنب الثعلب فلما قال زهير بعد تمام معنى بيته لم يحطم أراد أن يكون حب الفنا صحيحا لأنه إذا كسر ظهر له لون غير الحمرة 
وقول الأعشى يصف امرأة:
غراء فرعاء مصقول عوارضها **** تمشي الهوينا كما يمشي الوجى الوحل
فأوغل بقوله " الوحل " بعد أن قال " الوجى " "
وكان الرشيد كثير العجب بقول صريع الغواني:
إذا ما علت منا ذؤابة شارب **** تمشت به مشى المقيد في الوحل
ويقول: قاتله الله! ما كفاه أن جعله مقيداً حتى جعله في وحل
ومن الإيغال قول الطرماح العقيلي يصف فرساً بسعة المنخر:
لا يكتم الربو إلا ريث يخرجه **** من منخر كوجار الثعلب الخرب
فكونه كوجار الثعلب غاية في المبالغة، فكيف إذا كان خرابا؟.
وأنشد الجاحظ:
ألوي حيازيمي بهن صبابة **** كما تتلوى الحية المتشرق
فقوله " الحية المتشرق " إيغال؛ لأنه أشد لتلويه.
وكذلك قول جرير:
بات الفرزدق عائراً وكأنه **** قعو تعاوره السقاة معار
وإذا كان معاراً كان أشد لاستعماله وأقل للتحفظ عليه.
وقال جميل:
إني لأكتم حبها إذ بعضهم **** فيمن يحب كناشد الأغفال
" الناشد " طالب الضالة، وإذا كانت غفلاً ليس فيها سمة كان أشد للبحث عليها، وأكثر للسؤال والذكر.
ومن أحسن إيغال المحدثين قول مروان بن أبي حفصة:
هم القوم: إن قالوا أصابوا، وإن دعوا **** أجابوا، وإن أعطوا أطابوا وأجزلوا
فقوله " وأجزلوا " قد أتى به في نهاية الحسن.
وكذلك قول بشار بن برد:
وغيران من دون النساء كأنه **** أسامة ذو الشبلين حين يجوع
فقوله " حين يجوع " إيغال حسن.
وأسامة: من أسماء الأسد
وقال ابن المعتز:
وداع دعا والليل بيني وبينه **** فكنت مكان الظن منه وأعجلا
فقوله " وأعجل " زيادة وصف، وإيغال ظاهر.
وقال أبو الطيب في رثاء أم سيف الدولة:
مشى الأمراء حَوْليْها حفاة **** كأنّ المِروَ مِن زِفِّ الرئال
" فالزف ": أصغر الريش وألينه، ولا سيما النعام، ولم يرض بذلك حتى جعله زف الرئال، شبه به المرو وهو ما صغر من الحصى وحد فهذا فوق كل مبالغة وإيغال.
ومن هذا نوع يسمى الاستظهار، وهو قول ابن المعتز لابن طباطبا العلوي أو غيره:
فأنتم بنو بنته دوننا **** ونحن بنو عمه المسلم
فقوله " المسلم " استظهار؛ لأن العلوية من بني عم النبي عليه الصلاة والسلام أيضاً أعني أبا طالب ومات جاهلياً، فكأن ابن المعتز أشار بحذقه إلى ميراث الخلافة.
وبيت الشيخ صفي الدين الحلي في بديعيته يقول فيه عن النبي
كأن مَرْآهُ بدر غير مستتر **** وطيب رياه مسك غير مكتتم
الإيغال مع الشيخ صفي الدين في غير مستتر وغير مكتتم
وبيت الشيخ عز الدين الموصلي في بديعيته يقول فيه عن النبي
أضحت أعاديه في الأقطار طائرة **** وأوغلت في الهوى خوفا مع العصم
قال الشيخ عز الدين في شرحه إن الإيغال الذي أفاد في بيته معنى زائدا بعد تمامه قوله خوفا مع العصم وذكر أن العصم هي الجوارح من الطيور التي تفرخ في العوالي والله أعلم
وبيت بديعية ابن حجة أشار فيه إلى النبي بقوله
للجود في السير إيغال إليه وكم **** حبا الأنام بود غير منصرم
الإيغال في قوله: غير منصرم، ولكن عابوا عليه استعارة السير والإيغال للجود وقالوا لا وجه لها، لأن الجود من الغرائز، والغريزة طبيعة لا تنفك عن الإنسان حتى تسير إليه، أو توغل في سيرها إليه، وهذا من الغلط في الكلام..
وبيت بديعية الطبري قوله:
هو الكريم بإيغال فلست ترى **** أمد منه عطاء غير منحسم
الإيغال في قوله: غير منحسم
وبيت بديعية ابن معصوم قوله:
ما أوغل الفكر في قولي بمدحته **** إلا وجاء بعقد غير منفصم
الإيغال فيه قوله: غير منفصم. والله أعلم.
المصادر:
كتاب البديع في البديع لابن المعتز ت247ه
العمدة في محاسن الشعر لابن رشيق القيرواني ت390ه
زهر الآداب للحصري القيرواني ت453ه
خزانة الأدب لابن حجة الحموي ت837ه
أنوار الربيع في أنواع البديع لابن معصوم الحسني ت1119ه
جمع وإعداد وتقديم: محمد أبورزق
يُتبع