musique

السبت، 29 سبتمبر 2018

نازلة ماستر النوازل وتدنيس العربية

كلية الآداب / مراكش
نازلة ماستر النوازل وتدنيس العربية
الجملة الأولى في هذا الإعلان كافية لغسل اليدين على ماستر النوازل ومنسقه ولجنته البيداغوجية وعلى العميد المؤقت ...إذ الجملة إياها تدنيس للغة العربية. وهؤلاء الذين يدنسون اللغة على هذه الشاكلة، هل في إمكانهم فتح ماستر وتكوين طلبة يشهد لهم الجميع بالكفاءة. وما حاجة هؤلاء الطلبة لأساتذة لايتقنون لغة القرآن وعلوم الآلة...
والمسألة التي يخبر بها الإعلان، هي نفسها نازلة من النوازل الجامعية المعاصرة. بل إنها صيغة من صيغ ارتكاب الكبيرة، إذ ما معنى ودلالة أن ينجح طالب واحد؟ ألا يدل ذلك على فساد التكوينات خلال سنوات الإجازة؟ ثم ألا يعني أن أساتذة شعبة الدراسات الإسلامية لم يستطيعوا في امتداد سنوات الإجازة تكوين طلبة مؤهلين ليصيروا باحثين بسلك الماستر؟!
العدد المطلوب لفتح التكوين في سلك الماستر هو عشرون طالبا، فما معنى ألا تستطيع شعبة الدراسات الإسلامية تكوين 20 طالبا في أفق الماستر؟! هل يقتضي هذا الأمر عدم فتح التكوين خلال الموسم الجامعي 2019- 2018 أم يقتضي إغلاق الشعبة إلى الأبد؟!
وعند استحضار الكثير من ملفات الفساد المرتبطة بمنسق هذا الماستر ، ابتداء من نهب الهبة المخصصة لبناء المسجد بالكلية خلف قاعات الماستر، وصولا إلى تزوير ملف ترقيته الإدارية على حساب أستاذ آخر من الشعبة نفسها، وكذا تورطه في تزوير الكثير من ملفات ترقية أساتذة التعليم العالي بتواطئ مع العميد المؤقت ، يمكن طرح أسئلة من طينة أخرى: هل تريد اللجنة البيداغوجية لهذا الماستر بنية بحث لتكوين الطلبة وتأطيرهم علميا، أم تريد جماعة من الراشين ومنظمي الحفلات والولائم ومانحي الهبات والأعطيات؟ أم أنها ترغب في حفنة من المريدين والخدم والمتملقين؟ وهل تريد طلبة باحثين حقيقيين أم تريد جماعة من المترفين صالحة للتعيش منها؟ ...هكذا يمكن أن تتناسل الأسئلة إلى ما لا نهاية . وإجاباتها واضحة في سياق الفساد العميم الذي ينيخ بكلكله على كلية الأداب بمراكش. ومن الأكيد أن اللجنة المنسق ولجنته البيداغوجية يريدان ما لايريده الباحثون الحقيقيون.
أكثر من سبعمائة طالب تقدموا لماستر النوازل، وهم ينتمون للكثير من شعب الدراسات الإسلامية في الكثير الكليات والجامعات . نجح طالب واحد!؟! وهذه أكبر النوازل وأفظعها. فما رأي مدرس فقه المواريث في هذه الكبيرة التي لا يستطيع الشيطان نفسه ارتكابها؟ وأمام هذا الوضع الكارثي، لماذا لأي طرح أساتذة الدراسات الإسلامية السؤال بصدد شرعية وجودهم؟

الجمعة، 28 سبتمبر 2018

[ التوشيح ]

اللغة العربية: إبداع وإمتاع وإقناع
علم البديع
دروس مهمة لكل شاعر وكاتب وأديب
الدرس الثامن والثلاثون (38)
[ التوشيح ]
إتفق علماء البديع على أن التوشيح أن يكون معنى أول الكلام دالا على لفظ آخره، ولهذا سمّوه التوشيح فإنه ينزل فيه المعنى منزلة الوشاح، وينزل أول الكلام وآخره منزلة محل الوشاح من العاتق والكشح اللذين يجول عليهما الوشاح، وهذا النوع فرعه قدامة بن جعفر من ائتلاف القافية مع ما يدل عليه سائر البيت وقال فيه: التوشيح هو أن يكون في أول البيت معنى إذا فهم فهمت منه قافية البيت بشرط أن يكون المعنى المقدم بلفظه من جنس معنى القافية بلفظه.
ومن أعظم الشواهد على هذا النوع قوله تعالى: (إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين) فإن إصطفى يدل على أن الفاصلة (العالمين) لا باللفظ، لأن لفظ العالمين غير لفظ إصطفى ولكن بالمعنى، لأنه يعلم من لوازم إصطفاء شيء أن يكون مختارا على جنسه، وهؤلاء المصطفون من جنس العالمين
وقوله تعالى: (وآية لهم الليل نسلخ منه النهار فإذا هم مظلمون) .
قال ابن أبي الإصبع: فإن من كان حافظا لهذه السورة ـ أي سورة يس ــ متفطنا إلى أن مقاطع آيها النون، وسمع في صدر الآية انسلاخ النهار من الليل علم أن الفاصلة (مظلمون) لأن من انسلخ النهار عن ليله أظلم أي دخل في الظلمة.
ومن الأمثلة الشعرية قول الراعي النميري
فإنْ وُزِنَ الحصى ووزنتُ قومي **** وجدت حصى ضريبتهم رزينا
فإن السامع إذا فهم أن الشاعر أراد المفاخرة برزانة الحصى وتحقق أن القافية مجردة مطلقة رويها النون وحرف إطلاقها الألف ورأى في صدر البيت ذكر الزنة تحقق أن تكون القافية رزينا ليس إلا.
ونحوه قول الفرزدق من قصيدته التي أجاب بها جريرا:
فأغْلَقَ من وراءِ بني كُليْبٍ **** عَطِيَةُ من مَخازي اللؤمِ بابا
فإن السامع إذا تحقق أن القافية مجردة منطلقة رويها الباء وحرف إطلاقها الألف، ورأى في صدر البيت ذكر الإغلاق، لم يعتره شك في أن القافية (بابا) .
ومن عجائب أمثلة هذا النوع ما حكي عن عمر بن أبي ربيعة أنه أنشد عبد الله بن العباس رضي الله عنهما
تشط غدا دار جيراننا ...
فقال له عبد الله
وللدار بعد غد أبعد ...
فقال عمر: هكذا والله قلت فقال عبد الله بن العباس: وهكذا يكون.
ويقرب من هذه القصة قصة عدي بن الرقاع حين أنشد الوليد بن عبد الملك بحضرة جرير والفرزدق قصيدته التي مطلعها: عرف الديار توهما فاعتادها، حتى انتهى إلى قوله: تزجي أغن كأن إبرة روقه
ثم شغل الوليد عن الاستماع فقطع عدي الإنشاد فقال الفرزدق لجرير ما تراه يقول فقال جرير أراه يستلب بها مثلا
فقال الفرزدق إنه سيقول: قلم أصاب من الدواة مدادها
فلما عاد الوليد إلى الاستماع وعاد عدي إلى الإنشاد قال البيت
فقال الفرزدق والله لما سمعت صدر بيته رحمته فلما أنشد عجزه انقلبت الرحمة حسدا
ومنها قول الشريف الرضى
يا عذبة المبسم بُلِّي الجوى **** بنهلة من ريقك البارد
أرى غديراً شَبِماً ماؤُه **** فهل لذاك الماء من وارد
من لي به من عسل ذائب **** يجري خلال البرد الجامد
وقول أمية بن (أبي) الصلت:
أأذكر حاجتي أم قد كفاني ... حياؤك إن شيمتك الحياء
وعلمك بالأمور وأنت قرم ... لك الحسب المهذب والبناء
كريم لا يغيره صباح ... عن الخلق السني ولا مساء
الشاهد في البيت الثالث، فإن السامع إذا سمع صدره وقد عرف القافية لا يختلجه شك في أن القافية (مساء) .
وقول أبي فراس الحمداني:
ولما ثار سيف الدين ثرنا **** كما هيجت آسادا غضابا
أسنته إذا لاقى طعانا **** صوارمه إذا لاقى ضرابا
دعانا والأسنة مشرعات **** فكنا عند دعوته الجوابا
الشاهد في البيت الثالث أيضاً وهو ظاهر.
وقول أبي عبادة البحتري: والشاهد في البيت الثالث أيضاً:
ما لي وللأيام صرف صرفها **** حالي وأكثر في البلاد تقلبي
أمسي زميلا للظلام وأغتدي **** ردفا على كفل الصباح الأشهب
فأكون طورا مشرقا للمشرق **** الأقصى وطورا مغربا للمغرب
فإن صدر البيت يدل دلالة بينة على أن القافية (مغرب) .
وما أحسن قوله بعده، وهو من أبياته السائرة:
وإذا الزمان كساك حلة معدم **** فالبس لها حلل النوى وتغرب
وبيت صفي الدين الحلي:
هم أرضعوني ثدي الوصل حافلة **** فكيف يحصل منها حال منفطمي
فقد صدر بيت التوشيح بذكر الرضاع والثدي فما يخفى أن تكون القافية منفطما إلا على كل أجنبي من هذا العلم
المصادر:
كتاب البديع في البديع لابن المعتز ت247ه
العمدة في محاسن الشعر لابن رشيق القيرواني ت390ه
زهر الآداب للحصري القيرواني ت453ه
خزانة الأدب لابن حجة الحموي ت837ه
أنوار الربيع في أنواع البديع لابن معصوم الحسني ت1119ه
جمع وإعداد وتقديم: محمد أبورزق
يُتبع

الخميس، 27 سبتمبر 2018

[ الهجو في معرض المدح ]

اللغة العربية: إبداع وإمتاع وإقناع
علم البديع
دروس مهمة لكل شاعر وكاتب وأديب
الدرس السابع والثلاثون (37)
اللغة العربية: إبداع وإمتاع وإقناع
مراجعة الدروس السابقة مع تلخيصها
الجزء الثالث:
(الهجو في معرض المدح، الإلتفات،الإفتنان، التخيير، الإبهام، إرسال المثل، المراجعة).
11 [ الهجو في معرض المدح ]
الهجو في معرض المدح: وهو أن يقصد المتكلم هجاء إنسان فيأتي بألفاظ موجهة ظاهرها المدح وباطنها القدح فيوهم أنه يمدحه وهو يهجوه كقول الحماسي
يُجزُون من ظلم أهل الظلم مغفرةً **** ومن إساءة أهل السوء إحسانا
كأن ربك لم يخلق لخشيته **** سواهم من جميع الناس إنسانا
فليت لي بهم قوما إذا ركبوا **** شنوا الإغارة فرسانا وركبانا
فظاهر هذا الكلام المدح بالحلم والعفة والخشية والتقوى وباطنه المقصود أنهم في غاية الذل وعدم المنعة.
ومعنى هذه الأبيات: أنّ الذي يغفر لمن ظلمه ويحسن لمن أساء إليه أنه ذليل حقير مهان، لا يقدر على دفع الظلم والسوء، فأنت إذا قرأت الأبيات ظهر لك أنا مدح لهم ولكن باطنها وحقيقتها هي ذم وهجو لهم.
أما قوله في البيت الأخير: فليت لي بهم قوما إذا ركبوا
إذا قرأته تظن أنه يقصد أنه يتمنى أن يتخذهم قوما يشن بهم الغارات، ولكن الحقيقة أنه يتمنى أن لو كان له قوم غيرهم فيشن عليهم الغارة لحقارتهم وذلهم.
12 [ الإلتفات ]
الإلتفات - مأخوذ من إلتفات الإنسان من يمينه إلى شماله، ومن شماله إلى يمينه، وهو عند الجمهور: التعبير عن معنى بطريق من الطرق الثلاثة، أعني: التكلم والخطاب والغيبة، بعد التعبير عنه بطريق آخر منها.
وفسر قدامة بن جعفر الإلتفات بأن قال: هو أن يكون المتكلم آخذا في معنى فيعترضه إما شك فيه أو ظنَّ أن رادّاً يردُّه عليه أو سائلا يسأله عن سببه فيلتفت إليه بعد فراغه منه فإما أن يجلي الشك أو يؤكده أو يذكر سببه.
ومن خلال التعاريف يبدو أن الإلتفات ينقسم إلى نوعين::
النوع الأول: وهو التعبير عن المعنى بأحد الطرق الثلاثة، وهي التكلم، والخطاب والغيبة،
وأقسامه ستة:
أ) الإلتفات من الغيبة إلى الخطاب، ب) الإلتفات من الخطاب إل الغيبة.
جـ ) الإلتفات من الغيبة إلى التكلم، د) الإلتفات من التكلم إلى الغيبة.
ه) الإلتفات من الخطاب إلى التكلم، و) الإلتفات من التكلم إلى الخطاب.
ومثاله قوله تعالى: (الحمد لله رب العالمين) إلى قوله (إياك نعبد وإياك نستعين) فالتفت من الغيبة إلى الخطاب
مثاله قوله تعالى: (حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم) والأصل بكم، فلتفت من الخطاب إلى الغيبة
الإلتفات من الغيبة إلى التكلم، ومثاله قوله تعالى: (والله الذي أرسل الرياح فتثير سحاباً فسقناه إلى بلد ميتٍ) والأصل (فساقه) .
والأنواع الأخرى تقاس على ذلك وأمثلتها كثيرة في القرآن والشعر.
النوع الثاني من الإلتفات وقد يطلق على معنيين:
المعنى الأول: تعقيب الكلام بجملة مستقلة متلافية له في المعنى، على طريق المثل أوالدعاء أو نحوهما كما في قوله تعالى: (وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا) وقوله تعالى: (ثم انصرفوا، صرف الله قلوبهم) .
والمعنى الثاني: أن تذكر معنىً فتتوهم أن السامع اختلجه شيء فتلتفت إلى كلام تزيل به إختلاجه، ثم ترجع إلى مقصودك، كقول الرماح ابن ميادة:
فلا صرمه يبدو وفي اليأس راحة **** ولا وصله يصفو لنا فنكارمه
كأنه لما قال: فلا صرمه يبدو، قيل له: وما تصنع به؟ فأجاب بقوله: وفي اليأس راحة، ولمّا قال: ولا وصله يصفو، قيل له وما تصنع به؟ أجاب: نكارمه.
13 [ الإفتنان ]
الإفتنان هو أن يفتن الشاعر فيأتي بفنين متضادين من فنون الشعر في بيت واحد فأكثر مثل النسيب والحماسة والمديح والهجاء والتهنئة والعزاء
ولا يختص بالنظم، بل يكون في النثر أيضاً كقوله تعالى: (كل من عليها فانٍ. ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام) فإنه جمع بين الفخر والتعزية، فعزى سبحانه جميع المخلوقات من الإنس والجن والملائكة وسائر أصناف ما هو قابل للحياة، وتمدَّح بالبقاء بعد فناء الموجودات في عشر كلمات، مع وصفهِ ذاتَه بعد انفراده بالبقاء، بالجلال والإكرام.
والجمع بين التهنية والتعزية في باب الافتنان أصعب مسلكاً من الجمع بين غيرهما من فنون الكلام، لشدة ما بينهما من التناقض.
ومما جمع فيه من النظم بين التهنئة والتعزية قول بعض الشعراء ليزيد بن معاوية لما دفن أباه وجلس للتعزية
إصبر يزيد فقد فارقت ذا ثقة **** واشكر حباء الذي بالملك أصفاكا
لا رزء أصبح في الإسلام نعلمه **** كما رزئت ولا عقبى كعقباكا
ومن أظرف ما وقع في هذا النوع أن ابن حجاج جمع في الافتنان بين التعزية والمدح المؤدي إلى التهكم بقوله في تعزية بعض الرؤساء بأبيه في بيت واحد وهو
أبوك قد جمّل أهل الثرى **** فجمّل الله به المقبره
ومن الافتنان بالهجو والمدح، قول ربيعة في يزيد بن حاتم، يفضله على يزيد بن أسيد وكان في لسانه تمتمة، فعرض بها في هذه الأبيات:
لشتّان ما بين اليزيدين في الندى **** يزيد سليم والأغر ابن حاتمِ
فهم الفتى الأزدي أتلاف ماله **** وهم الفتى القيسي جمع الدراهم
فلا يحسب التمتام أني هجوته ****ولكنني فضلت أهل المكارم
وهذا من أشد أنواع الهجاء، وهو الذي يسمى بالمقذع.
14 [ التخيير ]
التّخْيير هو أن يأتي الشاعر ببيت يسوغ فيه أن يقفي بقواف شتى فيتخير منها قافية يرجحها على سائرها تدل على حسن اختياره، لكونها أنسب وأمكن من غيرها.
كقول الحريري:
إن الغريب الطويل الذيل ممتهن **** فكيف حال غريب ما له قوت
فإنه يسوغ أن يقال ما له مال ما له سبب ما له أحد ما له قوت فإذا تأملت ما له قوت وجدتها أبلغ من الجميع وأدل على القافية .
ولم يسمع في هذا النوع الطف من أبيات ديك الجن:
قولي لطيفك ينثني عن مضجعي عند المنام ... عند الرقاد عند الهجوع عند الهجود عند الوسن.
فعسى أنام فتنطفي نار تأجج في عظامي ... في فؤادي في ضلوعي في كبودي في البدن.
جسد تقلبه الأكف على الفراش من السقام ... من القتاد من الدموع من الوقود من الحزن.
أما أنا فكما علمت فهل لوصلك دوام ... من معاد من رجوع من وجود من ثمن.
فالأبيات جميعها تنتهي عند قافية الميم، لكنه أضاف قوافي أربع كلها تناسب المعنى ولك أن تختار منها ما تشاء، لكن الأولى أولى وأرجح.
وأما الشعر الذي على قافيتين فكثير جدا من ذلك قول ابن الرومي:
لم تؤذن الدنيا به من صروفها **** يكون بكاء الطفل ساعة يولد يوضع.
وإلا فما يبكيه منها وإنها **** لا فسح مما كان فيه وأرغد وأوسع.
إذا أبصر الدنيا استهل كأنه **** بما سوف يلقى من أذاها يهدد يفزع.
فلك أن تختار القافية الأولى قافية الدال، ولك أن تختار القافية الثانية قافية العين، ولكن الأولى أحسن وأرجح.
15 [ المراجعة ]
المراجعة- وسماها جماعة منهم الإمام فخر الدين الرازي: السؤال والجواب- عبارة عن أن يحكي المتكلم ما جرى بينه وبين غيره من محادثة، أو سؤال وجواب، بعبارة رشيقة وسبك لطيف، يستحلي ذوقه السمع، إما في بيت واحد أو في أبيات.
كقول عمر بن أبي ربيعة
بينما يَنْعتْنَني أبصَرْنَني **** مِثلَ قَيْدِ الرُّمْحِ يَعْدو بِيَ الأَغَرّْ
قالت الكبرى تُرى من ذا الفتى **** قالت الوسطى لها هذا عُمرْ
قالت الصغرى وقد تيَّمتها **** قد عرفناه وهل يَخفى القمرْ
وعلماء البديع أجمعوا على إستحسان قول وضاح اليمن من أبيات
قالت ألا لا تلجنَّ دارنا **** إن أبانا رجل غائر
قلت فإني طالب غُرّةً **** منه وسيفي صارم باتر
قالت فإن البحر ما بيننا **** قلت فإني سابح ماهر
قالت فإن القصر عاليَ البنا **** قلت فإني فوقه طائر
قالت فحولي إخوة سبعة **** قلت فإني غالب ظافر
قالت فليث رابض بيننا **** قلت فإني أسد عاقر
قالت أليس الله من فوقنا **** قلت بلى وهو لنا غافر
قالت فقد أعيَيْتَنا حيلة **** فأْتِ إذا ما هجع السامر
واسقُطْ علينا كسقوط الندى **** ليلة لا ناهٍ ولا آمر
المصادر:
كتاب البديع في البديع لابن المعتز ت247ه
العمدة في محاسن الشعر لابن رشيق القيرواني ت390ه
زهر الآداب للحصري القيرواني ت453ه
خزانة الأدب لابن حجة الحموي ت837ه
أنوار الربيع في أنواع البديع لابن معصوم الحسني ت1119ه
جمع وإعداد وتقديم: محمد أبورزق

الأربعاء، 26 سبتمبر 2018

الإستعارة، الإستطراد، المطابقة، المقابلة، الإستدراك. 1) الإستعارة

اللغة العربية: إبداع وإمتاع وإقناع
علم البديع
دروس مهمة لكل شاعر وكاتب وأديب
الدرس الخامس والثلاثون (35)
مراجعة الدروس السابقة مع تلخيصها
الجزء الأول:
الإستعارة، الإستطراد، المطابقة، المقابلة، الإستدراك.
1) الإستعارة
حقيقة الاستعارة: أن تُستعار الكلمة من شيء معروف بها إلى شيء لم يعرف بها، وحكمة ذلك إظهار الخفي، أو إيضاح الظاهر الذي ليس بجلي، أو حصول المبالغة أو المجموع.
وأركانها ثلاثة: المستعارمنه، والمستعار ، والمستعار له.
كقوله تعالى: (واشتعل الرأس شيبا)
فالنار مستعار منها والاشتعال مستعار والشيب مستعار له.
وأقسامها كثيرة باعتبارات:
فتنقسم باعتبار اللفظ إلى أصلية، وهي: ما كان اللفظ المستعار فيها اسم جنس، مثل: رأيت أسدا يرمي،
وتبعية، وهي: ما كان اللفظ فيها غير اسم الجنس كالفعل والمشتقات
مثل قوله تعالى: (فاصدع بما تؤمر) فإن المستعار منه صدع الزجاجة، وهو كسرها، والمستعار له تبليغ الرسالة
وتنقسم باعتبار آخر - غير اعتبار اللفظ والطرفين والجامع - إلى ثلاثة أقسام: مطلقة ومجردة ومرشحة.
المطلقة، هي ما لم تقرن بصفة ولا تفريع كلام مما يلائم المستعار أو المستعار منه نحو عندي أسد، والمراد بالصفة، الصفة المعنوية لا النعت.
والمجردة هي ما قرن بما يلائم المستعار كقول كثير:
غمر الرداء إذا تبسم ضاحكاً ... علقت بضحكته رقاب المالِ
فإنه استعار الرداء للعطاء، لأنه يصون عرض صاحبه كما يصون الرداء ما يلقى عليه، ثم وصفه بالغمر الذي يلائم العطاء لا الرداء، فنظر إلى المستعار له تجريداً للاستعارة.
والمرشحة هي ما قرن بما يلايم المستعار منه كقوله تعالى: (أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم) فإنه استعار الاشتراء للاستبدال والاختيار، ثم قرنها بما يلائم الاشتراء من الربح والتجارة، فنظر إلى المستعار منه.
وهناك أقسام أخرى للإستعارة غير ما ذكرناه.
والإستعارة إنما هي من إتساع العرب في الكلام اقتدارا وليس ضرورة، لأن ألفاظ العرب أكثر من معانيهم، وليس ذلك في لغة أحد من الأمم غيرهم.فإنما استعاروا مجازا واتساعا، لهذا تجد اللفظة الواحدة يُعبّر بها عن معان كثيرة نحو العين التي تكون جارحة وتكون الماء، وتكون الميزان، وتكون المطر الدائم،وتكون نفس الشيء وذاته، وتكون الدينار،وتكون الجاسوس، وغير ذلك.
2) الإستطراد
الإستطراد في اللغة مصدر إستطرد الفارس من قَرْنِه في الحرب وذلك أن يفرّ من بين يديه يوهمه الإنهزام ثم يعطف عليه على غرّة منه، وهو ضرب من المكيدة. وفي الإصطلاح أن تكون في غرض من أغراض الشعر توهم أنك مستمر فيه ثم تخرج منه إلى غيره لمناسبة بينهما ولا بد من التصريح باسم المستطرَد به بشرط أن لا يكون قد تقدم له ذكر، ثم ترجع إلى الأول وتقطع الكلام فيكون المستطرد به آخر كلامك،
فمنه قوله تعالى في كتابه العزيز: ( ألا بعدا لمدين كما بعدت ثمود ) فذكرُ ثمودَ هو إستطراد.
وقيل إن أول شاهد ورد في هذا النوع وسار مسير الأمثال قول السموأل: [ من الطويل]
وإنّا لقوم لا نرى القتلَ سُبَّة **** إذا ما رأته عامر وسلول
فانظر إلى خروجه الداخل في الافتخار إلى الهجو وحسن عوده إلى ما كان عليه من الافتخار بقوله
يقرِّب حبُّ الموتِ آجالَنا لنا **** وتكرهُه آجالُهم فتطول
ومنه قول حسان بن ثابت رضي الله تعالى عنه: [من الكامل]
إنْ كُنتِ كاذبةَ الذي حدَّثْتِني **** فنجوتِ منْجَى الحارث بن هشام
تركَ الأحبّةَ أن يقاتِلَ دونهم **** فنجا برأس طِمرِّه ولجام
فانظر كيف خرج من الغزل إلى هجو الحرث بن هشام والحرث هو أخو أبي جهل أسلم يوم الفتح وحسن إسلامه ومات يوم اليرموك بالشام.
ــ ومعنى الطِمرُّ هنا : الفرس الجواد الشديد العدْو ــ
3) المطابقة
المطابقة يقال لها التطبيق والطباق، والمطابقة في اللغة أن يضع البعير رِجله في موضع يده، فإذا فعل ذلك قيل طابق البعير.
والمطابقة في الاصطلاح: الجمع بين الضدين في كلام أو بيت شعر، كالإيراد والإصدار، والليل والنهار، والبياض والسواد.
وأعظم الشواهد عليها قوله تعالى : ( وأنه هو أضحك وأبكى وأنه هو أمات وأحيى ) فطابق سبحانه وتعالى بين الضحك والبكاء، وبين الموت والحياة.
وكقول النبي صلى الله عليه وسلّم للأنصار رضي الله تعالى عنهم: ( إنكم لتكثرون عند الفزع وتقلون عند الطمع ) فانظر إلى هذه البلاغة النبوية والمناسبة التامة ضمن المطابقة، حيث طابق بين الكثرة والقلّة، وبين الفزع وهو التأهب للحرب وبين الطمع.
والمعجز الذي لا تصل إليه قدرة مخلوق قوله تعالى ( وما يستوي الأعمى والبصير ولا الظلمات ولا النور ولا الظل ولا الحرور وما يستوي الأحياء ولا الأموات ) فانظر إلى عظم هذه المطابقة وما فيها من الوجازة
ومن الشواهد الشعرية قول الحماسي: [من الطويل]
تأخرتُ أستبقي الحياة فلم أجد **** لنفسي حياة مثل أن أتقدما
فطابق بين التأخر والتقدم.
ــ ومن أنواع المطابقة: مطابقة السلب بعد الإيجاب، وهي المطابقة التي لم يصرح فيها بإظهار الضدين كقوله تعالى ( قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون ) فالمطابقة حاصلة بين إيجاب العلم ونفيه لأنهما ضدان
ومثله قول امرؤ القيس وهو السابق إلى هذا الميدان: [من الطويل]
جزعتُ ولم أجزع من البيْنِ مَجزعا ... وعَزّيتُ قلبا بالكواعب مولعا
فالمطابقة حاصلة بين إيجاب الجزع ونفيه،
ــ ومن أنواعها: إيهام المطابقة ، والشاهد على إيهام المطابقة قول دعبل: [من الكامل]
لا تَعجبِي يا سلمُ من رجل **** ضحك المشيب برأسه فبكى
فالضحك هنا من جهة المعنى ليس بضد البكاء لأنه كناية عن كثرة الشيب ولكنه من جهة اللفظ يوهم المطابقة
ــ ومن أنواعها: الملحق بالطباق وهو راجع إلى الضدين كقوله تعالى ( أشدّاءُ على الكفار رُحماءُ بينَهم ) طابق الأشداء بالرحماء لأن الرحمة فيها معنى اللين
ــ ومن أنواعها: طباق الترديد وهو أن ترد آخر الكلام المطابق على أوله فإن لم يكن الكلام مطابقا فهو من رد الإعجاز على الصدور ومنه قول الأعشى: [من البسيط]
لا يَرْقعُ الناسُ ما أوْهوا وإن جَهِدوا ... طولَ الحياة ولا يُوهُون ما رَقَعوا
وخلاصة القول: أن المطابقة التي يأتي بها الناظم مُجرّدة، ليس تحتها كبير أمر، ونهاية ذلك أن يطابق الضدَّ بالضدِّ وهو شيء سهل اللهم إلا أن تترشح بنوع من أنواع البديع يشاركه في البهجة والرونق،
ومثل ذلك قول امرئ القيس: [من الطويل]
مكر مفر مقبل مدبر معا ... كجلمود صخر حطه السيل من عل
فالمطابقة في الإقبال والإدبار، ولكنه لما قال (معاً) زادها تكميلا في غاية الكمال فإن المراد بها قرب الحركة في حالتي الإقبال والإدبار وحالتي الكر والفر فلو ترك المطابقة مجردة من هذا التكميل ما حصل لها هذه البهجة ولا هذا الموقع
4) المقابلة
المقابلة هي : التنظير بين شيئين فأكثر وبين ما يخالف وما يوافق
وهي أعمّ من المطابقة فإن التنظير بين ما يوافق ليس بمطابقة
والفرق بين المطابقة والمقابلة من وجهين أحدهما أن المطابقة لا تكون إلا بالجمع بين ضدين، والمقابلة تكون غالبا بجمع بين أربعة أضداد، ضدان في صدر الكلام وضدان في عجزه، وتبلغ إلى الجمع بين عشرة أضداد خمسة في الصدر وخمسة في العجز.
والثاني أن المطابقة لا تكون إلا بالأضداد، والمقابلة بالأضداد وغير الأضداد، ولكن بالأضداد أعلا رتبة وأعظم موقعا.
ومن معجزات هذا الباب قوله عز و جل ( ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله ) فانظر إلى مجيء الليل والنهار في صدر الكلام وهما ضدان ثم قابلهما في عجز الكلام بضدين وهما السكون والحركة على الترتيب.
ومن أمثلة صحة المقابلة في السنة الشريفة قول النبي صلى الله عليه وسلّم: ( ما كان الرفق في شيء إلا زانه ولا كان الخرق في شيء إلا شانه )
فانظر كيف قابل الرفق بالخرق والزين بالشين بأحسن ترتيب وأتم مناسبة
ومنه في النظم قول النابغة: [من الطويل]
فتى كان فيه ما يسرُّ صديقَه **** على أن فيه ما يسوء الأعاديا
وقد تكون المقابلة بين اثنين أو ثلاثة إلى أكثر من ذلك
ومن مقابلة أربعة بأربعة قوله تعالى ( فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى ) المقابلة بين قوله واستغنى وقوله واتقى لأن معناه زهد فيما عنده واستغنى بشهوات الدنيا عن نعيم الآخرة وذلك يتضمن عدم التقوى.
وفي النظم قول إبن حجة الحموي: [من البسيط]
قابلتُهم بالرِّضا والسِّلم منشرحا ... ولّوْا غِضابا فيا حرِبي لغيظهم
فقد أتى بلفظة قابلتهم في أول البيت وقابلها في الشطر الآخر بلفظة وَلّوْا ومقابلة بقية الأضداد من الرضا والغضب والسلم والحرب ظاهرة
وتمكين القافية بغيظهم ومقابلتها بالانشراح أظهر فإن القافية إذا كانت ممكنة وهي جارية في عداد المقابلات كانت من أعلى رتب هذا النوع
5) الإستدراك
الإستدراك - هو رفع توهم يتولد من الكلام السابق رفعاً شبيهاً بالاستثناء، وهو معنى: لكنْ.
ويشترط فيه هنا زيادة نكتة طريفة على معنى الاستدراك، لتحسنه وتدخله في البديع، وإلا فلا يعد منه
وهو قسمان. قسم يتقدم الاستدراك تقرير وتوكيد؛ أما لظفاً أو معنى لما أخبر به المتكلم، وهذا هو الأكثر الذي بنى عليه فحول أرباب البديعيات أبياتهم، وقسم لا يتقدمه ذلك.
فمن أمثلة الأول قول ابن الرومي : [من الوافر]
وإخوان تخذتهم دروعا **** فكانوها ولكن للأعادي
وخلتهم سهاما صائبات **** فكانوها ولكن في فؤادي
وقالوا قد صفت منا قلوب **** لقد صدقوا ولكن من ودادي
وقال ابن أبي الأصبع لم أسمع في هذا الباب أحسن من قول ابن دويدة المغربي يخاطب رجلا أودع بعض القضاة مالا فادعى القاضي ضياعه وهو: [من الكامل]
إن قال قد ضاعت فيصدق أنها **** ضاعت ولكن منك يعني لو تعي
أو قال قد وقعت فيصدق أنها **** وقعت ولكن منه أحسن موقع
وأما شواهد القسم الثاني وهو الذي لا يتقدم الاستدراك فيه تقرير ولا توكيد مثل قول زهير: [من الطويل]
أخو ثقة لا يُهلِك الخمرُ مالَه **** ولكنه قد يُهلِك المالَ نائلُه
ولا يخفى على الذوق السليم ما في بيت زهير من الزيادة على معنى الاستدراك بقوله ولكنه قد يهلك المال نائله
فإنه لو اقتصر على صدر البيت دل على أن ماله موفور وتلك صفة ذم فاستدرك ما يزيل هذا الاحتمال ويخلص الكلام للمدح المحض
ومنه قول المعري:
فيا دارها بالحزن إن مزارها **** قريب ولكن دون ذلك أهوالُ
ولا يخفى ما في هذا الاستدراك من الحسن والنكتة الزائدة على الاستدراك، فلو اقتصر على صدر البيت لدل على أن دارها قريبة والوصول إليها سهل، ولكنه إستدرك فقال: ولكن دون ذلك أهوال.
وتحضرني على ذكر بيت المعرّي طرفة ظريفة أختم بها هذه المراجعة، وهو أن أحدهم إلتقى فتاة حسناء على أحد جسور بغداد فقال لها: رحم الله ابن الجهم، فأجابته على البديهة رحم الله المعرّي، ومضى كل منهما إلى حال سبيله. فسأله أحد رفقائه عن السرّ في كلامهما فأجابه: قصدتُ بقولي رحم الله ابن الجهم، قوله:
عيون المها بين الرصافة والجسر **** جلبن الهوى من حيث أدري ولا أدري
وقصدت هي بقولها رحم الله المعرّي قوله:
فيا دارها بالحزن إن مزارها **** قريب ولكن دون ذلك أهوالُ
المصادر:
كتاب البديع في البديع لابن المعتز ت247ه
العمدة في محاسن الشعر لابن رشيق القيرواني ت390ه
زهر الآداب للحصري القيرواني ت453ه
خزانة الأدب لابن حجة الحموي ت837ه
أنوار الربيع في أنواع البديع لابن معصوم الحسني ت1119ه
جمع وإعداد وتقديم: محمد أبورزق
يُتبع

الاثنين، 24 سبتمبر 2018

[ الإبهام ]

اللغة العربية: إبداع وإمتاع وإقناع
علم البديع
دروس مهمة لكل شاعر وكاتب وأديب
الدرس الثالث والثلاثون (33)
[ الإبهام ]
الإبهام وسمّاه بعضهم: التوجيه، ومُحتَمَل الضدين، وهو: عبارة عن أن يقول المتكلم كلاما محتملا لمعنيين متضادين، لا يتميز أحدهما عن الآخر، كالمديح والهجاء وغيرهما، ولا يأتي بعده ما يميز المراد منهما، قصدا للإبهام.
وزاد بعضهم: وينبغي أن يكون المراد، أنه إذا جرد عن القرائن ولم ينظر إلى القائل والمقول فيه، كان احتماله للمعنيين على السوية،
ومثاله من الحديث قوله صلى الله عليه وآله وسلم، وقد ذُكِر عنده شريح الحضرمي وهو من الصحابة: ذاك رجل لا يتوسد القرآن. فيحتمل وجهين ذكرهما تعلب عن ابن الأعرابي:
أحدهما المدح: وهو أنه لا ينام الليل حتى يتوسد القرآن معه فيكون مدحا.
والثاني الذم: وهو أنه ينام ولا يتوسده معه أي لا يحفظه، فيكون ذما.
ومثله ما حكي أن جعيفران الموسوس تقدّم إلى يوسف الأعور القاضي بسامرّاء ، في شيء كان في يده من وَقْفٍ له، فدفعه عنه وقضى عليه، فقال جعيفران: أراني الله أيها القاضي عينيك سواء، فأمسك عنه وأمر برده إلى داره. فلما رجع أطعمه ووهب له دراهم، ثم دعا به فقال له: ما أردتَ بدعائك، أردت أن يرد الله علي من بصري ما ذهب؟ فقال له جعيفران: لئن كنتَ وهبت لي هذه الدراهم لأسخر منك لأنت المجنون، لا أنا، أخبرني كم من أعور رأيته قد عمي؟ فقال: كثير، فقال: هل رأيت أعور قد صح قط؟ قال: لا، قال: فكيف توهمتَ علي الغلط؟ . فضحك منه وصرفه.
ومن شواهده أيضاً قول محمد بن حازم الباهلي في الحسن بن سهل حين تزوج الخليفة المأمون بابنته بوران فهنّأه مع من هنأه، فأثاب الناسَ كلّهم وحَرَمَه، فكتب إليه إن أنت تماديت على حرماني عملت فيك بيتا لا تعلم مدحتك فيه أو هجوتك، فاستحضره وسأله عن قوله فاعترف وقال لا أعطيك أو تفعل
فقال:
بارك الله للحسن **** ولبوران في الختن
يا إمام الهدى ظفرتَ **** ولكن ببنتِ مَنْ؟
فلم يعلم ما أراد بقوله: ببنتِ مَنْ؟ في الرفعة أو في الصغر واستحسن منه الحسن ذلك وناشده أسمعت هذا المعنى أم ابتكرته فقال لا والله بل نقلته من شعر شاعر مطبوع كثير العبث بهذا النوع اتفق أنه فصّل قباءً عند خياط أعور إسمه زيد فقال له
الخياط على طريق العبث به سآتيك به لا تدري أقباء هو أم دواج
فقال له الشاعر إن فعلت ذلك لأعملن فيك بيتا لا يعلم أحد ممن سمعه أدعوت لك أم دعوت عليك ففعل الخياط فقال الشاعر
خاط لي زيدٌ قباءً **** ليت عينيه سواء
فما علم أحد أن الصحيحة تساوي السقيمة أو بالعكس فاستحسن الحسن صدقه أضعاف استحسانه حذقه
فإن قيل أنه قصد التساوي بين عينيه في العمى فقد صح، وإن قيل أنه قصد التساوي بينهما في الإبصار صح.
ومنه قول الشاعر:
ويرغب أن يبني المعالي خالد *** ويرغب أن يرضى صنيع الألائم.
فإن هذا يحتمل المدح والذم لأنه إن قدَّرَ (في) أوّلاً و (عن) ثانيا فمدح، وإن عكس فذم، إذ يقال: رغب فيه، ورغب عنه.
ولهذا اشترط ابن مالك في حذف الجارّ مع أَنْ، وأنّ تعيينَ الجارّ ليؤمنَ اللّبس، قال: فلا يقال: رغبت أن تفعل، إذ لا يدري هل التقدير: في أن تفعل، أو عن تفعل.
وعدَّ ابن الأثير في المثل السائر من الإبهام قول أبي الطيب المتنبي في كافور:
فمالَكَ تُعنَى بالأسِنّة والقَنا **** وجدُّك طعّان بغير سِنان.
ومالَكَ تختارُ القسي وإنما **** عن السعد يَرمي دونك المَلَوان.
قال: فإن هذا لا يحتمل المدح والذم، بل هو بالذم أشبه، لأنه يقول: إنك لم تبلغ ما بلغته بسعيك واهتمامك، بل بجد وسعادة، وهذا أفضل فيه، لأن السعادة ينالها الخامل والجاهل ومن لا يستحقها. قال: وأكثر ما كان المتنبي يستعمل هذا الفن في القصائد الكافوريات.
والمَلَوان: الليل والنهار أو طرفا النهار.
ومما قيل أن أبا الطيب قصد فيه الإبهام قوله في مدح كافور:
ويغنيك عما ينسب الناس إنه **** إليك تتناهى المكرمات وتنسب..
قال الخطيب لهذا البيت باطن وهو سخرية، يريد أنه لا نسب لك لأنك عبد.
وبيت الشيخ صفي الدين الحلي
ليت المنية حالت دون نصحك لي **** فيستريح كلانا من أذى التهم
هذا البيت ليس له نظير في هذا الباب فإنه اشتمل على الرقة والسهولة والانسجام وما زاده حسنا إلا تقويته بليتَ التي استعان بها الشاعر في إبهام بيته على زيد الخياط
فإن الشيخ صفي الدين لما قال لعاذله ليت المنية حالت دون نصحك لي حسن إبهامه بقوله فيستريح كلانا من أذى التهم وصار الأمر مبهما بينه وبين العاذل
والطبري جمع بين الإبهام والتهكم في بيت واحد فقال:
أذقت إبهام ما يرضى الفؤاد فسد ** تهكما أنت ذو عز وذو عظم.
الإبهام في قوله: يرضي الفؤاد، فإنه إن قيل: فؤاد العاشق، صح، أو العاذل، صح.
وبيت ابن معصوم الحسني:
قالوا وقد أبهموا إذ بان مكتتمي **** في حبّهم بانَ لكِنْ أيّ مكتتم.
الإبهام في هذا البيت في قولهم: بان لكن أي مكتتم، لا يعلم ما أرادوا به، هل هو إعجاب به؛ أو احتقار له؟ فالأمر مبهم بين هذين المعنيين المتضادين محتمل لكل منهما على السواء، لا يتميز أحدهما عن الآخر.
وبيت الشيخ شرف الدين المقري من هذا القبيل أيضاً وهو:
ما مثلهم في العلى هيهات أين هم *** وأين منصبهم في القدر والعظم.
قال ناظمه في شرحه: ما مثلهم في العلى محتمل أنه أراد: لا نظير لهم في علوهم ومجدهم؛ ويحتمل أنه أراد: أن مثلهم لا يكون في العلى.
وكذلك قوله: هيهات أين هم وأين منصبهم في القدر والعظم، يحتمل أن سؤاله سؤال تفخيم وتعظيم، ويحتمل أنه أراد: الإحتقار والإعلام أنهم بحيث يفتش عليهم فلا يوجدون والله أعلم.
المصادر:
كتاب البديع في البديع لابن المعتز ت247ه
العمدة في محاسن الشعر لابن رشيق القيرواني ت390ه
خزانة الأدب لابن حجة الحموي ت837ه
أنوار الربيع في أنواع البديع لابن معصوم الأندلسي ت 1119ه
جمع وإعداد وتقديم: محمد أبورزق

الأحد، 23 سبتمبر 2018

[ المُراجَعَة ]

اللغة العربية: إبداع وإمتاع وإقناع
علم البديع
دروس مهمة لكل شاعر وكاتب وأديب
الدرس الثاني والثلاثون (32)
[ المُراجَعَة ]
المُراجعة- وسماها جماعة منهم الإمام فخر الدين الرازي: السؤال والجواب- عبارة عن أن يحكي المتكلم ما جرى بينه وبين غيره من محادثة، أو سؤال وجواب، بعبارة رشيقة وسبك لطيف، يستحلي ذوقه السمع، أما في بيت واحد أو في أبيات.
كقول عمر بن أبي ربيعة
بينما يَنْعتْنَني أبصَرْنَني **** مِثلَ قَيْدِ الرُّمْحِ يَعْدو بِيَ الأَغَرّْ
قالت الكبرى تُرى من ذا الفتى **** قالت الوسطى لها هذا عُمرْ
قالت الصغرى وقد تيَّمتُها **** قد عرفناه وهل يَخفى القمرْ
قال ابن أبي الأصبع لما أورد هذه الأبيات واستشهد بها على هذا النوع في كتابه المسمى بتحرير التحبير إن هذا الشاعر عالم بمعرفة وضع الكلام في مواضعه، وما ذاك إلا أن قوافي الأبيات لو أطلقت لكانت مرفوعة وأما بلاغته في الأبيات فإنه جعل التي عرَفتهُ وعرّفتْ به وشبهته تشبيها يدل على شغفها به هي الصغرى ليظهر بدليل الالتزام أنه فَتِيّ السن إذ الفتية من النساء لا تميل إلى الا الفتى من الرجال غالبا، وختم قوله بما أخرجه مخرج المثل السائر موزونا ولا يقال إنما مالت الصغرى إليه دون أختيها لضعف عقلها وقلة تجريبها فإني أقول إنه تخلص من هذا المدخل بكونه أخبر أن الكبرى التي هي أعقلهن ما كانت رأته قبل ذلك وإنما كانت تهواه على السماع فلما رأته وعلمت أنه ذلك الموصوف لها أظهرت من وجدها به على مقدار عقلها ما أظهرت من سؤالها عنه ولم تتجاوز ذلك وقنعت بالسؤال عنه وقد علمته بلذة السؤال وبسماع اسمه وأظهرت تجاهل العارف الذي موجبه شدة الوله والعقل يمنعها من التصريح وأما الوسطى فسارعت إلى تعريفه باسمه العلم فكانت دون الكبرى في الثبات وأما الصغرى فمنزلتها في الثبات دون الأختين لأنها أظهرت في معرفة وصفه ما دل على شدة شغفها به فكل ذلك وإن لم يكن كذلك فألفاظ الشاعر تدل عليه
وعلماء البديع أجمعوا على إستحسان قول وضاح اليمن من أبيات
يا روض جيرانكم الباكر **** فالقلب لا لاهٍ ولا صابر
قالت ألا لا تلجنَّ دارنا **** إن أبانا رجل غائر
قلت فإني طالب غُرّةً **** منه وسيفي صارم باتر
قالت فإن البحر ما بيننا **** قلت فإني سابح ماهر
قالت فإن القصر عاليَ البنا **** قلت فإني فوقه طائر
قالت فحولي إخوة سبعة **** قلت فإني غالب ظافر
قالت فليث رابض بيننا **** قلت فإني أسد عاقر
قالت أليس الله من فوقنا **** قلت بلى وهو لنا غافر
قالت فقد أعيَيْتَنا حيلة **** فأْتِ إذا ما هجع السامر
واسقُطْ علينا كسقوط الندى **** ليلة لا ناهٍ ولا آمر
وقد قيل: كان وضاح اليمن، والمقنع الكندي، وأبو زبيد الطائي، يَرِدون مواسم العرب مقنّعين، يسترون وجوههم خوفا من العين، وحذرا من النساء لجمالهم، وإسم وضاح اليمن عبد الرحمن بن إسماعيل، ولقب الوضاح لحسنه وجماله.
وظريف هنا قول ابن حجاج:
قالت لقد أشمتَّ بي حُسَّدي **** مذ بحتَ بالسرّ لهم معلنا
قلت أنا قالت وإلا فمن **** قلت أنا قالت وإلا أنا
قلت نعم أنتِ التي صيرتْ **** أجفانُك قلبي حليف الضنى
قالت فَلُمَّ طرفك فهو الذي **** جنى على قلبك ما قد جنى
قلت فقد كان الذي كان من **** طرفي فكوني مثل من أحسنا
قالت فما الإحسان قلت اللِّقا **** قالت لقانا عز ما أمكنا
قلت فمُنّيني بتقبيلة **** قالت أمنيك بطول العنا
قلت فما بحتُ بسر الهوى **** قالت ولو بحتَ فما ضرنا
قلت فإني ميت هالك **** قالت فمت فهو لقلبي منى
قلت حرام قتل نفس بلا **** ذنب فقالت ذاك حلّ لنا
من يعشق العينين مكحولة **** بالسحر لا يأمن أن يفتنا
ومن لطائف ابن الوردي قوله في هذا النوع:
نمت وإبليس أتى **** بحياة منتدبه
فقال ما قولك في **** حشيشة منتخبه
فقلت لا قال ولا **** خمرة كرم مذهبه
فقلت لا قال ولا **** مليحة مطيبه
فقلت لا قال ولا **** أغيد بالبدر اشتبه
فقلت لا قال ولا **** آلة لهو مطربه
فقلت لا قال فنم **** ما أنت إلا خشبه
وقال الشيخ صفي الدين الحلي معارضا له:
وليلة طال سهادي بها **** فزارني إبليس عند الرقاد
فقال لي هل في شمعة **** كيسة تطرد عنك السهاد
قلت نعم قال وفي قهوة **** عتقها العاصر من عهد عاد
قلت نعم قال وفي مطرب**** إذا شدا يرقص منه الجماد
قلت نعم قال وفي طفلة **** في وجنتيها للحياء اتقاد
قلت نعم قال وفي شادن **** قد كحلت أجفانه بالسواد
قلت نعم قال فنم آمنا **** يا كعبة الفسق وركن الفساد
وجميل هنا قول علم الدين علي بن محمد السخاوي المقري وأنشدها لنفسه عند وفاته يرجو بها عفو الله ورحمته:
قالوا غدا نأتي ديار الحمى **** وينزل الركب بمغناهم
وكل من كان مطيعا لهم **** أصبح مسرورا بلقياهم
قلت فلِي ذنب فما حيلتي **** بأيّ وجه أتلقاهم
قالوا أليس العفو من شأنهم **** لاسيما عمّن ترجّاهم
المصادر:
كتاب البديع في البديع لابن المعتز ت247ه
العمدة في محاسن الشعر لابن رشيق القيرواني ت390ه
زهر الآداب للحصري القيرواني ت453ه
خزانة الأدب لابن حجة الحموي ت837ه
أنوار الربيع في أنواع البديع لابن معصوم الحسني ت1119ه
جمع وإعداد وتقديم: محمد أبورزق
يُتبع

الجمعة، 21 سبتمبر 2018

[ التّخْيير ]

اللغة العربية: إبداع وإمتاع وإقناع
علم البديع
دروس مهمة لكل شاعر وكاتب وأديب
الدرس الواحد والثلاثون (31)
[ التّخْيير ] 

التّخْيير هو أن يأتي الشاعر ببيت يسوغ فيه أن يقفي بقواف شتى فيتخير منها قافية يرجحها على سائرها تدل على حسن اختياره، لكونها أنسب وأمكن من غيرها.
كقول الحريري:
إن الغريب الطويل الذيل ممتهن **** فكيف حال غريب ما له قوت
فإنه يسوغ أن يقال ما له مال ما له سبب ما له أحد ما له قوت فإذا تأملت ما له قوت وجدتها أبلغ من الجميع وأدل على القافية وأمس بذكر الحاجة وأبين للضرورة وأشجى للقلوب وأدعى للاستعطاف فلذلك رجحت على ما ذكرناه.
ولم يسمع في هذا النوع الطف من أبيات ديك الجن:
قولي لطيفك ينثني عن مضجعي عند المنام ... عند الرقاد عند الهجوع عند الهجود عند الوسن.
فعسى أنام فتنطفي نار تأجج في عظامي ... في فؤادي في ضلوعي في كبودي في البدن.
جسد تقلبه الأكف على الفراش من السقام ... من القتاد من الدموع من الوقود من الحزن.
أما أنا فكما علمت فهل لوصلك دوام ... من معاد من رجوع من وجود من ثمن.
فالأبيات جميعها تنتهي عند قافية الميم
والقوافي المثبتة حيال كل بيت، يناسب كل منه المعنى، لكن الأولى أولى وأرجح..
وبيت صفي الدين الحلي رحمه الله تعالى
عدمت صحة جسمي إذ وثقت بهم ... فما حصلت على شيء سوى الندم
فلِذِكرِ عدمتُ في صدر البيت يليق أن تكون القافية العدم ولذكر الصحة يليق أن تكون القافية السقم ولذكر الوثوق يليق أن تكون القافية الندم والبيت في غاية الرقة والانسجام
وصنع أبو القاسم علي بن منجب المعروف بابن الصيرفي بيتين وهما:
لما غدوت مليك الأرض أفضل من ****جلت مفاخره عن كل إطراء.
تناثرت أدوات النطق فيك على **** ما يصنع الناس من نظم وإنشاء.
ثم أنه روى البيتين على جميع حروف المعجم.
وأما الشعر الذي على قافيتين فكثير جدا من ذلك قول ابن الرومي:
لم تؤذن الدنيا به من صروفها **** يكون بكاء الطفل ساعة يولد يوضع.
وإلا فما يبكيه منها وإنها **** لا فسح مما كان فيه وأرغد وأوسع.
إذا أبصر الدنيا استهل كأنه **** بما سوف يلقى من أذاها يهدد يفزع.
فابن الرومي أتى بقافيتين في كل بيت قافية الدال ثم أتبعها بقافية العين، وكلاهما يؤدي نفس المطلوب، فلك أن تقف عند قافية الدال ولك أن تختار قافية العين، وإن كانت قافية الدال أولى وأبلغ.
ولأبي قاسم محمد بن جُزَي المغربي:
أيا من كففت النفس عنه تعففا **** وفي النفس من شوقي إليه غرام لهيب.
إلا إنما صبري كصبر وإنما **** على النفس من تقوى الإله لجام رقيب.
وبيت ابن معصوم الحسني:
تخيير قلبي أضناني بهم ومحا **** مني الوجود والجاني غلى الندم.
فذكر (الضنى) يليق به (السقم والألم) وذكر (الوجود) يليق به (العدم) وذكرهما معا يليق بهم (السأم) ولكن (الندم) أولى لمناسبة التخيير الذي مبنى البيت عليه لفظا ومعنى.
وبيت الشيخ إسماعيل المقري قوله:
من لي بعيش حلا الزمان به **** وعاضني عنه زادا زاد في نهمي.
قال في شرحه: كان يمكنه أن يقول: زاد في المي، زاد في قرمي، زاد في ضرمي؛ ونحو ذلك.
وبيت ابن حجة الحموي:
تخيروا لي سماع العذل وانتزعوا **** قلبي وزادوا نحولي مت من سقمي
فسماع العذل يليق به السأم وانتزاع القلب يليق به الألم وزيادة النحول يليق بها السقم وتقديم السقم هنا لقربه من النحول ولم يدخل إلى هذا البيت من الأجانب قافية
المصادر:
كتاب البديع في البديع لابن المعتز ت247ه
العمدة في محاسن الشعر لابن رشيق القيرواني ت390ه
خزانة الأدب لابن حجة الحموي ت837ه
أنوار الربيع في أنواع البديع لابن معصوم الأندلسي ت 1119ه
جمع وإعداد وتقديم: محمد أبورزق
يُتبع

الخميس، 20 سبتمبر 2018

[ الإفتنان ]

اللغة العربية: إبداع وإمتاع وإقناع
علم البديع
دروس مهمة لكل شاعر وكاتب وأديب
الدرس الثلاثون (30)
[ الإفتنان ]
الإفتنان هو أن يفتنَّ الشاعر فيأتي بفنين متضادين من فنون الشعر في بيت واحد فأكثر مثل النسيب والحماسة والمديح والهجاء والتهنئة والعزاء
ولا يختص بالنظم، بل يكون في النثر أيضاً كقوله تعالى: (كل من عليها فانٍ. ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام) فإنه جمع بين الفخر والتعزية، فعزى سبحانه جميع المخلوقات من الإنس والجن والملائكة وسائر أصناف ما هو قابل للحياة، وتمدَّح بالبقاء بعد فناء الموجودات في عشر كلمات، مع وصفهِ ذاتَه بعد انفراده بالبقاء، بالجلال والإكرام.
والجمع بين التهنئة والتعزية في باب الإفتنان أصعب مسلكاً من الجمع بين غيرهما من فنون الكلام، لشدة ما بينهما من التناقض.
ومما جمع فيه من النظم بين التهنئة والتعزية قول بعض الشعراء ليزيد بن معاوية لما دفن أباه وجلس للتعزية
إصبر يزيد فقد فارقت ذا ثقة *** واشكر حَباءَ الذي بالملك أصفاكا
لا رزء أصبح في الإسلام نعلمه *** كما رزئت ولا عقبى كعقباكا
ــ ومنه قول أبي نواس للعباس بن الفضل بن الربيع يعزيه بالرشيد ويهنئه بالأمين حيث قال
تعزّ أبا العباس عن خير هالك **** بأكرم حي كان أو هو كائن
حوادث أيام تدور صروفها **** لهن مساو مرة ومحاسن
وفي الحي بالميت الذي غيب الثرى **** فلا أنت مغبون ولا الموت غابن
ــ ومن أظرف ما وقع في هذا النوع أن ابن حجاج جمع في الافتنان بين التعزية والمدح المؤدي إلى التهكم بقوله في تعزية بعض الرؤساء بأبيه في بيت واحد وهو
أبوك قد جمّل أهل الثرى **** فجمّل الله به المقبره
ــ وأما ما افتنّ به الشاعر من النسيب والحماسة كقول عنترة
إن تُغدقي دوني القناعَ فإنّني **** طِبٌّ بأخذ الفارس المُستلئم
فأول البيت نسيب وآخره حماسة والمستلئم: الذي يلبس لَأْمَة حربه، وهي الدّرع، وما أحسن مقابلته به قناعَ المرأة.
ومنه قول عبد الله بن طاهر بن الحسين الخزاعي، الملقب والده بذي اليمينين، وزير المأمون:
نحن قوم تذيبنا الحدق النّج **** لُ على أننا نذيب الحديدا
طوع أيدي الغرام تقتادنا الغي **** د ونقتاد بالطعان الأسودا
نملك الصيد ثم تملكنا البي **** ض المصونات أعيناً وخدودا
تتقي سخطنا الأسود ونخشى ****سخطة الخشف حين يبدي الصدودا
فترانا يوم الكريهة أحرا **** راً وفي السلم للحسان عبيدا
وكقول أبي دلف العجلي
أحبك يا ظلوم وأنت مني **** مكان الروح من جسد الجبان
ولو أني أقول مكان روحي **** خشيت عليك بادرة الطعان
ــ ومن الافتنان بالنسيب والمدح: قول القزاز الأندلسي في ابن صمادح، وهو غريب:
نفَى الحبُّ عن مقلتي الكرى **** كما قد نفى عن يدي العدمْ
فقد قرّ حبك في خاطري **** كما قر في راحتيك الكرم
وفرَّ سُلُوّك من فكرتي **** كما فر عن عرضه كل ذم
فحبي ومفخره باقيان **** لا يذهبان بطول القدم
فأبقى لي الحب خال وخد **** وأبقى له الفخر خال وعم
ــ ومن الافتنان بالهجو والمدح، قول ربيعة في يزيد بن حاتم، يفضّله على يزيد بن أُسيد وكان في لسانه تمتمة، فعرض بها في هذه الأبيات:
لشتان ما بين اليزيدين في الندى **** يزيد سليم والأغر ابن حاتمِ
فهَمُّ الفتى الأزدي أتلاف ماله **** وهمّ الفتى القيسي جمع الدراهم
فلا يحسب التمتام أني هجوته ****ولكنني فضلت أهل المكارم
وهذا من أشد أنواع الهجاء، وهو الذي يسمى بالمُقْذِع.
ومنه قول الطبري
بسموا مذ تفننت المديح لهم **** فلا يغرك منهم ثغر مبتسمِ
الافتنان في هذا البيت بالجمع بين المدح والهجاء الذي هو من نوع النزاهة، وهو حسن جداً.
وبيت ابن معصوم الحسني:
إن افتنانهم في الحسن هيّمني **** قِدما وقد وطئت فرق السها قدمي
الافتنان في هذا البيت ظاهر، وهو الجمع بين النسيب والفخر.
وبيت الشيخ شرف الدين المقري قوله:
ألان مني الهوى ما لا يلينه ****صرف الليالي وبأس السيف والقلمِ
الافتنان فيه بالجمع بين الغزل والحماسة.
تنبيه - ذكر ابن أبي الإصبع في كتابه المسمى بتحرير التحبير نوعاً يسمى التمريج - بالجيم - ولم ينظمه أصحاب البديعيات، وهر قريب من الافتنان، غير أن بينهما فرقاً دقيقاً، وهو أن الافتنان لا يكون إلا بالجمع بين فنين من فنون الكلام، والتمريج يكون بالجمع بين الفنون والمعاني.
ومن أمثلته قول الشريف الرضي جامعاً بين الحماسة والمدح والهجو تعريضاً لا تصريحاً.
فقال وأغرب في المقال:
ما مقامي على الهوان وعندي **** مقول صارم وأنف حمي
وإباء محلق بي من الضي **** م كما راغ طائر وحشي
أي عذر له إلى المجد إن **** ذل غلام في غمده المشرفي
ألبس الذل في ديار الأعادي **** وبمصر الخليفة العلوي
من أبوه أبي ومولاه مولا **** ي إذا ضامني البعيد القصي
لف عرقي بعرقه سيد النا **** س جميعاً محمد وعلي
فتحمس أولاً ومدح الخليفة العلوي بمصر، ومتَّ إليه بالنسب وعرّض بهجاء بني العباس
المصادر:
كتاب البديع في البديع لابن المعتز ت247ه
العمدة في محاسن الشعر لابن رشيق القيرواني ت390ه
خزانة الأدب لابن حجة الحموي ت837ه
أنوار الربيع في أنواع البديع لابن معصوم الأندلسي ت 1119ه
جمع وإعداد وتقديم: محمد أبورزق
يُتبع

الأربعاء، 19 سبتمبر 2018

[ التّهَكُّم ]

اللغة العربية: إبداع وإمتاع وإقناع
علم البديع
دروس مهمة لكل شاعر وكاتب وأديب
الدرس السابع والعشرون (27)
[ التّهَكُّم ]
التهكم نوع عزيز في أنواع البديع لعلو مناره وصعوبة مسلكه وكثرة التباسه بالهجاء في معرض المدح وبالهزل الذي يراد به الجد ويأتي الفرق بينهما بعد إيضاح حدّه
والتّهكم في الأصل التّهَدُّم
قال في القاموس: التهكم: التهدم في البئر ونحوها، والاستهزاء، والطعن المتدارك، والتبختر، والغضب الشديد؛ والتندم على الأمر الفائت، والمطر الكثير الذي لا يطاق، والتغني.
قال أبو زيد تهكمت غضبت وتهكمت تحقرت وعلى هذا يكون المتهكم لشدة الغضب قد أوعد بالبشارة أو لشدة الكبر أو لتهاونه بالمخاطب قد فعل ذلك فهذا أصله في الاستعمال
وفي المصطلح هو عبارة عن الإتيان بلفظ البشارة في موضع الإنذار، والوعد في مكان الوعيد، والمدح في معرض الاستهزاء، فشاهد البشارة في موضع الإنذار قوله تعالى ( بشر المنافقين بأن لهم عذابا أليما ) وشاهد المدح في معرض الاستهزاء بلفظ المدح قوله تعالى ( ذق إنك أنت العزيز الكريم ) قال الزمخشري إن في تأويل قوله تعالى (له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله) تهكما فإن المعقبات هم الحرس من حول السلطان يحفظونه على زعمه من أمر الله على سبيل التهكم فإنهم لا يحفظونه من أمره في الحقيقة إذا جاء والله أعلم
ومنه قوله تعالى ( قل بئسما يأمركم به إيمانكم إن كنتم مؤمنين ) فقوله إيمانكم تهكم
ومن التهكم في السنة الشريفة قوله ( بشر مال البخيل بحادث أو وارث)
ومن أمثلة هذا النوع في الشعر، قول ابن الرومي:
فيا له من عمل صالح **** يرفعه الله إلى أسفل..
وقول جاسوس الملك في الوزير أبي القاسم الجرجاني، وكان أقطع اليدين من المرافق:
وأقمت نفسك في الثقاة ... وهبك فيما قلت صادق.
فمن الأمانة والتقى ... قطعت يداك من المرافق.
وقول بعضهم:
بجيشٍ يُناطِحُ زهر النجو **** م إذا ما طلعت به أسفلا.
وقول المتنبي في كافور:
من علَّمَ الأسود المخصى مكرمة **** أقومه البيض أم آباؤه الصيد.
وقول ابن الذروي في ابن أبي حصينة وكان أحدب، وهو من شاهد المدح في معرض السخرية:
لا تظنن حدبة الظهر عيبا **** فهي في الحسن من صفات الهلال
وكذاك القسي محدودبات **** وهي أنكى من الظبا والعوالي
وإذا ما علا السنام ففيه **** لقروم الجمال أي جمال
فأتت ربوة على طود علم **** وأتت موجة ببحر نوال
ما رأتها النساء إلا تمنت **** أن غدت حلية لكل الرجال
ومن أظرف ماقيل في نوع التهكم قول أبي نواس يتهكم على نفسه، وقد أظهر التوبة والإقلاع عن المعاصي على يد الفضل بن الربيع:
أنت يا ابن الربيع علمتني الخي **** ر وعودتنيه والخير عاده.
فارعوى باطلي وراجعني الحِل **** م وأحدثت توبة وزهاده.
من خشوع أزينه بنحول **** واصفرار مثل اصفرار الجراده.
التسابيح في ذراعي والمُصح **** ف في لبتي مكان القلاده.
فادع بي لا عدمت تقويم مثلي **** وتأمل بعينيك السجادة.
ترى أثرا من الصلاة بوجهي **** توقن النفس أنه من عبادة.
لو رآها بعض المرائين يوما **** لاشتراها يُعِدُّها للشهادة.
ولقد طالما أبَيْت ولكن **** أدركتني على يديك السعادة.
ومن الحكايات اللطيفة في هذا النوع، أن أبا دلامة دخل على المهدي وسَلمةُ الوصيفُ واقف بين يديه، فقال أبو دلامة: قد أهديت لك يا أمير المؤمنين مهرا ليس لأحد مثله، فإن رأيت أن تشرفني بقبوله، فأمر بإدخاله إليه؛ فخرج وأدخل فرسه الذي كان تحته، فإذا هو برذون محطم أعجف هرم.
فقال له المهدي: أي شيء ويلك هذا؟ ألم تزعم أنه مهر؟ فقال: أوليس هذا سلمة الوصيف بين يديك، فإنما تسمّيه الوصيف وله ثمانون سنة، وهو يعد عندك وصيفا؟ فإن كان سلمة وصيفا فهذا مهر، فجعل سلمة يشتمه، والمهدي يضحك، ثم قال سلمة: ويحك إن لهذه منه أخوات، وإن أتى بمثلها في محفل؛ فضحك؛ فقال أبو دلامة: أي والله يا أمير المؤمنين؛ لأفضحنه، فليس أحد في مواليك إلا وصلني غيره، فإني ما شربت له الماء قط. ثم إن المهدي أصلح بينهما. وهذا من التهكم الذي يعد من النوادر.
وهذا النوع أعني التهكم ذكر ابن أبي الأصبع في كتابه تحرير التحبير أنه من مخترعاته ولم يره في كتب من تقدمه من أئمة البديع
وقال الفرق بينه وبين الهزل الذي يراد به الجد أن التهكم ظاهره جد وباطنه هزل وهو ضد الأول لأن الهزل الذي يراد به الجد يكون ظاهره هزلا وباطنه جدا
المصادر:
كتاب البديع في البديع لابن المعتز ت247ه
العمدة في محاسن الشعر لابن رشيق القيرواني ت390ه
خزانة الأدب لابن حجة الحموي ت837ه
أنوار الربيع في أنواع البديع لابن معصوم الحسني ت1119ه
جمع وإعداد وتقديم: محمد أبورزق
يُتبع

[ الإلتفات ]

اللغة العربية: إبداع وإمتاع وإقناع
علم البديع
دروس مهمة لكل شاعر وكاتب وأديب
الدرس التاسع والعشرون (29)
[ الإلتفات ]
الإلتفات - مأخوذ من إلتفات الإنسان من يمينه إلى شماله، ومن شماله إلى يمينه، وهو عند الجمهور: التعبير عن معنى بطريق من الطرق الثلاثة، أعني: التكلم والخطاب والغيبة، بعد التعبير عنه بطريق آخر منها.
وفسر قدامة بن جعفر الإلتفات بأن قال: هو أن يكون المتكلم آخذا في معنى فيعترضه إما شك فيه أو ظنَّ أن رادّاً يردُّه عليه أو سائلا يسأله عن سببه فيلتفت إليه بعد فراغه منه فإما أن يجلي الشك أو يؤكده أو يذكر سببه.
ومن خلال التعاريف يبدو أن الإلتفات ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: وهو التعبير عن المعنى بأحد الطرق الثلاثة، وهي التكلم، والخطاب والغيبة، وأقسامه ستة، حاصلة من ضرب الطرق الثلاثة في الاثنين، لأن كلا من الطرق الثلاثة ينقل إلى الآخرين.
أحدهما: الالتفات من الغيبة إلى الخطاب، ومثاله قوله تعالى: (الحمد لله رب العالمين) إلى قوله (إياك نعبد وإياك نستعين) فالتفت من الغيبة إلى الخطاب
ومنه قول جرير:
متى كان الخيام بذي طلوح **** سُقيتِ الغيثَ أيتها الخيام
الثاني: الالتفات من الخطاب إلى الغيبة، وهو عكس الأول، ومثاله قوله تعالى: (حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم) والأصل بكم، ونكتته العدول عن خطابهم إلى حكاية حالهم لغيرهم، التعجب من كفرهم وفعلهم، واستدعاء الإنكار منهم عليهم، فلو استمر على خطابهم لفاتت هذه الفائدة، وقيل فيها غير ذلك.
ومن أمثلته في الشعر قول النابغة الذبياني:
يا دار مية بالعلياء فالسند **** أقوت وطال عليها سالف الأبد
الثالث - الإلتفات من الغيبة إلى التكلم، ومثاله قوله تعالى: (والله الذي أرسل الرياح فتثير سحاباً فسقناه إلى بلد ميتٍ) والأصل (فساقه) . قال الزمخشري: وفائدته في هذه الآية وأمثالها التنبيه على التخصيص بالقدرة، وأنه لا يدخل تحت قدرة أحد.
ومن أمثلته في الشعر قول شهاب الدين التلعفري:
لا تقولوا سلا وملَّ هوانا **** وتسلى عنا بحب سوانا
كيف يسلوكم ويصبر عنكم **** من يرى سيئاتكم إحسانا
قسماً بعد بعدكم وجفاكم **** لم يفارق لي البكا أجفانا
الرابع - الإلتفات من التكلم إلى الغيبة، وهو عكس الذي قبله، ومثاله قوله تعالى: (إني رسول الله إليكم جميعا) إلى قوله: (فآمنوا بالله ورسوله) والأصل (وبي) فعدل عنه لنكتتين، أحدهما دفع التهمة عن نفسه بالمعصية لها، والأخرى تنبيههم على استحقاقه الاتباع بما اتصف به من الصفات المذكورة والخصائص والمتلوة.
ومن أمثلته في الشعر قول مهيار الديلمي:
أنذرتني أم سعد أن سعداً **** لم يزل ينهد لي بالشر نهدا
ما على قومك إن صار لهم **** أحد الأحرار من أجلك عبدا
فيه التفاتان، أحدهما من الغيبة إلى الخطاب، والثاني من التكلم إلى الغيبة وهو ما نحن فيه لأن الأصل (ما على قومها إن صرت لهم عبدا) :
الخامس - الإلتفات من الخطاب إلى التكلم، ولم يقع في القرآن،
ومن أمثلته في الشعر قول علقمة بن عبدة:
طحا بك قلب في الحسان طروب **** بعيد الشباب عصر حال مشيبُ
تكلفني ليلى وقد شط وليها **** وعاد عواد بيننا وخطوب
فالتفت من الخطاب في (طحا بك) إلى التكلم في (تكلفني) ، وطحا بك أي ذهب بك. وشط وليها، أي بعد قربها وعهدها.
السادس - الإلتفات من التكلم إلى الخطاب، وهو عكس الذي قبله ومثاله قوله تعالى: (وما لي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون) الأصل (وإليه أرجع) فالتفت من التكلم إلى الخطاب
ومن أمثلته في الشعر قول مجنون ليلى:
بكت عيني اليسرى فلما زجرتها **** عن الجهل بعد الحلم أسبلتا معا
وأذكر أيام الحمى ثم انثنى **** على كبدي من خشية أن تصدعا
فليست عشيات الحمى برواجع **** عليك ولكن خل عينيك تدمعا
وقد جمع امرؤ القيس الالتفاتات الثلاث: الخطاب، والغيبة، والتكلم، في ثلاثة أبيات متواليات وهي قوله
تطاول ليلك بالأثمد **** ونام الخلي ولم ترقد
وبات وباتت له ليلة **** كليلة ذي العائر الأرمد
وذلك من نبإ جاءني **** وخبرته عن أبي الأسود
فخاطب في البيت الأول وانصرف عن الخطاب إلى الإخبار في البيت الثاني وانصرف عن الإخبار إلى التكلم في البيت الثالث على الترتيب
القسم الثاني - قد يطلق الالتفات على معنيين آخرين،
أحدهما - تعقيب الكلام بجملة مستقلة متلافية له في المعنى، على طريق المثل والدعاء أو نحوهما كما في قوله تعالى: (وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا) وقوله تعالى: (ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم) .
وقول جرير:
أتنسى يوم تصقل عارضيها ... بفرع بشامة سُقِيَ البشامُ
قال إسحاق الموصلي: قال لي الأصمعي: أتعرف التفات جرير؟ قلت: وما هو؟ فأنشدني البيت ثم قال: أما تراه مقبلاً على شعره إذا إلتفت إلى البشام فدعا له.
الثاني أن تذكر معنى فتتوهم أن السامع اختلجه شيء فتلتفت إلى كلام تزيل اختلاجه، ثم ترجع إلى مقصودك، كقول الرماح ابن ميادة:
فلا صَرْمُه يَبْدو وفي اليأسِ راحةٌ ** ولا وَصْلُه يصفو لنا فنكارمه
كأنه لما قال: فلا صرمه يبدو، قيل له: وما تصنع به؟ فأجاب بقوله: وفي اليأس راحة.
المصادر: كتاب البديع في البديع لابن المعتز ت247ه
العمدة في محاسن الشعر لابن رشيق القيرواني ت390ه
خزانة الأدب لابن حجة الحموي ت837ه
أنوار الربيع في أنواع البديع لابن معصوم الأندلسي ت1119ه
جمع وإعداد وتقديم: محمد أبورزق
يُتبع