اللغة العربية: إبداع وإمتاع وإقناع
علم البديع
دروس مهمة لكل شاعر وكاتب وأديب
الدرس السابع والعشرون (27)
[ التّهَكُّم ]
التهكم نوع عزيز في أنواع البديع لعلو مناره وصعوبة مسلكه وكثرة التباسه بالهجاء في معرض المدح وبالهزل الذي يراد به الجد ويأتي الفرق بينهما بعد إيضاح حدّه
والتّهكم في الأصل التّهَدُّم
قال في القاموس: التهكم: التهدم في البئر ونحوها، والاستهزاء، والطعن المتدارك، والتبختر، والغضب الشديد؛ والتندم على الأمر الفائت، والمطر الكثير الذي لا يطاق، والتغني.
قال أبو زيد تهكمت غضبت وتهكمت تحقرت وعلى هذا يكون المتهكم لشدة الغضب قد أوعد بالبشارة أو لشدة الكبر أو لتهاونه بالمخاطب قد فعل ذلك فهذا أصله في الاستعمال
وفي المصطلح هو عبارة عن الإتيان بلفظ البشارة في موضع الإنذار، والوعد في مكان الوعيد، والمدح في معرض الاستهزاء، فشاهد البشارة في موضع الإنذار قوله تعالى ( بشر المنافقين بأن لهم عذابا أليما ) وشاهد المدح في معرض الاستهزاء بلفظ المدح قوله تعالى ( ذق إنك أنت العزيز الكريم ) قال الزمخشري إن في تأويل قوله تعالى (له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله) تهكما فإن المعقبات هم الحرس من حول السلطان يحفظونه على زعمه من أمر الله على سبيل التهكم فإنهم لا يحفظونه من أمره في الحقيقة إذا جاء والله أعلم
ومنه قوله تعالى ( قل بئسما يأمركم به إيمانكم إن كنتم مؤمنين ) فقوله إيمانكم تهكم
ومن التهكم في السنة الشريفة قوله ( بشر مال البخيل بحادث أو وارث)
ومن أمثلة هذا النوع في الشعر، قول ابن الرومي:
فيا له من عمل صالح **** يرفعه الله إلى أسفل..
وقول جاسوس الملك في الوزير أبي القاسم الجرجاني، وكان أقطع اليدين من المرافق:
وأقمت نفسك في الثقاة ... وهبك فيما قلت صادق.
فمن الأمانة والتقى ... قطعت يداك من المرافق.
وقول بعضهم:
بجيشٍ يُناطِحُ زهر النجو **** م إذا ما طلعت به أسفلا.
وقول المتنبي في كافور:
من علَّمَ الأسود المخصى مكرمة **** أقومه البيض أم آباؤه الصيد.
وقول ابن الذروي في ابن أبي حصينة وكان أحدب، وهو من شاهد المدح في معرض السخرية:
لا تظنن حدبة الظهر عيبا **** فهي في الحسن من صفات الهلال
وكذاك القسي محدودبات **** وهي أنكى من الظبا والعوالي
وإذا ما علا السنام ففيه **** لقروم الجمال أي جمال
فأتت ربوة على طود علم **** وأتت موجة ببحر نوال
ما رأتها النساء إلا تمنت **** أن غدت حلية لكل الرجال
ومن أظرف ماقيل في نوع التهكم قول أبي نواس يتهكم على نفسه، وقد أظهر التوبة والإقلاع عن المعاصي على يد الفضل بن الربيع:
أنت يا ابن الربيع علمتني الخي **** ر وعودتنيه والخير عاده.
فارعوى باطلي وراجعني الحِل **** م وأحدثت توبة وزهاده.
من خشوع أزينه بنحول **** واصفرار مثل اصفرار الجراده.
التسابيح في ذراعي والمُصح **** ف في لبتي مكان القلاده.
فادع بي لا عدمت تقويم مثلي **** وتأمل بعينيك السجادة.
ترى أثرا من الصلاة بوجهي **** توقن النفس أنه من عبادة.
لو رآها بعض المرائين يوما **** لاشتراها يُعِدُّها للشهادة.
ولقد طالما أبَيْت ولكن **** أدركتني على يديك السعادة.
ومن الحكايات اللطيفة في هذا النوع، أن أبا دلامة دخل على المهدي وسَلمةُ الوصيفُ واقف بين يديه، فقال أبو دلامة: قد أهديت لك يا أمير المؤمنين مهرا ليس لأحد مثله، فإن رأيت أن تشرفني بقبوله، فأمر بإدخاله إليه؛ فخرج وأدخل فرسه الذي كان تحته، فإذا هو برذون محطم أعجف هرم.
فقال له المهدي: أي شيء ويلك هذا؟ ألم تزعم أنه مهر؟ فقال: أوليس هذا سلمة الوصيف بين يديك، فإنما تسمّيه الوصيف وله ثمانون سنة، وهو يعد عندك وصيفا؟ فإن كان سلمة وصيفا فهذا مهر، فجعل سلمة يشتمه، والمهدي يضحك، ثم قال سلمة: ويحك إن لهذه منه أخوات، وإن أتى بمثلها في محفل؛ فضحك؛ فقال أبو دلامة: أي والله يا أمير المؤمنين؛ لأفضحنه، فليس أحد في مواليك إلا وصلني غيره، فإني ما شربت له الماء قط. ثم إن المهدي أصلح بينهما. وهذا من التهكم الذي يعد من النوادر.
وهذا النوع أعني التهكم ذكر ابن أبي الأصبع في كتابه تحرير التحبير أنه من مخترعاته ولم يره في كتب من تقدمه من أئمة البديع
وقال الفرق بينه وبين الهزل الذي يراد به الجد أن التهكم ظاهره جد وباطنه هزل وهو ضد الأول لأن الهزل الذي يراد به الجد يكون ظاهره هزلا وباطنه جدا
المصادر:
كتاب البديع في البديع لابن المعتز ت247ه
العمدة في محاسن الشعر لابن رشيق القيرواني ت390ه
خزانة الأدب لابن حجة الحموي ت837ه
أنوار الربيع في أنواع البديع لابن معصوم الحسني ت1119ه
جمع وإعداد وتقديم: محمد أبورزق
يُتبع
علم البديع
دروس مهمة لكل شاعر وكاتب وأديب
الدرس السابع والعشرون (27)
[ التّهَكُّم ]
التهكم نوع عزيز في أنواع البديع لعلو مناره وصعوبة مسلكه وكثرة التباسه بالهجاء في معرض المدح وبالهزل الذي يراد به الجد ويأتي الفرق بينهما بعد إيضاح حدّه
والتّهكم في الأصل التّهَدُّم
قال في القاموس: التهكم: التهدم في البئر ونحوها، والاستهزاء، والطعن المتدارك، والتبختر، والغضب الشديد؛ والتندم على الأمر الفائت، والمطر الكثير الذي لا يطاق، والتغني.
قال أبو زيد تهكمت غضبت وتهكمت تحقرت وعلى هذا يكون المتهكم لشدة الغضب قد أوعد بالبشارة أو لشدة الكبر أو لتهاونه بالمخاطب قد فعل ذلك فهذا أصله في الاستعمال
وفي المصطلح هو عبارة عن الإتيان بلفظ البشارة في موضع الإنذار، والوعد في مكان الوعيد، والمدح في معرض الاستهزاء، فشاهد البشارة في موضع الإنذار قوله تعالى ( بشر المنافقين بأن لهم عذابا أليما ) وشاهد المدح في معرض الاستهزاء بلفظ المدح قوله تعالى ( ذق إنك أنت العزيز الكريم ) قال الزمخشري إن في تأويل قوله تعالى (له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله) تهكما فإن المعقبات هم الحرس من حول السلطان يحفظونه على زعمه من أمر الله على سبيل التهكم فإنهم لا يحفظونه من أمره في الحقيقة إذا جاء والله أعلم
ومنه قوله تعالى ( قل بئسما يأمركم به إيمانكم إن كنتم مؤمنين ) فقوله إيمانكم تهكم
ومن التهكم في السنة الشريفة قوله ( بشر مال البخيل بحادث أو وارث)
ومن أمثلة هذا النوع في الشعر، قول ابن الرومي:
فيا له من عمل صالح **** يرفعه الله إلى أسفل..
وقول جاسوس الملك في الوزير أبي القاسم الجرجاني، وكان أقطع اليدين من المرافق:
وأقمت نفسك في الثقاة ... وهبك فيما قلت صادق.
فمن الأمانة والتقى ... قطعت يداك من المرافق.
وقول بعضهم:
بجيشٍ يُناطِحُ زهر النجو **** م إذا ما طلعت به أسفلا.
وقول المتنبي في كافور:
من علَّمَ الأسود المخصى مكرمة **** أقومه البيض أم آباؤه الصيد.
وقول ابن الذروي في ابن أبي حصينة وكان أحدب، وهو من شاهد المدح في معرض السخرية:
لا تظنن حدبة الظهر عيبا **** فهي في الحسن من صفات الهلال
وكذاك القسي محدودبات **** وهي أنكى من الظبا والعوالي
وإذا ما علا السنام ففيه **** لقروم الجمال أي جمال
فأتت ربوة على طود علم **** وأتت موجة ببحر نوال
ما رأتها النساء إلا تمنت **** أن غدت حلية لكل الرجال
ومن أظرف ماقيل في نوع التهكم قول أبي نواس يتهكم على نفسه، وقد أظهر التوبة والإقلاع عن المعاصي على يد الفضل بن الربيع:
أنت يا ابن الربيع علمتني الخي **** ر وعودتنيه والخير عاده.
فارعوى باطلي وراجعني الحِل **** م وأحدثت توبة وزهاده.
من خشوع أزينه بنحول **** واصفرار مثل اصفرار الجراده.
التسابيح في ذراعي والمُصح **** ف في لبتي مكان القلاده.
فادع بي لا عدمت تقويم مثلي **** وتأمل بعينيك السجادة.
ترى أثرا من الصلاة بوجهي **** توقن النفس أنه من عبادة.
لو رآها بعض المرائين يوما **** لاشتراها يُعِدُّها للشهادة.
ولقد طالما أبَيْت ولكن **** أدركتني على يديك السعادة.
ومن الحكايات اللطيفة في هذا النوع، أن أبا دلامة دخل على المهدي وسَلمةُ الوصيفُ واقف بين يديه، فقال أبو دلامة: قد أهديت لك يا أمير المؤمنين مهرا ليس لأحد مثله، فإن رأيت أن تشرفني بقبوله، فأمر بإدخاله إليه؛ فخرج وأدخل فرسه الذي كان تحته، فإذا هو برذون محطم أعجف هرم.
فقال له المهدي: أي شيء ويلك هذا؟ ألم تزعم أنه مهر؟ فقال: أوليس هذا سلمة الوصيف بين يديك، فإنما تسمّيه الوصيف وله ثمانون سنة، وهو يعد عندك وصيفا؟ فإن كان سلمة وصيفا فهذا مهر، فجعل سلمة يشتمه، والمهدي يضحك، ثم قال سلمة: ويحك إن لهذه منه أخوات، وإن أتى بمثلها في محفل؛ فضحك؛ فقال أبو دلامة: أي والله يا أمير المؤمنين؛ لأفضحنه، فليس أحد في مواليك إلا وصلني غيره، فإني ما شربت له الماء قط. ثم إن المهدي أصلح بينهما. وهذا من التهكم الذي يعد من النوادر.
وهذا النوع أعني التهكم ذكر ابن أبي الأصبع في كتابه تحرير التحبير أنه من مخترعاته ولم يره في كتب من تقدمه من أئمة البديع
وقال الفرق بينه وبين الهزل الذي يراد به الجد أن التهكم ظاهره جد وباطنه هزل وهو ضد الأول لأن الهزل الذي يراد به الجد يكون ظاهره هزلا وباطنه جدا
المصادر:
كتاب البديع في البديع لابن المعتز ت247ه
العمدة في محاسن الشعر لابن رشيق القيرواني ت390ه
خزانة الأدب لابن حجة الحموي ت837ه
أنوار الربيع في أنواع البديع لابن معصوم الحسني ت1119ه
جمع وإعداد وتقديم: محمد أبورزق
يُتبع

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق