اللغة العربية: إبداع وإمتاع وإقناع
علم البديع
دروس مهمة لكل شاعر وكاتب وأديب
الدرس الثاني والثلاثون (32)
[ المُراجَعَة ]
المُراجعة- وسماها جماعة منهم الإمام فخر الدين الرازي: السؤال والجواب- عبارة عن أن يحكي المتكلم ما جرى بينه وبين غيره من محادثة، أو سؤال وجواب، بعبارة رشيقة وسبك لطيف، يستحلي ذوقه السمع، أما في بيت واحد أو في أبيات.
كقول عمر بن أبي ربيعة
بينما يَنْعتْنَني أبصَرْنَني **** مِثلَ قَيْدِ الرُّمْحِ يَعْدو بِيَ الأَغَرّْ
قالت الكبرى تُرى من ذا الفتى **** قالت الوسطى لها هذا عُمرْ
قالت الصغرى وقد تيَّمتُها **** قد عرفناه وهل يَخفى القمرْ
قال ابن أبي الأصبع لما أورد هذه الأبيات واستشهد بها على هذا النوع في كتابه المسمى بتحرير التحبير إن هذا الشاعر عالم بمعرفة وضع الكلام في مواضعه، وما ذاك إلا أن قوافي الأبيات لو أطلقت لكانت مرفوعة وأما بلاغته في الأبيات فإنه جعل التي عرَفتهُ وعرّفتْ به وشبهته تشبيها يدل على شغفها به هي الصغرى ليظهر بدليل الالتزام أنه فَتِيّ السن إذ الفتية من النساء لا تميل إلى الا الفتى من الرجال غالبا، وختم قوله بما أخرجه مخرج المثل السائر موزونا ولا يقال إنما مالت الصغرى إليه دون أختيها لضعف عقلها وقلة تجريبها فإني أقول إنه تخلص من هذا المدخل بكونه أخبر أن الكبرى التي هي أعقلهن ما كانت رأته قبل ذلك وإنما كانت تهواه على السماع فلما رأته وعلمت أنه ذلك الموصوف لها أظهرت من وجدها به على مقدار عقلها ما أظهرت من سؤالها عنه ولم تتجاوز ذلك وقنعت بالسؤال عنه وقد علمته بلذة السؤال وبسماع اسمه وأظهرت تجاهل العارف الذي موجبه شدة الوله والعقل يمنعها من التصريح وأما الوسطى فسارعت إلى تعريفه باسمه العلم فكانت دون الكبرى في الثبات وأما الصغرى فمنزلتها في الثبات دون الأختين لأنها أظهرت في معرفة وصفه ما دل على شدة شغفها به فكل ذلك وإن لم يكن كذلك فألفاظ الشاعر تدل عليه
وعلماء البديع أجمعوا على إستحسان قول وضاح اليمن من أبيات
يا روض جيرانكم الباكر **** فالقلب لا لاهٍ ولا صابر
قالت ألا لا تلجنَّ دارنا **** إن أبانا رجل غائر
قلت فإني طالب غُرّةً **** منه وسيفي صارم باتر
قالت فإن البحر ما بيننا **** قلت فإني سابح ماهر
قالت فإن القصر عاليَ البنا **** قلت فإني فوقه طائر
قالت فحولي إخوة سبعة **** قلت فإني غالب ظافر
قالت فليث رابض بيننا **** قلت فإني أسد عاقر
قالت أليس الله من فوقنا **** قلت بلى وهو لنا غافر
قالت فقد أعيَيْتَنا حيلة **** فأْتِ إذا ما هجع السامر
واسقُطْ علينا كسقوط الندى **** ليلة لا ناهٍ ولا آمر
وقد قيل: كان وضاح اليمن، والمقنع الكندي، وأبو زبيد الطائي، يَرِدون مواسم العرب مقنّعين، يسترون وجوههم خوفا من العين، وحذرا من النساء لجمالهم، وإسم وضاح اليمن عبد الرحمن بن إسماعيل، ولقب الوضاح لحسنه وجماله.
وظريف هنا قول ابن حجاج:
قالت لقد أشمتَّ بي حُسَّدي **** مذ بحتَ بالسرّ لهم معلنا
قلت أنا قالت وإلا فمن **** قلت أنا قالت وإلا أنا
قلت نعم أنتِ التي صيرتْ **** أجفانُك قلبي حليف الضنى
قالت فَلُمَّ طرفك فهو الذي **** جنى على قلبك ما قد جنى
قلت فقد كان الذي كان من **** طرفي فكوني مثل من أحسنا
قالت فما الإحسان قلت اللِّقا **** قالت لقانا عز ما أمكنا
قلت فمُنّيني بتقبيلة **** قالت أمنيك بطول العنا
قلت فما بحتُ بسر الهوى **** قالت ولو بحتَ فما ضرنا
قلت فإني ميت هالك **** قالت فمت فهو لقلبي منى
قلت حرام قتل نفس بلا **** ذنب فقالت ذاك حلّ لنا
من يعشق العينين مكحولة **** بالسحر لا يأمن أن يفتنا
ومن لطائف ابن الوردي قوله في هذا النوع:
نمت وإبليس أتى **** بحياة منتدبه
فقال ما قولك في **** حشيشة منتخبه
فقلت لا قال ولا **** خمرة كرم مذهبه
فقلت لا قال ولا **** مليحة مطيبه
فقلت لا قال ولا **** أغيد بالبدر اشتبه
فقلت لا قال ولا **** آلة لهو مطربه
فقلت لا قال فنم **** ما أنت إلا خشبه
وقال الشيخ صفي الدين الحلي معارضا له:
وليلة طال سهادي بها **** فزارني إبليس عند الرقاد
فقال لي هل في شمعة **** كيسة تطرد عنك السهاد
قلت نعم قال وفي قهوة **** عتقها العاصر من عهد عاد
قلت نعم قال وفي مطرب**** إذا شدا يرقص منه الجماد
قلت نعم قال وفي طفلة **** في وجنتيها للحياء اتقاد
قلت نعم قال وفي شادن **** قد كحلت أجفانه بالسواد
قلت نعم قال فنم آمنا **** يا كعبة الفسق وركن الفساد
وجميل هنا قول علم الدين علي بن محمد السخاوي المقري وأنشدها لنفسه عند وفاته يرجو بها عفو الله ورحمته:
قالوا غدا نأتي ديار الحمى **** وينزل الركب بمغناهم
وكل من كان مطيعا لهم **** أصبح مسرورا بلقياهم
قلت فلِي ذنب فما حيلتي **** بأيّ وجه أتلقاهم
قالوا أليس العفو من شأنهم **** لاسيما عمّن ترجّاهم
المصادر:
كتاب البديع في البديع لابن المعتز ت247ه
العمدة في محاسن الشعر لابن رشيق القيرواني ت390ه
زهر الآداب للحصري القيرواني ت453ه
خزانة الأدب لابن حجة الحموي ت837ه
أنوار الربيع في أنواع البديع لابن معصوم الحسني ت1119ه
جمع وإعداد وتقديم: محمد أبورزق
يُتبع
علم البديع
دروس مهمة لكل شاعر وكاتب وأديب
الدرس الثاني والثلاثون (32)
[ المُراجَعَة ]
المُراجعة- وسماها جماعة منهم الإمام فخر الدين الرازي: السؤال والجواب- عبارة عن أن يحكي المتكلم ما جرى بينه وبين غيره من محادثة، أو سؤال وجواب، بعبارة رشيقة وسبك لطيف، يستحلي ذوقه السمع، أما في بيت واحد أو في أبيات.
كقول عمر بن أبي ربيعة
بينما يَنْعتْنَني أبصَرْنَني **** مِثلَ قَيْدِ الرُّمْحِ يَعْدو بِيَ الأَغَرّْ
قالت الكبرى تُرى من ذا الفتى **** قالت الوسطى لها هذا عُمرْ
قالت الصغرى وقد تيَّمتُها **** قد عرفناه وهل يَخفى القمرْ
قال ابن أبي الأصبع لما أورد هذه الأبيات واستشهد بها على هذا النوع في كتابه المسمى بتحرير التحبير إن هذا الشاعر عالم بمعرفة وضع الكلام في مواضعه، وما ذاك إلا أن قوافي الأبيات لو أطلقت لكانت مرفوعة وأما بلاغته في الأبيات فإنه جعل التي عرَفتهُ وعرّفتْ به وشبهته تشبيها يدل على شغفها به هي الصغرى ليظهر بدليل الالتزام أنه فَتِيّ السن إذ الفتية من النساء لا تميل إلى الا الفتى من الرجال غالبا، وختم قوله بما أخرجه مخرج المثل السائر موزونا ولا يقال إنما مالت الصغرى إليه دون أختيها لضعف عقلها وقلة تجريبها فإني أقول إنه تخلص من هذا المدخل بكونه أخبر أن الكبرى التي هي أعقلهن ما كانت رأته قبل ذلك وإنما كانت تهواه على السماع فلما رأته وعلمت أنه ذلك الموصوف لها أظهرت من وجدها به على مقدار عقلها ما أظهرت من سؤالها عنه ولم تتجاوز ذلك وقنعت بالسؤال عنه وقد علمته بلذة السؤال وبسماع اسمه وأظهرت تجاهل العارف الذي موجبه شدة الوله والعقل يمنعها من التصريح وأما الوسطى فسارعت إلى تعريفه باسمه العلم فكانت دون الكبرى في الثبات وأما الصغرى فمنزلتها في الثبات دون الأختين لأنها أظهرت في معرفة وصفه ما دل على شدة شغفها به فكل ذلك وإن لم يكن كذلك فألفاظ الشاعر تدل عليه
وعلماء البديع أجمعوا على إستحسان قول وضاح اليمن من أبيات
يا روض جيرانكم الباكر **** فالقلب لا لاهٍ ولا صابر
قالت ألا لا تلجنَّ دارنا **** إن أبانا رجل غائر
قلت فإني طالب غُرّةً **** منه وسيفي صارم باتر
قالت فإن البحر ما بيننا **** قلت فإني سابح ماهر
قالت فإن القصر عاليَ البنا **** قلت فإني فوقه طائر
قالت فحولي إخوة سبعة **** قلت فإني غالب ظافر
قالت فليث رابض بيننا **** قلت فإني أسد عاقر
قالت أليس الله من فوقنا **** قلت بلى وهو لنا غافر
قالت فقد أعيَيْتَنا حيلة **** فأْتِ إذا ما هجع السامر
واسقُطْ علينا كسقوط الندى **** ليلة لا ناهٍ ولا آمر
وقد قيل: كان وضاح اليمن، والمقنع الكندي، وأبو زبيد الطائي، يَرِدون مواسم العرب مقنّعين، يسترون وجوههم خوفا من العين، وحذرا من النساء لجمالهم، وإسم وضاح اليمن عبد الرحمن بن إسماعيل، ولقب الوضاح لحسنه وجماله.
وظريف هنا قول ابن حجاج:
قالت لقد أشمتَّ بي حُسَّدي **** مذ بحتَ بالسرّ لهم معلنا
قلت أنا قالت وإلا فمن **** قلت أنا قالت وإلا أنا
قلت نعم أنتِ التي صيرتْ **** أجفانُك قلبي حليف الضنى
قالت فَلُمَّ طرفك فهو الذي **** جنى على قلبك ما قد جنى
قلت فقد كان الذي كان من **** طرفي فكوني مثل من أحسنا
قالت فما الإحسان قلت اللِّقا **** قالت لقانا عز ما أمكنا
قلت فمُنّيني بتقبيلة **** قالت أمنيك بطول العنا
قلت فما بحتُ بسر الهوى **** قالت ولو بحتَ فما ضرنا
قلت فإني ميت هالك **** قالت فمت فهو لقلبي منى
قلت حرام قتل نفس بلا **** ذنب فقالت ذاك حلّ لنا
من يعشق العينين مكحولة **** بالسحر لا يأمن أن يفتنا
ومن لطائف ابن الوردي قوله في هذا النوع:
نمت وإبليس أتى **** بحياة منتدبه
فقال ما قولك في **** حشيشة منتخبه
فقلت لا قال ولا **** خمرة كرم مذهبه
فقلت لا قال ولا **** مليحة مطيبه
فقلت لا قال ولا **** أغيد بالبدر اشتبه
فقلت لا قال ولا **** آلة لهو مطربه
فقلت لا قال فنم **** ما أنت إلا خشبه
وقال الشيخ صفي الدين الحلي معارضا له:
وليلة طال سهادي بها **** فزارني إبليس عند الرقاد
فقال لي هل في شمعة **** كيسة تطرد عنك السهاد
قلت نعم قال وفي قهوة **** عتقها العاصر من عهد عاد
قلت نعم قال وفي مطرب**** إذا شدا يرقص منه الجماد
قلت نعم قال وفي طفلة **** في وجنتيها للحياء اتقاد
قلت نعم قال وفي شادن **** قد كحلت أجفانه بالسواد
قلت نعم قال فنم آمنا **** يا كعبة الفسق وركن الفساد
وجميل هنا قول علم الدين علي بن محمد السخاوي المقري وأنشدها لنفسه عند وفاته يرجو بها عفو الله ورحمته:
قالوا غدا نأتي ديار الحمى **** وينزل الركب بمغناهم
وكل من كان مطيعا لهم **** أصبح مسرورا بلقياهم
قلت فلِي ذنب فما حيلتي **** بأيّ وجه أتلقاهم
قالوا أليس العفو من شأنهم **** لاسيما عمّن ترجّاهم
المصادر:
كتاب البديع في البديع لابن المعتز ت247ه
العمدة في محاسن الشعر لابن رشيق القيرواني ت390ه
زهر الآداب للحصري القيرواني ت453ه
خزانة الأدب لابن حجة الحموي ت837ه
أنوار الربيع في أنواع البديع لابن معصوم الحسني ت1119ه
جمع وإعداد وتقديم: محمد أبورزق
يُتبع

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق