اللغة العربية: إبداع وإمتاع وإقناع
علم البديع
دروس مهمة لكل شاعر وكاتب وأديب
الدرس الثامن والثلاثون (38)
[ التوشيح ]
إتفق علماء البديع على أن التوشيح أن يكون معنى أول الكلام دالا على لفظ آخره، ولهذا سمّوه التوشيح فإنه ينزل فيه المعنى منزلة الوشاح، وينزل أول الكلام وآخره منزلة محل الوشاح من العاتق والكشح اللذين يجول عليهما الوشاح، وهذا النوع فرعه قدامة بن جعفر من ائتلاف القافية مع ما يدل عليه سائر البيت وقال فيه: التوشيح هو أن يكون في أول البيت معنى إذا فهم فهمت منه قافية البيت بشرط أن يكون المعنى المقدم بلفظه من جنس معنى القافية بلفظه.
ومن أعظم الشواهد على هذا النوع قوله تعالى: (إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين) فإن إصطفى يدل على أن الفاصلة (العالمين) لا باللفظ، لأن لفظ العالمين غير لفظ إصطفى ولكن بالمعنى، لأنه يعلم من لوازم إصطفاء شيء أن يكون مختارا على جنسه، وهؤلاء المصطفون من جنس العالمين
وقوله تعالى: (وآية لهم الليل نسلخ منه النهار فإذا هم مظلمون) .
قال ابن أبي الإصبع: فإن من كان حافظا لهذه السورة ـ أي سورة يس ــ متفطنا إلى أن مقاطع آيها النون، وسمع في صدر الآية انسلاخ النهار من الليل علم أن الفاصلة (مظلمون) لأن من انسلخ النهار عن ليله أظلم أي دخل في الظلمة.
ومن الأمثلة الشعرية قول الراعي النميري
فإنْ وُزِنَ الحصى ووزنتُ قومي **** وجدت حصى ضريبتهم رزينا
فإن السامع إذا فهم أن الشاعر أراد المفاخرة برزانة الحصى وتحقق أن القافية مجردة مطلقة رويها النون وحرف إطلاقها الألف ورأى في صدر البيت ذكر الزنة تحقق أن تكون القافية رزينا ليس إلا.
ونحوه قول الفرزدق من قصيدته التي أجاب بها جريرا:
فأغْلَقَ من وراءِ بني كُليْبٍ **** عَطِيَةُ من مَخازي اللؤمِ بابا
فإن السامع إذا تحقق أن القافية مجردة منطلقة رويها الباء وحرف إطلاقها الألف، ورأى في صدر البيت ذكر الإغلاق، لم يعتره شك في أن القافية (بابا) .
ومن عجائب أمثلة هذا النوع ما حكي عن عمر بن أبي ربيعة أنه أنشد عبد الله بن العباس رضي الله عنهما
تشط غدا دار جيراننا ...
فقال له عبد الله
وللدار بعد غد أبعد ...
فقال عمر: هكذا والله قلت فقال عبد الله بن العباس: وهكذا يكون.
ويقرب من هذه القصة قصة عدي بن الرقاع حين أنشد الوليد بن عبد الملك بحضرة جرير والفرزدق قصيدته التي مطلعها: عرف الديار توهما فاعتادها، حتى انتهى إلى قوله: تزجي أغن كأن إبرة روقه
ثم شغل الوليد عن الاستماع فقطع عدي الإنشاد فقال الفرزدق لجرير ما تراه يقول فقال جرير أراه يستلب بها مثلا
فقال الفرزدق إنه سيقول: قلم أصاب من الدواة مدادها
فلما عاد الوليد إلى الاستماع وعاد عدي إلى الإنشاد قال البيت
فقال الفرزدق والله لما سمعت صدر بيته رحمته فلما أنشد عجزه انقلبت الرحمة حسدا
ومنها قول الشريف الرضى
يا عذبة المبسم بُلِّي الجوى **** بنهلة من ريقك البارد
أرى غديراً شَبِماً ماؤُه **** فهل لذاك الماء من وارد
من لي به من عسل ذائب **** يجري خلال البرد الجامد
وقول أمية بن (أبي) الصلت:
أأذكر حاجتي أم قد كفاني ... حياؤك إن شيمتك الحياء
وعلمك بالأمور وأنت قرم ... لك الحسب المهذب والبناء
كريم لا يغيره صباح ... عن الخلق السني ولا مساء
الشاهد في البيت الثالث، فإن السامع إذا سمع صدره وقد عرف القافية لا يختلجه شك في أن القافية (مساء) .
وقول أبي فراس الحمداني:
ولما ثار سيف الدين ثرنا **** كما هيجت آسادا غضابا
أسنته إذا لاقى طعانا **** صوارمه إذا لاقى ضرابا
دعانا والأسنة مشرعات **** فكنا عند دعوته الجوابا
الشاهد في البيت الثالث أيضاً وهو ظاهر.
وقول أبي عبادة البحتري: والشاهد في البيت الثالث أيضاً:
ما لي وللأيام صرف صرفها **** حالي وأكثر في البلاد تقلبي
أمسي زميلا للظلام وأغتدي **** ردفا على كفل الصباح الأشهب
فأكون طورا مشرقا للمشرق **** الأقصى وطورا مغربا للمغرب
فإن صدر البيت يدل دلالة بينة على أن القافية (مغرب) .
وما أحسن قوله بعده، وهو من أبياته السائرة:
وإذا الزمان كساك حلة معدم **** فالبس لها حلل النوى وتغرب
وبيت صفي الدين الحلي:
هم أرضعوني ثدي الوصل حافلة **** فكيف يحصل منها حال منفطمي
فقد صدر بيت التوشيح بذكر الرضاع والثدي فما يخفى أن تكون القافية منفطما إلا على كل أجنبي من هذا العلم
المصادر:
كتاب البديع في البديع لابن المعتز ت247ه
العمدة في محاسن الشعر لابن رشيق القيرواني ت390ه
زهر الآداب للحصري القيرواني ت453ه
خزانة الأدب لابن حجة الحموي ت837ه
أنوار الربيع في أنواع البديع لابن معصوم الحسني ت1119ه
جمع وإعداد وتقديم: محمد أبورزق
يُتبع
علم البديع
دروس مهمة لكل شاعر وكاتب وأديب
الدرس الثامن والثلاثون (38)
[ التوشيح ]
إتفق علماء البديع على أن التوشيح أن يكون معنى أول الكلام دالا على لفظ آخره، ولهذا سمّوه التوشيح فإنه ينزل فيه المعنى منزلة الوشاح، وينزل أول الكلام وآخره منزلة محل الوشاح من العاتق والكشح اللذين يجول عليهما الوشاح، وهذا النوع فرعه قدامة بن جعفر من ائتلاف القافية مع ما يدل عليه سائر البيت وقال فيه: التوشيح هو أن يكون في أول البيت معنى إذا فهم فهمت منه قافية البيت بشرط أن يكون المعنى المقدم بلفظه من جنس معنى القافية بلفظه.
ومن أعظم الشواهد على هذا النوع قوله تعالى: (إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين) فإن إصطفى يدل على أن الفاصلة (العالمين) لا باللفظ، لأن لفظ العالمين غير لفظ إصطفى ولكن بالمعنى، لأنه يعلم من لوازم إصطفاء شيء أن يكون مختارا على جنسه، وهؤلاء المصطفون من جنس العالمين
وقوله تعالى: (وآية لهم الليل نسلخ منه النهار فإذا هم مظلمون) .
قال ابن أبي الإصبع: فإن من كان حافظا لهذه السورة ـ أي سورة يس ــ متفطنا إلى أن مقاطع آيها النون، وسمع في صدر الآية انسلاخ النهار من الليل علم أن الفاصلة (مظلمون) لأن من انسلخ النهار عن ليله أظلم أي دخل في الظلمة.
ومن الأمثلة الشعرية قول الراعي النميري
فإنْ وُزِنَ الحصى ووزنتُ قومي **** وجدت حصى ضريبتهم رزينا
فإن السامع إذا فهم أن الشاعر أراد المفاخرة برزانة الحصى وتحقق أن القافية مجردة مطلقة رويها النون وحرف إطلاقها الألف ورأى في صدر البيت ذكر الزنة تحقق أن تكون القافية رزينا ليس إلا.
ونحوه قول الفرزدق من قصيدته التي أجاب بها جريرا:
فأغْلَقَ من وراءِ بني كُليْبٍ **** عَطِيَةُ من مَخازي اللؤمِ بابا
فإن السامع إذا تحقق أن القافية مجردة منطلقة رويها الباء وحرف إطلاقها الألف، ورأى في صدر البيت ذكر الإغلاق، لم يعتره شك في أن القافية (بابا) .
ومن عجائب أمثلة هذا النوع ما حكي عن عمر بن أبي ربيعة أنه أنشد عبد الله بن العباس رضي الله عنهما
تشط غدا دار جيراننا ...
فقال له عبد الله
وللدار بعد غد أبعد ...
فقال عمر: هكذا والله قلت فقال عبد الله بن العباس: وهكذا يكون.
ويقرب من هذه القصة قصة عدي بن الرقاع حين أنشد الوليد بن عبد الملك بحضرة جرير والفرزدق قصيدته التي مطلعها: عرف الديار توهما فاعتادها، حتى انتهى إلى قوله: تزجي أغن كأن إبرة روقه
ثم شغل الوليد عن الاستماع فقطع عدي الإنشاد فقال الفرزدق لجرير ما تراه يقول فقال جرير أراه يستلب بها مثلا
فقال الفرزدق إنه سيقول: قلم أصاب من الدواة مدادها
فلما عاد الوليد إلى الاستماع وعاد عدي إلى الإنشاد قال البيت
فقال الفرزدق والله لما سمعت صدر بيته رحمته فلما أنشد عجزه انقلبت الرحمة حسدا
ومنها قول الشريف الرضى
يا عذبة المبسم بُلِّي الجوى **** بنهلة من ريقك البارد
أرى غديراً شَبِماً ماؤُه **** فهل لذاك الماء من وارد
من لي به من عسل ذائب **** يجري خلال البرد الجامد
وقول أمية بن (أبي) الصلت:
أأذكر حاجتي أم قد كفاني ... حياؤك إن شيمتك الحياء
وعلمك بالأمور وأنت قرم ... لك الحسب المهذب والبناء
كريم لا يغيره صباح ... عن الخلق السني ولا مساء
الشاهد في البيت الثالث، فإن السامع إذا سمع صدره وقد عرف القافية لا يختلجه شك في أن القافية (مساء) .
وقول أبي فراس الحمداني:
ولما ثار سيف الدين ثرنا **** كما هيجت آسادا غضابا
أسنته إذا لاقى طعانا **** صوارمه إذا لاقى ضرابا
دعانا والأسنة مشرعات **** فكنا عند دعوته الجوابا
الشاهد في البيت الثالث أيضاً وهو ظاهر.
وقول أبي عبادة البحتري: والشاهد في البيت الثالث أيضاً:
ما لي وللأيام صرف صرفها **** حالي وأكثر في البلاد تقلبي
أمسي زميلا للظلام وأغتدي **** ردفا على كفل الصباح الأشهب
فأكون طورا مشرقا للمشرق **** الأقصى وطورا مغربا للمغرب
فإن صدر البيت يدل دلالة بينة على أن القافية (مغرب) .
وما أحسن قوله بعده، وهو من أبياته السائرة:
وإذا الزمان كساك حلة معدم **** فالبس لها حلل النوى وتغرب
وبيت صفي الدين الحلي:
هم أرضعوني ثدي الوصل حافلة **** فكيف يحصل منها حال منفطمي
فقد صدر بيت التوشيح بذكر الرضاع والثدي فما يخفى أن تكون القافية منفطما إلا على كل أجنبي من هذا العلم
المصادر:
كتاب البديع في البديع لابن المعتز ت247ه
العمدة في محاسن الشعر لابن رشيق القيرواني ت390ه
زهر الآداب للحصري القيرواني ت453ه
خزانة الأدب لابن حجة الحموي ت837ه
أنوار الربيع في أنواع البديع لابن معصوم الحسني ت1119ه
جمع وإعداد وتقديم: محمد أبورزق
يُتبع

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق