musique

الخميس، 27 سبتمبر 2018

[ الهجو في معرض المدح ]

اللغة العربية: إبداع وإمتاع وإقناع
علم البديع
دروس مهمة لكل شاعر وكاتب وأديب
الدرس السابع والثلاثون (37)
اللغة العربية: إبداع وإمتاع وإقناع
مراجعة الدروس السابقة مع تلخيصها
الجزء الثالث:
(الهجو في معرض المدح، الإلتفات،الإفتنان، التخيير، الإبهام، إرسال المثل، المراجعة).
11 [ الهجو في معرض المدح ]
الهجو في معرض المدح: وهو أن يقصد المتكلم هجاء إنسان فيأتي بألفاظ موجهة ظاهرها المدح وباطنها القدح فيوهم أنه يمدحه وهو يهجوه كقول الحماسي
يُجزُون من ظلم أهل الظلم مغفرةً **** ومن إساءة أهل السوء إحسانا
كأن ربك لم يخلق لخشيته **** سواهم من جميع الناس إنسانا
فليت لي بهم قوما إذا ركبوا **** شنوا الإغارة فرسانا وركبانا
فظاهر هذا الكلام المدح بالحلم والعفة والخشية والتقوى وباطنه المقصود أنهم في غاية الذل وعدم المنعة.
ومعنى هذه الأبيات: أنّ الذي يغفر لمن ظلمه ويحسن لمن أساء إليه أنه ذليل حقير مهان، لا يقدر على دفع الظلم والسوء، فأنت إذا قرأت الأبيات ظهر لك أنا مدح لهم ولكن باطنها وحقيقتها هي ذم وهجو لهم.
أما قوله في البيت الأخير: فليت لي بهم قوما إذا ركبوا
إذا قرأته تظن أنه يقصد أنه يتمنى أن يتخذهم قوما يشن بهم الغارات، ولكن الحقيقة أنه يتمنى أن لو كان له قوم غيرهم فيشن عليهم الغارة لحقارتهم وذلهم.
12 [ الإلتفات ]
الإلتفات - مأخوذ من إلتفات الإنسان من يمينه إلى شماله، ومن شماله إلى يمينه، وهو عند الجمهور: التعبير عن معنى بطريق من الطرق الثلاثة، أعني: التكلم والخطاب والغيبة، بعد التعبير عنه بطريق آخر منها.
وفسر قدامة بن جعفر الإلتفات بأن قال: هو أن يكون المتكلم آخذا في معنى فيعترضه إما شك فيه أو ظنَّ أن رادّاً يردُّه عليه أو سائلا يسأله عن سببه فيلتفت إليه بعد فراغه منه فإما أن يجلي الشك أو يؤكده أو يذكر سببه.
ومن خلال التعاريف يبدو أن الإلتفات ينقسم إلى نوعين::
النوع الأول: وهو التعبير عن المعنى بأحد الطرق الثلاثة، وهي التكلم، والخطاب والغيبة،
وأقسامه ستة:
أ) الإلتفات من الغيبة إلى الخطاب، ب) الإلتفات من الخطاب إل الغيبة.
جـ ) الإلتفات من الغيبة إلى التكلم، د) الإلتفات من التكلم إلى الغيبة.
ه) الإلتفات من الخطاب إلى التكلم، و) الإلتفات من التكلم إلى الخطاب.
ومثاله قوله تعالى: (الحمد لله رب العالمين) إلى قوله (إياك نعبد وإياك نستعين) فالتفت من الغيبة إلى الخطاب
مثاله قوله تعالى: (حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم) والأصل بكم، فلتفت من الخطاب إلى الغيبة
الإلتفات من الغيبة إلى التكلم، ومثاله قوله تعالى: (والله الذي أرسل الرياح فتثير سحاباً فسقناه إلى بلد ميتٍ) والأصل (فساقه) .
والأنواع الأخرى تقاس على ذلك وأمثلتها كثيرة في القرآن والشعر.
النوع الثاني من الإلتفات وقد يطلق على معنيين:
المعنى الأول: تعقيب الكلام بجملة مستقلة متلافية له في المعنى، على طريق المثل أوالدعاء أو نحوهما كما في قوله تعالى: (وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا) وقوله تعالى: (ثم انصرفوا، صرف الله قلوبهم) .
والمعنى الثاني: أن تذكر معنىً فتتوهم أن السامع اختلجه شيء فتلتفت إلى كلام تزيل به إختلاجه، ثم ترجع إلى مقصودك، كقول الرماح ابن ميادة:
فلا صرمه يبدو وفي اليأس راحة **** ولا وصله يصفو لنا فنكارمه
كأنه لما قال: فلا صرمه يبدو، قيل له: وما تصنع به؟ فأجاب بقوله: وفي اليأس راحة، ولمّا قال: ولا وصله يصفو، قيل له وما تصنع به؟ أجاب: نكارمه.
13 [ الإفتنان ]
الإفتنان هو أن يفتن الشاعر فيأتي بفنين متضادين من فنون الشعر في بيت واحد فأكثر مثل النسيب والحماسة والمديح والهجاء والتهنئة والعزاء
ولا يختص بالنظم، بل يكون في النثر أيضاً كقوله تعالى: (كل من عليها فانٍ. ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام) فإنه جمع بين الفخر والتعزية، فعزى سبحانه جميع المخلوقات من الإنس والجن والملائكة وسائر أصناف ما هو قابل للحياة، وتمدَّح بالبقاء بعد فناء الموجودات في عشر كلمات، مع وصفهِ ذاتَه بعد انفراده بالبقاء، بالجلال والإكرام.
والجمع بين التهنية والتعزية في باب الافتنان أصعب مسلكاً من الجمع بين غيرهما من فنون الكلام، لشدة ما بينهما من التناقض.
ومما جمع فيه من النظم بين التهنئة والتعزية قول بعض الشعراء ليزيد بن معاوية لما دفن أباه وجلس للتعزية
إصبر يزيد فقد فارقت ذا ثقة **** واشكر حباء الذي بالملك أصفاكا
لا رزء أصبح في الإسلام نعلمه **** كما رزئت ولا عقبى كعقباكا
ومن أظرف ما وقع في هذا النوع أن ابن حجاج جمع في الافتنان بين التعزية والمدح المؤدي إلى التهكم بقوله في تعزية بعض الرؤساء بأبيه في بيت واحد وهو
أبوك قد جمّل أهل الثرى **** فجمّل الله به المقبره
ومن الافتنان بالهجو والمدح، قول ربيعة في يزيد بن حاتم، يفضله على يزيد بن أسيد وكان في لسانه تمتمة، فعرض بها في هذه الأبيات:
لشتّان ما بين اليزيدين في الندى **** يزيد سليم والأغر ابن حاتمِ
فهم الفتى الأزدي أتلاف ماله **** وهم الفتى القيسي جمع الدراهم
فلا يحسب التمتام أني هجوته ****ولكنني فضلت أهل المكارم
وهذا من أشد أنواع الهجاء، وهو الذي يسمى بالمقذع.
14 [ التخيير ]
التّخْيير هو أن يأتي الشاعر ببيت يسوغ فيه أن يقفي بقواف شتى فيتخير منها قافية يرجحها على سائرها تدل على حسن اختياره، لكونها أنسب وأمكن من غيرها.
كقول الحريري:
إن الغريب الطويل الذيل ممتهن **** فكيف حال غريب ما له قوت
فإنه يسوغ أن يقال ما له مال ما له سبب ما له أحد ما له قوت فإذا تأملت ما له قوت وجدتها أبلغ من الجميع وأدل على القافية .
ولم يسمع في هذا النوع الطف من أبيات ديك الجن:
قولي لطيفك ينثني عن مضجعي عند المنام ... عند الرقاد عند الهجوع عند الهجود عند الوسن.
فعسى أنام فتنطفي نار تأجج في عظامي ... في فؤادي في ضلوعي في كبودي في البدن.
جسد تقلبه الأكف على الفراش من السقام ... من القتاد من الدموع من الوقود من الحزن.
أما أنا فكما علمت فهل لوصلك دوام ... من معاد من رجوع من وجود من ثمن.
فالأبيات جميعها تنتهي عند قافية الميم، لكنه أضاف قوافي أربع كلها تناسب المعنى ولك أن تختار منها ما تشاء، لكن الأولى أولى وأرجح.
وأما الشعر الذي على قافيتين فكثير جدا من ذلك قول ابن الرومي:
لم تؤذن الدنيا به من صروفها **** يكون بكاء الطفل ساعة يولد يوضع.
وإلا فما يبكيه منها وإنها **** لا فسح مما كان فيه وأرغد وأوسع.
إذا أبصر الدنيا استهل كأنه **** بما سوف يلقى من أذاها يهدد يفزع.
فلك أن تختار القافية الأولى قافية الدال، ولك أن تختار القافية الثانية قافية العين، ولكن الأولى أحسن وأرجح.
15 [ المراجعة ]
المراجعة- وسماها جماعة منهم الإمام فخر الدين الرازي: السؤال والجواب- عبارة عن أن يحكي المتكلم ما جرى بينه وبين غيره من محادثة، أو سؤال وجواب، بعبارة رشيقة وسبك لطيف، يستحلي ذوقه السمع، إما في بيت واحد أو في أبيات.
كقول عمر بن أبي ربيعة
بينما يَنْعتْنَني أبصَرْنَني **** مِثلَ قَيْدِ الرُّمْحِ يَعْدو بِيَ الأَغَرّْ
قالت الكبرى تُرى من ذا الفتى **** قالت الوسطى لها هذا عُمرْ
قالت الصغرى وقد تيَّمتها **** قد عرفناه وهل يَخفى القمرْ
وعلماء البديع أجمعوا على إستحسان قول وضاح اليمن من أبيات
قالت ألا لا تلجنَّ دارنا **** إن أبانا رجل غائر
قلت فإني طالب غُرّةً **** منه وسيفي صارم باتر
قالت فإن البحر ما بيننا **** قلت فإني سابح ماهر
قالت فإن القصر عاليَ البنا **** قلت فإني فوقه طائر
قالت فحولي إخوة سبعة **** قلت فإني غالب ظافر
قالت فليث رابض بيننا **** قلت فإني أسد عاقر
قالت أليس الله من فوقنا **** قلت بلى وهو لنا غافر
قالت فقد أعيَيْتَنا حيلة **** فأْتِ إذا ما هجع السامر
واسقُطْ علينا كسقوط الندى **** ليلة لا ناهٍ ولا آمر
المصادر:
كتاب البديع في البديع لابن المعتز ت247ه
العمدة في محاسن الشعر لابن رشيق القيرواني ت390ه
زهر الآداب للحصري القيرواني ت453ه
خزانة الأدب لابن حجة الحموي ت837ه
أنوار الربيع في أنواع البديع لابن معصوم الحسني ت1119ه
جمع وإعداد وتقديم: محمد أبورزق

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق