musique

الجمعة، 21 سبتمبر 2018

[ التّخْيير ]

اللغة العربية: إبداع وإمتاع وإقناع
علم البديع
دروس مهمة لكل شاعر وكاتب وأديب
الدرس الواحد والثلاثون (31)
[ التّخْيير ] 

التّخْيير هو أن يأتي الشاعر ببيت يسوغ فيه أن يقفي بقواف شتى فيتخير منها قافية يرجحها على سائرها تدل على حسن اختياره، لكونها أنسب وأمكن من غيرها.
كقول الحريري:
إن الغريب الطويل الذيل ممتهن **** فكيف حال غريب ما له قوت
فإنه يسوغ أن يقال ما له مال ما له سبب ما له أحد ما له قوت فإذا تأملت ما له قوت وجدتها أبلغ من الجميع وأدل على القافية وأمس بذكر الحاجة وأبين للضرورة وأشجى للقلوب وأدعى للاستعطاف فلذلك رجحت على ما ذكرناه.
ولم يسمع في هذا النوع الطف من أبيات ديك الجن:
قولي لطيفك ينثني عن مضجعي عند المنام ... عند الرقاد عند الهجوع عند الهجود عند الوسن.
فعسى أنام فتنطفي نار تأجج في عظامي ... في فؤادي في ضلوعي في كبودي في البدن.
جسد تقلبه الأكف على الفراش من السقام ... من القتاد من الدموع من الوقود من الحزن.
أما أنا فكما علمت فهل لوصلك دوام ... من معاد من رجوع من وجود من ثمن.
فالأبيات جميعها تنتهي عند قافية الميم
والقوافي المثبتة حيال كل بيت، يناسب كل منه المعنى، لكن الأولى أولى وأرجح..
وبيت صفي الدين الحلي رحمه الله تعالى
عدمت صحة جسمي إذ وثقت بهم ... فما حصلت على شيء سوى الندم
فلِذِكرِ عدمتُ في صدر البيت يليق أن تكون القافية العدم ولذكر الصحة يليق أن تكون القافية السقم ولذكر الوثوق يليق أن تكون القافية الندم والبيت في غاية الرقة والانسجام
وصنع أبو القاسم علي بن منجب المعروف بابن الصيرفي بيتين وهما:
لما غدوت مليك الأرض أفضل من ****جلت مفاخره عن كل إطراء.
تناثرت أدوات النطق فيك على **** ما يصنع الناس من نظم وإنشاء.
ثم أنه روى البيتين على جميع حروف المعجم.
وأما الشعر الذي على قافيتين فكثير جدا من ذلك قول ابن الرومي:
لم تؤذن الدنيا به من صروفها **** يكون بكاء الطفل ساعة يولد يوضع.
وإلا فما يبكيه منها وإنها **** لا فسح مما كان فيه وأرغد وأوسع.
إذا أبصر الدنيا استهل كأنه **** بما سوف يلقى من أذاها يهدد يفزع.
فابن الرومي أتى بقافيتين في كل بيت قافية الدال ثم أتبعها بقافية العين، وكلاهما يؤدي نفس المطلوب، فلك أن تقف عند قافية الدال ولك أن تختار قافية العين، وإن كانت قافية الدال أولى وأبلغ.
ولأبي قاسم محمد بن جُزَي المغربي:
أيا من كففت النفس عنه تعففا **** وفي النفس من شوقي إليه غرام لهيب.
إلا إنما صبري كصبر وإنما **** على النفس من تقوى الإله لجام رقيب.
وبيت ابن معصوم الحسني:
تخيير قلبي أضناني بهم ومحا **** مني الوجود والجاني غلى الندم.
فذكر (الضنى) يليق به (السقم والألم) وذكر (الوجود) يليق به (العدم) وذكرهما معا يليق بهم (السأم) ولكن (الندم) أولى لمناسبة التخيير الذي مبنى البيت عليه لفظا ومعنى.
وبيت الشيخ إسماعيل المقري قوله:
من لي بعيش حلا الزمان به **** وعاضني عنه زادا زاد في نهمي.
قال في شرحه: كان يمكنه أن يقول: زاد في المي، زاد في قرمي، زاد في ضرمي؛ ونحو ذلك.
وبيت ابن حجة الحموي:
تخيروا لي سماع العذل وانتزعوا **** قلبي وزادوا نحولي مت من سقمي
فسماع العذل يليق به السأم وانتزاع القلب يليق به الألم وزيادة النحول يليق بها السقم وتقديم السقم هنا لقربه من النحول ولم يدخل إلى هذا البيت من الأجانب قافية
المصادر:
كتاب البديع في البديع لابن المعتز ت247ه
العمدة في محاسن الشعر لابن رشيق القيرواني ت390ه
خزانة الأدب لابن حجة الحموي ت837ه
أنوار الربيع في أنواع البديع لابن معصوم الأندلسي ت 1119ه
جمع وإعداد وتقديم: محمد أبورزق
يُتبع

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق