musique

الأربعاء، 5 سبتمبر 2018

المطابقة

اللغة العربية: إبداع وإمتاع وإقناع
علم البديع
دروس مهمة لكل شاعر وكاتب وأديب
الدرس السابع عشر (17)
المطابقة
المطابقة يقال لها التطبيق والطباق، والمطابقة في اللغة أن يضع البعير رِجله في موضع يده، فإذا فعل ذلك قيل طابق البعير.
وقال الأصمعي المطابقة أصلها وضعُ الرِّجل موضع اليد في مشي ذوات الأربع
وقال الخليل بن أحمد يقال طابقت بين الشيئين إذا جمعت بينهما على حد واحد
وليس بين تسمية اللغة وتسمية الاصطلاح مناسبة، لأن المطابقة في الاصطلاح: الجمع بين الضدين في كلام أو بيت شعر، كالإيراد والإصدار، والليل والنهار، والبياض والسواد.
وليس في الألوان ما تحصل به المطابقة غيرهما أعني البياض والسواد فقد قال الرُّمّاني وغيره: البياض والسواد ضدان بخلاف بقية الألوان لأن كلا منهما إذا قوي زاد بعدا من صاحبه
وإذا ألحقوا بقية الألوان بالمطابقة فالتدبيج أحق منها بذلك فإنهم أوردوا في المطابقة من التدبيج قول ابن حيوس على جهة الكناية: [من الكامل]
فافخرْ بعمٍّ عمَّ جودُ يمينه **** وأبٍ لأفعال الدَّنية آبي
ببياضِ عرضٍ واحمرارِ صوارمٍ ***وسوادِ نقعٍ واخضرارِ رحابِ
وقد تقرر أن المطابقة الجمع بين الضدين عند غالب الناس سواء كانت من إسمين أو من فعلين أو غير ذلك
قال الأخفش وقد سئل عنها: أجد قوما يختلفون فيها فطائفة وهم الأكثر يرون أنها الشيء وضدُّه وطائفة يزعمون أنها اشتراك المعنيين في لفظ واحد منهم قدامة بن جعفر الكاتب، وأوردوا في ذلك قول زياد الأعجم
ونُبِّئتُهمْ يستنصِرون بكاهلٍ ... وللؤم فيهم كاهلٌ وسنامُ
فكاهل الأول اسم رجل والثاني كاهل الإنسان العضو المعروف فاللفظ واحد والمعنيان مختلفان وهذا هو الجناس التام بعينه. وقال الأخفش من قال إن المطابقة اشتراك المعنيين في لفظ واحد فقد خالف الخليل والأصمعي، فقيل أوكانا يعرفان ذلك فقال: سبحان الله من أعلم منهما بطيبه وخبيثه وما أحسن ما أتى الأخفش في الجواب بالمطابقة حين قال: بطيبه وخبيثه..
ولقد شفى زكي الدين بن أبي الأصبع القلوب في ما قرره فإنه قال المطابقة ضربان: ضرب يأتي بألفاظ الحقيقة، وضرب يأتي بألفاظ المجاز. فما كان بلفظ الحقيقة سُمّي طباقا، وما كان بلفظ المجاز سُمي تكافؤا
فمثال التكافؤ وهو من إنشادات قدامة: [من الكامل]
حلو الشمائل وهو مر باسل ... يحمي الذمار صبيحة الإرهاق
فقوله حلو ومر يجري مجرى الاستعارة إذ ليس في الإنسان ولا في شمائله ما يذاق بحاسة الذوق.
وما أحلى قول القائل في هذا الباب: [من الطويل]
إذا نحن سرنا بين شرق ومغرب ... تحرك يقظان التراب ونائمه
فالمطابقة بين اليقظان والنائم ونسبتهما إلى التراب على سبيل المجاز وهذا هو التكافؤ عند ابن أبي الأصبع
وأما المطابقة الحقيقية التي لم تأت بغير ألفاظ الحقيقة فأعظم الشواهد عليها قوله تعالى ( وأنه هو أضحك وأبكى وأنه هو أمات وأحيى ) وكقول النبي للأنصار رضي الله تعالى عنهم ( إنكم لتكثرون عند الفزع وتقلون عند الطمع ) فانظر إلى هذه البلاغة النبوية والمناسبة التامة ضمن المطابقة
ومن الشواهد الشعرية قول الحماسي: [من الطويل]
تأخرتُ أستبقي الحياة فلم أجد ... لنفسي حياة مثل أن أتقدما
ولآخر في وصف فرس وأجاد: [من الخفيف]
وأرى الوحش في يميني إذا ما ... كان يوما عنانه بشمالي
والمعجز الذي لا تصل إليه قدرة مخلوق قوله تعالى ( وما يستوي الأعمى والبصير ولا الظلمات ولا النور ولا الظل ولا الحرور وما يستوي الأحياء ولا الأموات ) فانظر إلى عظم هذه المطابقة وما فيها من الوجازة
ومن ذلك في الحديث قول النبي ( فليأخذ العبد من نفسه لنفسه ومن ديناه لآخرته ومن الشبيبة للكبر ومن الحياة للممات فوالذي نفسي بيده ما بعد الحياة مستعتب ولا بعد الدنيا دار إلا الجنة والنار )
ــ ولهم مطابقة السلب بعد الإيجاب، وهي المطابقة التي لم يصرح فيها بإظهار الضدين كقوله تعالى ( قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون ) فالمطابقة حاصلة بين إيجاب العلم ونفيه لأنهما ضدان
ومثله قول البحتري: [من الطويل]
يُقيَّضُ لي من حيث لا أعلم النّوَى ... ويسري إليَّ الشوقُ من حيث أعلم
فالمطابقة باطنة ومعناها ظاهر فإن قوله لا أعلم كقوله جاهل
والسابق إلى هذا امرؤ القيس بقوله: [من الطويل]
جزعتُ ولم أجزع من البيْنِ مَجزعا ... وعَزّيتُ قلبا بالكواعب مولعا
فالمطابقة حاصلة بين إيجاب الجزع ونفيه، ومن المستحسن في ذلك قول بعضهم:[من الكامل]
خُلِقوا وما خُلقوا لمكرُمةٍ ... فكأنهم خُلقوا وما خُلقوا
رُزقوا وما رُزقوا سماحَ يدٍ ... فكأنهم رُزقوا وما رُزقوا
ومثله قول بشر بن هارون وقد ظهر منه الفرح عند الموت فقيل له أتفرح بالموت فقال: ليس قدومي على خالق أرجوه كمقامي عند مخلوق لا أرجوه
فالمطابقة حاصلة بين إيجاب الرجاء ونفيه
ــ ولهم إيهام المطابقة كما لهم إيهام التورية والشاهد على إيهام المطابقة قول الشاعر: [من الكامل]
يبدي وشاحا أبيضا من سَيْبِه ... والجوُّ قد لبس الوشاحَ الأغبرا
فإن الأغبر ليس بضد الأبيض وإنما يوهم بلفظه أنه ضده ومثله قول دعبل: [من الكامل]
لا تعجبني يا سلم من رجل ... ضحك المشيب برأسه فبكى
فالضحك هنا من جهة المعنى ليس بضد البكاء لأنه كناية عن كثرة الشيب ولكنه من جهة اللفظ يوهم المطابقة
ــ ولهم الملحق بالطباق وهو راجع إلى الضدين كقوله تعالى ( أشدّاءُ على الكفار رُحماءُ بينَهم ) طابق الأشداء بالرحماء لأن الرحمة فيها معنى اللين
ومثله قوله تعالى ( مما خطيئاتهم أغرقوا فأدخلوا نارا ) فالمطابقة بين الغرق ودخول النار، فإنّ من دخل النار إحترق والإحتراق ضد الغرق
ومنه قول الحماسي: [من الطويل]
لهم جلُّ مالي إن تتابع لي غنى ... وإن قلَّ مالي لا أكلفهم رفدا
ففي قوله تتابع لي غنى معنى الكثرة
وأما قول أبي الطيب المتنبي: [من الطويل]
لمن تطلبُ الدنيا إذا لم تُرِد بها ... سرورَ محبٍّ أو إساءةَ مجرم
فمتفق عليه أنه من الطباق الفاسد فإن المجرم ليس بضد للمحب بوجه ما وليس للمحب ضد غير المبغض
ــ وذكروا في آخر الباب طباق الترديد وهو أن ترد آخر الكلام المطابق على أوله فإن لم يكن الكلام مطابقا فهو من رد الإعجاز على الصدور ومنه قول الأعشى: [من البسيط]
لا يَرْقعُ الناسُ ما أوْهوا وإن جَهِدوا ... طولَ الحياة ولا يُوهُون ما رَقَعوا
وخلاصة القول: أن المطابقة التي يأتي بها الناظم مُجرّدة ليس تحتها كبير أمر، ونهاية ذلك أن يطابق الضدَّ بالضدِّ وهو شيء سهل اللهم إلا أن تترشح بنوع من أنواع البديع يشاركه في البهجة والرونق، كقوله تعالى ( تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي وترزق من تشاء بغير حساب ) ففي العطف بقوله تعالى ( وترزق من تشاء بغير حساب ) دلالة على أن من قدرَ على تلك الأفعال العظيمة قدر على أن يرزق بغير حساب من شاء من عباده وهذه مبالغة التكميل المشحونة بقدرة الرب سبحانه وتعالى، فانظر إلى عظم كلام الخالق هنا فقد اجتمع فيه المطابقة الحقيقية والعكس الذي لا يُدركُ لوجازته وبلاغته ومبالغة التكميل التي لا تليق بغير قدرته
ومثل ذلك قول امرئ القيس: [من الطويل]
مكر مفر مقبل مدبر معا ... كجلمود صخر حطه السيل من عل
فالمطابقة في الإقبال والإدبار ولكنه لما قال (معاً) زادها تكميلا في غاية الكمال فإن المراد بها قرب الحركة في حالتي الإقبال والإدبار وحالتي الكر والفر فلو ترك المطابقة مجردة من هذا التكميل ما حصل لها هذه البهجة ولا هذا الموقع ثم إنه استطرد بعد تمام المطابقة وكمال التكميل إلى التشبيه على سبيل الاستطراد البديعي ولم يكن قد ضرب لأنواع البديع في بيوت العرب وتد ولا امتد له سبب
وقد اشتمل بيت امرئ القيس على المطابقة والتكميل والاستطراد على طريقة، فإن ابن المعتز قال هو أن يكون المتكلم في معنى فيخرج منه بطريق التشبيه إلى معنى آخر
وممن كسا المطابقة ديباجة التورية أبو الطيب المتنبي حيث قال: [من الطويل]
برغم شبيبٍ فارقَ السيفُ كفّه ... وكانا على العِلّاتِ يصطحبان
كأن رقابَ الناس قالت لسيفه ... رفيقك قَيْسِيٌّ وأنت يماني
لعمري لقد رفع أبو الطيب قدر المطابقة وأزال حقارتها بمجاورة هذا النوع البديعي الذي عظم عند أهل الأدب قدرا
وأبو تمام كساها ديباجة المجانسة بقوله: [من البسيط]
بيض الصفائح لا سود الصحائف في ... متونهن جلاء الشك والريب
بيض وسود = مطابقة
الصفائح والصحائف = جناس مقلوب
المصادر:
كتاب البديع في البديع لابن المعتز ت247ه
العمدة في محاسن الشعر لابن رشيق القيرواني ت390ه
زهر الآداب للحصري القيرواني ت453ه
خزانة الأدب لابن حجة الحموي ت837ه
أنوار الربيع في أنواع البديع لابن معصوم الحسني ت1119ه
جمع وإعداد وتقديم: محمد أبورزق
يُتبع

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق