musique

الأربعاء، 26 سبتمبر 2018

الإستعارة، الإستطراد، المطابقة، المقابلة، الإستدراك. 1) الإستعارة

اللغة العربية: إبداع وإمتاع وإقناع
علم البديع
دروس مهمة لكل شاعر وكاتب وأديب
الدرس الخامس والثلاثون (35)
مراجعة الدروس السابقة مع تلخيصها
الجزء الأول:
الإستعارة، الإستطراد، المطابقة، المقابلة، الإستدراك.
1) الإستعارة
حقيقة الاستعارة: أن تُستعار الكلمة من شيء معروف بها إلى شيء لم يعرف بها، وحكمة ذلك إظهار الخفي، أو إيضاح الظاهر الذي ليس بجلي، أو حصول المبالغة أو المجموع.
وأركانها ثلاثة: المستعارمنه، والمستعار ، والمستعار له.
كقوله تعالى: (واشتعل الرأس شيبا)
فالنار مستعار منها والاشتعال مستعار والشيب مستعار له.
وأقسامها كثيرة باعتبارات:
فتنقسم باعتبار اللفظ إلى أصلية، وهي: ما كان اللفظ المستعار فيها اسم جنس، مثل: رأيت أسدا يرمي،
وتبعية، وهي: ما كان اللفظ فيها غير اسم الجنس كالفعل والمشتقات
مثل قوله تعالى: (فاصدع بما تؤمر) فإن المستعار منه صدع الزجاجة، وهو كسرها، والمستعار له تبليغ الرسالة
وتنقسم باعتبار آخر - غير اعتبار اللفظ والطرفين والجامع - إلى ثلاثة أقسام: مطلقة ومجردة ومرشحة.
المطلقة، هي ما لم تقرن بصفة ولا تفريع كلام مما يلائم المستعار أو المستعار منه نحو عندي أسد، والمراد بالصفة، الصفة المعنوية لا النعت.
والمجردة هي ما قرن بما يلائم المستعار كقول كثير:
غمر الرداء إذا تبسم ضاحكاً ... علقت بضحكته رقاب المالِ
فإنه استعار الرداء للعطاء، لأنه يصون عرض صاحبه كما يصون الرداء ما يلقى عليه، ثم وصفه بالغمر الذي يلائم العطاء لا الرداء، فنظر إلى المستعار له تجريداً للاستعارة.
والمرشحة هي ما قرن بما يلايم المستعار منه كقوله تعالى: (أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم) فإنه استعار الاشتراء للاستبدال والاختيار، ثم قرنها بما يلائم الاشتراء من الربح والتجارة، فنظر إلى المستعار منه.
وهناك أقسام أخرى للإستعارة غير ما ذكرناه.
والإستعارة إنما هي من إتساع العرب في الكلام اقتدارا وليس ضرورة، لأن ألفاظ العرب أكثر من معانيهم، وليس ذلك في لغة أحد من الأمم غيرهم.فإنما استعاروا مجازا واتساعا، لهذا تجد اللفظة الواحدة يُعبّر بها عن معان كثيرة نحو العين التي تكون جارحة وتكون الماء، وتكون الميزان، وتكون المطر الدائم،وتكون نفس الشيء وذاته، وتكون الدينار،وتكون الجاسوس، وغير ذلك.
2) الإستطراد
الإستطراد في اللغة مصدر إستطرد الفارس من قَرْنِه في الحرب وذلك أن يفرّ من بين يديه يوهمه الإنهزام ثم يعطف عليه على غرّة منه، وهو ضرب من المكيدة. وفي الإصطلاح أن تكون في غرض من أغراض الشعر توهم أنك مستمر فيه ثم تخرج منه إلى غيره لمناسبة بينهما ولا بد من التصريح باسم المستطرَد به بشرط أن لا يكون قد تقدم له ذكر، ثم ترجع إلى الأول وتقطع الكلام فيكون المستطرد به آخر كلامك،
فمنه قوله تعالى في كتابه العزيز: ( ألا بعدا لمدين كما بعدت ثمود ) فذكرُ ثمودَ هو إستطراد.
وقيل إن أول شاهد ورد في هذا النوع وسار مسير الأمثال قول السموأل: [ من الطويل]
وإنّا لقوم لا نرى القتلَ سُبَّة **** إذا ما رأته عامر وسلول
فانظر إلى خروجه الداخل في الافتخار إلى الهجو وحسن عوده إلى ما كان عليه من الافتخار بقوله
يقرِّب حبُّ الموتِ آجالَنا لنا **** وتكرهُه آجالُهم فتطول
ومنه قول حسان بن ثابت رضي الله تعالى عنه: [من الكامل]
إنْ كُنتِ كاذبةَ الذي حدَّثْتِني **** فنجوتِ منْجَى الحارث بن هشام
تركَ الأحبّةَ أن يقاتِلَ دونهم **** فنجا برأس طِمرِّه ولجام
فانظر كيف خرج من الغزل إلى هجو الحرث بن هشام والحرث هو أخو أبي جهل أسلم يوم الفتح وحسن إسلامه ومات يوم اليرموك بالشام.
ــ ومعنى الطِمرُّ هنا : الفرس الجواد الشديد العدْو ــ
3) المطابقة
المطابقة يقال لها التطبيق والطباق، والمطابقة في اللغة أن يضع البعير رِجله في موضع يده، فإذا فعل ذلك قيل طابق البعير.
والمطابقة في الاصطلاح: الجمع بين الضدين في كلام أو بيت شعر، كالإيراد والإصدار، والليل والنهار، والبياض والسواد.
وأعظم الشواهد عليها قوله تعالى : ( وأنه هو أضحك وأبكى وأنه هو أمات وأحيى ) فطابق سبحانه وتعالى بين الضحك والبكاء، وبين الموت والحياة.
وكقول النبي صلى الله عليه وسلّم للأنصار رضي الله تعالى عنهم: ( إنكم لتكثرون عند الفزع وتقلون عند الطمع ) فانظر إلى هذه البلاغة النبوية والمناسبة التامة ضمن المطابقة، حيث طابق بين الكثرة والقلّة، وبين الفزع وهو التأهب للحرب وبين الطمع.
والمعجز الذي لا تصل إليه قدرة مخلوق قوله تعالى ( وما يستوي الأعمى والبصير ولا الظلمات ولا النور ولا الظل ولا الحرور وما يستوي الأحياء ولا الأموات ) فانظر إلى عظم هذه المطابقة وما فيها من الوجازة
ومن الشواهد الشعرية قول الحماسي: [من الطويل]
تأخرتُ أستبقي الحياة فلم أجد **** لنفسي حياة مثل أن أتقدما
فطابق بين التأخر والتقدم.
ــ ومن أنواع المطابقة: مطابقة السلب بعد الإيجاب، وهي المطابقة التي لم يصرح فيها بإظهار الضدين كقوله تعالى ( قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون ) فالمطابقة حاصلة بين إيجاب العلم ونفيه لأنهما ضدان
ومثله قول امرؤ القيس وهو السابق إلى هذا الميدان: [من الطويل]
جزعتُ ولم أجزع من البيْنِ مَجزعا ... وعَزّيتُ قلبا بالكواعب مولعا
فالمطابقة حاصلة بين إيجاب الجزع ونفيه،
ــ ومن أنواعها: إيهام المطابقة ، والشاهد على إيهام المطابقة قول دعبل: [من الكامل]
لا تَعجبِي يا سلمُ من رجل **** ضحك المشيب برأسه فبكى
فالضحك هنا من جهة المعنى ليس بضد البكاء لأنه كناية عن كثرة الشيب ولكنه من جهة اللفظ يوهم المطابقة
ــ ومن أنواعها: الملحق بالطباق وهو راجع إلى الضدين كقوله تعالى ( أشدّاءُ على الكفار رُحماءُ بينَهم ) طابق الأشداء بالرحماء لأن الرحمة فيها معنى اللين
ــ ومن أنواعها: طباق الترديد وهو أن ترد آخر الكلام المطابق على أوله فإن لم يكن الكلام مطابقا فهو من رد الإعجاز على الصدور ومنه قول الأعشى: [من البسيط]
لا يَرْقعُ الناسُ ما أوْهوا وإن جَهِدوا ... طولَ الحياة ولا يُوهُون ما رَقَعوا
وخلاصة القول: أن المطابقة التي يأتي بها الناظم مُجرّدة، ليس تحتها كبير أمر، ونهاية ذلك أن يطابق الضدَّ بالضدِّ وهو شيء سهل اللهم إلا أن تترشح بنوع من أنواع البديع يشاركه في البهجة والرونق،
ومثل ذلك قول امرئ القيس: [من الطويل]
مكر مفر مقبل مدبر معا ... كجلمود صخر حطه السيل من عل
فالمطابقة في الإقبال والإدبار، ولكنه لما قال (معاً) زادها تكميلا في غاية الكمال فإن المراد بها قرب الحركة في حالتي الإقبال والإدبار وحالتي الكر والفر فلو ترك المطابقة مجردة من هذا التكميل ما حصل لها هذه البهجة ولا هذا الموقع
4) المقابلة
المقابلة هي : التنظير بين شيئين فأكثر وبين ما يخالف وما يوافق
وهي أعمّ من المطابقة فإن التنظير بين ما يوافق ليس بمطابقة
والفرق بين المطابقة والمقابلة من وجهين أحدهما أن المطابقة لا تكون إلا بالجمع بين ضدين، والمقابلة تكون غالبا بجمع بين أربعة أضداد، ضدان في صدر الكلام وضدان في عجزه، وتبلغ إلى الجمع بين عشرة أضداد خمسة في الصدر وخمسة في العجز.
والثاني أن المطابقة لا تكون إلا بالأضداد، والمقابلة بالأضداد وغير الأضداد، ولكن بالأضداد أعلا رتبة وأعظم موقعا.
ومن معجزات هذا الباب قوله عز و جل ( ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله ) فانظر إلى مجيء الليل والنهار في صدر الكلام وهما ضدان ثم قابلهما في عجز الكلام بضدين وهما السكون والحركة على الترتيب.
ومن أمثلة صحة المقابلة في السنة الشريفة قول النبي صلى الله عليه وسلّم: ( ما كان الرفق في شيء إلا زانه ولا كان الخرق في شيء إلا شانه )
فانظر كيف قابل الرفق بالخرق والزين بالشين بأحسن ترتيب وأتم مناسبة
ومنه في النظم قول النابغة: [من الطويل]
فتى كان فيه ما يسرُّ صديقَه **** على أن فيه ما يسوء الأعاديا
وقد تكون المقابلة بين اثنين أو ثلاثة إلى أكثر من ذلك
ومن مقابلة أربعة بأربعة قوله تعالى ( فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى ) المقابلة بين قوله واستغنى وقوله واتقى لأن معناه زهد فيما عنده واستغنى بشهوات الدنيا عن نعيم الآخرة وذلك يتضمن عدم التقوى.
وفي النظم قول إبن حجة الحموي: [من البسيط]
قابلتُهم بالرِّضا والسِّلم منشرحا ... ولّوْا غِضابا فيا حرِبي لغيظهم
فقد أتى بلفظة قابلتهم في أول البيت وقابلها في الشطر الآخر بلفظة وَلّوْا ومقابلة بقية الأضداد من الرضا والغضب والسلم والحرب ظاهرة
وتمكين القافية بغيظهم ومقابلتها بالانشراح أظهر فإن القافية إذا كانت ممكنة وهي جارية في عداد المقابلات كانت من أعلى رتب هذا النوع
5) الإستدراك
الإستدراك - هو رفع توهم يتولد من الكلام السابق رفعاً شبيهاً بالاستثناء، وهو معنى: لكنْ.
ويشترط فيه هنا زيادة نكتة طريفة على معنى الاستدراك، لتحسنه وتدخله في البديع، وإلا فلا يعد منه
وهو قسمان. قسم يتقدم الاستدراك تقرير وتوكيد؛ أما لظفاً أو معنى لما أخبر به المتكلم، وهذا هو الأكثر الذي بنى عليه فحول أرباب البديعيات أبياتهم، وقسم لا يتقدمه ذلك.
فمن أمثلة الأول قول ابن الرومي : [من الوافر]
وإخوان تخذتهم دروعا **** فكانوها ولكن للأعادي
وخلتهم سهاما صائبات **** فكانوها ولكن في فؤادي
وقالوا قد صفت منا قلوب **** لقد صدقوا ولكن من ودادي
وقال ابن أبي الأصبع لم أسمع في هذا الباب أحسن من قول ابن دويدة المغربي يخاطب رجلا أودع بعض القضاة مالا فادعى القاضي ضياعه وهو: [من الكامل]
إن قال قد ضاعت فيصدق أنها **** ضاعت ولكن منك يعني لو تعي
أو قال قد وقعت فيصدق أنها **** وقعت ولكن منه أحسن موقع
وأما شواهد القسم الثاني وهو الذي لا يتقدم الاستدراك فيه تقرير ولا توكيد مثل قول زهير: [من الطويل]
أخو ثقة لا يُهلِك الخمرُ مالَه **** ولكنه قد يُهلِك المالَ نائلُه
ولا يخفى على الذوق السليم ما في بيت زهير من الزيادة على معنى الاستدراك بقوله ولكنه قد يهلك المال نائله
فإنه لو اقتصر على صدر البيت دل على أن ماله موفور وتلك صفة ذم فاستدرك ما يزيل هذا الاحتمال ويخلص الكلام للمدح المحض
ومنه قول المعري:
فيا دارها بالحزن إن مزارها **** قريب ولكن دون ذلك أهوالُ
ولا يخفى ما في هذا الاستدراك من الحسن والنكتة الزائدة على الاستدراك، فلو اقتصر على صدر البيت لدل على أن دارها قريبة والوصول إليها سهل، ولكنه إستدرك فقال: ولكن دون ذلك أهوال.
وتحضرني على ذكر بيت المعرّي طرفة ظريفة أختم بها هذه المراجعة، وهو أن أحدهم إلتقى فتاة حسناء على أحد جسور بغداد فقال لها: رحم الله ابن الجهم، فأجابته على البديهة رحم الله المعرّي، ومضى كل منهما إلى حال سبيله. فسأله أحد رفقائه عن السرّ في كلامهما فأجابه: قصدتُ بقولي رحم الله ابن الجهم، قوله:
عيون المها بين الرصافة والجسر **** جلبن الهوى من حيث أدري ولا أدري
وقصدت هي بقولها رحم الله المعرّي قوله:
فيا دارها بالحزن إن مزارها **** قريب ولكن دون ذلك أهوالُ
المصادر:
كتاب البديع في البديع لابن المعتز ت247ه
العمدة في محاسن الشعر لابن رشيق القيرواني ت390ه
زهر الآداب للحصري القيرواني ت453ه
خزانة الأدب لابن حجة الحموي ت837ه
أنوار الربيع في أنواع البديع لابن معصوم الحسني ت1119ه
جمع وإعداد وتقديم: محمد أبورزق
يُتبع

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق