musique

الثلاثاء، 30 أكتوبر 2018

الإطِّرَاد

اللغة العربية: إبداع وإمتاع وإقناع
علم البديع
دروس مهمة لكل شاعر وكاتب وأديب
الدرس الستون (60)
[ [ الإطِّرَاد
أشير في البداية إلى أن الإطِّراد ليس ذا شان كبير، ولا يرقى إلى ما سبقه من مواضيع البديع، ولكن معرفته خير من جهله، على الأقل نعرف ما هو الإطراد. وإن كان الذين تطرقوا له أبدعوا فيه كما سنرى.
الإطراد في اللغة مصدر إطّرَد الماء وغيره إذا جرى من غير توقف. وفي الإصطلاح: أن يذكر الشاعر اسم الممدوح واسم من أمكنه من آبائه في بيت واحد على الترتيب ولا يخرج عن طُرُق السهولة ومتى تكلف أو تعسف في بناء بيته لم يُعدّ إطرادا فإن المقصود من هذا النوع أن يكون كلام الناظم في سهولة جريانه واطِّراده كجريان الماء في إطراده فمتى جاء كذلك دلّ على قوة الشاعر وتمكنه وحسن تصرفه
والشيخ صفي الدين نقل في شرح بديعيته أن الإطِّراد عبارة عن اسم الممدوح ولقبه وكنيته وصفته اللائقة به واسم من أمكن من أبيه وجده وقبيلته ليزداد الممدوح تعريفا وشرط أن يكون ذلك في بيت واحد من غير تعسف ولا تكلف ولا انقطاع بألفاظ أجنبية وأورد على ذلك قول بعضهم
( مؤيَّدُ الدِّين أبو جعفر **** محمد بن العلقمي الوزير )
هذا البيت جمع ناظمه فيه بين اللقب والكنية واسم الممدوح واسم أبيه والصفة اللائقة به وهو القدر الذي قرره الشيخ صفي الدين في الحد الذي أورده في شرحه
ومن شواهد هذا النوع قوله صلّى الله عليه وآله وسلّم: (إن الكريم بن الكريم بن الكريم بن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم). قال في النهاية: لأنه اجتمع له شرف النبوة والعلم، والكمال والجمال، والعفة وكرم الأخلاق، والعدل ورياسة الدنيا والدين، فهو نبي ابن نبي ابن نبي ابن نبي، رابع أربعة في النبوة.
ومثله قول بعض المتأخرين في زكي الدين بن أبي الأصبع
( عبد العظيم الذكي ابن أبي **** الأصبع رب القريض والخطب )
وأما شواهد هذا النوع المشتمل على اسم الممدوح واسم أبيه وجده من غير كنية ولقب وصفة فمنها قول الشاعر
( من يكن رام حاجة بعدت عنه **** وأعيت عليه كل العياء )
( فلها أحمد المرجى بن يحيى بن **** معاذ بن مسلم بن رجاء )
وكقول أبي تمام:
عبد المليك بن صالح بن **** علي بن قسيم النبي في نسبه
ومنه قول المتنبي:
فأنت أبو الهيجا ابن حَمدان يا ابنَه **** تشابه مولود كريم ووالد
وحمدان حمدون وحمدون حارث **** وحارث لقمان ولقمان راشد
والبحتري حيث يقول:
علي بن عيسى بن موسى بن طلحة **** بن سائب بن مالك حين ينطق
ومن شواهده الشعرية أيضاً قول الأعشى:
أقيس بن مسعود بن قيس بن خالد **** وأنت الذي ترجو بقاءك وائل
وقول ابن دريد وجمع ثمانية أسماء في بيت واحد، ولم يقع في شواهد هذا النوع نظيره انسجاما وجمعا:
فنعم أخو الجلى ومستنبت الندى **** وملجأ محزون ومفزع لاهث
عياذ بن عمرو بن الحسين بن غانم **** بن زيد بن منظور بن زيد بن حارث
وقوله أيضاً في هذه القصيدة:
خليلي من شمس بن عمرو بن غانم **** ونصر بن زهران بن كعب بن حارث
ومنه قول أبي تمام وأجاد
نوح صفا من عهد نوح له **** شرب العلى في الحسب الفارع
مطرد الآباء في نسبة **** كالصبح في إشراقة الساطع
مناسب تحسب من ضوئها **** منازلا للقمر الطالع
كالدلو والحوت وأشراطه **** والبطن والنجم إلى التالع
نوح بن عمر بن حوَّى بن عم **** رو بن حوّى بن الفتى مانع
فأتى بستة من منازل القمر، وقابلها بستة من الأسماء، لولا أن نغص بذكر الفتى في سادس جد، وإن لم يُرد فتى السن، وإنما أراد من الفتوة لكنه موهم. والتالع هو الدبران، كأنه تلع جيده أي مده.
وقول الأديب أبي الحكم مالك بن المرحل في أبي عبد الله بن يربوع:
صحبت عمري ناسا من ذوي حسب **** حازوا الثناء بموروث ومطبوع
فلم أجد فاضلا فيما صحبت سوى **** محمد بن أبي العيش بن يربوع
وبيت الشيخ صفي الدين الحلي في بديعيته
محمد المصطفى الهادي النبي أجل **** المرسلين ابن عبد الله ذي الكرم
الشيخ صفي الدين أتى في هذا البيت باسم الممدوح والصفات اللائقة به واسم أبيه
وبيت بديعية ابن حجة الحموي:
محمد بن الذبيحين الأمين أبو البتول **** خير نبي في اطرادهم
وبيت بديعية ابن معصوم الحسني:
محمد أحمد الهادي البشير بن **** عبد الله فخر نزار باطرادهم
المصادر:
كتاب البديع في البديع لابن المعتز ت247ه
العمدة في محاسن الشعر لابن رشيق القيرواني ت390ه
زهر الآداب للحصري القيرواني ت453ه
خزانة الأدب لابن حجة الحموي ت837ه
أنوار الربيع في أنواع البديع لابن معصوم الحسني ت1119ه
جمع وإعداد وتقديم: محمد أبورزق
يُتبع

السبت، 27 أكتوبر 2018

الثقافة اخلاق

******************الثقافة اخلاق *************
هناك من الناس من لا يجد ذاته ولا يستشعر وجودها الا بمحاولة اقصاء الاخرين لانهم يخالفونه الراي ويكرس جهده لملاحقتهم والتضييق عليهم والعمل على المس بسمعتهم وان كان هذا السلوك المشين معاشا في حياتنا اليومية فانه سلوك غير مقبول في المجالات التي من المفروض ان يكون المشتغلون بها والمهتمون بقضاياها يتصفون بالسمو الاخلاقي الذي يقوم على احترام الاخر وخصوصا اذا كان هذا المجال مجالا للثقافة والابداع والحوار...
المثقف ليس ذلك الشخص الذي يحشو ذاكرته باسماء الكتب والمؤلفات والاحداث والتواريخ بل هو الذي يستطيع بناء شخصية متزنة نفسيا ويتمكن من انشاء زاوية نظر للامور من خلال ما يوجد في مخزونه الذهني ...ومجال الابداع هو مجال انساني يترجم هذه الرؤيا ويعبر عن هذه الشخصية ...مجال انساني يروم الانفتاح على الاخر واحتضانه وليس اقصائه باسباب الاختلاف في الراي او الغيرة المرضية ...
ان هذه السلوكات تفرغ المجال الثقافي من مضمونه ...وتجعل الابداع نفاق في حق النفس قبل الاخر...وتكون وراء افشال كل المشاريع الثقافية الواعدة ...وتحول الفضاء الازرق الى واجهة لصراعات جوفاء بليدة...
*****************محمد بوعمران/مراكش****************

[ حُسْنُ التّخَلُّص ]

اللغة العربية: إبداع وإمتاع وإقناع
علم البديع
دروس مهمة لكل شاعر وكاتب وأديب
الدرس التاسع والخمسون (59)
[ حُسْنُ التّخَلُّص ]
حسن التّخلّص هو أن يستطرد الشاعر المتمكن من معنى إلى معنى آخر يتعلق بممدوحه بتخلص سهل يختلسه اختلاسا رشيقا دقيق المعنى بحيث لا يشعر السامع بالانتقال من المعنى الأول إلا وقد وقع في الثاني لشدة الممازجة والالتئام والانسجام بينهما حتى كأنهما أفرغا في قالب واحد
ولا يشترط أن يتعين المتخلص منه بل يجري ذلك في أي معنى كان فإن الشاعر قد يتخلص من نسيب أو غزل أو فخر أو وصف روض أو وصف طلل بال أو ربع خال أو معنى من المعاني يؤدي إلى مدح أو هجو أو وصف في حرب أو غير ذلك ولكن الأحسن أن يتخلص الشاعر من الغزل إلى المدح
والفرق بين التخلص والاستطراد أن الاستطراد يشترط فيه الرجوع إلى الكلام الأول أو قطع الكلام فيكون المستطرد به آخر كلامه والأمران معدومان في التخلص فإنه لا يرجع إلى الأول ولا يقطع الكلام بل يستمر على ما يتخلص إليه
وهذا النوع أعني حسن التخلص اعتنى به المتأخرون دون العرب ومن جرى مجراهم من المخضرمين ولكنه لم يفتهم فإنهم أوردوا لزهير في هذا الباب قوله
إن البخيل ملوم حيث كان ولكن ... الكريم على علّاته هَرِم
أنظر إلى هذا العربي القديم كيف أحسن التخلص من غير اعتناء في بيت واحد وهذا هو الغاية القصوى عند المتأخرين الذين اعتنوا به، فقد تخلّص بسلاسة من الهجو إلى مدح هرِم بن سنان ووصفه بالكرم الأصيل
وعلى كل تقدير فمن كلام العرب استنبط كل فن فإنهم ولاة هذا الشأن لكنهم كانوا يؤثرون عدم التكلف ولا يرتكبون من فنون البديع إلا ما خلا من التعسف
ومن المخالص المستحسنة لأبي تمام قوله من قصيدة
ما زَلّتْ عن سنن الوداد ولا غدَتْ **** نفسي على إلف سواك تحوم
لا والذي هو عالم أن النوى **** مرّ وأن أبا الحسين كريم
هذا المخلص مستحسن من عدة وجوه أحدها التخلص من النسيب إلى المدح والثاني حسن الانسجام والثالث وهو جل القصد الوثبة في بيت التخلص من الشطر الأول إلى الشطر الثاني بأسرع اختلاس
ومن قول حسان بن ثابت في التخلص من الغزل إلى الحماسة:
قولي لطرفك أن يكف عن الحشا **** سطوات نيران الهوى ثم اهجري
وانهي جمالك أن ينال مقاتلي **** فينال قومك سطوة من معشري
إني من القوم الذين جيادهم **** طلعت على كسرى بريح صرصر
غير أن هذا المعنى معيب عند أهل الأدب فإن المتغزل لا يليق به الافتخار على محبوبته، ولا أخذ الثار منها، فإن دم المحب هدر.
ومن حسن التخلُّص قول أبي نواس:
تقول التي من بيتها خف محملي **** يعز علينا أن نراك تسير
أما دون مصر للغنى متطلب **** بلى إن أسباب الغنى لكثير
فقلت لها واستعجلتها بوادر **** جرت فجرى في إثرهن عبير
دعيني أكثر حاسديك برحلة **** إلى بلد فيه الخصيب أمير
يروى: أنه لما قدم أبو نواس على الخصيب بمصر صادر في مجلسه جماعة من الشعراء ينشدون مدائح لهم فيه، فلما فرغوا قال الخصيب: ألا تنشدنا أبا علي؟ فقال: أنشدك أيها الأمير قصيدة هي بمنزلة عصى موسى تلقف ما يأفكون. فأنشده هذه القصيدة، فلما فرغ من إنشادها أمر أن يملأ فمه جوهرا.
وفي كتاب آداب الغرباء: أن أبا نواس كان عائدا من الشام إلى بغداد قال: فإني على ظهر فرسي إذ ترتمت بهذه الأبيات (تقول التي من بيتها خف محملي- الأبيات) قال: فسمعت من ورائي شهقة، فالتفت فإذا شيخ عليه أطمار رثة يقود فرسا أعجف، فقال لي: أعد يا أبا نواس هذه الأبيات، فأعدتها، قال: فيمن هذه؟ قلت امتدحت بها الخصيب أمير مصر، قال: ما أرفدك؟ قلت أنه ملأ فمي جوهرا بعته بمائة ألف درهم، قال: أتعرفه؟ قلت: نعم، قال: إني والله الخصيب. فلما عرفته نزلت عن دابتي وقبلت يده ورجله، فقال: لا تفعل. ثم سألته عن سبب تغير أمره فقال لي: قولك (الدائرات تدور) . قال: فدفعت إليه جميع ما معي من مركوب ونفقة وثياب، وسألته قبولها، فأبى وقال: والله لا أخذت من يد أرفدتها. ثم ركب دابته وتركني ومضى. انتهى.
ومثله في الحسن قول أبي نواس أيضا:
وإذا جلستَ إلى المدام وشربها **** فاجعل حديثك كله في الكاس
وإذا نزعت عن الغواية فليكن **** لله ذاك النزع لا للناس
وإذا أردت مديح قوم لم تَمِنْ **** في مدحهم فامدح بني العباس
لم تَمِنْ: لم تكذب
فانظر كيف انتقل من الخلاعة إلى الوعظ ثم إلى المديح في تخلّص مستحسن بديع
وهذه الطريق التي مشى عليها أبو نواس ومن تقدمه من المتقدمين ممّا ورد نظمه في هذا الباب وهي حسن التخلص ببيت واحد باستطراد رشيق ينتقل الشاعر به من الشطر الأول إلى الشطر الثاني فاتت فحولا من الشعراء كالبحتري وأبي تمام في غالب القصائد على أنهما المقدمان في هذا الشأن
وقد تقرر أن حسن التخلص ما كان في بيت واحد يثب الشاعر من شطره الأول إلى الثاني وثبة تدل على رشاقته وقوته وتمكنه في هذا الفن
وإذا لم يكن التخلص كذلك سمي اقتضابا وهو أن ينتقل الشاعر
من معنى إلى معنى آخر من غير تعلق بينهما كأنه استهل كلاما آخر.
ومن المخالص التي استحسنوها للبحتري قوله
رباع تردت بالرياض مجودة **** بكل جديد الماء عذب الموارد
إذا راوحتها مزنة بكرت لها **** شآبيب مجتاز عليها وقاصد
كأن يد الفتح بن خاقان أقبلت **** عليها بتلك البارقات الرواعد
فانظر كيف تخلّص من الوصف إلى المديح
ومن مخالص أبي الطيب الفائقة قوله من قصيدة يمدح بها أبا أيوب أحمد بن عمران بن ماهويه مطلعها
سِرْبٌ مَحاسِنُه حُرِمْتُ ذواتِها **** دَانِي الصفات بعيدُ موصوفاتها
معنى هذا المطلع في غاية الحسن والغرابة فإنه يقول هذا سرب حيل بيني وبين كل حسناء منه وهذه الحسناء صفاتها دانية عند ذكرها بالقول ولكن ذاتها الموصوفة بعيدة ولم يزل في غرابة هذا الأسلوب إلى أن قال متحمسا
ومطالب فيها الهلاك أتيتها **** ثبت الجنان كأنني لم آتها
أقبلنها غرر الجياد كأنما **** أيدي بني عمران في جبهاتها
ومن مخالص أبي العلاء أحمد بن سليمان المعرّي على طريق المديح فإنه لم يكن من طلاب الرفد قوله من قصيد
ولو أن المطي لها عقول **** وحقك لم نشد لها عقالا
مواصلة بها رحلي كأني **** من الدنيا أريد بها انتقالا
سألن فقلن مقصدنا سعيد **** فكان اسم الأمير لهن فالا
هذا المخلص أيضا من العجائب فإن الشيخ أبا العلاء سبكه في قالب التورية والاتفاق البديع وكان اسم الأمير في فألهم سعيدا والعرب ما برحوا يتفاءلون بالاسم الحسن ويتطيرون من ضده
ومما استحسن لابن حجاج من المخالص قوله
ألا يا ماء دجلة لست تدري **** بأني حاسد لك طول عمري
ولو أني استطعت سَكَّرت سَكْرا **** عليك فلم تكن يا ماء تجري
فقال الماء قل لي كل هذا **** بم استوجبته يا ليت شعري
فقلت له لأنك كل يوم **** تمر على أبي الفضل بن بشر
تراه ولا أراه وذاك شيء **** يضيق عن احتمالك فيه صبري
قال صاحب المثل السائر حين أورد هذه الأبيات ما علمت معنى في هذا المقصد أبدع ولا أعذب ولا أرق ولا أحلى من معنى هذا اللفظ ويكفي ابن حجاج من الفضيلة أن يكون له مثل هذه الأبيات
وقال زكي الدين بن أبي الأصبع في كتابه المسمى بتحرير التحبير لما انتهى إلى هذا النوع أعني حسن التخلص إذا وصلت إلى ابن حجاج في هذا الباب فإنك تصل إلى ما لا تدركه الألباب
ومن محاسن التخلص أيضاً قول ابن المعتز:
قايست بين جمالها وفعالها **** فإذا الملاحة بالقباحة لا تفي
والله لا كلمتها ولو أنها **** كالشمس أو كالبدر أو كالمكتفي
وقول علي بن الجهم:
وليلة كحلت بالنفس مقلتها **** ألقت قناع الدجى في كل أخدود
قد كاد يغرقني أمواج ظلمتها **** لولا اقتباسي سنىً من وجه داود
وأحسن من هذا قول محمد بن وهيب الحميري من قصيدة يمدح بها المأمون:
ما زال يلثمني مراشفه **** ويعلني الإبريق والقدح
حتى استرد الليل خلعته **** وفشا خلال سواده وضح
وبدا الصباح كأن غرته **** وجه الخليفة حين يمتدح
وقول أبي الطيب المتنبي:
خليلي إني لا أُرَى غيرَ شاعرٍ **** فلهم منهم الدعوى ومني القصائد
فلا تعجبا إن السيوف كثيرة **** ولكن سيف الدولة اليوم واحد
المصادر:
كتاب البديع في البديع لابن المعتز ت247ه
العمدة في محاسن الشعر لابن رشيق القيرواني ت390ه
زهر الآداب للحصري القيرواني ت453ه
خزانة الأدب لابن حجة الحموي ت837ه
أنوار الربيع في أنواع البديع لابن معصوم الحسني ت1119ه
جمع وإعداد وتقديم: محمد أبورزق
يُتبع

السبت، 20 أكتوبر 2018

[ التمثيل ]

اللغة العربية: إبداع وإمتاع وإقناع
علم البديع
دروس مهمة لكل شاعر وكاتب وأديب
الدرس الخامس والخمسون (55)
[ التمثيل ]
التمثيل مما فرعه قدامة بن جعفر من ائتلاف اللفظ مع المعنى وقال هو أن يريد المتكلم معنى فلا يدل عليه بلفظه الموضوع له ولا بلفظ قريب من لفظه وإنما يأتي بلفظ هو أبعد من لفظ الإرداف يصلح أن يكون مثالا للفظ المعنى المذكور كقوله تعالى ( وقضي الأمر ) وهذا التمثيل العظيم في غاية الإيجاز والحقيقة أي هلك من قضي هلاكه ونجا من قدرت نجاته وما عدل عن اللفظ الخاص إلى لفظ التمثيل إلا لأمرين أحدهما الإختصار لبلاغه الإيجاز والثاني كون الهلاك والنجاة كانا بأمر مطاع ولا يحصل ذلك من اللفظ الخاص.
ومثاله أيضا قوله تعالى: (أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا) فإنه مثل الإغتياب بأكل الإنسان لحم إنسان آخر مثله، ثم لم يقتصر على ذلك حتى جعله لحم الأخ، ثم لم يقتصر عليه حتى جعله ميتا، ثم جعل ما هو في غاية الكراهية موصولا بأخيه، ففيه أربع دلالات واقعة على ما قصدت له مطابقة المعنى الذي وردت لأجله.
أما تمثيل الإغتياب بأكل الإنسان لحم إنسان آخر مثله فشديد المناسبة جدا، لأن الإغتياب إنما هو ذكر مثالب الناس، وتمزيق أعراضهم. وأما قوله (لحم أخيه) فلِما في الإغتياب من الكراهية لأن العقل والشرع قد أجمعا على إستكراهه، وأمرا بتركه، والبعد عنه. وأما قوله (ميتا) فلأجل أن المغتاب لا يشعر بغيبته ولا يحس بها.
ومن أمثلته في السنة الشريفة قوله صلّى الله عليه وآله وسلّم لرجل رآه ينهك نفسه في العبادة (إن هذا الدِّينَ متين فأوْغِلْ فيه برفق، فإن المُنْبَتَّ لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى) .
فمثل عليه السلام حال من يعسف نفسه فينهك جسمه في العبادة بحال المنبت، وهو الرجل المنقطع عن أصحابه، فيعسف راحلته في السير في لحاقهم فتعيا راحلته ولا يبلغ رفقته. وأخرج التمثيل مخرج المثل السائر، وهو من أحسن أنواعه.
ومن شواهده كذلك في السنة الشريفة قول النبي حكاية عن بعض النسوة في حديث أم زرع: زوجي كلَيْلِ تهامة لا حر ولا برد، ولا مخافة ولا سآمة.
فإنها أرادت وصفه بحسن العشرة مع نسائه
فعدلت عن اللفظ الموضوع له إلى لفظ التمثيل لما فيه من الزيادة وذلك تمثيلها الممدوح بليل تهامة المجمع على وصفه بأنه معتدل فتضمن ذلك وصف الممدوح باعتدال المزاج المستلزم حسن العشرة وكمال العقل اللذين ينتجان لين الجانب وطيب المعاشرة وخصت الليل بالذكر لما في الليل من راحة الحيوان وخصوصا الإنسان لأنه يستريح فيه من الكد والفكر ولكون الليل جعل سكنا والسكن محل الإجتماع بالحبيب لا سيما وقد جعلته معتدلا بين الحر والبرد والطول والقصر وهذه صفة ليل تهامة لأن الليل يبرد فيه الجو مطلقا بالنسبة إلى النهار لغيبة الشمس وخلوص الهواء من إكتساب الحر فيكون في البلاد الباردة شديد البرد وفي البلاد الحارة معتدل البرد مستطابا فلهذا قالت زوجي كليل تهامة وحذفت أداة التشبيه ليقرب المشبه من المشبه به وهذا مما يبينه لفظ التمثيل لكونه لا يجيء إلا مقدرا بمثل غالبا
وقال ابن رشيق في العمدة التمثيل والاستعارة ضرب من التشبيه ولكنهما بغير أداة
والتمثيل هو المماثل عند بعضهم وذلك أن تمثل شيئا بشيء فيه إشارة منه كقول امرئ القيس
وما ذرفت عيناك إلا لتضربي **** بسهميك في أعشار قلب مقتل
فمثل عينيها بالسهمين ومثل قلبه بأعشار الجزور معناه ما بكيت إلا لتقدحي في قلبي كما يقدح القادح في الأعشار فتمت له جهات التمثيل والاستعارة
وقد تقدم أن التمثيل ضرب من الإستعارة والتشبيه وهو قريب التذييل ولكن بينهما فرق دقيق وهو خلو التذييل من التشبيه
ومن شواهده الشعرية قول الشاعر:
ألم أك في يمنى يديك جعلتني **** فلا تجعلني بعدها في شمالكا
كأن هذا الشاعر قال: ألم أكن قريبا منك؟ فلا تجعلني بعيدا عنك، فعبر عن قربه بكونه في اليمين لما في ذلك من التمثيل بشيء تقر في النفوس قوته، ووجوب البدأة وسرعة البطش، وعن بعده بكونه في الشمال، لما فيه من التمثيل بشيء هو عكس ذلك. فكان العدول عن لفظ القرب والشمال لهذه الفائدة.
وأحسن التمثيل ما أخرج مخرج المثل كقول أبي تمام:
أخرجتموه بكره عن سجيته ****والنار قد تنتضي من ناضر السلم
أوطأتموه على جمر العقوق ولو **** لم يحرج الليث لم يخرج من الأجم
ففي عجز كل من البيتين تمثيل حسن فإنه مثل فيهما حالته عند إخراجه كرها عن سجيته يخاطب أحبابه وقد أثروا به تلك الحالة والنار قد تلتظي من ناضر السلم وقد هنا للتقليل ومراده أن وقوعهذا منكم وأنتم أحباب عجيب ومثل الحال بقوله والنار قد تلتظي من ناضر السلم وقال في عجز البيت الثاني عندما أَوْطَأوه على جمر العقوق إن الليث لو لم يخرج ما خرج من الأجم.
والسلم هنا: نوع من الشجر.
وقول الطغرائي:
مجدي أخيرا ومجدي أولا شرع **** والشمس رأد الضحى كالشمس في الطفل
فمثل استواء مجده في الأول والآخر باستواء حالتي الشمس في أول النهار وفي آخره، فشبه نفسه بالشمس وأخرج ذلك مخرج المثل السائر.
وهو مأخوذ من قول أبي العلاء المعري:
وافقتهم في اختلاف من زمانكم **** والبدر في الوهن مثل البدر في السحر
غير أن ذاك شبه نفسه بالشمس، وهذا شبه ممدوحه وآباءه بالبدر، وهذا أيضاً من التمثيل المذكور.
وبيت بديعية الشيخ صفي الدين الحلي قوله:
يا غائبين لقد أضنى الهوى جسدي **** والغصن يذوي لفقد الوابل الرذم
مثل حاله لما أضنى الهوى جسده لغيبة أحبابه بالغصن الذي ذوى لفقد المطر، وأخرج كلامه مخرج المثل السائر كما تقرر.
وبيت بديعية ابن معصوم الحسني قوله:
طربت في البعد من تمثيل قربهم **** والمرء قد تزدهيه لذة الحلم
الطرب : خفة تلحق الإنسان تسره أو تسوؤه، والمراد به هنا: السرور، والتمثيل هنا بمعنى التصوير، مورى به عن اسم النوع، قال في القاموس: مثله له تمثيلا: صوره حتى كأنه ينظر إليه. انتهى. والازدهاء: الاستخفاف، ومنه قولهم: فلان لا يزدهي بخديعة. والمعنى أنه طرب من تصوير قرب أحبابه في حال البعد، كأنه صور لنفسه قربهم فلحقته لذلك خفة سرته، ثم مثل حاله هذه بحال الإنسان النائم الذي تستخفه لذة الأحلام فيطرب لها، وأخرج التمثيل مخرج المثل السائر، وما أشد انطباق هذا التمثيل لهذا المعنى الممثل له
المصادر:
كتاب البديع في البديع لابن المعتز ت247ه
العمدة في محاسن الشعر لابن رشيق القيرواني ت390ه
زهر الآداب للحصري القيرواني ت453ه
خزانة الأدب لابن حجة الحموي ت837ه
أنوار الربيع في أنواع البديع لابن معصوم الحسني ت1119ه
جمع وإعداد وتقديم: محمد أبورزق
يُتبع

الثلاثاء، 16 أكتوبر 2018

[ الإكتفاء ]

اللغة العربية: إبداع وإمتاع وإقناع
علم البديع
دروس مهمة لكل شاعر وكاتب وأديب
الدرس الثالث والخمسون (53)
[ الإكتفاء ]
الإكتفاء هو أن يأتي الشاعر ببيت من الشعر وقافيته متعلقة بمحذوف فلم يفتقر إلى ذكر المحذوف لدلالة باقي لفظ البيت عليه ويكتفي بما هو معلوم في الذهن فيما يقتضي تمام المعنى
وهو ضرب من الإيجاز، وهو نوعان: نوع يكون بكلمة فأكثر ونوع يكون ببعض كلمة.
والإكتفاء بالبعض أصعب مسلكا لكنه أحلى موقعا
فالأول: وهوشاهد الاكتفاء بجميع الكلمة، وهوأن يقتضي المقام ذكر شيئين بينهما تلازم وارتباط، فيكتفي بأحدهما عن الآخر لنكتة، ولا يكون المكتفى عنه إلا آخرا لدلالة الأول عليه. وذلك الإرتباط قد يكون بالعطف وهو الغالب، وأعظم شواهده قوله تعالى: (سرابيل تقيكم الحر) أي والبرد، وخص الحر بالذكر لأن الخطاب للعرب وبلادهم حارة، والوقاية عندهم من الحر أهم، لأنه أشد عندهم من البرد. وقوله تعالى: (وله ما سكن بالليل والنهار) أي وما تحرك، وخص السكون بالذكر لأنه أغلب الحالين على المخلوق من الحيوان والجماد، ولأن كل متحرك يصير إلى السكون.
وقد يكون بالشرط وجوابه، كقوله تعالى: (فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض أو سلما في السماء) أي فافعل. وقوله تعالى: (وإذا قيل لهم اتقوا ما بين أيديكم وما خلفكم لعلكم ترحمون) أي أعرضوا، بدليل ما بعده، وقوله تعالى: (ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رؤوسهم) أي لرأيت أمرا فظيعا، وقوله تعالى: (ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم أن تطؤهم) أي لسلطكم على أهل مكة.
وقد يكون بالقسم بدأ به، كقوله تعالى: (والنازعات غرقا - الآيات _) أي لتبعثن، وقوله تعالى: (ص والقرآن ذي الذكر) أي أنه لمعجز.
وقد يكون بطلب الفعل للمتعلق، كقوله تعالى: (خلطوا عملا صالحا) أي بسيّء (وآخر سيئا) أي بصالح. أو بطلبه للمفعول كقوله تعالى: (إن الذين اتخذوا العجل) أي إلها (وقوله تعالى) : (كلا سوف تعلمون) أي عاقبة أمركم.
وقد يكون بطلب حرف الشرط لجملة الشرط وجوابه كقول رؤبة بن العجاج:
قالت بنات العم يا سلمى وإن **** كان فقيرا معدما قالت وإن
أي وإن كان كذلك رضيته أيضاً. وفي الخبر، أنه صلّى الله عليه وآله وسلّم رأى رجلا يسوق بدنة فقال له: إركبها، قال: إنها بدنة، قال: اركبها وإن، أي وإن كانت بدنة اركبها.
وقد يكون بالإسمية والخبرية لأن وأمثالها، كما روي أن المهاجرين قالوا للنبي صلّى الله عليه وآله وسلّم: إن الأنصار قد فضلونا وفعلوا بنا كذا وكذا، فقال صلّى الله عليه وآله وسلّم: ألستم تعرفون ذلك؟ قالوا: بلى، قال: فإن ذاك. قال أبو عبيدة: إن الحديث ليس فيه أكثر من قوله: فإن ذاك، ومعناه: فإن ذاك مكافأة، أي معرفتكم إحسانهم مكافأة لهم.
وقول الشاعر:
ويقلن شيب قد علاك **** وقد كبرت فقلت إنه
على قول ابن هشام (إنه) يجوز أن لا تكون الهاء للسكت، بل اسما لإنَّ، على أنها المؤكدة والخبر محذوف، أي إنه كذلك. وقد يكون بغير ذلك من وجوه الإرتباط كما يظهر من الأمثلة الآتية في النظم.
وقد حد الشيخ صفي الدين الحلي الاكتفاء في النظم بقوله: هو أن يأتي الشاعر ببيت من الشعر وقافيته متعلقة بمحذوف تقاضى ذكره ليفهم به المعنى، فلا يذكره لدلالة ما في لفظ البيت عليه، ويكتفي بما هو معلوم في الذهن فيما يقتضي تمام المعنى.
كقول ابن مطروح
لا أنتهي لا أنثني لا أرعوي **** ما دمت في قيد الحياة ولا إذا
فمن المعلوم أن باقي الكلام ولا إذا مت لما تقدم من قوله الحياة ومتى ذكر تمامه في البيت الثاني كان عيبا من عيوب الشعر مع ما يفوته من حلاوة الاكتفاء ولطفه وحسن موقعه في الأذهان
ومنه قول هبة الله بن سناء الملك في مطلع قصيدة:
دنوت وقد أبدى الكرى منه ما أبدى **** فقبلته في الثغر تسعين أو إحدى.
أي : أو إحدى وتسعين.
ومنه قول شيخ شيوخ حماة شرف الدين عبد العزيز الأنصاري:
أهلا بطيفكم وسهلا **** لو كنت للإغفاء أهلا
لكنه وافى وقد **** حلف السهاد علي أن لا
أن لا: أي أن لا أغفو
وما أظرف قول الصاحب بهاء الدين زهير
يا حسن بعض الناس مهلا **** صيرت كل الناس قتلى
لم تُبقِ غير حشاشة **** في مهجتي وأخاف أن لا
أن لا: أي أن لا تبقى
وما أظرف ما قال بعده ولم يخرج عن المراد
وكشفت فضل قناعه **** بيدي عن قمر تجلى
ولثمته في خده **** تسعين أو تسعين إلا
إلا: أي إلا قليلا
وجمع الشيخ سراج الدين الوراق بين تضمينين واكتفاءين في بيت واحد وأجاد إلى الغاية
يا لائمي في هواها **** أفرطت في اللوم أهلا
ما يعلم الشوق إلا **** ولا الصبابة إلا
إلا: أي إلا من يكابدها
وجمع ابن نباتة بين الاكتفاء وتضمين المثل السائر
إسقني صرفا من الراح *** تَحُتُّ الهَمّ حَتّا
ودع العذال فيها **** يضربون الماء حتى
حتّ الشيء: أزاله.
حتّى: أي حتى يأسن ويفسد.
ومن لطائف شيخ شيوخ حماة في هذا النوع
صلي ودعي نفارك عن محب **** بذكرك آنس والليل ساكن
ولا تستقبحي شيبا برأسي **** فما إن شبت من كبر ولكن
أي ولكن من الحبّ.
ولبعضهم وأجاد
فإن المنية من يخشها **** فسوف تصادمه أينما
أي: أينما كان.
ومما يرشف الذوق حلاوته في هذا النوع قول الشيخ شرف الدين ابن الفارض من قصيدة
ما للنوى ذنب ومن أهوى معي ** إن غاب عن إنسان عيني فهو في
أي في فكري وقلبي.
ومن لطائف الصاحب بهاء الدين زهير في هذا النوع قوله من أبيات
فما كان أحسن من مجلسي .**** فحدث بما شئت عن ليلتي
بشمس الضحى وببدر الدجى**** على يمنتي وعلى يسرتي
وبت وعن خبري لا تسل **** بذاك الذي وبتلك التي
يريد بذلك الذي عن يميني، وبتلك التي عن شمالي
ومنه قول الشيخ صدر الدين بن عبد الحق
جهنم حمامكم نارها **** تقطع أكبادنا بالظما)
وفيها عصاة لهم ضجة **** وإن يستغيثوا يغاثوا بما
ومنه قول المقر المرحومي الأميني صاحب ديوان الإنشاء الشريف بدمشق
ضلوا عن الماء لما أن سروا سحرا **** قومي فظلوا حيارى يلهثون ظما
والله أكرمني بالماء دونهم ***** فقلت يا ليت قومي يعلمون بما
وقول الشيخ برهان الدين القيراطي هنا مع زيادة التورية والاقتباس
حسنات الخد منه **** قد أطالت حسراتي
كلما ساء فعالا **** قلت إن الحسنات
ــ وأما النوع الثاني من الاكتفاء: وهو الذي يكون ببعض الكلمة.
فهو حذف بعض حروف القافية من آخرها لدلالة الباقي عليه
والإكتفاء ببعض الكلمة على ضربين، ضرب يكون بدون تورية
ومنه قول القاضي الفاضل من قصيدة فريدة:
لعبت جفونك بالقلوب وحبها **** والخد ميدان وصدغك صولجا
صولجا : أي صولجان
ومنه قول هبة الله بن سناء الملك:
أهوى الغزالة والغزال وإنما **** نهنهت نفسي عفة وتدينا
ولقد كففت عنان عيني جاهدا *** حتى إذا أعييت أطلقت العنا (ن)
العنا: بمعنى العنان
ومن هذا النوع قول الشيخ قطب الدين الحنفي المكي المتوفى سنة تسعين وتسعمائة بمكة المشرفة زادها الله شرفا وتعظيما:
رعى الله ليلة زار الحبيب **** وغاب الرقيب إلى حيث أل
يشير إلى قول الشاعر (إلى حيث ألقت رحالها أم قشعم) وأم قشعم: المنية والداهية.
والضرب الثاني - ما كان مع التورية كقول الشيخ جمال الدين بن نباتة:
بروحي أمر الناس نأيا وجفوة **** وأحلاهم ثغرا وأملحهم شكلا
يقولون في الأحلام يوجد شخصه **** فقلت ومن ذا بعده يجد الأحلا (م)
ما بين قوسين هو تفسير للحرف المحذوف.
وقل فخر الدين بن مكانس:
لم أنس بدرا زارني ليلة **** مستوقرا ممتطيا للخطر
فلم يقم إلا بمقدار أن **** قلت له أهلا وسهلا ومر (حبا)
فالقافية تنتهي بالراء عند كلمة مر، والمحذوف هو مابين قوسين (حبا) ومعناه مرحبا
وقول ابنه مجد الدين بن مكانس:
نزل الطل بكرة **** وتوالى تجددا
والندامى تجمعوا **** فأجل كأسي على الندا (مى)
ومنه قول العلامة بدر الدين بن الدماميني
يقول مصاحبي والروض زاه **** وقد بسط الريح بساط زهر
هلم نباكر الروض المفدى **** وقم نسعى إلى ورد ونِسْرِي (ن)
وقوله أيضاً:
شقائق النعمان ألهو بها **** إن غاب من أهوى وعز اللقا
فالخد في القرب نعيمي وإن **** غاب فإني اكتفي بالشقا (ئق
وأغرب ابن حجر في قوله وأجاد:
أطيل الملام لمن لامني **** وأملأ في الروض كأس الطلا
وأهوى الملاهي وطيب الملاذ **** فها أنا منهمك في الملا (م. ذ. هي)
يعني: يجوز أن يكون المحذوف الملام ، أو الملاذ، أو الماهي.
وأبدع ابن حجة في قوله:
يقولون صف أنفاسه وجبينه **** عسى للقا يصبو فقلت لهم صبا (ح)
وغالطت إذ قالوا أباح وصاله **** وإلا أبى قربا فقلت لهم أبا (ح)
المصادر:
كتاب البديع في البديع لابن المعتز ت247ه
العمدة في محاسن الشعر لابن رشيق القيرواني ت390ه
خزانة الأدب لابن حجة الحموي ت837ه
أنوار الربيع في أنواع البديع لابن معصوم الحسني ت1119ه
جمع وإعداد وتقديم: محمد أبورزق
يُتبع

السبت، 13 أكتوبر 2018

[ تجاهل العارف ]

اللغة العربية: إبداع وإمتاع وإقناع
علم البديع
دروس مهمة لكل شاعر وكاتب وأديب
الدرس الثاني والخمسون (52)
[ تجاهل العارف ]
تجاهل العارف تسميته لابن المعتز وسماه السكاكي بسَوْقِ المعلوم مساق غيره لنكتة المبالغة في التشبيه
وهو عبارة عن سؤال المتكلم عما يعلم سؤال من لا يعلم ليوهم أن شدة التشبيه الواقع بين المتناسبين أحدثت عنده إلتباس المشبه بالمشبه به وفائدته المبالغة في المعنى نحو قولك: أوجهك هذا أم بدر؟ فإن المتكلم يعلم أن الوجه غير البدر إلا أنه لما أراد المبالغة في وصف الوجه بالحسن استفهم أهذا وجه أم بدر ففهم من ذلك شدة الشبه بين الوجه والبدر فإن كان السؤال عن الشيء الذي يعرفه المتكلم خاليا من الشبه لم يكن من هذا الباب بل يكون من باب آخر كقوله تعالى: ( وما تلك بيمينك يا موسى ) فإن السؤال هنا ما وقع لأجل المبالغة في التشبيه المشار إليه في تجاهل العارف بل هو لفائدة أخرى، إما إيناسا لموسى عليه السلام لأن المقام مقام هيبة واحترام، وإما إظهار المعجز الذي لم يكن موسى يعلمه
ومنه قوله لعيسى عليه السلام ( أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله ) فإن السؤال هنا لم يكن للتشبيه وإنما هو توبيخ لمن إدّعى فيه ذلك
ومن الناس من جعل تجاهل العارف مطلقا سواء كان على طريق التشبيه أو على غيره إذا تقرر هذا فاعلم أن تجاهل العارف من حيث هو إنما يأتي لنكتة من نحو مبالغة في مدح أو ذم أو تعظيم أو تحقير أو توبيخ أو تقرير أو من تدلّه في الحب.
فتجاهل العارف هو أنك تعرف، ولكنك تسأل سؤال من لا يعرف
كقول البحتري:
ألمع برق سرى أم ضوء مصباح **** أم ابتسامتها بالمنظر الضاحي
فإنه يعلم أن الابتسام غير لمع البرق وضوء المصباح, لكنه لما قصد المبالغة في وصفه باللمعان والضياء, استفهم استفهام من لا يعلم, حتى كأنه من شدة الشبه بينهما التبس عليه أحدهما بالآخر,
ومنه للمبالغة في الغزل قول الشاعر
أجفون كحيلة أم صفاح **** وقدود مهزوزة أم رماح
ومنه للمبالغة في الشوق وطول الليل
وشوق ما أقاسي أم حريق **** وليل ما أكابد أم زمان
وللمبالغة في النحول
وقفت وقد فقدت الصبر حتى **** تبين موقفي أني الفقيد
وشكك في عذالي فقالوا **** لرسم الدار أيكما العميد
ومنه للمبالغة في الغزل
في الخيف من ظبيانه سمراء **** أقوامها أم صعدة سمراء
ومثله
أثغرك يا هند أبدى ابتساما **** أم البرق سل عليه حساما
ومثله قول شرف الدين راجح الحلي
من أطلع البدر في ديجور طرته ** وأودع السحر في تكسير مقلته
ومن أدار يواقيت الشفاه على ** كأس من الدر يحمي خمر ريقته
ومن تجاهل العارف للمبالغة في تعظيم الممدوح قول ابن هانئ المغربي من قصيدة يمدح جعفر بن علي أمير الزاب:
أبني العوالي السَّمهرية والموا **** ضي المشرفية والعديدِ الأكثر
من منكم الملك المطاع كأنه **** تحت السوابغ تُبّعُ في حمير
قيل إنه لما تجاهل في هذا البيت عن معرفة الممدوح ترجّل الجيش بكامله تعظيما للممدوح ولم يبق أحد راكبا سوى المعز إذ هو ملكهم، فلا يعلم بيت شعر كان جوابه نزول عسكر جرّار غيره.
وهذه القصيدة سارت بها الركبان والحداة تشدو ببلاغتها وهي أحب من قِفا نبك في الشهرة لفصاحتها ومطلعها
فتقت لكم ريح الجلاد بعنبر **** وأمدكم فلق الصباح المسفر
وما أحلى ما قال بعده
وجنيتم ثمر الوقائع يانعا **** بالنصر من ورق الحديد الأخضر
أقول إن هذه الاستعارات المرشحة يرشح ندى البلاغة من بين أوراقها وتتعثر فحول الشعراء في حلبة سباقها ومنها
في فتية صدأ الدروع عبيرهم **** وخلوقهم علق النجيع الأحمر
لا يأكل السرحان شلو طعينم **** مما عليه من القنا المتكسر
قوم يبيت على الحشايا غيرهم **** ومبيتهم فوق الجياد الضمر
وتظل تسبح في الدماء قبابهم **** فكأنهن سفائن في أبحر
حي من الأعراب إلا أنهم **** يردون ماء الأمن غير مكدر
لي منهم سيف إذا جردته **** يوما ضربت به رقاب الأعصر
صعب إذا نوب الزمان استصعبت **** متنمر للحادث المتنمر
وإذا عفا لم تلق غير مهلل **** وإذا سطا لم تلق غير معفر
فغمامه من رحمة وعراصه **** من جنة ويمينه من كوثر
ــ ومن تجاهل العارف للمبالغة في المدح قول القاضي الفاضل من مديح العادل:
أهذي كفه أم غيث غوث **** ولا بلغ السحاب ولا كرامه
وهذا بشره أم لمع برق **** ومن للبرق فينا بالإقامه
وهذا الجيش أم صرف الليالي **** ولا سبقت حوادثها زحامه
وهذا الدهر أم عبد لديه **** يصرف عن عزيمته زمامه
وهذا نعل غمد أم هلال **** إذا أمسى كنون أم قلامه
وهذا الترب أم خد لثمنا **** فآثار الشفاه عليه شامه
ومما جاء في تجاهل العارف للمبالغة في التعظيم قول الشيخ عبد القادر الكيلاني رحمه الله
أأظما وأنت العذب في كل منهل ** وأظلم في الدنيا وأنت نصيري
وعار على حامي الحمى وهو قادر ** إذا ضاع في البيدا عقال بعير
ومما جاء في تجاهل العارف للمبالغة في الذم قول زهير
وما أدري وسوف أخال أدري *** أقوم آل حصن أم نساء
ومما جاء للتحقير قول الشاعر وتظارف إلى الغاية
لما ادعى غصن الرياض بأنه *** في لينه مع قدها موصوف
قلنا له هل أنت تشبه قدها *** ما أنت هذا القد يا مقصوف
ومما جاء منه للتوبيخ قول ليلى بنت طريف الخارجية في أخيها الوليد
أيا شجر الخابور مالك مورقا *** كأنك لم تجزع على ابن طريف
وهذا البيت من قصيدة غريبة أثبتها بكمالها ابن خلكان في تاريخه والخابور نهر أصله من رأس عين بديار بكر يصب إلى الفرات
ومن أطرف ما وقع في تجاهل العارف على سبيل التوبيخ قول سراج الدين الوراق فإنه صرح بذكر التوبيخ في بيتيه وهما
وا خجلتي وصحائفي مسودة *** وصحائف الأبرار في إشراق
وموبخ في الحشر وهو يقول لي *** أكذا تكون صحائف الوراق
وقال ابن الفارض
أوميض برق بالأبيرق لاحا **** أم في ربا نجد أرى مصباحا
أم تلك ليلى العامرية أسفرت **** ليلا فصيرت المساء صباحا
ومما ورد منه للمبالغة في المدح قول حسان بن ثابت:
أنسيم ريقك أخت آل العنبر **** هذا أم استنشأته من مجمر
وبديد ثغرك ما أرى أم لمحة **** من بارق أم معدن من جوهر
وقول أبي فراس:
تسائلني من أنتَ وهي عليمة **** وهل بفتى مثلي على حاله نُكر
فقلت كما شاءت وشاء لها الهوى **** قتيلكِ قالت أيهم فهم كُثر
فأيقنت أن لا عز بعدي لعاشق **** وإن يدي مما علقت به صُفر
ومما ورد للتدلُّه، ما وقع كثيرا في خطابهم للأطلال والرسوم والمنازل والأيام وغيرها, والاستفهام عنها.
قول ذي الرمة:
أمنزلتي مي سلام عليكما **** هل الأزمن اللاتي مضين رواجع
وهل يرجع التسليم أو يكشف العمى **** ثلاث الأثافي والديار البلاقع
وقول مهيار الديلمي وفيه التعظيم والتدله:
أمن بابل أم من نواظرك السحر *** أمن حانة أم من مراشفك الخمر
وهل ما أراه أم حادث النوى *** وهل هو شوق بين جنبي أم جمر
سلوا بعدكم وادي الحمى ما أساله *** دمي أم دموع العاشقين أم القطر
المصادر:
كتاب البديع في البديع لابن المعتز ت247ه
العمدة في محاسن الشعر لابن رشيق القيرواني ت390ه
خزانة الأدب لابن حجة الحموي ت837ه
أنوار الربيع في أنواع البديع لابن معصوم الحسني ت1119ه
جمع وإعداد وتقديم: محمد أبورزق

الجمعة، 12 أكتوبر 2018

[ التكميل ]

اللغة العربية: إبداع وإمتاع وإقناع
علم البديع
دروس مهمة لكل شاعر وكاتب وأديب
الدرس الواحد والخمسون (51)
[ التكميل ]
التكميل هو أن يأتي المتكلم أو الشاعر بمعنى تام من مدح أو ذم أو وصف أو غيره من الأغراض الشعرية وفنونها ثم يرى الاقتصار على الوصف بذلك المعنى فقط غير كامل فيأتي بمعنى آخر يزيده تكميلا، كمن أراد مدح إنسان بالشجاعة ثم رأى الاقتصار عليها دون مدحه بالكرم غير كامل فيكمله بذكر الكرم أو بالبأس دون الحلم وما أشبه ذلك من الأغراض.
وأكثر علماء المعاني جعلوا التكميل والاحتراس شيئا واحدا, والمحققون من المتأخرين وأصحاب البديعيات على أن كلا منهما نوع برأسه. فإن التكميل يرد على المعنى التام فيكمل أوصافه, والاحتراس يرد على المعنى الموهم خلاف المقصود فيدفع ذلك الوهم.
وقد جاء منه في الكتاب العزيز قوله تعالى ( فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين ) فانظر إلى هذه البلاغة فإنه سبحانه وتعالى علم وهو أعلم أنه لو اقتصر على وصفهم بالذلة للمؤمنين لكان مدحا تاما مشتملا على الرياضة والانقياد لإخوانهم ولكن زاده تكميلا ووصفهم بعد ذلتهم لإخوانهم المؤمنين بالعزة على الكافرين وهذا هو التكميل الذي يتطفل البدر على كماله
ومثاله في الشعر قول كعب بن سعيد الغنوي
حليم إذا ما الحلم زيّن أهلَه **** مع الحلمِ في عين العدوّ مهيبُ
فان المدح بالحلم تم في المصراع الأول, ولكن أراد تكميله بالهيبة, فانه إذا لم يعرف منه إلا الحلم لم يهبه العدو, فقال (مع الحلم في عين العدو مهيب) . وتكلف من جعله احتراسا. نعم قوله: إذا ما الحلم زين أهله, احتراس.
فإن الحلم ما يزين أهله إلا إذا كان عن قدرة وهذا القدر غاية في باب التكميل، ومما يؤيد هذا التقرير قول الشاعر
وحِلم ذي العجز أنت عارفه *** والحِلم عن قدرة ضرب من الكرم
ومن الشواهد الصحيحة للتكميل قول أبي تمام:
فتى عند خير الثواب وشره **** ومنه الإباء المر والكرم العذب
فقوله : "ومنه الإباء" وما بعده تكميل
وقوله:
يتلو رضاه الغنى بأجمعه **** وتحذر الحادثات من غضبه
تزل عن عرضه العيوب وقد **** تنشب كف المغني في نشبه
فقوله: "وقد تنشب" وما بعده تكميل
وقول البحتري:
هل العيش إلا أن تساعفنا النوى **** بوصل سعاد أو يساعدنا الدهر
على أنها ما عندها لمواصل **** وصال ولا عنها لمصطبر صبر
فقوله (ولا عنها لمصطبر) من أحسن التكميل.
ومن التكميل الحسن قول أبي الطيب المتنبي :
أشد من الرياح الهوج بطشا ... وأسرع في الندى منها هبوبا
فإنه فطن إلى أنه لو أقتصر على وصفه بشدة البطش دون أن يضيف إلى البطش الكرم كان المدح غير كامل، فكمل المدح في عجز البيت بذكر الكرم، ولم يتجاوز في ذلك كله وصفي الريح التي شبه ممدوحه بها في حالتي بطشه وكرمه.
وبيت بديعية صفي الدين قوله:
نفس مؤيدة بالحق تعضدها **** عناية صدرت عن بارئ النسم
فقوله: تعضدها وما بعده تكميل.
وبيت عز الدين الموصلي قوله:
تمت محاسنه والله كمله **** فقدره في الورى في غاية العظم
وبيت بديعية ابن حجة قوله:
آدابه تممت لا نقص يدخلها **** والوجه تكميله في غاية العظم
وبيت بديعية الطبري قوله:
حاز المكارم تكميلا وفاز بما *** لم يؤت ذو شرف من خير مستلم
وبيت بديعية ابن معصوم هو:
تكميل قدرته بالحلم متصف **** مع المهابة في بشر وفي أضم
فقوله (مع المهابة) تكميل. وقوله (في بشر وفي أضم) تكميل آخره. والأضم بالتحريك: الغضب.
وبيت بديعية المقري قوله:
نُجُبُ الرجالِ بحبْلِ المصطفى اعتصموا **** من الشقاء ونالوا الفوز بالنعم
التكميل فيه قوله (ونالوا الفوز بالنعم) .
والفرق بين التتميم والتكميل أن التتميم يرد على المعنى الناقص فيتممه والتكميل يرد على المعنى التام فيكمله إذ الكمال أمر زائد على التمام
المصادر:
كتاب البديع في البديع لابن المعتز ت247ه
العمدة في محاسن الشعر لابن رشيق القيرواني ت390ه
خزانة الأدب لابن حجة الحموي ت837ه
أنوار الربيع في أنواع البديع لابن معصوم الحسني ت1119ه
جمع وإعداد وتقديم: محمد أبورزق
يُتبع

[ التتميم ]

اللغة العربية: إبداع وإمتاع وإقناع
علم البديع
دروس مهمة لكل شاعر وكاتب وأديب
الدرس الخمسون (50)
[ التتميم ]
التتميم - ومنهم من سماه التمام، وسماه ابن المعتز اعتراض كلام في كلام لم يتم معناه، والتسمية الأولى للحاتمي، وهي أولى، وهو عبارة عن الإتيان في الكلام نظما كان أو نثرا بكلمة أو جملة إذا طرحت منه نقص حسنه ومعناه.
كقول طرفة:
فسقى ديارك غير مفسدها **** صوب الغمام وديمة تهمي
فقوله غير مفسدها إحتراس واحتياط، ويجيء في المقاطع والحشو وأكثر مجيئه في الحشو.
ومثاله قوله تعالى ( من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ) فقوله ( من ذكر أو أنثى ) تتميم وقوله ( وهو مؤمن ) تتميم ثان في غاية البلاغة التي بذكرها تم معنى الكلام وجرى على الصحة ولو حذفت الجملتان نقص معناه واختل حسن البناء.
وقوله تعالى: (ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف) فقوله: وهو مؤمن، تتميم في غاية الحسن، فلو حذفت هذه الجملة لاختل المعنى.
وقوله تعالى: (سبحان الذي أسرى بعبده ليلا) مع أن الإسراء لا يكون إلا بالليل تتميم أفاد الدلالة على تقليل المدة، وأنه أسرى به في بعض الليل.
وغاية الغايات في التتميم للمبالغة قوله تعالى: ( ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا ) فقوله على حبه هو تتميم للمبالغة التي تعجز عنها قدرة المخلوقين.
ومن هذا القسم قول النبي مما انفرد به مسلم ( ما من عبد مسلم يصلي لله كل يوم اثنتي عشرة ركعة من غير الفرائض إلا بنى الله له بيتا في الجنة ) فوقع التتميم في هذا الحديث في أربعة مواضع منها قوله مسلم ومنها قوله لله ومنها كل يوم ومنها قوله من غير الفرائض
ومن أناشيد قدامة على هذا القسم:
أناس إذا لم يقبل الحق منهم **** ويعطوه غاروا بالسيوف القواضب
فقوله ويعطوه تتميم فإنه في غاية الحسن وهو شاهد على ما جاء منه للإحتياط
ومثال ما جاء منه للمبالغة قول زهير
من يلقَ يوما على عِلاّتِه هَرِماً **** يلق السماحة منه والندى خُلقا
فقوله على علاته تتميم للمبالغة. ومعنى على عِلّاته: إي على قلّة مال أو عدم.
وقول الآخر:
إنّي على ما ترينَ من كِبري **** أعرفُ من أين تؤكل الكتف
فقوله: على ما ترين من كبري، تتميم أفاد معنى زائدا، وحسنا آخر، لو حذف لفات ذلك.
وقول الأخطل:
وأقسم المجد حقا لا يحالفهم **** حتى يحالف بطنَ الرّاحة الشعرُ
قوله: حَقّاً تتميم بديع.
وقول ابن المعتز:
وخيل طواها القود حتى كأنها **** أنابيب سمر من قنا الخط ذبل
صببنا عليها ظالمين سياطنا **** فطارت بها أيد سراع وأرجل
فقوله: ظالمين، تتميم في غاية البراعة، فلو حذف لم يبق للبيت رونق، ولا لمعناه لطف.
ومن بديع أمثلته أيضاً قول أبي العلاء المعري:
الموقدون بنجدٍ نارَ باديةٍ **** لا يحضرون وفَقْدُ العِزِّ في الحَضَرِ
إذا هَمَى القَطْرُ شَبَّتْها عَبيدُهم **** تحت الغمائم للسَّارين بالقَطْرِ
فقوله: تحت الغمائم تتميم أفاد مبالغة تأكيد لإرادة الإيقاد، والاهتمام بشأنه. وقوله: بالقطر تتميم للتميم، وذلك أن نزول المطر لا يمنعهم من الإيقاد، ولا يوقد عندهم إلا بالحطب الجزل، وإذا كان الحطب قطرا، وهو العود الذي يتبخر به، كان نهاية في إرادة المبالغة في الاهتمام بشأن الإيقاد، ويحتمل الاستتباع أيضاً، لأن صفة السخاوة استتبعت صفة الثروة لأن الوقود إذا كان عودا لدل على أنهم لم يكونوا من أوساط الناس.
ــ وقد يؤتى بالتميم لإقامة الوزن، بحيث لو طرحت الكلمة التي قصد بها التتميم، لم ينقص معنى البيت، بل استقل بدونها، ويسمى حشوا، وهو على ضربين: ضرب لا يفيد إلا إقامة الوزن فحسب وهو حشو قبيح معيب، وضرب يفيد مع ذلك نوعا من المحاسن، فإن حذاق الشعراء إذا اضطروا إلى الكلمة لإقامة الوزن، أفادوا بها لطيفة زائدة تفاديا من أن تكون لمجرد الوزن فتعد حشوا قبيحا، وهذا الضرب يسميه بعضهم حشو اللوزينج.
فالأول من العيوب والثاني من النعوت
فمثال الأول كقول بعضهم:
ذكرت أخي فعاودني **** صداعُ الرأسِ والوصبُ
فذِكرُ الرأس حشو قبيح لأن الصداع لا يكون إلا في الرأس
ومثال الثاني الذي يأتي لإقامة الوزن مع بعض المحاسن:
قول المتنبي:
وخفوق قلب لو رأيت لهيبه **** يا جنتي لظننت فيه جهنما
فإنه جاء بقوله يا جنتي لإقامة الوزن فأفاد تتميم المطابقة وهو ضرب من المحاسن المشار إليها.
ومنه قول الشيخ جمال الدين بن نباتة:
لو ذقتَ بَرْدَ ثناياه ومبسمه **** يا حار ما لمتَ أعطافي التي ثملتْ
فقوله: يا حار، حشو يتم المعنى بدونه، ولكن أفاد إقامة الوزن والتورية (في حار، فإنه ورى به، أنه منادى) اسم حارث مرخم، وهو يريد الحارّ الذي هو مرادف السخن، بدليل قوله: برد ثناياه، وهذا مع ما فيه من النظر في حار في غاية الحسن.
المصادر:
كتاب البديع في البديع لابن المعتز ت247ه
العمدة في محاسن الشعر لابن رشيق القيرواني ت390ه
خزانة الأدب لابن حجة الحموي ت837ه
أنوار الربيع في أنواع البديع لابن معصوم الحسني ت1119ه
جمع وإعداد وتقديم: محمد أبورزق
يُتبع

الأربعاء، 10 أكتوبر 2018

[ الإستثناء ]

اللغة العربية: إبداع وإمتاع وإقناع
علم البديع
دروس مهمة لكل شاعر وكاتب وأديب
الدرس الثامن والأربعون (48)
[ الإستثناء ]
الإستثناء إستثناءان: لغوي وصناعي
فاللغوي: إخراج القليل من الكثير وقد فرَّع النحاة من ذلك في كتبهم فروعا كثيرة، وهو المذكور في كتب النحو، وحَدُّهُ: إخراجٌ (بإلاّ) أو إحدى أخواتها تحقيقا أو تقديرا من مَذْكورٍ أو مَتروكٍ، والمراد بالمُخرج تحقيقا: المتصل، كقام القوم إلا زيدا، فزيد مُخرج تحقيقا من القوم، لأنه داخل فيهم تحقيقا، وبالمخرج تقديرا: المنقطع، نحو (ما لهم به من علم إلا إتباع الظن) ، فإن الظن وإن لم يدخل في العلم تحقيقا فهو في تقدير الداخل فيه، إذ هو مستحضر بذكر العلم لكثرة قيامه مقامه، فهو مخرج منه تقديرا، وبالمذكور التام كهذين المثالين، وبالمتروك المفرغ نحو: ما ضربت إلا زيدا.
إذا علمت ذلك فليس كل استثناء يُعدّ من المحسنات البديعية، بل يشترط فيه إشتماله على معنى يزيد على معنى الإستثناء اللغوي، حتى يستحق به نظمه في سلك أنواع البديع كما قلناه في الاستدراك، وإلا لم يكن منه.
والصناعي: وهو مقصودنا في الدرس وهو الذي يفيد بعد إخراج القليل من الكثير معنى يزيد على معنى الإستثناء ويكسوه بهجة وطلاوة ويميزه بما يستحق به الإثبات في أبواب البديع كقوله تعالى ( فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس ) فإنّ فِي هذا الكلام معنًى زائدا على مقدار الاستثناء وذلك لِعِظَم الكبيرة التي أتى بها إبليس من كونه خَرَق إجماع الملائكة وفارق جميع الملأ الأعلى بخروجه مما دخلوا فيه من السجود لآدم، وذلك مثل قولك أمر الملك بكذا وكذا فأطاع أمره جميع الناس من أمير ووزير إلا فلانا. فإن الإخبار عن معصية هذا العاصي بهذه الصيغة مما يعظم أمر معصيته ويفخم مقدار كبريائه، لأنه خالف الإجماع، بخلاف قولك أمر الملك بكذا فعصاه فلان.
ومثاله قوله تعالى إخبارا عن نوح عليه السلام ( فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما ) فإن في الإخبار عن هذه المدة بهذه الصيغة تهويلا على السامع لتمهيد عذر نوح عليه السلام في الدعاء على قومه وإن في حكمة الإخبار عن المدة بهذه الصيغة العظيمة تعظيمها لكون أول ما يباشر السمع ذكر الألف والإيجاز في اختصار هذا اللفظ بهذه البلاغة العظيمة ظاهر، فإن لفظ القرآن أخصر وأوجز من قولنا تسعمائة سنة وخمسين عاما ولفظ القرآن بتقييد حصر العدد المذكور ولا يحتمل الزيادة عليه.
ومثله قوله تعالى ( فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما يريد وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك عطاء غير مجذوذ ) فالله تعالى لما علم أن وصف الشقاء يعم المؤمن العاصي والكافر استثنى من خلودهم في النار بلفظ مطمع حيث أثبت الإستثناء المطلق وأكده بقوله إن ربك فعال لما يريد أي أنه لا إعتراض عليه في إخراج أهل الشقاء من النار
ولما علم أن أهل السعادة لا خروج لهم من الجنة إستثنى من خلودهم ما ينفي الإستثناء حيث قال عطاء غير مجذوذ أي غير مقطوع وهذه المعاني في هذه الآيات الشريفة زائدة على الاستثناء اللغوي
ومن أمثال الاستثناء اللغوي في الشعر قول النميري
فلو كنتُ بالعَنْقاءِ أو بأَطُومِها **** لخِلتُكَ إلا أن تَصُدَّ تَرانِي
هذا الإستثناء في غاية الحسن فإنه تضمن المبالغة في زيادة مدح الممدوح وذلك أن هذا الشاعر يقول إني لو كنت في حيز العدم لأن العرب تضرب المثل بالعنقاء لكل شيء متعذر الوجود لخلتك متمكنا من رؤيتي ليس لك مانع يمنعك عني فالزيادة هنا في غاية اللطف وهي قوله إلا أن تصد فأنت في القدرة علي غير ممنوع وهذا غاية المبالغة في المدح، والأطوم: ج. أطم وهي الحصون المبنية بالحجارة.
ومنه قول الآخر:
تبَّتْ يدٌ سألتْ سِواكَ وأجدبتْ **** أرض بغير بحار جودك تُوسَمُ
فالعز إلا في حياتك ذلة **** والمال إلا من يديك محرم
وقال أبو بكر بن حجاج:
يقولون إن السحر في أرض بابل **** وما السحر إلا ما أرتك محاجره
وما الغصن إلا ما انثنى تحت برده **** وما الدعص إلا ما طوته مآزره
وما الدر إلا ثغره وكلامه **** وما الليل إلا صدغه وغدائره
وعلى منوال الاستثناء الصناعي الذي هو العمدة في هذا الباب نظم أصحاب البديعيات وهو إخراج القليل من الكثير بزيادة معنى بديع يزيد على معنى الاستثناء فبيت الشيخ صفي الدين الحلي
فكل ما سر قلبي واستراح به **** إلا الدموعَ عصاني بَعدَ بُعدهم
فبيت صفي الدين هنا غير خال من العقادة ومراده فيه أن كل شيء كان يسره قبل الفراق ويطيعه عصاه إلا الدموع فإنها أطاعته
ومعنى هذه الزيادة اللطيفة لا يخفى على أهل الذوق
وبيت الشيخ عز الدين
الناس كل ولا استثناء لي عذروا **** إلا العذول عصاني في ولائهم
مراد عز الدين في زيادة معناه على معنى الإستثناء أن عذوله خالف الإجماع
المصادر:
كتاب البديع في البديع لابن المعتز ت247ه
العمدة في محاسن الشعر لابن رشيق القيرواني ت390ه
خزانة الأدب لابن حجة الحموي ت837ه
أنوار الربيع في أنواع البديع لابن معصوم الحسني ت1119ه
جمع وإعداد وتقديم: محمد أبورزق
يُتبع