musique

الأربعاء، 10 أكتوبر 2018

[ الإستثناء ]

اللغة العربية: إبداع وإمتاع وإقناع
علم البديع
دروس مهمة لكل شاعر وكاتب وأديب
الدرس الثامن والأربعون (48)
[ الإستثناء ]
الإستثناء إستثناءان: لغوي وصناعي
فاللغوي: إخراج القليل من الكثير وقد فرَّع النحاة من ذلك في كتبهم فروعا كثيرة، وهو المذكور في كتب النحو، وحَدُّهُ: إخراجٌ (بإلاّ) أو إحدى أخواتها تحقيقا أو تقديرا من مَذْكورٍ أو مَتروكٍ، والمراد بالمُخرج تحقيقا: المتصل، كقام القوم إلا زيدا، فزيد مُخرج تحقيقا من القوم، لأنه داخل فيهم تحقيقا، وبالمخرج تقديرا: المنقطع، نحو (ما لهم به من علم إلا إتباع الظن) ، فإن الظن وإن لم يدخل في العلم تحقيقا فهو في تقدير الداخل فيه، إذ هو مستحضر بذكر العلم لكثرة قيامه مقامه، فهو مخرج منه تقديرا، وبالمذكور التام كهذين المثالين، وبالمتروك المفرغ نحو: ما ضربت إلا زيدا.
إذا علمت ذلك فليس كل استثناء يُعدّ من المحسنات البديعية، بل يشترط فيه إشتماله على معنى يزيد على معنى الإستثناء اللغوي، حتى يستحق به نظمه في سلك أنواع البديع كما قلناه في الاستدراك، وإلا لم يكن منه.
والصناعي: وهو مقصودنا في الدرس وهو الذي يفيد بعد إخراج القليل من الكثير معنى يزيد على معنى الإستثناء ويكسوه بهجة وطلاوة ويميزه بما يستحق به الإثبات في أبواب البديع كقوله تعالى ( فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس ) فإنّ فِي هذا الكلام معنًى زائدا على مقدار الاستثناء وذلك لِعِظَم الكبيرة التي أتى بها إبليس من كونه خَرَق إجماع الملائكة وفارق جميع الملأ الأعلى بخروجه مما دخلوا فيه من السجود لآدم، وذلك مثل قولك أمر الملك بكذا وكذا فأطاع أمره جميع الناس من أمير ووزير إلا فلانا. فإن الإخبار عن معصية هذا العاصي بهذه الصيغة مما يعظم أمر معصيته ويفخم مقدار كبريائه، لأنه خالف الإجماع، بخلاف قولك أمر الملك بكذا فعصاه فلان.
ومثاله قوله تعالى إخبارا عن نوح عليه السلام ( فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما ) فإن في الإخبار عن هذه المدة بهذه الصيغة تهويلا على السامع لتمهيد عذر نوح عليه السلام في الدعاء على قومه وإن في حكمة الإخبار عن المدة بهذه الصيغة العظيمة تعظيمها لكون أول ما يباشر السمع ذكر الألف والإيجاز في اختصار هذا اللفظ بهذه البلاغة العظيمة ظاهر، فإن لفظ القرآن أخصر وأوجز من قولنا تسعمائة سنة وخمسين عاما ولفظ القرآن بتقييد حصر العدد المذكور ولا يحتمل الزيادة عليه.
ومثله قوله تعالى ( فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما يريد وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك عطاء غير مجذوذ ) فالله تعالى لما علم أن وصف الشقاء يعم المؤمن العاصي والكافر استثنى من خلودهم في النار بلفظ مطمع حيث أثبت الإستثناء المطلق وأكده بقوله إن ربك فعال لما يريد أي أنه لا إعتراض عليه في إخراج أهل الشقاء من النار
ولما علم أن أهل السعادة لا خروج لهم من الجنة إستثنى من خلودهم ما ينفي الإستثناء حيث قال عطاء غير مجذوذ أي غير مقطوع وهذه المعاني في هذه الآيات الشريفة زائدة على الاستثناء اللغوي
ومن أمثال الاستثناء اللغوي في الشعر قول النميري
فلو كنتُ بالعَنْقاءِ أو بأَطُومِها **** لخِلتُكَ إلا أن تَصُدَّ تَرانِي
هذا الإستثناء في غاية الحسن فإنه تضمن المبالغة في زيادة مدح الممدوح وذلك أن هذا الشاعر يقول إني لو كنت في حيز العدم لأن العرب تضرب المثل بالعنقاء لكل شيء متعذر الوجود لخلتك متمكنا من رؤيتي ليس لك مانع يمنعك عني فالزيادة هنا في غاية اللطف وهي قوله إلا أن تصد فأنت في القدرة علي غير ممنوع وهذا غاية المبالغة في المدح، والأطوم: ج. أطم وهي الحصون المبنية بالحجارة.
ومنه قول الآخر:
تبَّتْ يدٌ سألتْ سِواكَ وأجدبتْ **** أرض بغير بحار جودك تُوسَمُ
فالعز إلا في حياتك ذلة **** والمال إلا من يديك محرم
وقال أبو بكر بن حجاج:
يقولون إن السحر في أرض بابل **** وما السحر إلا ما أرتك محاجره
وما الغصن إلا ما انثنى تحت برده **** وما الدعص إلا ما طوته مآزره
وما الدر إلا ثغره وكلامه **** وما الليل إلا صدغه وغدائره
وعلى منوال الاستثناء الصناعي الذي هو العمدة في هذا الباب نظم أصحاب البديعيات وهو إخراج القليل من الكثير بزيادة معنى بديع يزيد على معنى الاستثناء فبيت الشيخ صفي الدين الحلي
فكل ما سر قلبي واستراح به **** إلا الدموعَ عصاني بَعدَ بُعدهم
فبيت صفي الدين هنا غير خال من العقادة ومراده فيه أن كل شيء كان يسره قبل الفراق ويطيعه عصاه إلا الدموع فإنها أطاعته
ومعنى هذه الزيادة اللطيفة لا يخفى على أهل الذوق
وبيت الشيخ عز الدين
الناس كل ولا استثناء لي عذروا **** إلا العذول عصاني في ولائهم
مراد عز الدين في زيادة معناه على معنى الإستثناء أن عذوله خالف الإجماع
المصادر:
كتاب البديع في البديع لابن المعتز ت247ه
العمدة في محاسن الشعر لابن رشيق القيرواني ت390ه
خزانة الأدب لابن حجة الحموي ت837ه
أنوار الربيع في أنواع البديع لابن معصوم الحسني ت1119ه
جمع وإعداد وتقديم: محمد أبورزق
يُتبع

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق