اللغة العربية: إبداع وإمتاع وإقناع
علم البديع
دروس مهمة لكل شاعر وكاتب وأديب
الدرس الأربعون (40)
المغايرة
المغايرة والتغاير، ويسميه قوم التلطف، هو أن يتلطف الناظم أو الناثر في التوصل إلى مدح مذموم، أو ذم ممدوح، سواء كان هو الذي ذمه أو مدحه من قبل نفسه أو غيره.
وعرّفه ابن رشيق القيرواني فقال: التغاير هو أن يتضاد المذهبان في المعنى حتى يتقاوما ثم يصحا جميعا، وذلك من افتنان الشعراء وتصرفهم وغوص أفكارهم.
فمن ذلك مدح علي كرّم الله وجهه للدنيا بعد أن ذمها هو وغيره. فمن ذمه لها قوله : ما أصف من دار أولها عناء، وآخرها فناء في حلالها حساب، وفي حرامها عقاب، من استغنى فيها فتن، ومن افتقر فيها حزن، ومن ساعاها فاتته؛ ومن قعد عنا واتته، ومن أبصر بها بصرته، ومن أبصر إليها أعمته.
ومن مدحه لها قوله: إن الدنيا دار صدق لمن صدقها؛ ودار عافية لمن فهم عنها؛ ودار غنى لمن تزود منها، ودار موعظة لمن اتعظ بها. مسجد أحياء الله، ومصلى ملائكة الله، ومهبط وحي الله، ومتجر أولياء الله. اكتسبوا فيها الرحمة، وربحوا فيها الجنة. فمن ذا يذمها وقد آذنت ببينها، ونادت بفراقها، ونعت نفسها وأهلها فمثلت لهم ببلائها البلاء، وشوفتهم بسرورها إلى السرور.
ومن أمثلة التغاير:
من ذلك قول بعض العرب المتقدمين يذكر قوما بأنهم لا يأخذون إلا القَوَدَ دون الدِّية:
لا يَشْرَبون دِماءَهم بأكُفِّهِم **** إن الدِّماءَ الشافياتُ تُكالُ
وقال آخر وقد أخذ بثأره إلا أنه فيما زعم قتلَ دون من قُتِلَ له.
فيُقتلُ خيرٌ بامرئٍ لم يكن له **** بَوَاءً، ولكن لا تكايل بالدم
فالأول يقول: لا آخذ بالدم لبنا، لكن آخذ دما بقدره، فكان ذلك مكايلة، والثاني يزعم أن قتيله قليل المثل والنظير، فمتى لم يقتلْ به إلا نظيره بعُدَ انتقامه، وعسُر إدراكه الثأر فقال: إن الدماء ليست مما يُكايل به في الحقيقة، وقيل: إنما يعني بذلك أن الإسلام لما جاء أزال المكايلة بالدم، فكانوا لا يقتلون بالرئيس إلا رئيسا مثله.
ومن هذا الباب قول أبي تمام في التكرم يفضله على الكرم المطبوع:
قد بَلَوْنا أبا سعيد حديثا **** وبلونا أبا سعيد قديما
ووردناه سائحا وقليبا **** ورعَيْناه بارِضاً وجَميما
فعلِمنا أنْ ليس إلاّ بشِقِّ النّـ **** فس صار الكريم يُدعَى كريماً
ــ أراد بالسائح: النهر، والقليب البئر، والبارض أول ما يظهر من النبت، والجميم النبت إذا تحرك وزاد قليلا ــ.
وقال أبو الطيب المتنبي في خلافه:
لو كَفَرَ العالَمون نِعْمتَه **** لمَا عَدَتْ نفسُه سجاياها
كالشمس لا تبتغي بما صنعتْ **** تَكْرِمةً عندهم ولا جاها
ومن التغاير قول الفرزدق يصف إبله ويتفاخر:
ألم تسمعا يا بْنَيْ حكيمٍ حَنينَها **** إلى السيف تشتكي إذا لم تُعْقَر
فجعلها إذا لم تعقر حنّت إلى السيف واستبكت لكثرة عادتها، وهذا غلو مفرط، وكان في مكان آخر يصفها بالجزع إذا رأت الضيف لعلمها أنها تُنحر له:
تَرى النِّيبَ من ضيفي إذا ما رأينه **** ضُموراً على جِرّاتها ما تجيزها
فزعم أنها تُخفي حسّها حتى إنها لا تجترّ خوفا من النحر،
ومن مليح التغاير قول أبي الشِّيص:
أجِدُ الملامةَ في هواكِ لذيذةً **** حُبّاً لذِكركِ فلْيلُمني اللُّوَّمُ
وقول أبي الطيب المتنبي في عكس هذا:
أأُحِبّهُ وأحبّ فيه ملامةً؟ **** إن الملامة فيه من أعدائه
ومن المغايرة قول ابن الرومي يصف القلم ويفضله على السيف:
إنْ يخدُم القلمُ السيفَ الذي خضعتْ **** له الرِّقابُ ودانتْ خوفه الأممُ
كذا قضى الله للأقلام مذ بُريتْ **** أن السيوفَ لها مذ أرهفت خدمُ
فالموت ـ والموت لا شيء يعادله ـ **** ما زال يتبعُ ما يجري به القلمُ
وخالفه أبو الطيب المتنبي مغايرا فقال:
حتّى رجعتُ وأقلامي قوائلُ لي **** المجدُ للسيف ليس المجد للقلم
أكتُب بنا أبداً بعد الكتاب بها **** فإنّما نحن للأسياف كالخدم
وفي مدح القلم قال أبو الفتح البستي:
إذا افتخر الأبطال يوما بسيفهم *** وعدوه مما يكسب المجد والكرم
كفى قلم الكتاب فخرا ورفعة *** مدى الدهر أن الله أقسم بالقلم
: وقال ابن المعتز في ذم القلم
وأجوف مشقوق كأن شباته **** إذا استعجلتها الكف منقار لاقط
وتاه به قوم فقلت رويدكم **** فما كاتب بالكف إلا كشارط
ومن أحسن ما قيل في مدح الشعر: قول أبي تمام:
ولولا خلال سنها الشعر ما درى *** بناة المعالي أين تبنى المكارم
وأحسن منه قول ابن الرومي:
أرى الشعر يحيي الجود والباس بالذي *** تبقيه أرواح له عطرات
وما المجد لولا الشعر إلا معاهد *** وما الناس إلا أعْظُمٌ نخرات
علم البديع
دروس مهمة لكل شاعر وكاتب وأديب
الدرس الأربعون (40)
المغايرة
المغايرة والتغاير، ويسميه قوم التلطف، هو أن يتلطف الناظم أو الناثر في التوصل إلى مدح مذموم، أو ذم ممدوح، سواء كان هو الذي ذمه أو مدحه من قبل نفسه أو غيره.
وعرّفه ابن رشيق القيرواني فقال: التغاير هو أن يتضاد المذهبان في المعنى حتى يتقاوما ثم يصحا جميعا، وذلك من افتنان الشعراء وتصرفهم وغوص أفكارهم.
فمن ذلك مدح علي كرّم الله وجهه للدنيا بعد أن ذمها هو وغيره. فمن ذمه لها قوله : ما أصف من دار أولها عناء، وآخرها فناء في حلالها حساب، وفي حرامها عقاب، من استغنى فيها فتن، ومن افتقر فيها حزن، ومن ساعاها فاتته؛ ومن قعد عنا واتته، ومن أبصر بها بصرته، ومن أبصر إليها أعمته.
ومن مدحه لها قوله: إن الدنيا دار صدق لمن صدقها؛ ودار عافية لمن فهم عنها؛ ودار غنى لمن تزود منها، ودار موعظة لمن اتعظ بها. مسجد أحياء الله، ومصلى ملائكة الله، ومهبط وحي الله، ومتجر أولياء الله. اكتسبوا فيها الرحمة، وربحوا فيها الجنة. فمن ذا يذمها وقد آذنت ببينها، ونادت بفراقها، ونعت نفسها وأهلها فمثلت لهم ببلائها البلاء، وشوفتهم بسرورها إلى السرور.
ومن أمثلة التغاير:
من ذلك قول بعض العرب المتقدمين يذكر قوما بأنهم لا يأخذون إلا القَوَدَ دون الدِّية:
لا يَشْرَبون دِماءَهم بأكُفِّهِم **** إن الدِّماءَ الشافياتُ تُكالُ
وقال آخر وقد أخذ بثأره إلا أنه فيما زعم قتلَ دون من قُتِلَ له.
فيُقتلُ خيرٌ بامرئٍ لم يكن له **** بَوَاءً، ولكن لا تكايل بالدم
فالأول يقول: لا آخذ بالدم لبنا، لكن آخذ دما بقدره، فكان ذلك مكايلة، والثاني يزعم أن قتيله قليل المثل والنظير، فمتى لم يقتلْ به إلا نظيره بعُدَ انتقامه، وعسُر إدراكه الثأر فقال: إن الدماء ليست مما يُكايل به في الحقيقة، وقيل: إنما يعني بذلك أن الإسلام لما جاء أزال المكايلة بالدم، فكانوا لا يقتلون بالرئيس إلا رئيسا مثله.
ومن هذا الباب قول أبي تمام في التكرم يفضله على الكرم المطبوع:
قد بَلَوْنا أبا سعيد حديثا **** وبلونا أبا سعيد قديما
ووردناه سائحا وقليبا **** ورعَيْناه بارِضاً وجَميما
فعلِمنا أنْ ليس إلاّ بشِقِّ النّـ **** فس صار الكريم يُدعَى كريماً
ــ أراد بالسائح: النهر، والقليب البئر، والبارض أول ما يظهر من النبت، والجميم النبت إذا تحرك وزاد قليلا ــ.
وقال أبو الطيب المتنبي في خلافه:
لو كَفَرَ العالَمون نِعْمتَه **** لمَا عَدَتْ نفسُه سجاياها
كالشمس لا تبتغي بما صنعتْ **** تَكْرِمةً عندهم ولا جاها
ومن التغاير قول الفرزدق يصف إبله ويتفاخر:
ألم تسمعا يا بْنَيْ حكيمٍ حَنينَها **** إلى السيف تشتكي إذا لم تُعْقَر
فجعلها إذا لم تعقر حنّت إلى السيف واستبكت لكثرة عادتها، وهذا غلو مفرط، وكان في مكان آخر يصفها بالجزع إذا رأت الضيف لعلمها أنها تُنحر له:
تَرى النِّيبَ من ضيفي إذا ما رأينه **** ضُموراً على جِرّاتها ما تجيزها
فزعم أنها تُخفي حسّها حتى إنها لا تجترّ خوفا من النحر،
ومن مليح التغاير قول أبي الشِّيص:
أجِدُ الملامةَ في هواكِ لذيذةً **** حُبّاً لذِكركِ فلْيلُمني اللُّوَّمُ
وقول أبي الطيب المتنبي في عكس هذا:
أأُحِبّهُ وأحبّ فيه ملامةً؟ **** إن الملامة فيه من أعدائه
ومن المغايرة قول ابن الرومي يصف القلم ويفضله على السيف:
إنْ يخدُم القلمُ السيفَ الذي خضعتْ **** له الرِّقابُ ودانتْ خوفه الأممُ
كذا قضى الله للأقلام مذ بُريتْ **** أن السيوفَ لها مذ أرهفت خدمُ
فالموت ـ والموت لا شيء يعادله ـ **** ما زال يتبعُ ما يجري به القلمُ
وخالفه أبو الطيب المتنبي مغايرا فقال:
حتّى رجعتُ وأقلامي قوائلُ لي **** المجدُ للسيف ليس المجد للقلم
أكتُب بنا أبداً بعد الكتاب بها **** فإنّما نحن للأسياف كالخدم
وفي مدح القلم قال أبو الفتح البستي:
إذا افتخر الأبطال يوما بسيفهم *** وعدوه مما يكسب المجد والكرم
كفى قلم الكتاب فخرا ورفعة *** مدى الدهر أن الله أقسم بالقلم
: وقال ابن المعتز في ذم القلم
وأجوف مشقوق كأن شباته **** إذا استعجلتها الكف منقار لاقط
وتاه به قوم فقلت رويدكم **** فما كاتب بالكف إلا كشارط
ومن أحسن ما قيل في مدح الشعر: قول أبي تمام:
ولولا خلال سنها الشعر ما درى *** بناة المعالي أين تبنى المكارم
وأحسن منه قول ابن الرومي:
أرى الشعر يحيي الجود والباس بالذي *** تبقيه أرواح له عطرات
وما المجد لولا الشعر إلا معاهد *** وما الناس إلا أعْظُمٌ نخرات
وقال بعضهم:
الشعر يحفظ ما أودى الزمان به *** والشعر أفخر ما ينبي عن الكلم
لولا مقال زهير في قصائده *** ما كنت تعرف جودا كان في هرم
ومن أحسن وأصدق ما ذم به الشاعر قول عبد الصمد بن المعذل لأبي تمام وقد قصد البصرة وشارفها:
أنت بين اثنتين تبرز للنا *** س وكلتاهما بوجه مذال.
لست تنفك طالبا لوصال *** من حبيب أو راغبا في نوال.
أي ماء لحر وجهك يبقى *** بين ذل الهوى وذل السؤال.
فلما بلغت الأبيات أبا تمام قال: صدق والله أحسن. وثنى عنانه عن البصرة وأقسم أن لا يدخلها أبدا.
الشعر يحفظ ما أودى الزمان به *** والشعر أفخر ما ينبي عن الكلم
لولا مقال زهير في قصائده *** ما كنت تعرف جودا كان في هرم
ومن أحسن وأصدق ما ذم به الشاعر قول عبد الصمد بن المعذل لأبي تمام وقد قصد البصرة وشارفها:
أنت بين اثنتين تبرز للنا *** س وكلتاهما بوجه مذال.
لست تنفك طالبا لوصال *** من حبيب أو راغبا في نوال.
أي ماء لحر وجهك يبقى *** بين ذل الهوى وذل السؤال.
فلما بلغت الأبيات أبا تمام قال: صدق والله أحسن. وثنى عنانه عن البصرة وأقسم أن لا يدخلها أبدا.
وفي مدح الغنى قال ابن المعتز:
إذا كنت ذا ثروة من غنى *** فأنت المسود في العالم.
وحسبك من نسب صورة *** تخبر أنك من آدم
وفي ذم الغنى قال محمود الوراق في هذا الباب:
لا تشعرن قلبك حب الغنى *** إن من العصمة أن لا تجد.
كم واجد أطلق وجدانه *** عنانه في بعض ما لم يرد.
ومدمن للخمر غاد على *** سماع عود وغناء غرد.
لو لم يجد خمرا ولا مسمعا *** برد بالماء غليل الكبد.
وكم يد للفقر عند امرء *** طأطأ منه الفقر حتى اقتصد.
وفي مدح الفقرقال أبو العتاهية:
ألم تر أن الفقر يرجى له الغنى *** وأن الغنى يخشى عليه من الفقر.
وقول محمود الوراق:
يا عائب الفقر ألا تنزجر *** عيب الغنى أكثر لو تعتبر.
من شرف الفقر ومن فضله *** على الغنى لو صح منك النظر.
إنك تعصي الله تبغي الغنى *** ولست تعصي الله كي تفتقر.
وفي ذم الفقر قال الثعالبي:
إذا قل مال المرء قل حياؤه *** وضاقت عليه أرضه وسماؤه.
وأصبح لا يدري وإن كان حازما *** أقدامه خير له أم وراؤه.
وقال عروة بن الورد يذم الفقر ويمدح الغنى
دعِيني للغنى أسعى، فإنّي *** رأيتُ الناسَ شرُّهمُ الفقير
وأبعدُهم وأهونُهم عليهم *** وإن أمسى له حسب وخير
ويُقصِيهِ النَّدِيُّ، وتَزْدرِيهِ *** حليلته وينهره الصغير
ويلقى ذا الغنى وله جلال *** يكاد فؤاد صاحبه يطير
قليلٌ ذنبُهُ، والذنبُ جمّ *** ولكن للغنى ربّ غفور
وفي مدح الكتب قال أبو الحسن بن طباطبا:
اجعل جليسك دفترا في نشره **** للميت من حكم العلوم نشور.
فكتاب علم للأديب موانس **** ومؤدب ومبشر ونذير.
ومفيد آداب ومؤنس وحشة **** وإذا انفردت فصاحب وسمير.
وقال المتنبي:
أعز مكان في الدنا سرج سابح **** وخير جليس في الزمان كتاب.
وفي ذم الكتب قال أبو بكر الخوارزمي:
عليك بالحفظ دون الجمع في كتب **** فإن للكتب آفات تفرقها.
الماء يغرقها والنار تحرقها **** واللص يسرقها والفار يخرقها.
وقد كان ابن الرومي ممن يخالف الناس، ويعكس القياس، فيذم الحسن ويمدح القبيح، وهو القائل:
في زخرف القول تزيين لباطله **** والحق قد يعتريه بعض تغيير
تقول هذا مجاج النحل تمدحه **** وإن ذممت تقل قيء الزنابير
مدحا وذما وما جاوزت وصفهما **** سحر البيان يري الظلماء كالنور
وحكى الشريف المرتضى في كتاب الغرر والدرر قال: حكي أن أبا النظام جيء به وهو حَدث إلى الخليل بن أحمد ليعلمه فقال له الخليل يوما يمتحنه وفي يده قدح زجاج: يا بني صف لي هذه الزجاجة فقال: بمدح أم بذم؟ فقال: بمدح، قال: نعم، تريك القذى ولا تقبل الأذى ولا تستر ما ورا.
قال: فذمها، قال: سريع كسرها بطيء جبرها. قال: فصف هذه النخلة - وأومأ إلى نخلة في داره - قال: أبمدح أم بذم؟ قال: بمدح، قال: هي حلو مجتناها، باسق منتهاها، ناضر أعلاها. قال: فذمها؛ قال: هي صعبة المرتقى؛ بعيدة المجتنى؛ محفوفة بالأذى. فقال الخليل: يا بني نحن إلى التعلم منك أحوج.
وفي مدح القمر قال أعرابي
ماذا أقول وقولي فيك ذو حصر **** وقد كفيتني التفصيل والجملا
إن قلت لا زلت مرفوعا فأنت كذا **** أو قلت زانك ربي فهو قد فعلا
وفي ذم القمر وأبلغ ما قيل في ذلك وأجمعه قول بعض ظرفاء الكتاب ممن يسكن دور الكراء، وقد قيل له: أنظر إلى القمر ما أحسنه، فقال: والله ما انظر إليه لبغضي له، قيل: ولم؟ قال لأن فيه عيوبا لو كانت في حمار لرد بالعيب، قيل: وما هي؟ قال: ما يصدقه العيان، ويشهد به الأثر. فإنه يهدم العمر، ويقرب الأجل، ويحل الدين، ويوجب كراء المنزل، ويقرض الكتان، ويشحب الألوان، ويسخن الماء، ويفسد اللحم؛ ويعين السارق؛ ويفضح العاشق الطارق.
وأكتفي بهذا القدر فقد أطلت كثيرا نظرا لروعة الموضوع وكثرة المسائل التي مدحها الشعراء وذموها وهي كثيرة جدا تحتاج إلى أكثر من درس
المصادر:
كتاب البديع في البديع لابن المعتز ت247ه
العمدة في محاسن الشعر لابن رشيق القيرواني ت390ه
زهر الآداب للحصري القيرواني ت453ه
خزانة الأدب لابن حجة الحموي ت837ه
أنوار الربيع في أنواع البديع لابن معصوم الحسني ت1119ه
جمع وإعداد وتقديم: محمد أبورزق
يُتبع
إذا كنت ذا ثروة من غنى *** فأنت المسود في العالم.
وحسبك من نسب صورة *** تخبر أنك من آدم
وفي ذم الغنى قال محمود الوراق في هذا الباب:
لا تشعرن قلبك حب الغنى *** إن من العصمة أن لا تجد.
كم واجد أطلق وجدانه *** عنانه في بعض ما لم يرد.
ومدمن للخمر غاد على *** سماع عود وغناء غرد.
لو لم يجد خمرا ولا مسمعا *** برد بالماء غليل الكبد.
وكم يد للفقر عند امرء *** طأطأ منه الفقر حتى اقتصد.
وفي مدح الفقرقال أبو العتاهية:
ألم تر أن الفقر يرجى له الغنى *** وأن الغنى يخشى عليه من الفقر.
وقول محمود الوراق:
يا عائب الفقر ألا تنزجر *** عيب الغنى أكثر لو تعتبر.
من شرف الفقر ومن فضله *** على الغنى لو صح منك النظر.
إنك تعصي الله تبغي الغنى *** ولست تعصي الله كي تفتقر.
وفي ذم الفقر قال الثعالبي:
إذا قل مال المرء قل حياؤه *** وضاقت عليه أرضه وسماؤه.
وأصبح لا يدري وإن كان حازما *** أقدامه خير له أم وراؤه.
وقال عروة بن الورد يذم الفقر ويمدح الغنى
دعِيني للغنى أسعى، فإنّي *** رأيتُ الناسَ شرُّهمُ الفقير
وأبعدُهم وأهونُهم عليهم *** وإن أمسى له حسب وخير
ويُقصِيهِ النَّدِيُّ، وتَزْدرِيهِ *** حليلته وينهره الصغير
ويلقى ذا الغنى وله جلال *** يكاد فؤاد صاحبه يطير
قليلٌ ذنبُهُ، والذنبُ جمّ *** ولكن للغنى ربّ غفور
وفي مدح الكتب قال أبو الحسن بن طباطبا:
اجعل جليسك دفترا في نشره **** للميت من حكم العلوم نشور.
فكتاب علم للأديب موانس **** ومؤدب ومبشر ونذير.
ومفيد آداب ومؤنس وحشة **** وإذا انفردت فصاحب وسمير.
وقال المتنبي:
أعز مكان في الدنا سرج سابح **** وخير جليس في الزمان كتاب.
وفي ذم الكتب قال أبو بكر الخوارزمي:
عليك بالحفظ دون الجمع في كتب **** فإن للكتب آفات تفرقها.
الماء يغرقها والنار تحرقها **** واللص يسرقها والفار يخرقها.
وقد كان ابن الرومي ممن يخالف الناس، ويعكس القياس، فيذم الحسن ويمدح القبيح، وهو القائل:
في زخرف القول تزيين لباطله **** والحق قد يعتريه بعض تغيير
تقول هذا مجاج النحل تمدحه **** وإن ذممت تقل قيء الزنابير
مدحا وذما وما جاوزت وصفهما **** سحر البيان يري الظلماء كالنور
وحكى الشريف المرتضى في كتاب الغرر والدرر قال: حكي أن أبا النظام جيء به وهو حَدث إلى الخليل بن أحمد ليعلمه فقال له الخليل يوما يمتحنه وفي يده قدح زجاج: يا بني صف لي هذه الزجاجة فقال: بمدح أم بذم؟ فقال: بمدح، قال: نعم، تريك القذى ولا تقبل الأذى ولا تستر ما ورا.
قال: فذمها، قال: سريع كسرها بطيء جبرها. قال: فصف هذه النخلة - وأومأ إلى نخلة في داره - قال: أبمدح أم بذم؟ قال: بمدح، قال: هي حلو مجتناها، باسق منتهاها، ناضر أعلاها. قال: فذمها؛ قال: هي صعبة المرتقى؛ بعيدة المجتنى؛ محفوفة بالأذى. فقال الخليل: يا بني نحن إلى التعلم منك أحوج.
وفي مدح القمر قال أعرابي
ماذا أقول وقولي فيك ذو حصر **** وقد كفيتني التفصيل والجملا
إن قلت لا زلت مرفوعا فأنت كذا **** أو قلت زانك ربي فهو قد فعلا
وفي ذم القمر وأبلغ ما قيل في ذلك وأجمعه قول بعض ظرفاء الكتاب ممن يسكن دور الكراء، وقد قيل له: أنظر إلى القمر ما أحسنه، فقال: والله ما انظر إليه لبغضي له، قيل: ولم؟ قال لأن فيه عيوبا لو كانت في حمار لرد بالعيب، قيل: وما هي؟ قال: ما يصدقه العيان، ويشهد به الأثر. فإنه يهدم العمر، ويقرب الأجل، ويحل الدين، ويوجب كراء المنزل، ويقرض الكتان، ويشحب الألوان، ويسخن الماء، ويفسد اللحم؛ ويعين السارق؛ ويفضح العاشق الطارق.
وأكتفي بهذا القدر فقد أطلت كثيرا نظرا لروعة الموضوع وكثرة المسائل التي مدحها الشعراء وذموها وهي كثيرة جدا تحتاج إلى أكثر من درس
المصادر:
كتاب البديع في البديع لابن المعتز ت247ه
العمدة في محاسن الشعر لابن رشيق القيرواني ت390ه
زهر الآداب للحصري القيرواني ت453ه
خزانة الأدب لابن حجة الحموي ت837ه
أنوار الربيع في أنواع البديع لابن معصوم الحسني ت1119ه
جمع وإعداد وتقديم: محمد أبورزق
يُتبع

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق