musique

الخميس، 4 أكتوبر 2018

[ المُوَارَبَة ]

اللغة العربية: إبداع وإمتاع وإقناع
علم البديع
دروس مهمة لكل شاعر وكاتب وأديب
الدرس الثالث والأربعون (43)
[ المُوَارَبَة ]
المُوارَبَة في اللغة: المداهاة والمخاتلة، كذا في القاموس، وفي الحديث: وإن بايعتهم واربوك، أي خادعوك، من الوَرَب وهو الفساد، وقد ورب يرب، ويجوز أن يكون من الإرب وهو الدهاء، وقلبت الهمزة واوا - قاله في النهاية- وقال ابن أبي الإصبع: هي مشتقة من ورب العرق -بفتح الواو والراء- إذا فسد فهو ورب بكسر الراء، كأن المتكلم أفسد مفهوم ظاهر كلامه بما أبداه من تأويل باطنه.
وحقيقة المواربة: أن يقول المتكلم قولا يتضمن ما ينكر عليه فيه بسببه وتتوجه عليه المؤاخذة فيستحضر بحذقة وجها من الوجوه التي يمكن التخلص به من تلك المؤاخذة، إما بتحريف كلمة أو تصحيفها، أو بزيادة أو نقص، أو غير ذلك من الوجوه. انتهى.
وظاهر أنه لا يتعين نقلها إلى الاصطلاح من الورب بمعنى الفساد بل يجوز أن يكون من المداهاة والمخاتلة كما في القاموس، بل هو أنسب بالمعنى الإصطلاحي كما لا يخفى.
وأحسن شاهد وقع في هذا النوع في الشعر وهو من التخلص بالتحريف أيضاً، ما روي: أن عبد الملك بن مروان أُحْضِرَ إليه رجل يرى رأي الخوارج وهو عِتْبان الحروري فقال له: ألستَ القائل يا عدو الله.
فإن يك منكم كان مروان وابنه *** وعمرو ومنكم هاشم وحبيب
فمنا حصين والبطين وقعنب *** ومنّا أميرُ المؤمنينَ شبيب
فقال: لم أقل كذا يا أمير المؤمنين، وإنما قلت: ومنا أميرَ المؤمنين شبيب -ونصب أمير المؤمنين- فاستحسن قوله وأمر بتخليته.
وهذا الجواب في نهاية الحسن، فأنه إذا كان (أميرُ) مرفوعا كان مبتدأ فيكون: شبيب أمير المؤمنين، وإذا كان منصوبا فقد حذف منه حرف النداء ومعناه: يا أميرَ المؤمنين منّا شبيب، فلا يكون أميرَ المؤمنين بل يكون منهم.
وشاهد المواربة بالحذف، قول أبي نواس في خالصه جارية الرشيد هاجيا لها وكانت سوداء:
لقد ضاع شعري على بابكم *** كما ضاع حلي على خالصة
فلما بلغ الرشيد ذلك تهدده بسببه فقال: لم أقل ذلك وإنما قلت:
لقد ضاء شعري على بابكم ... كما ضاء حلي على خالصة
فاستحسن الرشيد مواربته، وقال بعض الحاضرين: لله دره من شعر قلعت عيناه فأبصر.
وبيت بديعية الشيخ صفي الدين الحلي قوله:
لأنت عندي أَخَصُّ الناس منزلة *** إذ كنت أقدَرُهُم عندي على السلم
المواربة في (أخص) يريد بها (أخس) بالسين المهملة و (أقدرهم) يريد بها (أقذرهم) بالذال المعجمة.
وبيت بديعية الشيخ عز الدين الموصلي قوله:
لأنت أفْتَحُ ذهنا في مواربة *** وبالتَّعَقُّلِ منسوب إلى النعم
مراده ب (أفتح) ؛ (أقبح) بالقاف والباء الموحدة؛ و (بالتعقل) ؛ (التغفل) بالغين المعجمة والفاء، وب (النعم) بكسر النون (النّعم) بفتحها وهو اسم جامع للإبل وغيرها.
وبيت بديعية ابن معصوم هو قوله:
هديت يا لائمي فاترك مواربتي *** فليس يحسن إلا ترك ودهم
المواربة في موضعين: أحدهما (هديت) من الهدى، والمراد (هذيت) بالذال المعجمة من الهذيان وهو التكلم بغير معقول لمرض أو غيره، والثاني (يحسن) بالحاء والسين المهملتين، والمراد (يخشن) بالخاء والشين المعجمتين.
وبيت بديعية الشيخ شرف الدين المقري قوله:
والعاذلان على من قده غصن *** كالبان هزا متى ما ناضحا اتهم
هذا البيت بديع في هذا النوع جدا؛ والمواربة في قوله (كالبان هزا) فأن الظاهر أن الكاف للتشبيه، والبان: الشجر المعروف، وهزا بالزاي المعجمة تمييز من هز الغصن يهزه: إذا حركه، والمراد (كلبان) تثنيه كلب، و (هرا) بالراء المهملة من هرير الكلب، وهو صوته دون نباحه من قلة صبره على البرد.
المصادر:
كتاب البديع في البديع لابن المعتز ت247ه
العمدة في محاسن الشعر لابن رشيق القيرواني ت390ه
زهر الآداب للحصري القيرواني ت453ه
خزانة الأدب لابن حجة الحموي ت837ه
أنوار الربيع في أنواع البديع لابن معصوم الحسني ت1119ه
جمع وإعداد وتقديم: محمد أبورزق
يُتبع

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق