اللغة العربية: إبداع وإمتاع وإقناع
علم البديع
دروس مهمة لكل شاعر وكاتب وأديب
الدرس الواحد والخمسون (51)
[ التكميل ]
التكميل هو أن يأتي المتكلم أو الشاعر بمعنى تام من مدح أو ذم أو وصف أو غيره من الأغراض الشعرية وفنونها ثم يرى الاقتصار على الوصف بذلك المعنى فقط غير كامل فيأتي بمعنى آخر يزيده تكميلا، كمن أراد مدح إنسان بالشجاعة ثم رأى الاقتصار عليها دون مدحه بالكرم غير كامل فيكمله بذكر الكرم أو بالبأس دون الحلم وما أشبه ذلك من الأغراض.
وأكثر علماء المعاني جعلوا التكميل والاحتراس شيئا واحدا, والمحققون من المتأخرين وأصحاب البديعيات على أن كلا منهما نوع برأسه. فإن التكميل يرد على المعنى التام فيكمل أوصافه, والاحتراس يرد على المعنى الموهم خلاف المقصود فيدفع ذلك الوهم.
وقد جاء منه في الكتاب العزيز قوله تعالى ( فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين ) فانظر إلى هذه البلاغة فإنه سبحانه وتعالى علم وهو أعلم أنه لو اقتصر على وصفهم بالذلة للمؤمنين لكان مدحا تاما مشتملا على الرياضة والانقياد لإخوانهم ولكن زاده تكميلا ووصفهم بعد ذلتهم لإخوانهم المؤمنين بالعزة على الكافرين وهذا هو التكميل الذي يتطفل البدر على كماله
ومثاله في الشعر قول كعب بن سعيد الغنوي
حليم إذا ما الحلم زيّن أهلَه **** مع الحلمِ في عين العدوّ مهيبُ
فان المدح بالحلم تم في المصراع الأول, ولكن أراد تكميله بالهيبة, فانه إذا لم يعرف منه إلا الحلم لم يهبه العدو, فقال (مع الحلم في عين العدو مهيب) . وتكلف من جعله احتراسا. نعم قوله: إذا ما الحلم زين أهله, احتراس.
فإن الحلم ما يزين أهله إلا إذا كان عن قدرة وهذا القدر غاية في باب التكميل، ومما يؤيد هذا التقرير قول الشاعر
وحِلم ذي العجز أنت عارفه *** والحِلم عن قدرة ضرب من الكرم
ومن الشواهد الصحيحة للتكميل قول أبي تمام:
فتى عند خير الثواب وشره **** ومنه الإباء المر والكرم العذب
فقوله : "ومنه الإباء" وما بعده تكميل
وقوله:
يتلو رضاه الغنى بأجمعه **** وتحذر الحادثات من غضبه
تزل عن عرضه العيوب وقد **** تنشب كف المغني في نشبه
فقوله: "وقد تنشب" وما بعده تكميل
وقول البحتري:
هل العيش إلا أن تساعفنا النوى **** بوصل سعاد أو يساعدنا الدهر
على أنها ما عندها لمواصل **** وصال ولا عنها لمصطبر صبر
فقوله (ولا عنها لمصطبر) من أحسن التكميل.
ومن التكميل الحسن قول أبي الطيب المتنبي :
أشد من الرياح الهوج بطشا ... وأسرع في الندى منها هبوبا
فإنه فطن إلى أنه لو أقتصر على وصفه بشدة البطش دون أن يضيف إلى البطش الكرم كان المدح غير كامل، فكمل المدح في عجز البيت بذكر الكرم، ولم يتجاوز في ذلك كله وصفي الريح التي شبه ممدوحه بها في حالتي بطشه وكرمه.
وبيت بديعية صفي الدين قوله:
نفس مؤيدة بالحق تعضدها **** عناية صدرت عن بارئ النسم
فقوله: تعضدها وما بعده تكميل.
وبيت عز الدين الموصلي قوله:
تمت محاسنه والله كمله **** فقدره في الورى في غاية العظم
وبيت بديعية ابن حجة قوله:
آدابه تممت لا نقص يدخلها **** والوجه تكميله في غاية العظم
وبيت بديعية الطبري قوله:
حاز المكارم تكميلا وفاز بما *** لم يؤت ذو شرف من خير مستلم
وبيت بديعية ابن معصوم هو:
تكميل قدرته بالحلم متصف **** مع المهابة في بشر وفي أضم
فقوله (مع المهابة) تكميل. وقوله (في بشر وفي أضم) تكميل آخره. والأضم بالتحريك: الغضب.
وبيت بديعية المقري قوله:
نُجُبُ الرجالِ بحبْلِ المصطفى اعتصموا **** من الشقاء ونالوا الفوز بالنعم
التكميل فيه قوله (ونالوا الفوز بالنعم) .
والفرق بين التتميم والتكميل أن التتميم يرد على المعنى الناقص فيتممه والتكميل يرد على المعنى التام فيكمله إذ الكمال أمر زائد على التمام
المصادر:
كتاب البديع في البديع لابن المعتز ت247ه
العمدة في محاسن الشعر لابن رشيق القيرواني ت390ه
خزانة الأدب لابن حجة الحموي ت837ه
أنوار الربيع في أنواع البديع لابن معصوم الحسني ت1119ه
جمع وإعداد وتقديم: محمد أبورزق
يُتبع
علم البديع
دروس مهمة لكل شاعر وكاتب وأديب
الدرس الواحد والخمسون (51)
[ التكميل ]
التكميل هو أن يأتي المتكلم أو الشاعر بمعنى تام من مدح أو ذم أو وصف أو غيره من الأغراض الشعرية وفنونها ثم يرى الاقتصار على الوصف بذلك المعنى فقط غير كامل فيأتي بمعنى آخر يزيده تكميلا، كمن أراد مدح إنسان بالشجاعة ثم رأى الاقتصار عليها دون مدحه بالكرم غير كامل فيكمله بذكر الكرم أو بالبأس دون الحلم وما أشبه ذلك من الأغراض.
وأكثر علماء المعاني جعلوا التكميل والاحتراس شيئا واحدا, والمحققون من المتأخرين وأصحاب البديعيات على أن كلا منهما نوع برأسه. فإن التكميل يرد على المعنى التام فيكمل أوصافه, والاحتراس يرد على المعنى الموهم خلاف المقصود فيدفع ذلك الوهم.
وقد جاء منه في الكتاب العزيز قوله تعالى ( فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين ) فانظر إلى هذه البلاغة فإنه سبحانه وتعالى علم وهو أعلم أنه لو اقتصر على وصفهم بالذلة للمؤمنين لكان مدحا تاما مشتملا على الرياضة والانقياد لإخوانهم ولكن زاده تكميلا ووصفهم بعد ذلتهم لإخوانهم المؤمنين بالعزة على الكافرين وهذا هو التكميل الذي يتطفل البدر على كماله
ومثاله في الشعر قول كعب بن سعيد الغنوي
حليم إذا ما الحلم زيّن أهلَه **** مع الحلمِ في عين العدوّ مهيبُ
فان المدح بالحلم تم في المصراع الأول, ولكن أراد تكميله بالهيبة, فانه إذا لم يعرف منه إلا الحلم لم يهبه العدو, فقال (مع الحلم في عين العدو مهيب) . وتكلف من جعله احتراسا. نعم قوله: إذا ما الحلم زين أهله, احتراس.
فإن الحلم ما يزين أهله إلا إذا كان عن قدرة وهذا القدر غاية في باب التكميل، ومما يؤيد هذا التقرير قول الشاعر
وحِلم ذي العجز أنت عارفه *** والحِلم عن قدرة ضرب من الكرم
ومن الشواهد الصحيحة للتكميل قول أبي تمام:
فتى عند خير الثواب وشره **** ومنه الإباء المر والكرم العذب
فقوله : "ومنه الإباء" وما بعده تكميل
وقوله:
يتلو رضاه الغنى بأجمعه **** وتحذر الحادثات من غضبه
تزل عن عرضه العيوب وقد **** تنشب كف المغني في نشبه
فقوله: "وقد تنشب" وما بعده تكميل
وقول البحتري:
هل العيش إلا أن تساعفنا النوى **** بوصل سعاد أو يساعدنا الدهر
على أنها ما عندها لمواصل **** وصال ولا عنها لمصطبر صبر
فقوله (ولا عنها لمصطبر) من أحسن التكميل.
ومن التكميل الحسن قول أبي الطيب المتنبي :
أشد من الرياح الهوج بطشا ... وأسرع في الندى منها هبوبا
فإنه فطن إلى أنه لو أقتصر على وصفه بشدة البطش دون أن يضيف إلى البطش الكرم كان المدح غير كامل، فكمل المدح في عجز البيت بذكر الكرم، ولم يتجاوز في ذلك كله وصفي الريح التي شبه ممدوحه بها في حالتي بطشه وكرمه.
وبيت بديعية صفي الدين قوله:
نفس مؤيدة بالحق تعضدها **** عناية صدرت عن بارئ النسم
فقوله: تعضدها وما بعده تكميل.
وبيت عز الدين الموصلي قوله:
تمت محاسنه والله كمله **** فقدره في الورى في غاية العظم
وبيت بديعية ابن حجة قوله:
آدابه تممت لا نقص يدخلها **** والوجه تكميله في غاية العظم
وبيت بديعية الطبري قوله:
حاز المكارم تكميلا وفاز بما *** لم يؤت ذو شرف من خير مستلم
وبيت بديعية ابن معصوم هو:
تكميل قدرته بالحلم متصف **** مع المهابة في بشر وفي أضم
فقوله (مع المهابة) تكميل. وقوله (في بشر وفي أضم) تكميل آخره. والأضم بالتحريك: الغضب.
وبيت بديعية المقري قوله:
نُجُبُ الرجالِ بحبْلِ المصطفى اعتصموا **** من الشقاء ونالوا الفوز بالنعم
التكميل فيه قوله (ونالوا الفوز بالنعم) .
والفرق بين التتميم والتكميل أن التتميم يرد على المعنى الناقص فيتممه والتكميل يرد على المعنى التام فيكمله إذ الكمال أمر زائد على التمام
المصادر:
كتاب البديع في البديع لابن المعتز ت247ه
العمدة في محاسن الشعر لابن رشيق القيرواني ت390ه
خزانة الأدب لابن حجة الحموي ت837ه
أنوار الربيع في أنواع البديع لابن معصوم الحسني ت1119ه
جمع وإعداد وتقديم: محمد أبورزق
يُتبع

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق