اللغة العربية: إبداع وإمتاع وإقناع
علم البديع
دروس مهمة لكل شاعر وكاتب وأديب
الدرس الثاني والخمسون (52)
[ تجاهل العارف ]
علم البديع
دروس مهمة لكل شاعر وكاتب وأديب
الدرس الثاني والخمسون (52)
[ تجاهل العارف ]
تجاهل العارف تسميته لابن المعتز وسماه السكاكي بسَوْقِ المعلوم مساق غيره لنكتة المبالغة في التشبيه
وهو عبارة عن سؤال المتكلم عما يعلم سؤال من لا يعلم ليوهم أن شدة التشبيه الواقع بين المتناسبين أحدثت عنده إلتباس المشبه بالمشبه به وفائدته المبالغة في المعنى نحو قولك: أوجهك هذا أم بدر؟ فإن المتكلم يعلم أن الوجه غير البدر إلا أنه لما أراد المبالغة في وصف الوجه بالحسن استفهم أهذا وجه أم بدر ففهم من ذلك شدة الشبه بين الوجه والبدر فإن كان السؤال عن الشيء الذي يعرفه المتكلم خاليا من الشبه لم يكن من هذا الباب بل يكون من باب آخر كقوله تعالى: ( وما تلك بيمينك يا موسى ) فإن السؤال هنا ما وقع لأجل المبالغة في التشبيه المشار إليه في تجاهل العارف بل هو لفائدة أخرى، إما إيناسا لموسى عليه السلام لأن المقام مقام هيبة واحترام، وإما إظهار المعجز الذي لم يكن موسى يعلمه
ومنه قوله لعيسى عليه السلام ( أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله ) فإن السؤال هنا لم يكن للتشبيه وإنما هو توبيخ لمن إدّعى فيه ذلك
ومن الناس من جعل تجاهل العارف مطلقا سواء كان على طريق التشبيه أو على غيره إذا تقرر هذا فاعلم أن تجاهل العارف من حيث هو إنما يأتي لنكتة من نحو مبالغة في مدح أو ذم أو تعظيم أو تحقير أو توبيخ أو تقرير أو من تدلّه في الحب.
فتجاهل العارف هو أنك تعرف، ولكنك تسأل سؤال من لا يعرف
كقول البحتري:
ألمع برق سرى أم ضوء مصباح **** أم ابتسامتها بالمنظر الضاحي
فإنه يعلم أن الابتسام غير لمع البرق وضوء المصباح, لكنه لما قصد المبالغة في وصفه باللمعان والضياء, استفهم استفهام من لا يعلم, حتى كأنه من شدة الشبه بينهما التبس عليه أحدهما بالآخر,
ومنه للمبالغة في الغزل قول الشاعر
أجفون كحيلة أم صفاح **** وقدود مهزوزة أم رماح
ومنه للمبالغة في الشوق وطول الليل
وشوق ما أقاسي أم حريق **** وليل ما أكابد أم زمان
وللمبالغة في النحول
وقفت وقد فقدت الصبر حتى **** تبين موقفي أني الفقيد
وشكك في عذالي فقالوا **** لرسم الدار أيكما العميد
ومنه للمبالغة في الغزل
في الخيف من ظبيانه سمراء **** أقوامها أم صعدة سمراء
ومثله
أثغرك يا هند أبدى ابتساما **** أم البرق سل عليه حساما
ومثله قول شرف الدين راجح الحلي
من أطلع البدر في ديجور طرته ** وأودع السحر في تكسير مقلته
ومن أدار يواقيت الشفاه على ** كأس من الدر يحمي خمر ريقته
ومن تجاهل العارف للمبالغة في تعظيم الممدوح قول ابن هانئ المغربي من قصيدة يمدح جعفر بن علي أمير الزاب:
أبني العوالي السَّمهرية والموا **** ضي المشرفية والعديدِ الأكثر
من منكم الملك المطاع كأنه **** تحت السوابغ تُبّعُ في حمير
قيل إنه لما تجاهل في هذا البيت عن معرفة الممدوح ترجّل الجيش بكامله تعظيما للممدوح ولم يبق أحد راكبا سوى المعز إذ هو ملكهم، فلا يعلم بيت شعر كان جوابه نزول عسكر جرّار غيره.
وهذه القصيدة سارت بها الركبان والحداة تشدو ببلاغتها وهي أحب من قِفا نبك في الشهرة لفصاحتها ومطلعها
فتقت لكم ريح الجلاد بعنبر **** وأمدكم فلق الصباح المسفر
وما أحلى ما قال بعده
وجنيتم ثمر الوقائع يانعا **** بالنصر من ورق الحديد الأخضر
أقول إن هذه الاستعارات المرشحة يرشح ندى البلاغة من بين أوراقها وتتعثر فحول الشعراء في حلبة سباقها ومنها
في فتية صدأ الدروع عبيرهم **** وخلوقهم علق النجيع الأحمر
لا يأكل السرحان شلو طعينم **** مما عليه من القنا المتكسر
قوم يبيت على الحشايا غيرهم **** ومبيتهم فوق الجياد الضمر
وتظل تسبح في الدماء قبابهم **** فكأنهن سفائن في أبحر
حي من الأعراب إلا أنهم **** يردون ماء الأمن غير مكدر
لي منهم سيف إذا جردته **** يوما ضربت به رقاب الأعصر
صعب إذا نوب الزمان استصعبت **** متنمر للحادث المتنمر
وإذا عفا لم تلق غير مهلل **** وإذا سطا لم تلق غير معفر
فغمامه من رحمة وعراصه **** من جنة ويمينه من كوثر
ــ ومن تجاهل العارف للمبالغة في المدح قول القاضي الفاضل من مديح العادل:
أهذي كفه أم غيث غوث **** ولا بلغ السحاب ولا كرامه
وهذا بشره أم لمع برق **** ومن للبرق فينا بالإقامه
وهذا الجيش أم صرف الليالي **** ولا سبقت حوادثها زحامه
وهذا الدهر أم عبد لديه **** يصرف عن عزيمته زمامه
وهذا نعل غمد أم هلال **** إذا أمسى كنون أم قلامه
وهذا الترب أم خد لثمنا **** فآثار الشفاه عليه شامه
ومما جاء في تجاهل العارف للمبالغة في التعظيم قول الشيخ عبد القادر الكيلاني رحمه الله
أأظما وأنت العذب في كل منهل ** وأظلم في الدنيا وأنت نصيري
وعار على حامي الحمى وهو قادر ** إذا ضاع في البيدا عقال بعير
ومما جاء في تجاهل العارف للمبالغة في الذم قول زهير
وما أدري وسوف أخال أدري *** أقوم آل حصن أم نساء
ومما جاء للتحقير قول الشاعر وتظارف إلى الغاية
لما ادعى غصن الرياض بأنه *** في لينه مع قدها موصوف
قلنا له هل أنت تشبه قدها *** ما أنت هذا القد يا مقصوف
ومما جاء منه للتوبيخ قول ليلى بنت طريف الخارجية في أخيها الوليد
أيا شجر الخابور مالك مورقا *** كأنك لم تجزع على ابن طريف
وهذا البيت من قصيدة غريبة أثبتها بكمالها ابن خلكان في تاريخه والخابور نهر أصله من رأس عين بديار بكر يصب إلى الفرات
ومن أطرف ما وقع في تجاهل العارف على سبيل التوبيخ قول سراج الدين الوراق فإنه صرح بذكر التوبيخ في بيتيه وهما
وا خجلتي وصحائفي مسودة *** وصحائف الأبرار في إشراق
وموبخ في الحشر وهو يقول لي *** أكذا تكون صحائف الوراق
وقال ابن الفارض
أوميض برق بالأبيرق لاحا **** أم في ربا نجد أرى مصباحا
أم تلك ليلى العامرية أسفرت **** ليلا فصيرت المساء صباحا
ومما ورد منه للمبالغة في المدح قول حسان بن ثابت:
أنسيم ريقك أخت آل العنبر **** هذا أم استنشأته من مجمر
وبديد ثغرك ما أرى أم لمحة **** من بارق أم معدن من جوهر
وقول أبي فراس:
تسائلني من أنتَ وهي عليمة **** وهل بفتى مثلي على حاله نُكر
فقلت كما شاءت وشاء لها الهوى **** قتيلكِ قالت أيهم فهم كُثر
فأيقنت أن لا عز بعدي لعاشق **** وإن يدي مما علقت به صُفر
ومما ورد للتدلُّه، ما وقع كثيرا في خطابهم للأطلال والرسوم والمنازل والأيام وغيرها, والاستفهام عنها.
قول ذي الرمة:
أمنزلتي مي سلام عليكما **** هل الأزمن اللاتي مضين رواجع
وهل يرجع التسليم أو يكشف العمى **** ثلاث الأثافي والديار البلاقع
وقول مهيار الديلمي وفيه التعظيم والتدله:
أمن بابل أم من نواظرك السحر *** أمن حانة أم من مراشفك الخمر
وهل ما أراه أم حادث النوى *** وهل هو شوق بين جنبي أم جمر
سلوا بعدكم وادي الحمى ما أساله *** دمي أم دموع العاشقين أم القطر
المصادر:
كتاب البديع في البديع لابن المعتز ت247ه
العمدة في محاسن الشعر لابن رشيق القيرواني ت390ه
خزانة الأدب لابن حجة الحموي ت837ه
أنوار الربيع في أنواع البديع لابن معصوم الحسني ت1119ه
جمع وإعداد وتقديم: محمد أبورزق
وهو عبارة عن سؤال المتكلم عما يعلم سؤال من لا يعلم ليوهم أن شدة التشبيه الواقع بين المتناسبين أحدثت عنده إلتباس المشبه بالمشبه به وفائدته المبالغة في المعنى نحو قولك: أوجهك هذا أم بدر؟ فإن المتكلم يعلم أن الوجه غير البدر إلا أنه لما أراد المبالغة في وصف الوجه بالحسن استفهم أهذا وجه أم بدر ففهم من ذلك شدة الشبه بين الوجه والبدر فإن كان السؤال عن الشيء الذي يعرفه المتكلم خاليا من الشبه لم يكن من هذا الباب بل يكون من باب آخر كقوله تعالى: ( وما تلك بيمينك يا موسى ) فإن السؤال هنا ما وقع لأجل المبالغة في التشبيه المشار إليه في تجاهل العارف بل هو لفائدة أخرى، إما إيناسا لموسى عليه السلام لأن المقام مقام هيبة واحترام، وإما إظهار المعجز الذي لم يكن موسى يعلمه
ومنه قوله لعيسى عليه السلام ( أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله ) فإن السؤال هنا لم يكن للتشبيه وإنما هو توبيخ لمن إدّعى فيه ذلك
ومن الناس من جعل تجاهل العارف مطلقا سواء كان على طريق التشبيه أو على غيره إذا تقرر هذا فاعلم أن تجاهل العارف من حيث هو إنما يأتي لنكتة من نحو مبالغة في مدح أو ذم أو تعظيم أو تحقير أو توبيخ أو تقرير أو من تدلّه في الحب.
فتجاهل العارف هو أنك تعرف، ولكنك تسأل سؤال من لا يعرف
كقول البحتري:
ألمع برق سرى أم ضوء مصباح **** أم ابتسامتها بالمنظر الضاحي
فإنه يعلم أن الابتسام غير لمع البرق وضوء المصباح, لكنه لما قصد المبالغة في وصفه باللمعان والضياء, استفهم استفهام من لا يعلم, حتى كأنه من شدة الشبه بينهما التبس عليه أحدهما بالآخر,
ومنه للمبالغة في الغزل قول الشاعر
أجفون كحيلة أم صفاح **** وقدود مهزوزة أم رماح
ومنه للمبالغة في الشوق وطول الليل
وشوق ما أقاسي أم حريق **** وليل ما أكابد أم زمان
وللمبالغة في النحول
وقفت وقد فقدت الصبر حتى **** تبين موقفي أني الفقيد
وشكك في عذالي فقالوا **** لرسم الدار أيكما العميد
ومنه للمبالغة في الغزل
في الخيف من ظبيانه سمراء **** أقوامها أم صعدة سمراء
ومثله
أثغرك يا هند أبدى ابتساما **** أم البرق سل عليه حساما
ومثله قول شرف الدين راجح الحلي
من أطلع البدر في ديجور طرته ** وأودع السحر في تكسير مقلته
ومن أدار يواقيت الشفاه على ** كأس من الدر يحمي خمر ريقته
ومن تجاهل العارف للمبالغة في تعظيم الممدوح قول ابن هانئ المغربي من قصيدة يمدح جعفر بن علي أمير الزاب:
أبني العوالي السَّمهرية والموا **** ضي المشرفية والعديدِ الأكثر
من منكم الملك المطاع كأنه **** تحت السوابغ تُبّعُ في حمير
قيل إنه لما تجاهل في هذا البيت عن معرفة الممدوح ترجّل الجيش بكامله تعظيما للممدوح ولم يبق أحد راكبا سوى المعز إذ هو ملكهم، فلا يعلم بيت شعر كان جوابه نزول عسكر جرّار غيره.
وهذه القصيدة سارت بها الركبان والحداة تشدو ببلاغتها وهي أحب من قِفا نبك في الشهرة لفصاحتها ومطلعها
فتقت لكم ريح الجلاد بعنبر **** وأمدكم فلق الصباح المسفر
وما أحلى ما قال بعده
وجنيتم ثمر الوقائع يانعا **** بالنصر من ورق الحديد الأخضر
أقول إن هذه الاستعارات المرشحة يرشح ندى البلاغة من بين أوراقها وتتعثر فحول الشعراء في حلبة سباقها ومنها
في فتية صدأ الدروع عبيرهم **** وخلوقهم علق النجيع الأحمر
لا يأكل السرحان شلو طعينم **** مما عليه من القنا المتكسر
قوم يبيت على الحشايا غيرهم **** ومبيتهم فوق الجياد الضمر
وتظل تسبح في الدماء قبابهم **** فكأنهن سفائن في أبحر
حي من الأعراب إلا أنهم **** يردون ماء الأمن غير مكدر
لي منهم سيف إذا جردته **** يوما ضربت به رقاب الأعصر
صعب إذا نوب الزمان استصعبت **** متنمر للحادث المتنمر
وإذا عفا لم تلق غير مهلل **** وإذا سطا لم تلق غير معفر
فغمامه من رحمة وعراصه **** من جنة ويمينه من كوثر
ــ ومن تجاهل العارف للمبالغة في المدح قول القاضي الفاضل من مديح العادل:
أهذي كفه أم غيث غوث **** ولا بلغ السحاب ولا كرامه
وهذا بشره أم لمع برق **** ومن للبرق فينا بالإقامه
وهذا الجيش أم صرف الليالي **** ولا سبقت حوادثها زحامه
وهذا الدهر أم عبد لديه **** يصرف عن عزيمته زمامه
وهذا نعل غمد أم هلال **** إذا أمسى كنون أم قلامه
وهذا الترب أم خد لثمنا **** فآثار الشفاه عليه شامه
ومما جاء في تجاهل العارف للمبالغة في التعظيم قول الشيخ عبد القادر الكيلاني رحمه الله
أأظما وأنت العذب في كل منهل ** وأظلم في الدنيا وأنت نصيري
وعار على حامي الحمى وهو قادر ** إذا ضاع في البيدا عقال بعير
ومما جاء في تجاهل العارف للمبالغة في الذم قول زهير
وما أدري وسوف أخال أدري *** أقوم آل حصن أم نساء
ومما جاء للتحقير قول الشاعر وتظارف إلى الغاية
لما ادعى غصن الرياض بأنه *** في لينه مع قدها موصوف
قلنا له هل أنت تشبه قدها *** ما أنت هذا القد يا مقصوف
ومما جاء منه للتوبيخ قول ليلى بنت طريف الخارجية في أخيها الوليد
أيا شجر الخابور مالك مورقا *** كأنك لم تجزع على ابن طريف
وهذا البيت من قصيدة غريبة أثبتها بكمالها ابن خلكان في تاريخه والخابور نهر أصله من رأس عين بديار بكر يصب إلى الفرات
ومن أطرف ما وقع في تجاهل العارف على سبيل التوبيخ قول سراج الدين الوراق فإنه صرح بذكر التوبيخ في بيتيه وهما
وا خجلتي وصحائفي مسودة *** وصحائف الأبرار في إشراق
وموبخ في الحشر وهو يقول لي *** أكذا تكون صحائف الوراق
وقال ابن الفارض
أوميض برق بالأبيرق لاحا **** أم في ربا نجد أرى مصباحا
أم تلك ليلى العامرية أسفرت **** ليلا فصيرت المساء صباحا
ومما ورد منه للمبالغة في المدح قول حسان بن ثابت:
أنسيم ريقك أخت آل العنبر **** هذا أم استنشأته من مجمر
وبديد ثغرك ما أرى أم لمحة **** من بارق أم معدن من جوهر
وقول أبي فراس:
تسائلني من أنتَ وهي عليمة **** وهل بفتى مثلي على حاله نُكر
فقلت كما شاءت وشاء لها الهوى **** قتيلكِ قالت أيهم فهم كُثر
فأيقنت أن لا عز بعدي لعاشق **** وإن يدي مما علقت به صُفر
ومما ورد للتدلُّه، ما وقع كثيرا في خطابهم للأطلال والرسوم والمنازل والأيام وغيرها, والاستفهام عنها.
قول ذي الرمة:
أمنزلتي مي سلام عليكما **** هل الأزمن اللاتي مضين رواجع
وهل يرجع التسليم أو يكشف العمى **** ثلاث الأثافي والديار البلاقع
وقول مهيار الديلمي وفيه التعظيم والتدله:
أمن بابل أم من نواظرك السحر *** أمن حانة أم من مراشفك الخمر
وهل ما أراه أم حادث النوى *** وهل هو شوق بين جنبي أم جمر
سلوا بعدكم وادي الحمى ما أساله *** دمي أم دموع العاشقين أم القطر
المصادر:
كتاب البديع في البديع لابن المعتز ت247ه
العمدة في محاسن الشعر لابن رشيق القيرواني ت390ه
خزانة الأدب لابن حجة الحموي ت837ه
أنوار الربيع في أنواع البديع لابن معصوم الحسني ت1119ه
جمع وإعداد وتقديم: محمد أبورزق

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق