musique

الثلاثاء، 16 أكتوبر 2018

[ الإكتفاء ]

اللغة العربية: إبداع وإمتاع وإقناع
علم البديع
دروس مهمة لكل شاعر وكاتب وأديب
الدرس الثالث والخمسون (53)
[ الإكتفاء ]
الإكتفاء هو أن يأتي الشاعر ببيت من الشعر وقافيته متعلقة بمحذوف فلم يفتقر إلى ذكر المحذوف لدلالة باقي لفظ البيت عليه ويكتفي بما هو معلوم في الذهن فيما يقتضي تمام المعنى
وهو ضرب من الإيجاز، وهو نوعان: نوع يكون بكلمة فأكثر ونوع يكون ببعض كلمة.
والإكتفاء بالبعض أصعب مسلكا لكنه أحلى موقعا
فالأول: وهوشاهد الاكتفاء بجميع الكلمة، وهوأن يقتضي المقام ذكر شيئين بينهما تلازم وارتباط، فيكتفي بأحدهما عن الآخر لنكتة، ولا يكون المكتفى عنه إلا آخرا لدلالة الأول عليه. وذلك الإرتباط قد يكون بالعطف وهو الغالب، وأعظم شواهده قوله تعالى: (سرابيل تقيكم الحر) أي والبرد، وخص الحر بالذكر لأن الخطاب للعرب وبلادهم حارة، والوقاية عندهم من الحر أهم، لأنه أشد عندهم من البرد. وقوله تعالى: (وله ما سكن بالليل والنهار) أي وما تحرك، وخص السكون بالذكر لأنه أغلب الحالين على المخلوق من الحيوان والجماد، ولأن كل متحرك يصير إلى السكون.
وقد يكون بالشرط وجوابه، كقوله تعالى: (فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض أو سلما في السماء) أي فافعل. وقوله تعالى: (وإذا قيل لهم اتقوا ما بين أيديكم وما خلفكم لعلكم ترحمون) أي أعرضوا، بدليل ما بعده، وقوله تعالى: (ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رؤوسهم) أي لرأيت أمرا فظيعا، وقوله تعالى: (ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم أن تطؤهم) أي لسلطكم على أهل مكة.
وقد يكون بالقسم بدأ به، كقوله تعالى: (والنازعات غرقا - الآيات _) أي لتبعثن، وقوله تعالى: (ص والقرآن ذي الذكر) أي أنه لمعجز.
وقد يكون بطلب الفعل للمتعلق، كقوله تعالى: (خلطوا عملا صالحا) أي بسيّء (وآخر سيئا) أي بصالح. أو بطلبه للمفعول كقوله تعالى: (إن الذين اتخذوا العجل) أي إلها (وقوله تعالى) : (كلا سوف تعلمون) أي عاقبة أمركم.
وقد يكون بطلب حرف الشرط لجملة الشرط وجوابه كقول رؤبة بن العجاج:
قالت بنات العم يا سلمى وإن **** كان فقيرا معدما قالت وإن
أي وإن كان كذلك رضيته أيضاً. وفي الخبر، أنه صلّى الله عليه وآله وسلّم رأى رجلا يسوق بدنة فقال له: إركبها، قال: إنها بدنة، قال: اركبها وإن، أي وإن كانت بدنة اركبها.
وقد يكون بالإسمية والخبرية لأن وأمثالها، كما روي أن المهاجرين قالوا للنبي صلّى الله عليه وآله وسلّم: إن الأنصار قد فضلونا وفعلوا بنا كذا وكذا، فقال صلّى الله عليه وآله وسلّم: ألستم تعرفون ذلك؟ قالوا: بلى، قال: فإن ذاك. قال أبو عبيدة: إن الحديث ليس فيه أكثر من قوله: فإن ذاك، ومعناه: فإن ذاك مكافأة، أي معرفتكم إحسانهم مكافأة لهم.
وقول الشاعر:
ويقلن شيب قد علاك **** وقد كبرت فقلت إنه
على قول ابن هشام (إنه) يجوز أن لا تكون الهاء للسكت، بل اسما لإنَّ، على أنها المؤكدة والخبر محذوف، أي إنه كذلك. وقد يكون بغير ذلك من وجوه الإرتباط كما يظهر من الأمثلة الآتية في النظم.
وقد حد الشيخ صفي الدين الحلي الاكتفاء في النظم بقوله: هو أن يأتي الشاعر ببيت من الشعر وقافيته متعلقة بمحذوف تقاضى ذكره ليفهم به المعنى، فلا يذكره لدلالة ما في لفظ البيت عليه، ويكتفي بما هو معلوم في الذهن فيما يقتضي تمام المعنى.
كقول ابن مطروح
لا أنتهي لا أنثني لا أرعوي **** ما دمت في قيد الحياة ولا إذا
فمن المعلوم أن باقي الكلام ولا إذا مت لما تقدم من قوله الحياة ومتى ذكر تمامه في البيت الثاني كان عيبا من عيوب الشعر مع ما يفوته من حلاوة الاكتفاء ولطفه وحسن موقعه في الأذهان
ومنه قول هبة الله بن سناء الملك في مطلع قصيدة:
دنوت وقد أبدى الكرى منه ما أبدى **** فقبلته في الثغر تسعين أو إحدى.
أي : أو إحدى وتسعين.
ومنه قول شيخ شيوخ حماة شرف الدين عبد العزيز الأنصاري:
أهلا بطيفكم وسهلا **** لو كنت للإغفاء أهلا
لكنه وافى وقد **** حلف السهاد علي أن لا
أن لا: أي أن لا أغفو
وما أظرف قول الصاحب بهاء الدين زهير
يا حسن بعض الناس مهلا **** صيرت كل الناس قتلى
لم تُبقِ غير حشاشة **** في مهجتي وأخاف أن لا
أن لا: أي أن لا تبقى
وما أظرف ما قال بعده ولم يخرج عن المراد
وكشفت فضل قناعه **** بيدي عن قمر تجلى
ولثمته في خده **** تسعين أو تسعين إلا
إلا: أي إلا قليلا
وجمع الشيخ سراج الدين الوراق بين تضمينين واكتفاءين في بيت واحد وأجاد إلى الغاية
يا لائمي في هواها **** أفرطت في اللوم أهلا
ما يعلم الشوق إلا **** ولا الصبابة إلا
إلا: أي إلا من يكابدها
وجمع ابن نباتة بين الاكتفاء وتضمين المثل السائر
إسقني صرفا من الراح *** تَحُتُّ الهَمّ حَتّا
ودع العذال فيها **** يضربون الماء حتى
حتّ الشيء: أزاله.
حتّى: أي حتى يأسن ويفسد.
ومن لطائف شيخ شيوخ حماة في هذا النوع
صلي ودعي نفارك عن محب **** بذكرك آنس والليل ساكن
ولا تستقبحي شيبا برأسي **** فما إن شبت من كبر ولكن
أي ولكن من الحبّ.
ولبعضهم وأجاد
فإن المنية من يخشها **** فسوف تصادمه أينما
أي: أينما كان.
ومما يرشف الذوق حلاوته في هذا النوع قول الشيخ شرف الدين ابن الفارض من قصيدة
ما للنوى ذنب ومن أهوى معي ** إن غاب عن إنسان عيني فهو في
أي في فكري وقلبي.
ومن لطائف الصاحب بهاء الدين زهير في هذا النوع قوله من أبيات
فما كان أحسن من مجلسي .**** فحدث بما شئت عن ليلتي
بشمس الضحى وببدر الدجى**** على يمنتي وعلى يسرتي
وبت وعن خبري لا تسل **** بذاك الذي وبتلك التي
يريد بذلك الذي عن يميني، وبتلك التي عن شمالي
ومنه قول الشيخ صدر الدين بن عبد الحق
جهنم حمامكم نارها **** تقطع أكبادنا بالظما)
وفيها عصاة لهم ضجة **** وإن يستغيثوا يغاثوا بما
ومنه قول المقر المرحومي الأميني صاحب ديوان الإنشاء الشريف بدمشق
ضلوا عن الماء لما أن سروا سحرا **** قومي فظلوا حيارى يلهثون ظما
والله أكرمني بالماء دونهم ***** فقلت يا ليت قومي يعلمون بما
وقول الشيخ برهان الدين القيراطي هنا مع زيادة التورية والاقتباس
حسنات الخد منه **** قد أطالت حسراتي
كلما ساء فعالا **** قلت إن الحسنات
ــ وأما النوع الثاني من الاكتفاء: وهو الذي يكون ببعض الكلمة.
فهو حذف بعض حروف القافية من آخرها لدلالة الباقي عليه
والإكتفاء ببعض الكلمة على ضربين، ضرب يكون بدون تورية
ومنه قول القاضي الفاضل من قصيدة فريدة:
لعبت جفونك بالقلوب وحبها **** والخد ميدان وصدغك صولجا
صولجا : أي صولجان
ومنه قول هبة الله بن سناء الملك:
أهوى الغزالة والغزال وإنما **** نهنهت نفسي عفة وتدينا
ولقد كففت عنان عيني جاهدا *** حتى إذا أعييت أطلقت العنا (ن)
العنا: بمعنى العنان
ومن هذا النوع قول الشيخ قطب الدين الحنفي المكي المتوفى سنة تسعين وتسعمائة بمكة المشرفة زادها الله شرفا وتعظيما:
رعى الله ليلة زار الحبيب **** وغاب الرقيب إلى حيث أل
يشير إلى قول الشاعر (إلى حيث ألقت رحالها أم قشعم) وأم قشعم: المنية والداهية.
والضرب الثاني - ما كان مع التورية كقول الشيخ جمال الدين بن نباتة:
بروحي أمر الناس نأيا وجفوة **** وأحلاهم ثغرا وأملحهم شكلا
يقولون في الأحلام يوجد شخصه **** فقلت ومن ذا بعده يجد الأحلا (م)
ما بين قوسين هو تفسير للحرف المحذوف.
وقل فخر الدين بن مكانس:
لم أنس بدرا زارني ليلة **** مستوقرا ممتطيا للخطر
فلم يقم إلا بمقدار أن **** قلت له أهلا وسهلا ومر (حبا)
فالقافية تنتهي بالراء عند كلمة مر، والمحذوف هو مابين قوسين (حبا) ومعناه مرحبا
وقول ابنه مجد الدين بن مكانس:
نزل الطل بكرة **** وتوالى تجددا
والندامى تجمعوا **** فأجل كأسي على الندا (مى)
ومنه قول العلامة بدر الدين بن الدماميني
يقول مصاحبي والروض زاه **** وقد بسط الريح بساط زهر
هلم نباكر الروض المفدى **** وقم نسعى إلى ورد ونِسْرِي (ن)
وقوله أيضاً:
شقائق النعمان ألهو بها **** إن غاب من أهوى وعز اللقا
فالخد في القرب نعيمي وإن **** غاب فإني اكتفي بالشقا (ئق
وأغرب ابن حجر في قوله وأجاد:
أطيل الملام لمن لامني **** وأملأ في الروض كأس الطلا
وأهوى الملاهي وطيب الملاذ **** فها أنا منهمك في الملا (م. ذ. هي)
يعني: يجوز أن يكون المحذوف الملام ، أو الملاذ، أو الماهي.
وأبدع ابن حجة في قوله:
يقولون صف أنفاسه وجبينه **** عسى للقا يصبو فقلت لهم صبا (ح)
وغالطت إذ قالوا أباح وصاله **** وإلا أبى قربا فقلت لهم أبا (ح)
المصادر:
كتاب البديع في البديع لابن المعتز ت247ه
العمدة في محاسن الشعر لابن رشيق القيرواني ت390ه
خزانة الأدب لابن حجة الحموي ت837ه
أنوار الربيع في أنواع البديع لابن معصوم الحسني ت1119ه
جمع وإعداد وتقديم: محمد أبورزق
يُتبع

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق