musique

الخميس، 4 أكتوبر 2018

[ الكلام الجامع ]

اللغة العربية: إبداع وإمتاع وإقناع
علم البديع
دروس مهمة لكل شاعر وكاتب وأديب
الدرس الرابع والأربعون (44)
[ الكلام الجامع ]
الكلام الجامع: هو عبارة عن أن يأتي الشاعر ببيت يكون جملته حكمة، أو موعظة، أو نحو ذلك من الحقائق الجارية مجرى الأمثال. هكذا قال غير واحد من البديعيين. وقال شرف الدين الطيبي في كتابه البيان في التبيان: هو أن يحلي المتكلم كلامه بشيء من الحكمة والموعظة، وشكاية الزمان والإخوان، وهذا أعم من الأول.
فمن ذلك قول أبي بكر الشاشي:
تعلم يا فتى والعود رطب *** وطينك لين والطبع قابل
فإن الجهل واضع كل عال *** وإن العلم رافع كل خامل
فحسبك يا فتى شرفا وعزا *** سكوت الحاضرين وأنت قائل
فهذه الأبيات جمعت بين الحكمة والموعظة والحث على طلب العلم في الصغر.
ــ ومنها ما كتب به الصاحب بهاء الدين الجويني إلى ابنه شمس الدين:
بني اجتهد في اقتناء العلوم *** تفز باجتناء ثمار المنى
ألم تر في رقعة بيدقا *** إذا جد في سيره فززنا
فأجدادنا الغر قد أسسوا *** من المجد شم المباني لنا
فأن لم نشدها بمجهودنا *** سينهار والله ذاك البنا
وقول أبي تمام:
وإذا أراد الله نشر فضيلة *** طويت أتاح لها لسان حسود
لولا اشتعال النار في جزل الغضا *** ما كان يعرف طيب عرف العود
ــ ومنها قول أبي الأسود الدؤلي لابنه، بعد أن قال له: يا بني إذا كنت في قوم فحدثهم على قدر سنك، وفاوضهم على قدر محلك، ولا تتكلمن بكلام من هو فوقك فيستقثلوك، ولا تنحط إلى من دونك فيحتقروك، فإذا وسع الله عليك فأبسط، وإذا أمسك عليك فامسك ولا تجاود الله أجود منك. واعلم أنه لا شيء كالاقتصاد، ولا معيشة كالتوسط، ولا عز كالعلم، إن الملوك حكام الناس، والعلماء حكام الملوك.
ثم أنشأ يقول:
العيش لا عيش إلا ما اقتصدت فإن *** تسرف وتبذر لقيت الضر والعطبا
والعلم زين وتشريف لصاحبه *** فاطلب هديت فنون العلم والأدبا
لا خير فيمن له أصل بلا أدب *** حتى يكون على ما زانه حدبا
كم من حسيب أخي عي وطمطة *** فدم لدى القوم معروف إذا انتسبا
في بيت مكرمة آباؤه نجب *** كانوا رؤوسا فأمسى بعدهم ذنبا
وخامل مقرف الآباء ذي أرب *** نال المعالي بالآداب والرتبا
أضحى عزيزا عظيم الشأن مشتهرا *** في خده صعر قد ظل محتجبا
العلم كنز وذخر لا نفاذ له *** نعم القرين إذا ما صاحب صحبا
قد يجمع ما لا ثم يسلبه *** عما قليل فيلقى الذل والحربا
وحامل العلم مغبوط به أبدا *** ولا يحاذر منه الفوت والسلبا
يا جامع العلم نعم الذخر تجمعه *** لا تعدلن به درا ولا ذهبا
ـــ وقول الشنفرى في لاميته وهي المعروفة بلامية العرب:
وفي الأرض منأى للكريم عن الأذى *** وفيها لمن خاف القلى متحول
لعمرك ما بالأرض ضيق على امرئ *** سرى راغبا أو راهبا وهو يعقل
ـــ وقول مؤيد الدين الطغرائي في لامية العجم:
حب السلامة يثني هم صاحبه *** عن المعالي ويغري المرء بالكسل
فأن جنحت إليه فاتخذ نفقا *** في الأرض أو سلما في الجو واعتزل
ودع غمار العلى للمُقْدِمين على *** ركوبها واقتنع منهن بالبلل
ـــ وقال ابن المعتز:
نسير إلى الآجال في كل ساعة *** وأيامنا تطوى وهن مراحل
وما أقبح التفريط في زمن الصبا *** فكيف به والشيب في الرأس شاعل
ترحل من الدنيا بزاد من التقى *** فعمرك أيام تعد قلائل
ـــ وقول ابن الرومي:
وما الشرف الموروث لادّر درّه **** بمحتسب إلا بآخر مكتسب
إذا الغصن لم يثمر وإن كان شعبة **** المثمرات اعتده الناس في الحطب
ـــ وقول التهامي:
لا تحسبن حسب الآباء مكرمة **** يقصر عن غايات مجدهم
حسن الرجال بحسنى لا بحسنهم **** هم في المعالي لا بطولهم
فهذه الأشعار المذكورة هي من الكلام الجامع وكله حكم ومواعظ وإرشادات ونصائح صادرة عن خبرة وتجربة بأمور الحياة.
ــ وقيل عاش عبيد الجرهمي ثلثمائة سنة، وأدرك زمن معاوية، فدخل عليه وقال له معاوية: حدثني بأعجب ما رأيت، قال: مررت ذات يوم بقوم يدفنون ميتا فاغرورقت عيناي بالدموع وتمثلت بقول الشاعر:
يا قلب أنك من أسماء مغرور **** فاذكر وهل ينفعنك اليوم تذكير
فلست تدري وما تدري أعاجلها **** أدنى لرشدك أم ما فيه تأخير
واستقدر الله خيرا وارْضَينَّ به **** فبينما العسر إذ دارت مياسير
وبينما المرء في الأحياء مغتبطا **** إذ صار في الرمس تعفوه الأعاصير
يبكي الغريب عليه ليس يعرفه **** وذو قرابته في الحي مسرور
فقيل لي: أتعرف قائلها؟ قلت: لا، قيل: قائلها: هذا المدفون، وأنت الغريب الذي تبكي عليه، وهذا الذي وضعه في قبره أقرب الناس به رحما وأسرُّهم بموته، فقال معاوية: لقد رأيت عجبا، فمن الميت؟ قيل له: إنه عثير بن لبيد العذري.
ــ وحكى القاضي ابن خلكان في تاريخه_وفيات الأعيان_قال: أخبرني بعض الفضلاء أنه رأى في مجموع: أن بعض الأدباء إجتاز بدار الشريف الرضي ببغداد وهو لا يعرفها وقد أخنى عليها الزمان، وذهبت بهجتها، وخلقت ديباجتها؛ وبقايا رسومها تشهد لها بالنضارة وحسن الشارة؛ فوقف عليها متعجبا من صروف الزمان وطوارق الحدثان.
وتمثل بقول الشريف الرضي المذكور:
ولقد وقفت على ربوعهم *** وطلولها بيد البلى نهب
فبكيت حتى ضج من لغبٍ *** نضوي ولج بعذلي الركب
وتلفتت عيني فمذ خفيت *** عني الديار تلفت القلب
فمر به شخص وهو ينشد الأبيات فقال له: هل تعرف هذه الدار لمن هي؟ فقال: لا، فقال: هذه الدار لصاحب هذه الأبيات الشريف الرضي فتعجب من حسن الاتفاق.
ـــ ومن الكلام الجامع في شكاية الزمان قول أبو العلاء المعري:
منك الصدود ومني بالصدود رضى *** من ذا علي بهذا في هواك قضى
بي منك ما لو غدا بالشمس ما طلعت *** من الكآبة أو بالبرق ما ومضا
إذا الفتى ذم عيشا في شبيبته *** فما يقول إذا عصر الشباب مضى
وقد تعوضت عن كل بمشبهه *** فما وجدت لأيام الصبا عوضا
الشاهد في البيت الثالث.
ـــ وأما شكاية الإخوان فمنها قول أبي العلاء المعري:
وليس صبا يفاد وراء شيب *** بأعوز من أخي ثقة يفاد
وقول أبي فراس بن حمدان:
أراني وقومي فرقتنا مذاهب *** وإن جمعتنا في الأصول المناسب
فأقصاهم أقصاهم من مساءتي *** وأقربهم مما كرهت الأقارب
غريب وأهلي حيث ماكر ناظري *** وحيد وحولي من رجالي عصائب
وأعظم أعداء الرجال ثقاتها *** وأهون من عاديته من تحارب
وبيت الشيخ صفي الدين في بديعيته
من كان يعلم أن الشهد مطلبه *** فلا يخاف للدغ النحل من ألم
فإنه حصر فيه الكلام الجامع بشروطه وأجراه مجرى المثل مع ما أودع فيه من الحكمة وزاد على ذلك بما كساه من ديباجة الرقة ولطف السهولة وحسن الانسجام.
وبيت بديعية ابن حجة الحموي:
جمع الكلام إذا لم تغن حكمته *** وجوده عند أهل الذوق كالعدم
المصادر:
كتاب البديع في البديع لابن المعتز ت247ه
العمدة في محاسن الشعر لابن رشيق القيرواني ت390ه
خزانة الأدب لابن حجة الحموي ت837ه
أنوار الربيع في أنواع البديع لابن معصوم الحسني ت1119ه
جمع وإعداد وتقديم: محمد أبورزق
يُتبع

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق