musique

الثلاثاء، 2 أكتوبر 2018

[ التَّفْوِيف ]



اللغة العربية: إبداع وإمتاع وإقناع
علم البديع
دروس مهمة لكل شاعر وكاتب وأديب
الدرس الثاني والأربعون (42)
[ التَّفْوِيف ]
التفويف: مشتق من قولهم: بُرْدٌ مُفَوَّفٌ، وهو الذي فيه خطوط بيض تغاير سائر لونه. وحقيقته: إتيان المتكلم بمعان شتى من أغراض الشعر من غزل أو مدح أو غير ذلك في جمل من الكلام، كل جملة منفصلة من أختها مع تساوي الجمل في الوزنية، ويكون بالجمل الطويلة والمتوسطة والقصيرة وهي أحسنها، لدلالتها على قدرة الشاعر وتذليله صعب الألفاظ، فأنها أصعب مسلكا مما كان بالجمل الطوال والمتوسطة، ووجه تسمية ذلك بالتفويف أن المتكلم خالف بين جمل المعاني في التقفية كمخالفة البياض لسائر الألوان لأن بعده من سائر الألوان أشد من بعد بعضها من بعض، فكان الكلام حينئذ برد مفوف.
ـــ مثال التفويف المطول:
قول ابن قاضي ميلة:
إلا أنه لولا أغنّ مهفهف **** وأشنب براق وأحور أوطف
لراجعَ مشتاقٌ ونامَ مسهّدٌ **** وأيقن مرتابٌ وأقصر مدنفٌ
وسُمّي تفويف مطوّل لأنه جمله تتكون من كلمتين، مثل: أغنّ مهفهف، ومثل: راجع مشتاق، فأنت ترى أن القصيدة متكونة من عدة جمل وكل جملة بها كلمتين، ومع ذلك فهي متماسكة دون تنافر أو إخلال بالمعنى، فكأنها ثوب أسود أو أحمر به خطوط بيضاء متراصة تزينه.
ومن ذلك قول النابغة أيضاً:
فلله عينا من رأى أهل قبة **** أضر لمن عادى وأكثر نافعا
وأعظم أحلاما وأكبر سيدا **** وأفضل مشفوعا إليه وشافعا
وقول ابن عنين:
دعت في أعالي السعد يوما حمامة *** على فنن في ظل ريان بالْيَمِّ
فهاجتْ مَشوقاً واستفزت مُتَيّما *** وأبكت غريبا واستخفت أخا حلم
وقول الآخر:
ولو أن ما بي بالجبال لدكدكت *** وبالنار أطفأها وبالماء لم يجر
وبالناس لم يحيوا وبالدهر لم يكن *** وبالشمس لم تطلع وبالنجم لم يسر
وقول بديع الزمان الهمداني:
ما الليث مقتحما والسيل مرتطما *** والبحر ملتطما والليل مقتربا
أمضى شبا منك أدهى منك صاعقة *** أجدى يمينا وأدنى منك مطلبا
وكاد يحيك صوت الغيث منسكبا *** لو كان طلق المحيا يمطر الذهبا
والدهر لو لم يخن والشمس لو نطقت *** والليث لو لم يصد والبحر لو عذبا
وهنا أيضا التفويف جمله طويلة تتكون من كلمتين وأكثر.
ـــ ومثال التفويف بالجمل المتوسطة:
قول أبي الوليد بن زيدون:
بيني وبينك ما لو شئت لم يضع *** سر إذا ذاعت الأسرار لم يذع
يا بائعا حظه مني ولو بذلت *** لي الحياة بحظي منه لم أبع
يكفيك أنك إن حملت قلبي ما *** لا تستطيع قلوب الناس يستطع
تهْ أَحْتَمِل واحتكمْ أَصْبُر وعُزَّ أَهُن *** ودُلَّ أَخضَعْ وقلْ أسمَعْ ومُرْأطِع
والتفويف هو في البيت الأخير.
وسُمّي تفويف متوسط لأن جمله تتكون من كلمتين متوسطتي الطول مثل: تِهْ أحتمِلْ، إلى آخر البيت، متكون من فعل أمر وفعل مضارع مجزوم بفعل الأمر.
ـــ ومثال التفويف بالجمل القصار:
قول المتنبي:
يا أيها المحسن المشكور من جهتي ***والشكر من قبل الإحسان لا قبلي
أَقِلْ أَنِلْ أَقْطِعْ إِحْمِلْ عُلْ أُسْلُ أَعِدْ *** زِدْ هشْ بَشْ تَفَضَّلْ أَدْنِ سُرْ صِلِ
وسمّي تفويف قصير لأن جمله قصيرة من كلمة واحدة مثل: أقلْ، ومثل أنِلْ.
روي أنه لما أنشد أبو الطيب سيف الدولة هذه القصيدة التي هذان البيتان منها، وناوله نسختها وخرج، نظر فيها سيف الدولة، فلما انتهى إلى هذا البيت المفوف وقع تحت (أقل) قد أقلناك، وتحت (أنل) أنلناك وتحت (اقطع) قد أقطعناك الضيعة الفلانية ضيعة بباب حلب، وتحت (أحمل) يقاد إليك الفرس الفلاني، وتحت (عل) قد فعلنا -وهو من العلو- وتحت (سل) قد فعلنا، فاسل -وهو من السلو- وتحت (أعد) قد أعدناك إلى حالك من حسن رأينا، وتحت (زد) يزاد كذا، وتحت (تفضل) قد فعلنا، وتحت (ادن) قد أدنيناك، وتحت (سر) قد سررناك.
قال ابن جني: فبلغني عن المتنبي أنه قال: إنما أردت (سر) من السرية فأمر له بجارية، وتحت (صل) قد وصلناك.
وقول ديك الجن
أحْلُ وامرُرْ وضُرْ وانفعْ ولِن *** وأخشُنْ ورِشْ وبُرْ وانتدب للمعالي
وقال الواحدي: أصل هذه الطريقة من قول امرئ القيس:
أفاد وجاد وساد وزا *** د وذاد وقاد وعاد وأفضل
ومثله لأبي العميثل في عبد الله بن طاهر ذي اليمنين:
يا من يؤمل أن تكون خصاله *** كخصال عبد الله أنصت واسمع
المصادر:
كتاب البديع في البديع لابن المعتز ت247ه
العمدة في محاسن الشعر لابن رشيق القيرواني ت390ه
زهر الآداب للحصري القيرواني ت453ه
خزانة الأدب لابن حجة الحموي ت837ه
أنوار الربيع في أنواع البديع لابن معصوم الحسني ت1119ه
جمع وإعداد وتقديم: محمد أبورزق
يُتبع

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق