اللغة العربية: إبداع وإمتاع وإقناع
علم البديع
دروس مهمة لكل شاعر وكاتب وأديب
الدرس التاسع والخمسون (59)
[ حُسْنُ التّخَلُّص ]
علم البديع
دروس مهمة لكل شاعر وكاتب وأديب
الدرس التاسع والخمسون (59)
[ حُسْنُ التّخَلُّص ]
حسن التّخلّص هو أن يستطرد الشاعر المتمكن من معنى إلى معنى آخر يتعلق بممدوحه بتخلص سهل يختلسه اختلاسا رشيقا دقيق المعنى بحيث لا يشعر السامع بالانتقال من المعنى الأول إلا وقد وقع في الثاني لشدة الممازجة والالتئام والانسجام بينهما حتى كأنهما أفرغا في قالب واحد
ولا يشترط أن يتعين المتخلص منه بل يجري ذلك في أي معنى كان فإن الشاعر قد يتخلص من نسيب أو غزل أو فخر أو وصف روض أو وصف طلل بال أو ربع خال أو معنى من المعاني يؤدي إلى مدح أو هجو أو وصف في حرب أو غير ذلك ولكن الأحسن أن يتخلص الشاعر من الغزل إلى المدح
والفرق بين التخلص والاستطراد أن الاستطراد يشترط فيه الرجوع إلى الكلام الأول أو قطع الكلام فيكون المستطرد به آخر كلامه والأمران معدومان في التخلص فإنه لا يرجع إلى الأول ولا يقطع الكلام بل يستمر على ما يتخلص إليه
وهذا النوع أعني حسن التخلص اعتنى به المتأخرون دون العرب ومن جرى مجراهم من المخضرمين ولكنه لم يفتهم فإنهم أوردوا لزهير في هذا الباب قوله
إن البخيل ملوم حيث كان ولكن ... الكريم على علّاته هَرِم
أنظر إلى هذا العربي القديم كيف أحسن التخلص من غير اعتناء في بيت واحد وهذا هو الغاية القصوى عند المتأخرين الذين اعتنوا به، فقد تخلّص بسلاسة من الهجو إلى مدح هرِم بن سنان ووصفه بالكرم الأصيل
وعلى كل تقدير فمن كلام العرب استنبط كل فن فإنهم ولاة هذا الشأن لكنهم كانوا يؤثرون عدم التكلف ولا يرتكبون من فنون البديع إلا ما خلا من التعسف
ومن المخالص المستحسنة لأبي تمام قوله من قصيدة
ما زَلّتْ عن سنن الوداد ولا غدَتْ **** نفسي على إلف سواك تحوم
لا والذي هو عالم أن النوى **** مرّ وأن أبا الحسين كريم
هذا المخلص مستحسن من عدة وجوه أحدها التخلص من النسيب إلى المدح والثاني حسن الانسجام والثالث وهو جل القصد الوثبة في بيت التخلص من الشطر الأول إلى الشطر الثاني بأسرع اختلاس
ومن قول حسان بن ثابت في التخلص من الغزل إلى الحماسة:
قولي لطرفك أن يكف عن الحشا **** سطوات نيران الهوى ثم اهجري
وانهي جمالك أن ينال مقاتلي **** فينال قومك سطوة من معشري
إني من القوم الذين جيادهم **** طلعت على كسرى بريح صرصر
غير أن هذا المعنى معيب عند أهل الأدب فإن المتغزل لا يليق به الافتخار على محبوبته، ولا أخذ الثار منها، فإن دم المحب هدر.
ومن حسن التخلُّص قول أبي نواس:
تقول التي من بيتها خف محملي **** يعز علينا أن نراك تسير
أما دون مصر للغنى متطلب **** بلى إن أسباب الغنى لكثير
فقلت لها واستعجلتها بوادر **** جرت فجرى في إثرهن عبير
دعيني أكثر حاسديك برحلة **** إلى بلد فيه الخصيب أمير
يروى: أنه لما قدم أبو نواس على الخصيب بمصر صادر في مجلسه جماعة من الشعراء ينشدون مدائح لهم فيه، فلما فرغوا قال الخصيب: ألا تنشدنا أبا علي؟ فقال: أنشدك أيها الأمير قصيدة هي بمنزلة عصى موسى تلقف ما يأفكون. فأنشده هذه القصيدة، فلما فرغ من إنشادها أمر أن يملأ فمه جوهرا.
وفي كتاب آداب الغرباء: أن أبا نواس كان عائدا من الشام إلى بغداد قال: فإني على ظهر فرسي إذ ترتمت بهذه الأبيات (تقول التي من بيتها خف محملي- الأبيات) قال: فسمعت من ورائي شهقة، فالتفت فإذا شيخ عليه أطمار رثة يقود فرسا أعجف، فقال لي: أعد يا أبا نواس هذه الأبيات، فأعدتها، قال: فيمن هذه؟ قلت امتدحت بها الخصيب أمير مصر، قال: ما أرفدك؟ قلت أنه ملأ فمي جوهرا بعته بمائة ألف درهم، قال: أتعرفه؟ قلت: نعم، قال: إني والله الخصيب. فلما عرفته نزلت عن دابتي وقبلت يده ورجله، فقال: لا تفعل. ثم سألته عن سبب تغير أمره فقال لي: قولك (الدائرات تدور) . قال: فدفعت إليه جميع ما معي من مركوب ونفقة وثياب، وسألته قبولها، فأبى وقال: والله لا أخذت من يد أرفدتها. ثم ركب دابته وتركني ومضى. انتهى.
ومثله في الحسن قول أبي نواس أيضا:
وإذا جلستَ إلى المدام وشربها **** فاجعل حديثك كله في الكاس
وإذا نزعت عن الغواية فليكن **** لله ذاك النزع لا للناس
وإذا أردت مديح قوم لم تَمِنْ **** في مدحهم فامدح بني العباس
لم تَمِنْ: لم تكذب
فانظر كيف انتقل من الخلاعة إلى الوعظ ثم إلى المديح في تخلّص مستحسن بديع
وهذه الطريق التي مشى عليها أبو نواس ومن تقدمه من المتقدمين ممّا ورد نظمه في هذا الباب وهي حسن التخلص ببيت واحد باستطراد رشيق ينتقل الشاعر به من الشطر الأول إلى الشطر الثاني فاتت فحولا من الشعراء كالبحتري وأبي تمام في غالب القصائد على أنهما المقدمان في هذا الشأن
وقد تقرر أن حسن التخلص ما كان في بيت واحد يثب الشاعر من شطره الأول إلى الثاني وثبة تدل على رشاقته وقوته وتمكنه في هذا الفن
وإذا لم يكن التخلص كذلك سمي اقتضابا وهو أن ينتقل الشاعر
من معنى إلى معنى آخر من غير تعلق بينهما كأنه استهل كلاما آخر.
ومن المخالص التي استحسنوها للبحتري قوله
رباع تردت بالرياض مجودة **** بكل جديد الماء عذب الموارد
إذا راوحتها مزنة بكرت لها **** شآبيب مجتاز عليها وقاصد
كأن يد الفتح بن خاقان أقبلت **** عليها بتلك البارقات الرواعد
فانظر كيف تخلّص من الوصف إلى المديح
ومن مخالص أبي الطيب الفائقة قوله من قصيدة يمدح بها أبا أيوب أحمد بن عمران بن ماهويه مطلعها
سِرْبٌ مَحاسِنُه حُرِمْتُ ذواتِها **** دَانِي الصفات بعيدُ موصوفاتها
معنى هذا المطلع في غاية الحسن والغرابة فإنه يقول هذا سرب حيل بيني وبين كل حسناء منه وهذه الحسناء صفاتها دانية عند ذكرها بالقول ولكن ذاتها الموصوفة بعيدة ولم يزل في غرابة هذا الأسلوب إلى أن قال متحمسا
ومطالب فيها الهلاك أتيتها **** ثبت الجنان كأنني لم آتها
أقبلنها غرر الجياد كأنما **** أيدي بني عمران في جبهاتها
ومن مخالص أبي العلاء أحمد بن سليمان المعرّي على طريق المديح فإنه لم يكن من طلاب الرفد قوله من قصيد
ولو أن المطي لها عقول **** وحقك لم نشد لها عقالا
مواصلة بها رحلي كأني **** من الدنيا أريد بها انتقالا
سألن فقلن مقصدنا سعيد **** فكان اسم الأمير لهن فالا
هذا المخلص أيضا من العجائب فإن الشيخ أبا العلاء سبكه في قالب التورية والاتفاق البديع وكان اسم الأمير في فألهم سعيدا والعرب ما برحوا يتفاءلون بالاسم الحسن ويتطيرون من ضده
ومما استحسن لابن حجاج من المخالص قوله
ألا يا ماء دجلة لست تدري **** بأني حاسد لك طول عمري
ولو أني استطعت سَكَّرت سَكْرا **** عليك فلم تكن يا ماء تجري
فقال الماء قل لي كل هذا **** بم استوجبته يا ليت شعري
فقلت له لأنك كل يوم **** تمر على أبي الفضل بن بشر
تراه ولا أراه وذاك شيء **** يضيق عن احتمالك فيه صبري
قال صاحب المثل السائر حين أورد هذه الأبيات ما علمت معنى في هذا المقصد أبدع ولا أعذب ولا أرق ولا أحلى من معنى هذا اللفظ ويكفي ابن حجاج من الفضيلة أن يكون له مثل هذه الأبيات
وقال زكي الدين بن أبي الأصبع في كتابه المسمى بتحرير التحبير لما انتهى إلى هذا النوع أعني حسن التخلص إذا وصلت إلى ابن حجاج في هذا الباب فإنك تصل إلى ما لا تدركه الألباب
ومن محاسن التخلص أيضاً قول ابن المعتز:
قايست بين جمالها وفعالها **** فإذا الملاحة بالقباحة لا تفي
والله لا كلمتها ولو أنها **** كالشمس أو كالبدر أو كالمكتفي
وقول علي بن الجهم:
وليلة كحلت بالنفس مقلتها **** ألقت قناع الدجى في كل أخدود
قد كاد يغرقني أمواج ظلمتها **** لولا اقتباسي سنىً من وجه داود
وأحسن من هذا قول محمد بن وهيب الحميري من قصيدة يمدح بها المأمون:
ما زال يلثمني مراشفه **** ويعلني الإبريق والقدح
حتى استرد الليل خلعته **** وفشا خلال سواده وضح
وبدا الصباح كأن غرته **** وجه الخليفة حين يمتدح
وقول أبي الطيب المتنبي:
خليلي إني لا أُرَى غيرَ شاعرٍ **** فلهم منهم الدعوى ومني القصائد
فلا تعجبا إن السيوف كثيرة **** ولكن سيف الدولة اليوم واحد
المصادر:
كتاب البديع في البديع لابن المعتز ت247ه
العمدة في محاسن الشعر لابن رشيق القيرواني ت390ه
زهر الآداب للحصري القيرواني ت453ه
خزانة الأدب لابن حجة الحموي ت837ه
أنوار الربيع في أنواع البديع لابن معصوم الحسني ت1119ه
جمع وإعداد وتقديم: محمد أبورزق
يُتبع
ولا يشترط أن يتعين المتخلص منه بل يجري ذلك في أي معنى كان فإن الشاعر قد يتخلص من نسيب أو غزل أو فخر أو وصف روض أو وصف طلل بال أو ربع خال أو معنى من المعاني يؤدي إلى مدح أو هجو أو وصف في حرب أو غير ذلك ولكن الأحسن أن يتخلص الشاعر من الغزل إلى المدح
والفرق بين التخلص والاستطراد أن الاستطراد يشترط فيه الرجوع إلى الكلام الأول أو قطع الكلام فيكون المستطرد به آخر كلامه والأمران معدومان في التخلص فإنه لا يرجع إلى الأول ولا يقطع الكلام بل يستمر على ما يتخلص إليه
وهذا النوع أعني حسن التخلص اعتنى به المتأخرون دون العرب ومن جرى مجراهم من المخضرمين ولكنه لم يفتهم فإنهم أوردوا لزهير في هذا الباب قوله
إن البخيل ملوم حيث كان ولكن ... الكريم على علّاته هَرِم
أنظر إلى هذا العربي القديم كيف أحسن التخلص من غير اعتناء في بيت واحد وهذا هو الغاية القصوى عند المتأخرين الذين اعتنوا به، فقد تخلّص بسلاسة من الهجو إلى مدح هرِم بن سنان ووصفه بالكرم الأصيل
وعلى كل تقدير فمن كلام العرب استنبط كل فن فإنهم ولاة هذا الشأن لكنهم كانوا يؤثرون عدم التكلف ولا يرتكبون من فنون البديع إلا ما خلا من التعسف
ومن المخالص المستحسنة لأبي تمام قوله من قصيدة
ما زَلّتْ عن سنن الوداد ولا غدَتْ **** نفسي على إلف سواك تحوم
لا والذي هو عالم أن النوى **** مرّ وأن أبا الحسين كريم
هذا المخلص مستحسن من عدة وجوه أحدها التخلص من النسيب إلى المدح والثاني حسن الانسجام والثالث وهو جل القصد الوثبة في بيت التخلص من الشطر الأول إلى الشطر الثاني بأسرع اختلاس
ومن قول حسان بن ثابت في التخلص من الغزل إلى الحماسة:
قولي لطرفك أن يكف عن الحشا **** سطوات نيران الهوى ثم اهجري
وانهي جمالك أن ينال مقاتلي **** فينال قومك سطوة من معشري
إني من القوم الذين جيادهم **** طلعت على كسرى بريح صرصر
غير أن هذا المعنى معيب عند أهل الأدب فإن المتغزل لا يليق به الافتخار على محبوبته، ولا أخذ الثار منها، فإن دم المحب هدر.
ومن حسن التخلُّص قول أبي نواس:
تقول التي من بيتها خف محملي **** يعز علينا أن نراك تسير
أما دون مصر للغنى متطلب **** بلى إن أسباب الغنى لكثير
فقلت لها واستعجلتها بوادر **** جرت فجرى في إثرهن عبير
دعيني أكثر حاسديك برحلة **** إلى بلد فيه الخصيب أمير
يروى: أنه لما قدم أبو نواس على الخصيب بمصر صادر في مجلسه جماعة من الشعراء ينشدون مدائح لهم فيه، فلما فرغوا قال الخصيب: ألا تنشدنا أبا علي؟ فقال: أنشدك أيها الأمير قصيدة هي بمنزلة عصى موسى تلقف ما يأفكون. فأنشده هذه القصيدة، فلما فرغ من إنشادها أمر أن يملأ فمه جوهرا.
وفي كتاب آداب الغرباء: أن أبا نواس كان عائدا من الشام إلى بغداد قال: فإني على ظهر فرسي إذ ترتمت بهذه الأبيات (تقول التي من بيتها خف محملي- الأبيات) قال: فسمعت من ورائي شهقة، فالتفت فإذا شيخ عليه أطمار رثة يقود فرسا أعجف، فقال لي: أعد يا أبا نواس هذه الأبيات، فأعدتها، قال: فيمن هذه؟ قلت امتدحت بها الخصيب أمير مصر، قال: ما أرفدك؟ قلت أنه ملأ فمي جوهرا بعته بمائة ألف درهم، قال: أتعرفه؟ قلت: نعم، قال: إني والله الخصيب. فلما عرفته نزلت عن دابتي وقبلت يده ورجله، فقال: لا تفعل. ثم سألته عن سبب تغير أمره فقال لي: قولك (الدائرات تدور) . قال: فدفعت إليه جميع ما معي من مركوب ونفقة وثياب، وسألته قبولها، فأبى وقال: والله لا أخذت من يد أرفدتها. ثم ركب دابته وتركني ومضى. انتهى.
ومثله في الحسن قول أبي نواس أيضا:
وإذا جلستَ إلى المدام وشربها **** فاجعل حديثك كله في الكاس
وإذا نزعت عن الغواية فليكن **** لله ذاك النزع لا للناس
وإذا أردت مديح قوم لم تَمِنْ **** في مدحهم فامدح بني العباس
لم تَمِنْ: لم تكذب
فانظر كيف انتقل من الخلاعة إلى الوعظ ثم إلى المديح في تخلّص مستحسن بديع
وهذه الطريق التي مشى عليها أبو نواس ومن تقدمه من المتقدمين ممّا ورد نظمه في هذا الباب وهي حسن التخلص ببيت واحد باستطراد رشيق ينتقل الشاعر به من الشطر الأول إلى الشطر الثاني فاتت فحولا من الشعراء كالبحتري وأبي تمام في غالب القصائد على أنهما المقدمان في هذا الشأن
وقد تقرر أن حسن التخلص ما كان في بيت واحد يثب الشاعر من شطره الأول إلى الثاني وثبة تدل على رشاقته وقوته وتمكنه في هذا الفن
وإذا لم يكن التخلص كذلك سمي اقتضابا وهو أن ينتقل الشاعر
من معنى إلى معنى آخر من غير تعلق بينهما كأنه استهل كلاما آخر.
ومن المخالص التي استحسنوها للبحتري قوله
رباع تردت بالرياض مجودة **** بكل جديد الماء عذب الموارد
إذا راوحتها مزنة بكرت لها **** شآبيب مجتاز عليها وقاصد
كأن يد الفتح بن خاقان أقبلت **** عليها بتلك البارقات الرواعد
فانظر كيف تخلّص من الوصف إلى المديح
ومن مخالص أبي الطيب الفائقة قوله من قصيدة يمدح بها أبا أيوب أحمد بن عمران بن ماهويه مطلعها
سِرْبٌ مَحاسِنُه حُرِمْتُ ذواتِها **** دَانِي الصفات بعيدُ موصوفاتها
معنى هذا المطلع في غاية الحسن والغرابة فإنه يقول هذا سرب حيل بيني وبين كل حسناء منه وهذه الحسناء صفاتها دانية عند ذكرها بالقول ولكن ذاتها الموصوفة بعيدة ولم يزل في غرابة هذا الأسلوب إلى أن قال متحمسا
ومطالب فيها الهلاك أتيتها **** ثبت الجنان كأنني لم آتها
أقبلنها غرر الجياد كأنما **** أيدي بني عمران في جبهاتها
ومن مخالص أبي العلاء أحمد بن سليمان المعرّي على طريق المديح فإنه لم يكن من طلاب الرفد قوله من قصيد
ولو أن المطي لها عقول **** وحقك لم نشد لها عقالا
مواصلة بها رحلي كأني **** من الدنيا أريد بها انتقالا
سألن فقلن مقصدنا سعيد **** فكان اسم الأمير لهن فالا
هذا المخلص أيضا من العجائب فإن الشيخ أبا العلاء سبكه في قالب التورية والاتفاق البديع وكان اسم الأمير في فألهم سعيدا والعرب ما برحوا يتفاءلون بالاسم الحسن ويتطيرون من ضده
ومما استحسن لابن حجاج من المخالص قوله
ألا يا ماء دجلة لست تدري **** بأني حاسد لك طول عمري
ولو أني استطعت سَكَّرت سَكْرا **** عليك فلم تكن يا ماء تجري
فقال الماء قل لي كل هذا **** بم استوجبته يا ليت شعري
فقلت له لأنك كل يوم **** تمر على أبي الفضل بن بشر
تراه ولا أراه وذاك شيء **** يضيق عن احتمالك فيه صبري
قال صاحب المثل السائر حين أورد هذه الأبيات ما علمت معنى في هذا المقصد أبدع ولا أعذب ولا أرق ولا أحلى من معنى هذا اللفظ ويكفي ابن حجاج من الفضيلة أن يكون له مثل هذه الأبيات
وقال زكي الدين بن أبي الأصبع في كتابه المسمى بتحرير التحبير لما انتهى إلى هذا النوع أعني حسن التخلص إذا وصلت إلى ابن حجاج في هذا الباب فإنك تصل إلى ما لا تدركه الألباب
ومن محاسن التخلص أيضاً قول ابن المعتز:
قايست بين جمالها وفعالها **** فإذا الملاحة بالقباحة لا تفي
والله لا كلمتها ولو أنها **** كالشمس أو كالبدر أو كالمكتفي
وقول علي بن الجهم:
وليلة كحلت بالنفس مقلتها **** ألقت قناع الدجى في كل أخدود
قد كاد يغرقني أمواج ظلمتها **** لولا اقتباسي سنىً من وجه داود
وأحسن من هذا قول محمد بن وهيب الحميري من قصيدة يمدح بها المأمون:
ما زال يلثمني مراشفه **** ويعلني الإبريق والقدح
حتى استرد الليل خلعته **** وفشا خلال سواده وضح
وبدا الصباح كأن غرته **** وجه الخليفة حين يمتدح
وقول أبي الطيب المتنبي:
خليلي إني لا أُرَى غيرَ شاعرٍ **** فلهم منهم الدعوى ومني القصائد
فلا تعجبا إن السيوف كثيرة **** ولكن سيف الدولة اليوم واحد
المصادر:
كتاب البديع في البديع لابن المعتز ت247ه
العمدة في محاسن الشعر لابن رشيق القيرواني ت390ه
زهر الآداب للحصري القيرواني ت453ه
خزانة الأدب لابن حجة الحموي ت837ه
أنوار الربيع في أنواع البديع لابن معصوم الحسني ت1119ه
جمع وإعداد وتقديم: محمد أبورزق
يُتبع

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق