musique

الجمعة، 30 نوفمبر 2018

التشبيه (تابع)

اللغة العربية: إبداع وإمتاع وإقناع
علم البديع
دروس مهمة لكل شاعر وكاتب وأديب
الدرس الخامس والسبعون (75)
التشبيه (تابع)
الجزء الثاني
مُتطلّبات التشبيه
إعلم أن التشبيه يستدعي خمسة أشياء:
الأول: الطرفين: أعني المشبه والمشبه به ليحصل التشبيه, لأنه من الأمور النسبية المفتقرة إلى المنتسبين.
الثاني: الوجه المشترك: ليجمع الطرفين.
الثالث: الغرض: ليصح العدول إليه من أصل المعنى, فلا يعد عيبا.
الرابع: الأحوال: ليحسن التشبيه برعاية مقبولها, والاحتراز عن مردودها.
الخامس: الأداة: لتوصل أحد الطرفين بالآخر لفظا, كما يوصله الوجه معنى.
ولنبين ذلك في خمسة فصول:.
* الفصل الأول
في الطرفين يعني المُشَبّه والمُشَبّه به:
وهما إما حسّيان أو عقليان
أولا الحسّيان: كما في تشبيه الخد بالورد, والقد بالغصن, والفيل بالجبل في المبصرات, والصوت الضعيف بالهمس, وأطيط الرجل بأصوات الفراريج في المسموعات, والنكهة بالعنبر والمسك في المشمومات, والريق بالعسل والخمر في المذوقات, والجلد الناعم بالحرير, والخشن بالمسح في الملموسات.
ثانيا:العقليان: كتشبيه العلم بالحياة, والجهل بالموت, والكفر بالظلمات.
وإلى هذا أشار الشاعر بقوله:
أخو العلم حي خالد بعد موته **** وأوصاله تحت التراب رميم
وذو الجهل ميت وهو ماش على الثرى **** يُعَدُّ من الأحياء وهو عديم
وقال آخر:
رب حي كميت ليس فيه **** أمل يرتجى لنفع وضر
وعظام تحت التراب وفوق الأ **** رض منها آثار حمد وشكر
ــــ وإما مختلفان بأن يكون المشبه عقليا, والمشبه به حسيا, أو بالعكس,
ـــ فالأول كتشبيه المنيّة بالسبع, فإن المنية وهو الموت, عقلي, لأنه عدم الحياة عما من شأنه الحياة والسبع حسّي.
والثاني كما في تشبيه العطر بخلق كريم, فإن العطر -وهو الطيب- محسوس بالشم, والخلق وهو كيفية نفسانية تصدر عنها الأفعال بسهولة, عقلي.
قال الزنجاني في المعيار: وهذا القسم -أعني تشبيه المحسوس بالمعقول- غير جائز, لأن العلوم العقلية مستفادة من الحواس ومنتهية إليها, ولذلك قيل: من فقد حسّا فقد عِلما. وإذا كان المحسوس أصلا للمعقول, فتشبيهه به يكون جعلُ الفرعِ أصلاً, والأصلُ فرعا, وهو غير جائز. ولذلك لو حاول محاول المبالغة في وصف الشمس في الظهور, والمسك في الطيب, فقال: الشمس كالحجة في الظهور, والمسك كخلق فلان في الطيب, كان سخيفا من القول. وأما ما جاء في الأشعار من تشبيه المحسوس بالمعقول, فوجهه أن يُقدَّر المعقول محسوسا, فيجعل كالأصل في ذلك المحسوس على طريق المبالغة, فيصِحُّ التشبيه حينئذ. انتهى.
واعلم أن المراد بالحسي المدرك -هو أو مادته- إحدى الحواس الخمس الظاهرة, وهي البصر, والسمع, والشم, والذوق؛ واللمس. فدخل فيه الخيالي, وهو الذي فُرض مجتمِعا من أمور, كل واحد منها مدرك بالحس.
كما في قوله:
وكأنّ محمر الشقيق **** إذا تصوب أو تصعد
أعلام ياقوت نُشِرْ **** نَ على رماح من زبرجد
فان الأعلام الياقوتية المنشورة على الرماح الزبرجدية مما لم يدركه الحس, لأن الحس إنما يُدرِك ما هو موجود في المادة, حاضر عند المدرك, على هيئات محسوسة مخصوصة به لكن مادته التي تركّب هو منها كالأعلام والياقوت والرماح والزبرجد, كل واحد منها محسوس بالبصر.
والمراد بالعقلي, ما لا يكون -هو ولا مادته- مُدركا بإحدى الحواس الخمس الظاهرة. فدخل فيه الوهمي, أي ما هو غير مدرك بها, ولكنه بحيث لو أدرك لكان مدركا بها.
كما في قول امرئ القيس:
أيقتلني والمَشرفيُّ مُضاجِعي **** ومَسْنونةُ زُرقٍ كأنياب أغوال
فان الأنياب الأغوال مما لا يدركه الحس لعدم تحققها, مع أنها لو أدركت لم تدرك إلا بحس البصر. وعليه قوله تعالى "طلعها كأنه رؤوس الشياطين". ودخل فيه أيضاً ما يدرك بالوجدان كالشبع والجوع واللذة والألم الحسيين.
المصادر:
كتاب البديع في البديع لابن المعتز ت247ه
العمدة في محاسن الشعر لابن رشيق القيرواني ت390ه
خزانة الأدب لابن حجة الحموي ت837ه
أنوار الربيع في أنواع البديع لابن معصوم الحسني ت1119ه
جمع وإعداد وتقديم: محمد أبورزق
يُتبع

الاثنين، 26 نوفمبر 2018

[ التشطير ]

اللغة العربية: إبداع وإمتاع وإقناع
علم البديع
دروس مهمة لكل شاعر وكاتب وأديب
الدرس الثالث والسبعون (73)
[ التشطير ]
التشطير في اللغة مصدر شطرت الشيء: إذا جعلته أشطارا، والشطر من كل شيء: نصفه وجزؤه.
وفي الاصطلاح، هو أن يقسم الشاعر كلا ُمن صدر البيت وعجزه شطرين، ثم يسجع كل شطر منهما، لكنه يأتي بالصدر مخالفا للعجز في التسجيع.
كقول أبي تمام:
تدبير معتصم بالله منتقم **** لله مرتغب في الله مرتقب
فسجع صدر البيت قافيته الميم وسجع عجز البيت قافيته الباء
وقول البوصيري في البردة:
كالزهر في ترف والبدر في شرف **** والبحر في كرم والدهر في همم
وقول ابن جابر الأندلسي:
يا أهل طيبة في مغناكم قمر **** يهدي إلى كل محمود من الطرق
كالغيث في كرم والليث في حرم **** والبدر في أفق والزهر في خلق
ومنه قول مسلم بن الوليد:
موف على مهج في يوم ذي رهج **** كأنه أجل يسعى إلى أمل
إلا أن في تشطيره عيباً وهو اختلاف سجعتي العجز في الإعراب، فأن الأولى مرفوعة، والثانية مجرورة، وهذا عيب في تصريع التشطير.
وبيت بديعية المقري قوله:
لا تخش يا آملا من نهره سائلا **** في سيله العرم أمن من العدم
وبيت بديعية السيوطي قوله:
والعمر شطره فيهم وقدره **** تشطير مغتنم للحق ملتزم
وبيت بديعية العلوي قوله:
لله من رجل بالعز مشتمل **** بالحق متسم بالله معتصم
وبيت بديعية الطبري قوله:
والبدر شق له شطرين حق له **** تشطير ملتزم نصرا ومنتقم
وبيت بديعية ابن معصوم الحسني قوله:
كم ماردٍ حردٍ شطرتُه بيدٍ **** تشطيرَ منتقم بالله ملتزم
وبديعية ابن حجة الحموي
وانشق من أدب له بلا كذب **** شطرين في قسم تشطير ملتزم
ـــ هذا هو التشطير عند القدامى وهو نوع من السجع
لكن التشطير عند المحدثين يختلف عن التشطير عند القدامي
فالتشطير عند المحدثين هو:
هو أن يعمد الشاعر الى أبياتٍ لغيره فيضمّ الى كل شطرٍ منها شطراً يزيده عليه عجزاً لصدرٍ وصدراً لعجز .
وبصورة عامة ، التشطير: هو أن تضيف الى صدر كل بيت عجزاً من عندك والى عجز كل منه صدراً فيصبح البيت بيتين نتيجة هذه العملية
ومثاله قال أحد الشعراء :
رأيت خيال الظلّ أكبر عبرة *** لمن هو في علم الحقيقة راقي
شخوص وأشباحٌ تمرّ وتنقضي *** وتفنى جميعاً والمحرّك باقي
فكما تعلم ان كل بيت شعري يتكون من شطرين ، والشـَطـَرُ :هو أحد طرفي البيت الشعري ويعرف الشطر كذلك بالمصراع، وشطرُ البيت الاول يسمى ( صدراً ) وشطرهُ الثاني يسمى ( عجزاً )، وقد أعاد عبد الغني النابلسي صياغة هذه الابيات فقال :
( رأيت خيال الظلّ أكبر عبرة ) *** يلوح بها معنى الكلام لأحداقي
وفي كل موجود على الحقّ آية ٌ *** ( لمن هو في علم الحقيقة راقي )
( شخوص ٌ وأشباحٌ تمرّ وتنقضي ) *** وليس لها ممّـا قضى من واق ِ
لها حركاتٌ ثمّ يبدو سكونها *** ( وتفنى جميعاً والمحرّك باقي )
لاحظ معي أن الأشطر بين القوسين هي أشطر البيتين الأصليين وما خارج القوسين هو مما أضافه عبد الغني النابلسي عليهما، حيث ( استحسن البيتين فأراد أن يتوسع في معناهما فأضاف الى كل شطر من الأصل شطراً من عنده عجزاً لصدر وصدراً لعجز، بحيث أصبح البيتان أربعة أبيات وهذه العملية تعرف بالتشطير أي إضافة أشطر جديدة بين أشطر قديمة ) .
ومثاله قول المتنبي:
يا عاذلَ العاشقين دع فئةً **** أضلّها الله كيف ترشدها
مثل المجوسي في ضلالته **** تحرقه النار وهو يعبدُها
قام أحد الشعراء بتشطيره فقال:
( يا عـاذل َ العـاشقيــنَ دع ْ فـئـــة ً ) *** أضلّها باللحاظ أسودُها
دعها تـَعاطى الضلالَ إذْ زعمت *** ( أضلّها الله كيفَ ترشدُها )
( مثل المجوسيّ في ضـــلالـتــــه ) *** ضلالةً ما سواهُ ينشدُها
ماذا تـرى فـي اعتقـــاد معـتـقــد *** ( تحرقه النارُ وهو يعبدُها ؟ )
المصادر:
كتاب البديع في البديع لابن المعتز ت247ه
العمدة في محاسن الشعر لابن رشيق القيرواني ت390ه
خزانة الأدب لابن حجة الحموي ت837ه
أنوار الربيع في أنواع البديع لابن معصوم الحسني ت1119ه
جمع وإعداد وتقديم: محمد أبورزق
يُتبع

الجمعة، 23 نوفمبر 2018

الجمع مع التفريق والتقسيم

اللغة العربية: إبداع وإمتاع وإقناع
علم البديع
دروس مهمة لكل شاعر وكاتب وأديب
الدرس الثاني والسبعون (72)
[ الجمع مع التفريق والتقسيم ]
وهو الجمع بين شيئين أو أشياء في حكم واحد، ثم التفريق بينها في
ذلك الحكم، ثم التقسيم بين الشيئين أو الأشياء المفرقة بأن يضاف
إلى كل ما يلائمه ويناسبه.
والجمع مع التفريق والتقسيم لم يذكره الشيخ صفي الدين ولا غيره
من أهل البديع، إما إكتفاء بالجمع مع التفريق، والجمع مع التقسيم،
أو لأن البيت الواحد لا يتسع لنظمه. وقد ذكره السكاكي في
المفتاح، والقزويني في التلخيص والإيضاح، والطيبي في التبيان،
والسيوطي في الإتقان وجماعة آخرون.
ومثاله قوله تعالى في سورة هود: "يوم يأتِ لا تكلم نفس إلا بإذنه،
فمنهم شقي وسعيد، فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق
خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك إن ربك
فعال لما يريد، وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت
السموات والأرض إلا ما شاء ربك عطاء غير مجذوذ". فجمع
الأنفس في عدم التكلم بقوله (لا تكلم نفس) لأن النكرة في سياق
النفي تَعُمّ، ثم فرق بأن أوقع التباين بينها بأن بعضها شقي،
وبعضها سعيد، لقوله (فمنهم شقي وسعيد) إذ الأنفس وأهل الموقف
واحد، ثم قسم وأضاف إلى السعداء ما لهم من نعيم الجنة, وإلى
الأشقياء ما لهم من عذاب النار.
فان قلت: ما معنى الاستثناء في قوله تعالى (إلا ما شاء ربك) قلت:
هو استثناء من الخلود في عذاب النار والخلود في نعيم الجنة.
فالاستثناء الأول محمول على أن فساق المؤمنين لا يخلدون في
النار، والثاني محمول على أن أهل الجنة لهم سوى نعيمها ما هو
أكبر وأجلّ وهو رضوان الله ولقاؤه عز وجل. وللمفسرين أقوال
أخر في هذا الاستثناء هذا أصوبها.
وأما قوله (ما دامت السماوات الأرض) فهو كناية عن التأبيد ونفي
الإنقطاع, كقول العرب: لا أفعله ما أقام ثبير, وما لاح كوكب.
ومن أمثلة هذا النوع من الشعر قول إبراهيم بن العباس:
لنا إبل كوم يضيق بها الفضا **** ويفترّ عنها أرضها وسماؤها
فمن دونها أن تستباح دماؤنا **** ومن دوننا أن تستباح دماؤها
حمى وقرى فالموت دون مرامها **** وأيسر خطب يوم حق فناؤها
وقول ابن شرف القيرواني:
لمختلفي الحاجات جمع ببابه **** فهذا له فن وهذا له فن
فللخامل العليا وللمعدم الغني**** وللمذنب العتبي وللخائف الأمن
فمختلفو الحاجات جمع بينهم في حكم واحد هو الاجتماع أمام باب
الممدوح، ثم فرّق بينهم في ذلك الحكم من جهة أن كلا منهم له حال
خاصة تخالف حال غيره ، ثم عاد فقسم وأضاف إلى كل واحد ما
يناسب حاله، فللخامل الغير مشهور التفضيل، وللفقير الغِنى،
وللمسيء العتاب، وللخائف الأمان.
وقول ابن نباتة السعدي:
وكم لليل عندي من نجوم **** جمعت النثر منها في نظام
عتابا أو نسيبا أو مديحا **** لخل أو حبيب أو همام
المصادر:
كتاب البديع في البديع لابن المعتز ت247ه
العمدة في محاسن الشعر لابن رشيق القيرواني ت390ه
خزانة الأدب لابن حجة الحموي ت837ه
أنوار الربيع في أنواع البديع لابن معصوم الحسني ت1119ه
جمع وإعداد وتقديم: محمد أبورزق
يُتبع

الثلاثاء، 20 نوفمبر 2018

[الجمع مع التقسيم]

Mohammed Abourizq
************tag
اللغة العربية: إبداع وإمتاع وإقناع
علم البديع
دروس مهمة لكل شاعر وكاتب وأديب
الدرس السبعون (70)
[الجمع مع التقسيم]
هذا النوع عبارة عن جمع متعدد تحت حكم، ثم تقسيمه أو بالعكس،
أي تقسيم متعدد ثم جمعه، إذن فهو نوعان: الجمع ثم التقسيم،
وتقسيم متعدد ثم جمغه.
ــ فالنوع الأول وهو الجمع ثم التقسيم: كقوله تعالى "ثم أورثنا
الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا، فمنهم ظالم لنفسه، ومنهم
مقتصد، ومنهم سابق بالخيرات".
فقوله تعالى: ( الذين اصطفينا من عبادنا) هذا جمع، ثم قسّم ذلك
الجمع إلى ثلاثة أنواع، وهم الظالم والمقتصد والسابق بالخيرات.
وكقول أبي الطيب في سيف الدولة:
قاد المقانب أقصى شربها نهل **** على الشكيم وأدنى سيرها سرع
لا يعتقي بلد مسراه عن بلد **** كالموت ليس له ري ولا شبع
حتى أقام على أرباض خرشنة **** تشفى به الروم والصلبان والبيع
للسبي ما أنكحوا والقتل ما ولدوا **** والنهب ما جمعوا والنار ما زرعوا
فالمتنبي هنا جمع الروم ممثلين في نسائهم وأولادهم وأموالهم
وزرعهم تحت حكم واحد هو الشقاء، ثم قسم ذلك الحكم إلى سبي
وقتل ونهب وإحراق، وأرجع إلى كل قسم من هذه الأقسام ما
يلائمه ويناسبه، فأرجع للسبي ما نكحوا، وللقتل ما ولدوا، وللنهب
ما جمعوا، وللنار ما زرعوا، أي إتلاف مزارعهم بالإحراق.
ومع أن الصلبان والبِيَع تشترك بالعطف مع الروم في الحكم عليها
بالشقاء إلا أن التقسيم خصّ بالروم وقصر عليهم وحدهم.
ـــ والنوع الثاني: هو التقسيم ثم الجمع، أو بعبارة أخرى هو تقديم
التقسيم وتأخير الجمع في الحكم عليه.
كقول حسان:
قوم إذا حاربوا ضروا عدوهم **** أو حاولوا النفع في أشياعهم نفعوا
سجية تلك منهم غير محدثة **** إن الخلائق فاعلم شرها البدع
قسم الشاعر في البيت الأول صفة الممدوحين إلى ضر الأعداء في
الحرب ونفع الأشياع والأولياء، ثم عاد فجمعها في البيت الثاني
حيث قال: «سجية تلك».
والنوع الأول هنا كما يبدو أحسن وأوقع في القلوب من الثاني،
وعليه مشى أصحاب البديعيات.
ومن لطيف هذا النوع قول بعضهم:
لو كان ما أنتم فيه يدوم لكم **** ظننت ما أنا فيه دائما أبدا
لكن رأيت الليالي غير تاركة **** ما سر من حادث أو ساء مطردا
فقد سكنت إلى أني وإنكم **** سنستجد خلاف الحالتين غدا
فقوله سنستجد جمع لطيف,
والنوع الأول هنا كما يبدو أحسن وأوقع في القلوب من الثاني، وعليه مشى أصحاب البديعيات.
فمن النوع الأول أيضا وهو الجمع ثم التقسيم قول صفي الدين
الحلي:
أبادهم فلبيت المال ما جمعوا **** والروح للسيف والأجساد للرّخَمِ
فكما يفهم من البيت جمع الشاعر المتمردين على السلطان تحت
حكم واحد هو الإبادة، ثم قسم ذلك الحكم إلى المال والروح
والأجساد، وأرجع إلى كل واحد من هذه الأقسام ما يناسبه، فأرجع
لبيت المال ما جمعوا، وللسيف الروح وللرخم الأجساد.
ومعنى الرخم: جمع رَخَمة وهي نوع من الطيور.
وبيت بديعية ابن جابر الأندلسي قوله:
والمال والماء في كفيه قد جريا **** هذا لراج وذا للجيش حين ظمي
وبيت عز الدين الموصلي قوله:
علم ومال على جمع تقسمه **** هذا لغمر وهذا نفع مغترم
وبيت بديعية ابن حجة قوله:
أثرت كرايمه جمعا فقسمها **** كالحوض للورد والعظمى لهولهم
وبيت بديعية ابن معصوم هو:
وكم غزا للعدى جمعا فقسمه **** فالزوج للأيم والمولود لليتم
وبيت بديعية المقري قوله:
حوى الفضائل فالعليا لهمته **** والحسن للوجه والإحسان للشيم
المصادر:
كتاب البديع في البديع لابن المعتز ت247ه
العمدة في محاسن الشعر لابن رشيق القيرواني ت390ه
خزانة الأدب لابن حجة الحموي ت837ه
أنوار الربيع في أنواع البديع لابن معصوم الحسني ت1119ه
جمع وإعداد وتقديم: محمد أبورزق
يُتبع

الخميس، 15 نوفمبر 2018

[ التقسيم ]

Mohammed Abourizq
************tag
اللغة العربية: إبداع وإمتاع وإقناع
علم البديع
دروس مهمة لكل شاعر وكاتب وأديب
الدرس الثامن والستون (68)
[ التقسيم ]
التقسيم في اللغة: التجزئة والتفريق، وفي الاصطلاح على نوعين: 1) النوع الأول : أن يذكر قسمة ذات جزئين أو أكثر، ثم يضيف إلى كل واحد من الأقسام ما يليق به.
كقول المتلمس:
ولا يقيم على ضيم يراد به **** إلا الأذَلّانِ عَيْرُ الحَيِّ والوَتِدُ
هذا على الخسف مربوط برمته **** وذا يُشجُّ فلا يَرْثي له أحد
ذكر العير والوتد، ثم أضاف إلى الأول الربط مع الخسف، وإلى الثاني الشج.
ومعى قوله: أنه لا يقبل السكوت على الضيم إلا اثنين: الحمار والوتد، فالأول تربى على الربط، والثاني تربّى على الضرب، فهما ذليلان لا يأبه بهما أحد
وقول ربيعة الرقي:
لشتان ما بين اليزيدين في الندى **** يزيد سليم والأغر ابن حاتم
يزيد سليم سالم المال والفتى **** فتى الأزد للأموال غير مسالم
فهم الفتى الأزدي إتلاف ماله **** وهم الفتى القيسي جمع الدراهم
فإنه ذكر في الأبيات إسم يزيدين فذم واحدا ومدح واحدا، ثم أضاف إلى يزيد الأزدي ما يليق به من الكرم وإتلاف المال في ذلك، وأضاف إلى يزيد القيسي ما يليق به من البخل وجمع الأموال.
وقول أبي الفتيان ابن حيوس:
ثمانية لم تفترق مذ جمعتَها **** فلا افترقت ما ذبَّ عن ناظرٍ شَفْرُ
يقينك والتقوى وجودك والغنى **** ولفظك والمعنى وسيفك والنصر
2) النوع الثاني: أن يتقصَّى تفصيل ما ابتدأ به، ويستوفي جميع الأقسام التي يقتضيها ذلك المعنى، كقوله تعالى "هو الذي يريكم البرق خوفا وطمعا" إذ ليس في رؤية البرق إلا الخوف من الصواعق والطمع في الغيث ولا ثالث لهذين القسمين.
وقوله تعالى "الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم" استوفى جميع هيئات الذاكر من قيام وقعود وعلى الجنب ولا رابع لها، وقوله تعالى "يهب لمن يشاء إناثاً ويهب لمن يشاء الذكور، اًو يزوجهم ذكرانا وإناثا ويجعل من يشاء عقيما" استوفى جميع أحوال المشروحين ولا خامس لها.
ومنه قوله تعالى: ( ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا، فمنهم ظالم لنفسه، ومنهم مقتصد، ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله) فاستوفت الآية الكريمة جميع الأقسام التي يمكن وجودها، فإنّ العَالَم جميعه لا يخلو من هذه الأقسام الثلاثة.
وقوله تعالى: ( له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك) فالآية الشريفة جامعة لأقسام الزمان الثلاثة، ولا رابع لها، والمراد الحال والماضي والمستقبل، فله ما بين أيدينا المراد به المستقبل، وما خلفنا المراد به الماضي، وما بين ذلك الحال.
وفي الحديث النبوي قوله صلى الله عليه وسلم: " ما لَك من مالِك إلا ما أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت أو تصدقت فأبقيت"
ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: " من أقام الصلاة كان مسلما، ومن آتى الزكاة كان محسنا، ومن شهد أن لا إله إلا الله كان مخلصا" فإنه صلى الله عليه وسلم إستوعب الوصف الذي من الدرجات العليا والوسطى والسفلى.
وكان الحسن البصري يقول: لا توبة لقاتل المؤمن متعمدا، فدس إليه عمرو بن عبيد رجلا وقال: قل له: لا يخلو من أن يكون مؤمنا أو كافرا أو منافقا (أو فاسقا) . فإن كان مؤمنا فإن الله سبحانه يقول "يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا"، ويقول "توبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون"، وإن كان كافرا فإنه تعالى يقول: "قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف"، وإن كان منافقا فانه تعالى يقول: "إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا إلا الذين تابوا"، وإن كان فاسقا فإنه يقول: "أولئك هم الفاسقون إلا الذين تابوا".
فقال الحسن للرجل: من أين لك هذا؟ قال: شيء اختلج في صدري، قال: محال: أصدقني، فقال: عمرو بن عبيد، فقال: عمرو وما عمرو، إذا قام بأمر قعد به، وإذا قعد بأمر قام به، ورجع عن قوله.
وحكي أنه قدم وفد من العراق على عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه وفيهم شاب فقام وتقدم في المجلس وقال: يا أمير المؤمنين أصابتنا سنون ثلاث: أما الأولى فأذابت الشحم، وأما الثانية فنخست اللحم، وأما الثالثة فهاضت العظم، وفي أيديكم فضول أموال، فإن كانت لله فبثوها في عباد الله، وإن كانت لهم فلا تمنعوهم إياها، وإن كانت لكم فتصدقوا إن الله يجزي المتصدقين.
فقال عمر: ما ترك لنا في واحدة عذرا، ثم قال له: قد قلت في حاجة العامة فقل في حاجة نفسك، فقال: ما لي حاجة في خاصة دون عامة.
ولما ورد قتيبة من مسلم خراسان قال: بلغني أن لعبد الله بن حازم بهذه البلدة مالا فمن كان في يده شيء منه فلينبذه، ومن كان في فمه فليلفظه، ومن كان في صدره فلينفثه، فتعجبوا من حسن تفصيله.
ومثاله في الشعر قول سيبويه:
فقال فريق الحي لا، وفريقهم **** نعم، وفريق قال ويحك لا ندري
وقول زهير:
وأعلم علم اليوم والأمس قبله **** ولكنني عن علم ما في غد عم
وقوله:
فإن الحق مقطعه ثلاث **** يمين أو شهود أو جلاء
وروي أن عمر لما سمع هذا البيت قال: لو أدركت زهيراً لوليته القضاء.
ومنه قول ابن الفارض:
يقولون لي صفها فأنت بوصفها **** خبيرٌ أجَلْ عندي بأوصافها عِلمُ
صفاء ولا ماءٌ ولطف ولا هوىً **** ونور ولا نار وروح ولا جسم
وقول عمرو بن الأهتم:
إشربا ما شربتما فهذيل **** من قتيل أو هارب أو أسير
وقول أبي تمام في مجوسي أحرق بالنار:
صلى لها حيا وكان وقودها **** ميتا ويدخلها مع الفجار
وقول الآخر:
ولا بد من شكوى إلى ذي مروءة **** يواسيك أو يسليك أو يتوجع
فإن المشكو إليه إما أن يواسي الشاكي وهي الرتبة العليا، وإما أن يسليه وهي الرتبة الوسطى، وإما أن يتوجع وهي الرتبة السفلى.
وفساد التقسيم يكون إما بالتكرار كقوله:
فما برحت تومي إليك بطرفها **** وتومض أحيانا إذا خصمها غفل
فتومي بطرفها وتومض متساويان في المعنى.
أو بدخول أحد القسمين في الآخر كقول عدي:
غير ما أن أكون نلت نوالا **** من نداها عفوا ولا مَهْنِيا
فيجوز أن يكون العفو مهنيا وبالعكس.
وقول البحتري:
قف مشوقا أو مسعدا أو حزينا **** أو مغيثا أو عاذرا أو عذولا
قال ابن الأثير في المثل السائر: وهذا من فساد التقسيم، فإن المشوق يكون حزينا، والمسعد يكون مغيثا، وكذلك قد يكون المسعد عاذرا.
أو بترك بعض الأقسام كقول جرير:
صارت حنيفة أثلاثا فثلثهم **** من العبيد وثلث من مواليها
ولم يذكر في بيته القسم الثالث
وقال بوّابُ المأمونِ يوما للوُقوفِ على الباب: كم تقفون على الباب؟ اختاروا واحدة من ثلاث: إما أن تقفوا ناحية الباب، وإما أن تجلسوا في المسجد، ثم سكت, فقالوا: فالخصلة الثالثة؟ فلم يحسن أن يثلث، فقال: جئتمونا بكلام الزنادقة؟. فحدث به المأمون فضحك وأمر له بألف درهم، وقال: لولا أنها نادرة جهل لاستحق بها أكثر.
والخلاصة أن التقسيم على نوعين:
1)أن يذكر قسمة ذات جزئين أو أكثر، ثم يضيف إلى كل واحد من الأقسام ما يليق به.
كأن تقول مثلا: دمشق والقاهرة والرباط وبغداد عواصم عربية، فدمشق عاصمة سوريا، والقاهرة عاصمة مصر، والرباط عاصمة المغرب، وبغداد عاصمة العراق.
2) : أن يتقصَّى تفصيل ما ابتدأ به، ويستوفي جميع الأقسام التي يقتضيها ذلك المعنى
ومثاله: أن تقول: العناصر أربعة: الماء والهواء والتراب والنار، فقد استوفيت بكلامك جميع العناصر الموجودة ولا يوجد لها خامس.
المصادر:
كتاب البديع في البديع لابن المعتز ت247ه
العمدة في محاسن الشعر لابن رشيق القيرواني ت390ه
خزانة الأدب لابن حجة الحموي ت837ه
أنوار الربيع في أنواع البديع لابن معصوم الحسني ت1119ه
جمع وإعداد وتقديم: محمد أبورزق
يُتبع

الخميس، 8 نوفمبر 2018

[ المناسبة ]

اللغة العربية: إبداع وإمتاع وإقناع
علم البديع
دروس مهمة لكل شاعر وكاتب وأديب
الدرس الخامس والستون (65)
[ المناسبة ]
المناسبة على ضربين: مناسبة في المعاني ومناسبة في الألفاظ
فالمعنوية: هي أن يبتدئ المتكلم بمعنى ثم يتمم كلامه بما يناسبه معنى دون لفظ
وهذا النوع أعني المناسبة المعنوية كثير في الكتاب العزيز.
فمنه قوله تعالى: ( أولم يهد لهم كم أهلكنا من قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم إن في ذلك لآيات أفلا يسمعون أولم يروا أنا نسوق الماء إلى الأرض الجرز فنخرج به زرعا تأكل منه أنعامهم وأنفسهم أفلا يبصرون )
فانظر إلى قوله سبحانه وتعالى في صدر الآية التي هي للموعظة أولم يهد لهم ولم يقل أولم يروا لأن الموعظة سمعية وقد قال بعدها أفلا يسمعون
وانظر كيف قال في صدر الآية التي موعظتها مرئية أولم يروا وقال بعد الموعظة البصرية أفلا يبصرون
وقد عدوا من محاسن الأمثلة المعنوية قول أبي الطيب المتنبي
على سابح موج المنايا بنحره **** غداة كان النبل في صدره وبل
فإن بين لفظة السباحة ولفظتي الموج والوبل تناسبا معنويا صار البيت به متلاحما
والذي عقد الناس عليه الخناصر في هذا الباب قول ابن رشيق القيرواني
أصح وأقوى ما رويناه في الندا **** من الخبر المأثور منذ قديم
أحاديث ترويها السيول عن الحيا **** عن البحر عن جود الأمير تميم
قال زكي الدين بن أبي الأصبع هذا أحسن شعر سمعته في المناسبة المعنوية فإنه وفّى المناسبة حقها وناسب في البيت الأول بين الصحة والقوة والرواية والخبر المأثور وناسب في البيت الثاني بين الأحاديث والرواية والعنعنة هذا مع صحة ترتيب العنعنة من حيث أنها جاءت صاغرا عن كابر وآخِرا عن أول كما يقع في سند الأحاديث لأن السيول فرع والحيا أصله وكذلك الحيا فرع والبحر أصله ثم نزل البحر منزلة الفرع، وَجُودُ الممدوح منزلة الأصل للمبالغة في المدح، وهذا غاية الغايات في هذا الباب )
ـــ وأما المناسبة اللفظية وهي دون رتبة المعنوية فهي الإتيان بكلمات متزنات وهي على ضربين:
تامة وناقصة:
ـــ فالتامة: أن تكون الكلمات مع الاتزان مقفاة.
والناقصة: موزونة غير مقفاة
فمن شواهد التامة قوله سبحانه وتعالى ( ن والقلم وما يسطرون ما أنت بنعمة ربك بمجنون وإن لك لأجرا غير ممنون )
فالمناسبة هنا تامة لأن كلمات الآية موزونة مقفاة.
ومن شواهده التامة في السنة الشريفة قول النبي مما كان يرقي به الحسنين عليهما السلام: أعيذكما بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامه ومن كل عين لامه ولم يقل عليه السلام ملمة وهي القياس لمكان المناسبة اللفظية
ومن أمثلة المناسبتين الناقصة والتامة:
قول أبي تمام حبيب بن أوس:
مها الوحش إلا أن هاتا أوانس **** قنا الخط إلا أن تلك ذوابل فناسب بين مها وقنا مناسبة تامة وبين الوحش والخط وأوانس وذوابل مناسبة غير تامة
قال زكي الدين بن أبي الأصبع هذا البيت من أفضل بيوت المناسبة لما انضم إليه فيها من المحاسن فإن فيه مع المناسبتين التشبيه بغير أداة، والمساواة والاستثناء والطباق اللفظي وائتلاف اللفظ مع المعنى والتمكين، فأما المناسبة فيه فقد عرفت وأما التشبيه ففي قوله مها وقنا فإن التقدير كمها وكقنا وحذف الأداة ليدل على قرب المشبه من المشبه به، وأما الاستثناء البديعي ففي قوله: إلا أن هاتا أوانس، وقوله: إلا أن تلك ذوابل، ليثبت للموصوفات التأنيس وينفي عنهن النفار والتوحش، وكذلك فعل في الاستثناء الثاني فإنه أثبت لهن اللين ونفى عنهن اليبس والصلابة وأما المطابقة ففي قوله: الوحش وأوانس وهاتا وتلك فإن هاتا للقريب وتلك للبعيد، وأما المساواة فلفظ البيت لا يفضل عن معناه ولا يقصر عنه، وأما الائتلاف فلكون ألفاظه من واد واحد متوسطة بين الغرابة والاستعمال وكل لفظة منها لائقة بمعناها لا يكاد يصلح موضعها غيرها
وأما التمكين فاستقرار قافية البيت في موضعها وعدم نفارها عن محلها
ومن أمثلته المناسبة التامة في الشعر قول مروان بن أبي حفصة:
هم القوم إن قالوا أصابوا وإن دعوا **** أجابوا وإن أعطوا أطابوا وأجزلوا
وقول السلامي:
ظلت تزف له الدنيا محاسنها **** وتستعد له الألطاف والتحفا
من عارض وكفا أو بارق خطفا **** أو طائر هتفا أو سائر وقفا
وقول أبي سعيد الرستمي:
يرد سناك البدر والبدر زاهر **** ويقفو نداك البحر والبحر زاخر
ــ ومن أمثلة المناسبة الناقصة
قوله تعالى: (وظل ممدود. وماء مسكوب)
سميت مناسبة ناقصة لعدم التقفية.
وقول محمد بن هاني المغربي:
تأتي له خلف الخطوب عزائم **** تذكي لها خلف الصباح مشاعل
فكأنهن على العيون غياهب **** وكأنهن على النفوس حبائل
فقوله (على العيون) موازن (على النفوس) و (غياهب) موازن (حبائل) وهي مناسبة ناقصة لعدم التقفية.
ويجمع النوعين قول البحتري:
فأحجم لما لم يجد فيك مطعما **** وأقدم لما لم يجد عنك مهربا
فبين (أحجم) و (أقدم) مناسبة تامة، وبين (مطعما) و (مهربا) مناسبة ناقصة
المصادر:
كتاب البديع في البديع لابن المعتز ت247ه
العمدة في محاسن الشعر لابن رشيق القيرواني ت390ه
زهر الآداب للحصري القيرواني ت453ه
خزانة الأدب لابن حجة الحموي ت837ه
أنوار الربيع في أنواع البديع لابن معصوم الحسني ت1119ه
جمع وإعداد وتقديم: محمد أبورزق
يُتبع

الثلاثاء، 6 نوفمبر 2018

[ المذهب الكلامي ]

اللغة العربية: إبداع وإمتاع وإقناع
علم البديع
دروس مهمة لكل شاعر وكاتب وأديب
الدرس الرابع والستون (64)
[ المذهب الكلامي ]
المذهب الكلامي نوع كبير نسبت تسميته إلى الجاحظ، وهو في الإصطلاح أن يأتي البليغ على صحة دعواه وإبطال دعوى خصمه بحجة قاطعة عقلية تصح نسبتها إلى علم الكلام، إذ علم الكلام عبارة عن إثبات أصول الدين بالبراهين العقلية القاطعة.
قال بعضهم: وإنما نسبت طريقة الاستدلال إلى المتكلمين والمتكفل ببيانها أهل الميزان، لكمال اجتهادهم في استعمال قواعد الاستدلال في المطالب الكلامية، حتى صاروا عَلَما يُضرب بهم المثل في البحث وإلزام الخصوم بأنواع الدليل.
وقيل إن ابن المعتز قال لا أعلم ذلك في القرآن أعني المذهب الكلامي، وليس عدم علمه مانعا علم غيره
قال العلماء: قد اشتمل القرآن العظيم على جميع أنواع البراهين والأدلّة. ما من برهان ولا دلالة وتقسيم وتحديد ينهي من كليات المعلومات العقلية والسمعية إلا وكتاب الله قد نطق به، لكن أورده على عادة العرب دون دقائق طرق المتكلمين، لأمرين: أحدهما: بسبب ما قاله (وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم) .
والثاني: أن المائل إلى دقيق المُحاجّة هو العاجز عن إقامة الحجة بالجلي من الكلام، فإن من استطاع أن يفهم بالأوضح الذي يفهمه الأكثرون، لم ينحط إلى الأغمض الذي لا يعرفه إلا الأقلون ولم يكن ملغزا، فاخرج تعالى مخاطباته في محاجة خلقه في أجلى صورة لتفهم العامة من جليها ما يقنعهم ويلزمهم الحجة، ويفهم الخواص من أثنائها ما يربي على ما أدركه فهم الخطباء.
ولم يُستشهد على المذهب الكلامي بأعظم من شواهد القرآن، وأوضح الأدلة في شواهد هذا النوع وأبلغها قوله تعالى: ( لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا )
هذا دليل قاطع على وحدانيته جل جلاله وتمام الدليل أن تقول لكنهما لم تفسدا فليس فيهما آلهة غير الله فهذا قياس شرطي من الله سبحانه وتعالى.
ومنه قوله تعالى أيضا: (وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه) أي الإعادة أهون وأسهل عليه من البدء، وكل ما هو أهون فهو أدخل في الإمكان. فالإعادةُ أدْخَلُ في الإمكان وهو المطلوب.
وقوله تعالى حكاية عن إبراهيم عليه السلام: (فلما أفل قال لا أحب الآفلين) أي القمر آفل وربي ليس بآفل، فالقمر ليس بربي.
وقوله تعالى: (وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه، قل فلم يعذبكم بذنوبكم) أي أنتم تعذبون والبنون لا يعذبون، فلستم ببنين له.
ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: (لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا) رواه الإمام البخاري في صحيحه عن عائشة وأبي هريرة وأنس بن مالك رضي الله عنهم ، وكذا رواه الإمام مسلم وغيره ،
وتمام الدليل أن يقال لكنكم ضحكتم كثيرا وبكيتم قليلا فلم تعلموا ما أعلم، فهذا قياس شرطي من كلام النبي صلى الله عليه وسلم.
والقياس الشرطي أوضح دلالة في هذا الباب من غيره وأعذب في الذوق وأسهل في التركيب، فإنه جملة واقعة بعد لَوْ وجوابها، وهذه الجملة على إصطلاحهم مقدمة شرطية متصلة يُستدل بها على ما تقدم من الحكم.
ومثله قول مالك بن المرجل الأندلسي
لو يكون الحب وصلا كله **** لم تكن غايته إلا الملل
أو يكون الحب هجرا كله **** لم تكن غايته إلا الأجل
إنما الوصل كمثل الماء لا **** يستطاب الماء إلا بالعلل
فالبيتان الأولان قياس شرطي والثالث قياس فقهي فإنه قاس الوصل على الماء
فكما أن الماء لا يستطاب إلا بعد العطش فالوصل مثله لا يستطاب إلا بعد حرارة الهجر
وأما الأقيسة الحملية فقد استنبطوها على صور، منها ما يروى أن أبا دلف قصده شاعر تميمي فقال له ممّن أنت؟ فقال: من تميم
فقال أبو دلف
تميم بطرق اللؤم أهدى من القطا **** ولو سلكت سبل الهداية ضلت
فقال له التميمي نعم بتلك الهداية جئت إليك
فأفحمه بدليل حملي ألزمه فيه أن المجيء إليه ضلال
ومنه ما حكي أن الوليد قال لأبي الأقرع: أنشدني قولك في الخمر فأنشده:
كميت إذا شجت ففي الكاس وردها **** لها في عظام الشاربين دبيب
تريك القذى من دونها وهي دونه **** لوجه أخيها في الإناء قطوب
فقال الوليد: شربتَها ورب الكعبة، فقال: لئن كان وصفي لها رابك لقد رابني معرفتك بها..
ومنه قول النابغة من قصيدة يعتذر فيها إلى النعمان بن المنذر وقد كان مدح آل جفنة بالشام فتنكر النعمان من ذلك:
حلفتُ فلم أترك لنفسي ريبة **** وليس وراء الله للمرء مطلب
لئن كنتَ قد بُلِّغتَ عني خيانة **** لَمُبَلِّغُكَ الواشي أغشُّ وأكذبُ
ولكنني كنت امرءاً لي جانبٌ **** من الأرض فيه مستراد ومذهب
ملوك وإخوان إذا ما مدحتهم **** أحكم في أموالهم وأقرب
كفعلك في قوم أراك اصطنعتهم **** فلم ترهمْ في مدحهم لك أذنبوا
يعني: لا تلمني ولا تعاتبني على مدح آل جفنة وقد أحسنوا إليّ، كما لا تلوم قوما مدحوك وقد أحسنت إليهم، فكما أن مدح أولئك لك لا يعد ذنبا، كذلك مدحي لمن أحسن إليّ.
وهذه الحجة على صورة التمثيل الذي يسميه الفقهاء قياسا. ويمكن رده إلى صورة قياس استثنائي بأن يقال: لو كان مدحي لآل جفنة ذنبا، لكان مدح أولئك القوم لك أيضاً ذنبا، لكن اللازم باطل وكذا الملزوم.
وقول طه المطرز المعروف بابن شحم يخاطب الملك الكامل بقوله:
دع النجوم لِطُرُقِيٍّ يعيش بها **** وبالعزائم فانهض أيها الملك
إن النبي وأصحاب النبي نهوا **** عن النجوم وقد أبصرت ما ملكوا
يعني لو كان الظفر والفوز بالمطالب بالنجوم لم يظفروا بشيء مما ظفروا به، لأنهم نهوا عنها، لكنهم مع ذلك ظفروا، فلم يكن الظفر بها.
المصادر:
كتاب البديع في البديع لابن المعتز ت247ه
العمدة في محاسن الشعر لابن رشيق القيرواني ت390ه
زهر الآداب للحصري القيرواني ت453ه
خزانة الأدب لابن حجة الحموي ت837ه
أنوار الربيع في أنواع البديع لابن معصوم الحسني ت1119ه
جمع وإعداد وتقديم: محمد أبورزق
يُتبع

الاثنين، 5 نوفمبر 2018

[ التِّكْرَار ]

Mohammed Abourizq
*******
اللغة العربية: إبداع وإمتاع وإقناع
علم البديع
دروس مهمة لكل شاعر وكاتب وأديب
الدرس الثالث والستون (63)
[ التِّكْرَار ]
التكرار, وقد يقال: التكرير، فالأول إسم، والثاني مصدر من كررت الشيء: إذا أعدته مرارا، وهو عبارة عن تكرير كلمة فأكثر باللفظ أوالمعنى، والمراد بذلك تأكيد الوصف أو المدح أو الذم أو التهويل أو الوعيد أو الإنكار أو التوبيخ أو الاستبعاد أو لغرض من الأغراض
وللتكرار مواضع يحسن فيها، ومواضع يقبح فيها، فأكثر ما يقع التكرار في الألفاظ دون المعانى، وهو في المعاني دون الألفاظ أقلّ، فإذا تكرر اللفظ والمعنى جميعاً فذلك الخذلان بعينه، ولا يجب للشاعر أن يكرر إسماً إلا على جهة التشوق والاستعذاب إذا كان في تغزل أو نسيب.
1) التكرار باللفظ
ـــ فمما جاء منه للتأكيد: قوله تعالى "كلا سوف تعلمون, ثم كلا سوف تعلمون". فالتكرير تأكيد للردع والإنذار, فقوله: كلا: ردع وتنبيه, على أنه لا ينبغي للِنّاظِرِ لنفسِهِ أن تكون الدنيا جميع همه وأن لا يهتمَّ بدينه. وسوف تعلمون: إنذار, ليخافوا فينتبهوا من غفلتهم، أي سوف تعلمون الخطأ فيما أنتم عليه إذا عاينتم ما أمامكم من هول لقاء الله. وفي الإتيان بلفظ (ثم) دلالة على أن الإنذار الثاني أبلغ من الأول، كما تقول لمن تنصحه، أقول لك: لا تفعل ثم لا تفعل، وذلك لأن أصل ثُمّ للدلالة على تراخي الزمان، لكنها قد تجيء لمجرد التدرج في دُرج الإرتقاء من غير اعتبار التراخي والبعد بين تلك الدرج، ولا لأن الثاني بعد الأول في الزمان، وذلك إذا تكرر الثاني بلفظ الأول نحو والله ثم والله. وكقوله تعالى "وما أدريك ما يوم الدين، ثم ما أدريك ما يوم الدين".
وقول كثير عزة:
فوالله ثم الله ما حل قبلها **** ولا بعدها مخلوقة حيث حلت
ــ ومنه لزيادة التنبيه: على ما ينفى التهمة والإيقاظ من سِنَة الغفلة، ليكمل تلقي الكلام بالقبول، كما في قوله تعالى: "وقال الذي آمن يا قوم اتبعوني أهدكم سبيل الرشاد، يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع" فانه كرر فيه النداء لذلك.
ـــ ومنه لزيادة التنويه والإشارة إليه بذكر، إن كان في مدح
كقول أبي الأسد:
ولائمة لامتك يا فيضُ في الندى **** فقلت لها: هل يقدح اللوم في البحر؟
أرادت لتُثنِي الفيضَ عن عادة الندى **** ومن ذا الذي يَثني السحاب عن القطر؟!
كأن وفود الفيض يوم تحملوا **** إلى الفيض لاقوا عنده ليلة القدر
مواقع جود الفيض في كل بلدة **** مواقع ماء المزن في البلد القفر
فتكريرإسم الممدوح هنا تنويه به، وإشارة بذكره، وتفخيم له في القلوب والأسماع.
وكذلك قول الخنساء:
وإن صخراً لمولانا وسيدنا **** وإن صخراً إذا نشتو لنحار
وإن صخراً لتأتم الهداة به **** كأنه علم في رأسه نار
ــ ومنه تذكر ما قد بعد بسبب طول الكلام: وهذا التكرير قد يكون مجردا عن رابط كما في قوله تعالى: "ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا إن ربك من بعدها لغفور رحيم".
فقوله: "من بعدها" تكرير لقوله: "من بعد"
وكما في قول الشاعر:
لقد علم الحي اليماني أنني **** إذا قلت أما بعد إني خطيبها
فقوله "أنني" تكرير لقوله "إنّي" وكلاهما مجردتان لا رابط بينهما.
وقد يكون مع رابط كما في قوله تعالى "لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب"
فقوله: "فلا تحسبنهم" تكرير لقوله: "لا تحسبن الذين يفرحون" لبُعده من المفعول الثاني.
ـــ ومنه زيادة التوجع والتحسر كما في قول الحسين بن مطير:
فيا قبرَ مُعنٍّ أنت أوّل حفرة **** من الأرض خطت للسماحة مضجعا
ويا قبر معن كيف واريت جوده **** وقد كان منه البر والبحر مترعا
وكقول متمم بن نويرة:
وقالوا: أتبكي كل قبر رأيته **** لقبر ثوى بين اللوى فالدكادك؟
فقلت لهم: إن الأسى يبعث الأسى **** دعوني فهذا كله قبر مالك
وأولى ما تكرر فيه الكلام باب الرثاء؛ لمكان الفجيعة وشدة القرحة التي يجدها المتفجع، وهو كثير حيث التُمِسَ من الشعر وُجِد.
ـــ ومنه التهويل نحو قوله تعالى: "الحاقة ما الحاقة" وقوله تعالى:"القارعة ما القارعة".
ـــ ومنه التهديد والوعيد
كقول الأعشى ليزيد بن مسهر الشيباني:
أبا ثابت لا تعلقنك رماحنا **** أبا ثابت أقصر وعرضك سالم
وذرنا وقوماً إن هم عمدوا لنا **** أبا ثابت واقعد فإنك طاعم!!
ـــ ومنه زيادة الإستبعاد كما في قوله تعالى "هيهات هيهات لما توعدون".
وقول الشاعر:
وهيهات هيهات العقيق وأهله **** وهيهات خل بالعقيق نواصله
ـــ ومنها زيادة المدح كقول أبي تمام:
بالصريح الصريح والأروع الأر **** وع منهم وباللباب اللباب
وكقول كثير في عمر بن عبد العزيز
فأربح بها من صفقة لمبايع **** وأعظم بها وأعظم بها ثم أعظم
ـــ ومنه التعظيم كقوله تعالى: "وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين".
ـــ ومنها التلذذ بذكر المكرر كما في قوله:
سقى الله نجدا والسلام على نجد **** ويا حبذا نجد على النأي والبعد
نظرت إلى نجد وبغداد دونه **** لعلي أرى نجدا وهيهات من نجد
فكرر لفظة نجد ست مرات لتلذذه بذكرها، كما قيل:
أعد ذكر نعمان لنا إن ذكره **** هو المسك ما كررته يتضوع
ـــ وأما ما جاء منه للذم فكقول مهلهل بن ربيعة أخي كليب
يا لبكر أنشروا لي كليبا **** يا لبكر أين أين الفرار
ـــ وأما ما جاء منه للإنكار والتوبيخ فهو تكرار قوله تعالى في سورة الرحمن ( فبأي آلاء ربكما تكذبان ) فإن الرحمن جل جلاله ما عدد آلاءه هنا إلا ليبكت بها من أنكرها على سبيل التقريع والتوبيخ كما يبكت منكر أيادي المنعم عليه من الناس بتعديدها له
وكقول بعضهم:
إلى كم وكم أشياء منكم تريبني **** أغمض عنها لست عنها بذي عمي
فأما قول محمد بن مناذر الصبيري في معنى التكثير:
كم وكم كم كم وكم كم كم وكم **** قال لي: أنجز حر ما وعد
فقد زاد على الواجب، وتجاوز الحد.
ولما أنشدوا للصاحب أبي القاسم إسماعيل بن عباد قول أبي الطيب:
عظمت فلما لم تكلم مهابة **** تواضعت، وهو العظم عظماً عن العظم
قال: ما أكثر عظام هذا البيت
ـــ وأما ما جاء منه في النسيب
كقول امرئ القيس
ديار لسلمى عافيات بذي الخال **** ألح عليها كل أسحم هطال
وتحسب سلمى لا تزال كعهدنا **** بوادي الخزامي أو على رأس أو عال
وتحسب سلمى لا تزال ترى طلا **** من الوحش أو بيضاً بميثاء محلال
ليالي سلمى إذ تريك منضداً **** وجيداً كجيد الريم ليس بمعطال
وكقول قيس بن ذريح:
ألا ليت لبنى لم تكن لي خلة **** ولم تلقني لبنى ولم أدر ما هيا
وقول بعضهم
يقلن وقد قيل إني هجعت **** عسى أن يلم بروحي الخيال
حقيق حقيق وجدت السلو **** فقلت لهن محال محال
وألطف منه قول القاضي الفاضل:
ماذا تقول اللواحي ضل سعيهم **** وما تقول الأعادي زاد معناه
هل غير أني أهواه وقد صدقوا **** نعم نعم أنا أهواه وأهواه
وما أحلى ما قال بعده
حسب البرية أجرا فضل رؤيته **** فما رئي قط إلا سبح الله
2) التكرار في المعاني
ومن تكرير المعاني قول امرئ القيس :
فيا لك من ليل كأن نجومه **** بكل مغار الفتل شدت بيذبل
كأن الثريا علقت في مصامها **** بأمراس كتان إلى صم جندل
فالبيت الأول يغني عن الثاني، والثاني يغني عن الأول، ومعناهما واحد؛ لأن النجوم تشتمل على الثريا، كما أن يذبل يشتمل على صم الجندل، وقوله " شدت بكل مغار الفتل " ومثل قوله " علقت بأمراس كتان "
ويقرب من ذلك وليس به قول كثير:
وإني وتهيامي بعزة بعدما **** تخليت مما بيننا وتخلت
لكالمرتجى ظل الغمامة كلما **** تبوأ منها للمقيل اضمحلت
كأني وإياها سحابة ممحل **** رجاها فلما جاوزته استهلت
إلا أن كثيراً تصرف، فجعل رجاء الأول ظل الغمامة ليقيل تحتها من حرارة الشمس فاضمحلت وتركته ضاحياً، وجعل الممحل في البيت الثاني يرجو سحابة ذات ماء فأمطرت بعد ما جاوزته.
وكقول البحتري:
الفاعلون إذا لُدنا بجودهم **** ما يفعل الغيث في شؤبوبه الهتن
فجاء بالمعنى عاما من غير عدد ولا لفظ مستورد، فهو أرجح كلاما وأحسن لفظا.
ومنه قول ابن المعتز
لساني لسري كتوم كتوم **** ودمعي بحبي نموم نموم
ولي مالك شفني حبه **** بديع الجمال وسيم وسيم
له مقلتا شادنٍ أحورٍ **** ولفظ سحور رخيم رخيم
فدمعي عليه سجوج سجوم **** وجسمي عليه سقيم سقيم
عيوب التكرار
ومن المعيب في التكرار قول ابن الزيات:
أتعزف أم تقيم على التصابي؟ **** فقد كثرت مناقلة العتاب
إذا ذكر السلو عن التصابي **** نفرت من اسمه نفر الصعاب
وكيف يلام مثلك في التصابي **** وأنت فتى المجانة والشباب؟!!
سأعزف إن عزفت عن التصابي **** إذا ما لاح شيب بالغراب
ألم ترني عدلت عن التصابي **** فأغرتني الملامة بالتصابي؟!!
فملأ الدنيا بالتصابي، فقد برد به الشعر، ولا سيما وقد جاء به كله على معنى واحد من الوزن، لم يعد به عروض البيت،
وأين هذا من تكريره على جهة التفخيم في قوله للحسن بن سهل من قصيدة:
إلى الأمير الحسن استجدتها **** أي مزار ومناخ ومحل
أي مزار ومناخ ومحل **** لخائف ومستريش ذي أمل
وهذا كقول امرئ القيس:
تقطع أسباب اللبانة والهوى **** عشية جاوزنا حماة وشيزرا
عشية جاوزنا حماة وشيزرا **** أخو الجهد لا يلوي على من تعذرا
والفرق بين التكرار وبين الترديد: أن اللفظة التي تتكرر ولا تفيد معنى زائدا غير معنى الأولى هي التكرار، واللفظة التي تتردد فتفيد بمتعلقها معنى آخر غير معنى الأولى هي الترديد.
المصادر:
كتاب البديع في البديع لابن المعتز ت247ه
العمدة في محاسن الشعر لابن رشيق القيرواني ت390ه
زهر الآداب للحصري القيرواني ت453ه
خزانة الأدب لابن حجة الحموي ت837ه
أنوار الربيع في أنواع البديع لابن معصوم الحسني ت1119ه
جمع وإعداد وتقديم: محمد أبورزق
يُتبع

السبت، 3 نوفمبر 2018

[ التَّرْدِيدُ ]

Mohammed Abourizq*
************************
اللغة العربية: إبداع وإمتاع وإقناع
علم البديع
دروس مهمة لكل شاعر وكاتب وأديب
الدرس الثاني والستون (62)
[ التَّرْدِيدُ ]
التَّرْديدُ - عبارة عن أن يعلِّق المتكلم لفظةً من كلامِه بمعنى، ثم يُردّدها بعينها معلقة بمعنى آخر،
كقوله تعالى: (حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله، الله أعلم حيث يجعل رسالته) فالجلالة الأولى مضاف إليها متعلقة بمعنى، والثانية مبتدأ بها متعلقة بمعنى آخر. ومثله قوله تعالى: (وما أدراك ما ليلة القدر، ليلة القدر خير من ألف شهر) فليلة القدر الأولى مبتدأ عند الجمهور خبره (ما) الاستفهامية، قدم للزومه الصدر، وبالعكس عند سيبويه، وهي متعلقة بمعنى التعظيم، وليلة القدر الثانية مبتدأ خبرها ما بعدها، وهي متعلقة بمعنى الإخبار عنها بكونها خيرا من ألف شهر.
وكقوله تعالى ( لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة، أصحاب الجنة هم الفائزون )
ومثلوا للترديد من الشعر بقول الحسن بن هاني وهو أبو نواس:
صفراء لا تنزل الأحزان ساحتها **** لو مسها حجر مسته سراء
فقوله: مسها، مسته: ترديد.
والأحسن، التمثيل له بقول محمد بن هاني المغربي:
وقد أهبط الغيث غض الجميم **** غض الأسِرَّة غض الندى
يعني أن المطر لكثرة وقوعه هدل الروض وأنزله، والجميم بالجيم: النبت الكثير، أو الناهض المنتشر، والأسِرّة هنا مستعارة من قولهم: لمعت أسرة وجهه؛ وهي الخطوط التي تجتمع في الجبهة وتتكسر.
ومثله قوله أيضاً:
ويأبى لك الذم طيب النجار **** وطيب الخلال وطيب الشيم
فكلمة طيب: ترديد وكل واحدة متعلّقة بمعنى غير الآخر
وقوله من أخرى:
أقول وقد شق أعلى السحاب **** وأعلى الهضاب وأعلى الربى
إذا الودق في مثل هذا الرباب **** وذا البرق في مثل هذا السنا
فكلمة أعلى: ترديد.
وقول بدّر الدين بن مخزوم:
عزيز قوم عزيز الجار والشرف **** عبد العزيز غدا يلقاه خير وفي
وقول بعضهم في سوداء:
ومسكية النشر مسكية ال **** عذارين مسكية المنظر
تثنى وقامتها للقضيب **** وتنظر واللحظ للجؤذر
وأحسبها في خلال الحديث **** تنثر عقدا من الجوهر
فكل من هذه الألفاظ المرددة في هذه الأبيات تتعلق في كل موضع بمعنى غير الآخر.
ومنه قول زهير:
من يلق يوماً على علاته هرماً **** يلق السماحة منه والندى خلقاً
فعلق يلق بهرِم، وهو هرِم بن سنان، ثم علقها بالسماحة.
وكذلك قوله أيضاً:
ومن هاب أسباب المنايا ينلنه ... ولو رام أسباب السماء بسلم
فقوله أسباب ترديد.
ولبعض الحجازيين:
ومن لامني فيهم حبيب وصاحب **** فرد بغيظٍ صاحب وحميم
وقال مجنون بني عامر:
قضاها لغيري وابتلاني بحبها **** فهلا بشيء غير ليلى ابتلانيا
وقال أبو تمام:
خفت دموعك في إثر القطين لدن **** خفت من الكثب القضبان والكثب
الترديد في خفت ولو جعلتَ الكثيب ترديداً لجاز.
وقال ابن المعتز:
لو شئت لا شئت خليت السلو له **** وكان لا كان منكم في معافاتي
وقال أيضاً في مثل ذلك:
أتعذلني في يوسفٍ وهو من ترى **** ويوسف أضناني ويوسف يوسف
وقول الصنوبري:
أنت عذري إذا رأوك، ولكن *** كيف عذري إذا رأوك تخون
الترديد في قوله " إذا رأوك ".
وقال أبو الطيب وأحسن ما شاء:
أمير أمير عليه الندى **** جواد بخيل بأن لا يجودا
الترديد في أول البيت، وهو قوله: أمير
والعلماء بالشعر مجمعون على تقديم أبي حية النميري وتسليم فضيلة هذا الباب إليه في قوله:
ألا حي من أجل الحبيب المغانيا **** لبسن البلى مما لبسن اللياليا
إذا ما تقاضى المرء يوماً وليلة **** تقاضاه شيء لا يمل التقاضيا
والترديد الذي انفرد فيه بالإحسان عندهم قوله: "لبسن البلى مما لبسن اللياليا" وكذلك قوله: "إذا ما تقاضى المرء يوماً وليلة" ثم قال: "تقاضاه شيء لا يمل التقاضيا" لأن الهاء كناية عن المرء، وإن اختلف اللفظ.
وقول الحسين بن الضحاك الخليع:
لقد ملأت عيني بغير محاسن **** ملأن فؤادي لوعةً وهموما
لقرب ما بين اللفظتين،
وكذلك قول الطائي:
راح إذا ما الراح كان مطيها **** كانت مطايا الشوق في الأحشاء
ردد مطيها ومطايا الشوق.
ـــ والفرق بين الترديد وبين التكرار: أن اللفظة التي تتكرر ولا تفيد معنى زائدا غير معنى الأولى هي التكرار، واللفظة التي تتردد فتفيد بمتعلقها معنى آخر غير معنى الأولى هي الترديد.
قال الشيخ صفي الدين الحلي في شرح بديعيته: وإن اتفق للشاعر توجيه اللفظة المرددة واشتراكها بمعنى آخر كان أبلغ. انتهى.
ولا يخفى أنه حينئذ يكون من باب الجناس التام.
ومثاله قول الشيخ الإمام عز الدين بن أبي الحديد :
إمام هدى بالقُرص آثر فاقتضى **** له القرص رد القرص أبيض أزهرا
فلفظة القرص في أول البيت مراد بها قرص الشعير الذي آثر به المسكين، والأسير، واليتيم. وفي آخره: قرص الشمس في ردها له.
ومنه قول بعضهم في وصف كتاب:
كتاب كوشي الروض خطت سطوره **** يد ابن هلال عن فم ابن هلال
أراد بابن هلال الأول: أبا الحسن علي بن هلال، المعروف بابن البواب الكاتب المشهور، قال ابن خلكان: لم يوجد في المتقدمين ولا المتأخرين من كتب مثله، ولا قاربه. وبابن هلال الثاني: أبا إسحاق إبراهيم بن هلال الصابي، صاحب الرسائل المشهورة والنظم البديع.
وعلى ذلك بنى فحول أرباب البديعيات أبياتهم.
فبيت بديعية الشيخ صفي الدين الحلي (ره) قوله:
له السلام من الله السلام وفي **** دار السلام تراه شافع الأمم
السلام الأول: من التسليم، والثاني: من أسمائه تعالى، والثالث: بمعنى السلامة، سميت الجنة بذلك، لأن الصائر إليها يسلم من كل آفة وغير ذلك.
وبيت بديعية الشيخ عز الدين الموصلي قوله:
له الجميل من الرب الجميل **** على الوجه الجميل بترديد من النعم
وبيت بديعية ابن حجة قوله:
أبدى البديع له الوصف البديع وفي **** نظم البديع حلا ترديده بفمي
وبيت بديعية الشيخ عبد القادر الطبري قوله:
هو الجواد رسول للجواد بمض **** مار الجواد له الترديد بالنعم
الجواد الأول بمعنى السخي، والثاني: من أسمائه تعالى، والثالث: الفرس الرائع .
وبيت بديعية ابن معصوم الحسني قوله::
هو القسيم له أو في القسيم على **** نفي القسيم ولا ترديد في القسم
القسيم الأول بمعنى الجميل - من القسامة وهو الحسن - والثاني بمعنى القسم بالكسرة وهو النصيب - نص عليه في القاموس -، والثالث بمعنى المقاسم. والمعنى: أن له أوفى النصيب من كل فضل وشرف، مع نفي المقاسم له في ذلك. وقوله: ولا ترديد في القسم: تذييل، والمعنى: أن القسم مقضية قضاء فصل لا ترديد فيها.
وبيت بديعية شرف الدين المقري قوله:
جلَّتْ فتوحا وجَلَت معشرا كفرا **** طردا وجَلَت دياجي الأعصر الدهم
الترديد في لفظة جلت، فالأولى بمعنى عظمت، والثانية بمعنى أخرجت من الجلاء وهو الخروج من البلد - والثالثة بمعنى كشفت، يقال: جلى الشيء أي كشفه، ومنه جلى الصبح الظلام.
المصادر:
كتاب البديع في البديع لابن المعتز ت247ه
العمدة في محاسن الشعر لابن رشيق القيرواني ت390ه
زهر الآداب للحصري القيرواني ت453ه
خزانة الأدب لابن حجة الحموي ت837ه
أنوار الربيع في أنواع البديع لابن معصوم الحسني ت1119ه
جمع وإعداد وتقديم: محمد أبورزق
يُتبع

الخميس، 1 نوفمبر 2018

[ العَكْسُ ]

Mohammed Abourizq
***********tag
اللغة العربية: إبداع وإمتاع وإقناع
علم البديع
دروس مهمة لكل شاعر وكاتب وأديب
الدرس الواحد والستون (61)
[ العَكْسُ ]
العَكْسُ في اللغة: رَدُّ آخرِ الشيء على أوّله
وفي الاصطلاح على نوعين لفظي ومعنوي:
1) العكس اللفظي: هو أن تقدم في الكلام جزأ ثم تعكس وتقدم ما أخرت، وتؤخر ما قدمت، ويسمى التبديل أيضاً،
ويقع على وجوه كثيرة ولكن المراد هنا ما استعمل منها وكثر استعماله فالمقدم في هذا الباب قوله تعالى ( تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي ) العكس هنا مميز بعلو طباقه وبشرف القدرة الإلهية التي لا تصدر إلا عن عظمة الخالق جلت قدرته وبلاغة القرآن وإيجازه وفصاحته
ومنه قوله صلّى الله عليه وآله وسلّم: "جار الدار أحق بدار الجار". رواه النسائي، وأبو يعلى في مسنده، وابن حيان في صحيحه عن أنس وأحمد في مسنده، وأبو داود والترمذي عن سمرة. قاله العلامة السيوطي في الجامع الصغير.
وقول الحسن البصري: إنّ من خَوَّفك حتى تلقى الأمن خير ممن آمنك حتى تلقى الخوف.
وقول أبي الفتح البستي: عادات السادات سادات العادات. وقولهم: كلام الملوك ملوك الكلام. وقولهم: شيم الأحرار أحرار الشيم. وقولهم: كتب الأحباب أحباب الكتب.
ومنه قول أبي تمام وقد قال له بعض حساده لم لا تقول ما يفهم فقال له على الفور لم لا تفهم ما يقال، وقول الحكيم الذي قيل له لم تمنع من يسألك فقال لئلا أسأل من يمنعني، وقال حكيم :إذا لم يكن ما تريد فأرد ما يكون
وقيل لمريض كيف أنت؟ فقال: أجد ما لا اشتهي، وأشتهي ما لا أجد، وأنا في زمان سوء، من وَجَدَ لم يَجُدْ، ومن جادَ لم يَجِدْ.
وقال الجرجاني لأبي علي الحاتمي: إنما تحرم لأنك تشتم، فقال: إنما أشتم لأني أحرم.
وأنشد الشيخ شهاب الدين أبو الثناء محمود لنفسه في هذا النوع ما كتبه جوابا لصاحب اليمن عن هدية وردت منه قرين كتاب:
أتاني كتابك والمكرمات **** تسير لديه مسير السحب
لئن جاء في موكب من نداك **** فكتب الملوك ملوك الكتب
ومنه قول القاضي الأرجاني:
أنا أشعر الفقهاء غير مدافع **** في العصر لا بل أفقه الشعراء
شعري إذا ما قلت دونه الورى **** بالطبع لا بتكلف الإلقاء
ومنه قول تميم بن مفرج الطائي:
قل للغزالة وهي غير غزالة **** والجؤذر النعسان غير الجؤذر
لمذكر الخطوات غير مؤنث **** ومؤنث الخلوات غير مذكر
قال في دمية القصر: هذا بيت شعر يساوي بيت تبر، وفيه قلب يقبله كل قلب. ثم الموازنة بين الخطوات والخلوات في نهاية الحلاوة.
ويروى لأمير المؤمنين هارون الرشيد من النظم في هذا الباب
لساني كتوم لأسرارهم **** ودمعي بسري نموم مذيع
فلولا دموعي كتمت الهوى **** ولولا الهوى لم يكن لي دموع
وبديع هنا قول الصاحب ابن عباد وقد بالغ في وصف الزجاج والشراب وهو
رق الزجاج وراقت الخمر **** فتشابها فتشاكل الأمر
فكأنما خمر ولا قدح **** وكأنما قدح ولا خمر
ومثله
ألست ترى أطباق ورد وحولها **** من النرجس الغض الطري قدود
فتلك خدود ما عليهن أعين **** وتلك عيون ما لهن خدود
وقول ابن نباتة السعدي
ألا فاخش ما يرجى وجدك هابط **** ولا ترج ما يخشى وجدك رافع
فلا نافع إلا مع النحس ضائر **** ولا ضائر إلا مع السعد نافع
ومن حكم أبي الطيب المتنبي قوله في هذا الباب
فلا مجد في الدنيا لمن قل ماله **** ولا مال في الدنيا لمن قل مجده
ومثله في الحسن والبلاغة قوله
إن الليالي للأنام مناهل **** تطوى وتنشر دونها الأعمار
فقصارهن مع الهموم طويلة **** وطوالهن مع السرور قصار
واستشهدوا على نوع الطباق بقول الشاعر
رمى الحدثان نسوة آل حرب **** بمقدار سمدن له سمودا
فرد شعورهن السود بيضا **** ورد وجوههن البيض سودا والعكس هنا أحق من المطابقة وأولى فما فيه من عكس مطابقة عجزه لصدره وتبديل الطباق في العجز والصدر
ومن المستظرف هنا إلى الغاية قول الشيخ شرف الدين عبد العزيز الأنصاري شيخ شيوخ حماة
أفنيت عمري في دهر مكاسبه **** نطيع أهواءنا فيها وتعصينا
تسعا وعشرين مد الهم شقتها **** حتى توهمتها عشرا وتسعينا
وتلطف الشيخ جمال الدين بن نباتة بقوله هنا
مسألة الدور غدت **** بيني وبين من أحب
لولا مشيبي ما جَفَتْ **** لولا جفاها لم أشِب
ـــ 2) العكس المعنوي: وهو من مستخرجات ابن أبي الإصبع، وحدَّهَ بأن قال: هو أن يأتي الشاعر إلى معنى لغيره، أو لنفسه فيعكسه.
فمثال عكس الشاعر معنى غيره، قول علي بن الجهم يصف السحاب:
فمرت تفوت الطرف حتى كأنها **** جنود عبيد الله ولت بنودها
فإنه عكس فيه قول أبي العتاهية يصف الرايات:
ورايات يحل النصر فيها **** تمر كأنها قطع السحاب
وقول الآخر:
وربما فات بعض الناس أمرهم **** مع التأني وكان الحزم لو عجلوا
عكس فيه قول الأخطل:
قد يدرك المتأني بعض حاجته **** وقد يكون مع المستعجل الزلل
وعكس الصابي قول البحتري في الوداع:
أقول له عند توديعه **** وكل بعبرته ملبس
لئن قعدت عنك أجسادنا **** لقد سافرت معك الأنفس
فقال الصابي ونبه على ذلك:
ولما حضرت لتوديعه **** وطرف النوى نحونا أشوس
عكست له بيت شعر مضى **** يليق به الحال إذ يعكس
لئن سافرت عنك أجسادنا **** لقد قعدت معك الأنفس
وقال بعضهم:
إذا ما رأيت فتى ماجدا **** فظن بعقل أبيه السخف
فقد يلد النجب غير النجيب **** وهل يلد الدر إلا الصدف
وعكسه الآخر فقال:
إذا ما رأيت فتى ماجدا **** فكن بابنه سيئ الاعتقاد
فلست ترى من نجيب نجيبا **** وهل تلد النار غير الرماد
ومثال ما عكس الشاعر من المعاني لغيره
قال الأول
قد يدرك المتأني بعض حاجته **** وقد يكون مع المستعجل الزلل
قال الثاني الذي عكس الأول
وربما فات بعض الناس أمرهم **** مع التأني وكان الحزم لو عجلوا
ـــ ومثال عكس الشاعر معنى نفسه قول بعضهم:
وإذا الدر زان حسن وجوه **** كان للدر حسن وجهك زينا
ومثله قول الشاعر وتلطف ما شاء
ها قد غدا من ثياب الشعر في كفن **** وقد تعفت معاني وجهه الحسن
وكان يعرض عني حين أبصره **** فصرت أعرض عنه حين يبصرني
وأظرف منه قول الشيخ جمال الدين ابن نباتة
وصديق قوى يدي بنوال **** وأراه من بعد حاول وهني
كان مثل البستان آخذ منه **** صار مثل الحمام يأخذ مني
وأحسن منه قول نجم الدين يعقوب بن صابر المنجنيقي:
وجارية من بنات الحبوش **** ذات جفون صحاح مراض
تعشقتها للتصابي فشبت **** غراما ولم أك بالشيب راضي
وكنت أعيرها بالسواد **** فصارت تعيرني بالبياض
المصادر:
كتاب البديع في البديع لابن المعتز ت247ه
العمدة في محاسن الشعر لابن رشيق القيرواني ت390ه
زهر الآداب للحصري القيرواني ت453ه
خزانة الأدب لابن حجة الحموي ت837ه
أنوار الربيع في أنواع البديع لابن معصوم الحسني ت1119ه
جمع وإعداد وتقديم: محمد أبورزق
يُتبع