musique

الجمعة، 29 يونيو 2018

ي الإخبار عن الجملتين بلفظ الإثنين

فقه اللغة وأسرار العربية
***القسم الثاني: سر العربية في مجاري كلام العرب وسننها، والاستشهاد بالقرآن على أكثرها(تابع)
الدرس الثاني عشر
الفصل الخامس والثلاثون: في الإخبار عن الجملتين بلفظ الإثنين
- العرب تفعله، كما قال الأسود بن يَعفُر:
إنَّ المنايا والحُتوفَ كِليهِما *** في كلِّ يوم ترقُبانِ سَوادي.
ـــ فأخبر عن الجملتين المنايا والحتوف بقوله: ترقبان
وقال آخر:
ألم يُحزِنكِ أن حِبالَ قَيس *** وتَغلِبَ قَد تَبايَنَتا انقِطاعا.
وقد جاء مثله في القرآن قال الله عزَّ وجلّ: {أَوَلَم يرَ الذينَ كَفَروا أنَّ السَّموات والأرضَ كانتا رَتْقاً فَفَتَقْناهما}.
الفصل السادس والثلاثون: في نفي الشيء جملة من أجل عدم كمال صفته
- العرب تفعل ذلك، كما قال الله عزَّ وجلَّ في صفة أهل النار: {ثمَّ لا يموت فيها ولا يَحْيا}. فنفى عنه الموت لأنه ليس بموت صريح، ونفى عنه الحياة لأنها ليست بحياة طيبة ولا نافعة، وهذا كثير في كلام العرب. قال أبو النَّجم:
يُلقينَ بالخَبار والأجارِعِ *** كلَّ جَهيضٍ ليِّنِ الأكارِعِ.
ليسَ بِمَحْفُوظٍ ولا بِضائِعِ ***
يعني أنه ليس بمحفوظ لأنه ألقِيَ في صَحراء ولا بضائع لأنه موجود في ذلك المكان. ومن ذلك قول الله عزّ وجلّ: {وتَرى النَّاس سُكارى وما هُم بِسُكارى} أي ماهم بسكارى من شُرب ولكن سكارى من فزع ووله.
الفصل السابع والثلاثون: يقاربه ويشتمل على نفي في ضمنه إثبات
- تقول العرب: ليس بحلو ولا حامض، يريدون أنه جمع ذا وذا، كما قال الشاعر:
أبو فَضَالة لا رسمٌ ولا طَللُ *** مِثْلُ النَّعامةِ لا طَيرٌ ولا جَمَلُ.
وقال آخر:
مَسيخٌ مَليخٌ كلَحْمِ الحُوارِ *** فلا أنت حُلوٌ ولا أنت مُرُّ.
وفي القرآن: {لا شَرْقِّيةٍ ولا غَربيَّةٍ} يعني أنَّ الزيتونة شرقيَّة وغربيَّة. وفي أمثال العامّة: (فلان كالخنثى، لا ذكر ولا أنثى): أي يجمع صفات الذَّكران والإناث معا.
الفصل الثامن والثلاثون: في اللازم بالألف يجيء من لفظه متعد بغير ألف
- ألف التعدية، وربما تكون للشيء نفسه ويكون الفاعل به ذلك بلا ألف، كقولهم: أَقْشَعَ الغَيمُ، وقشَعَتْهُ الريح، وأنزفت البئر: ذهب ماؤها ونزفناها نحن. وأنْسَلَ ريش الطائر، ونَسَلتُهُ أنا. وأكبَّ فلان على وجهه وكببته أنا. وفي القرآن: {أفمن يمشي مُكِبّاً على وجْهِهِ أهدى}. وقال عزَّ اسمه: {فَكُبَّتْ وُجوهُهُمْ في النار}.
وللتوضيح :ـــ فقوله أقشع بالألف هو فعل لازم وقشع بدون ألف هو فعل متعدّي ـــ وهكذا في أنزف ونزف، وأنسل ونسل ــ
فقه اللغة وأسرار العربية
أبو منصور عبد الملك بن محمد الثعالبي ت430ه
إعداد وتقديم: محمد أبورزق
يُتبع

الخميس، 28 يونيو 2018

في المدح يراد به الذَّم، فيجري مجرى التَّهَكم والهَزْل

فقه اللغة وأسرار العربية
****القسم الثاني: سر العربية في مجاري كلام العرب وسننها، والاستشهاد بالقرآن على أكثرها (تابع)
الدرس العاشر
الفصل التاسع والعشرون: في المدح يراد به الذَّم، فيجري مجرى التَّهَكم والهَزْل
- العرب تفعل ذلك، فتقول للرجل تستجهله: يا عاقل، وللمرأة تستقبحها: يا قمر. وفي القرآن: {ذُقْ إنَّكَ أنتَ العزيزُ الكَريمُ}. وقال عزَّ ذكره: {إنَّكَ لأنتَ الحَليمُ الرَّشيدُ}.
الفصل الثلاثون: في إلغاء خبر (لو) اكتفاء بما يدل عليه الكلام وثقة بفهم المخاطَب
- ذلك من سنن العرب كقول الشاعر:
وَجَدِّكَ لَوْ شَيءٌ أتانا رَسولُهُ *** سِواكَ ولكن لم نَجِد لَكَ مَدْفَعا.
والمعنى: لو أتانا رسول سِواك لدفعناه. وفي القرآن حكاية لوط، قال: {لو أنَّ لي بِكُم قُوَّةً أو آوي إلى رُكنٍ شَديدٍ}. وفي ضمنه: لكنتُ أكُفُّ أذاكُم عَنِّي.
ومثله: {ولو أنَّ قُرآنا سُيِّرَت بِهِ الجِبالُ أو قُطِّعَت بِهِ الأرضُ أو كُلِّمَ بِهِ الموتى بَل للهِ الأمْرُ جَميعاً}. والخبر عنه مُضْمَر كأنه قال: لكان هذا القرآن.
الفصل الواحد والثلاثون: فيما يذكَّر ويؤنَّث
- وقد نطق القرآن باللغتين: من ذلك السَّبيل، قال الله تعالى في تذكيره: {وإنْ يَرَوا سبيلَ الرُّشدِ لا يَتَّخِذوه سبيلاً} وقال جلّ ذكره في تأنيثه: {هذه سبيلي أدعوا إلى اللهِ على بَصيرةٍ}. ومن ذلك الطاغوت، قال تعالى في تذكيره: {يريدون أن يتحاكَمُوا إلى الطَّاغوتِ وَقَد أمِروا أن يَكْفروا بِه}. وفي تأنيثها: {والذين اجتَنَبوا الطَّاغوتَ أن يَعبُدوها}.
فقه اللغة وأسرار العربية
أبو منصور عبد الملك بن محمد الثعالبي ت430ه
إعداد وتقديم: محمد أبورزق
يُتبع

الثلاثاء، 26 يونيو 2018

الفصل السادس والعشرون: في حفظ التوازن

فقه اللغة وأسرار العربية
****القسم الثاني: سر العربية في مجاري كلام العرب وسننها، والاستشهاد بالقرآن على أكثرها (تابع)
الدرس التاسع
الفصل السادس والعشرون: في حفظ التوازن
- العرب تزيد وتحذف حفظا للتوازن وإيثاراً له، أما الزيادة فكما قال تعالى: {وتَظُنُّونَ باللهِ الظُّنونا}، وكما قال: {فأَضَلُّونا السَّبيلا}.
وأمَّا الحذف فكما قال جلَّ اسمه: {والليل إذا يَسرِ} وقال: {الكبيرُ المُتعالِ}، وقال: {يومَ التَّنادِ} و{يومَ التَّلاقِ}.
وكما قال لبيد:
[من الرّمل]
إنَّ تَقوى رَبِّنا خيرُ نَفَلْ *** وبإذنِ اللهِ رَيْثي وَعَجَلْ.
أي وعجلي
وكما قال الأعشى:
[من المتقارب]
ومن شانئ كاسِفٍ وَجهُهُ *** إذا ما انتسَبتُ لهُ أنْكَرَنْ.
أي أنكرني.
الفصل السابع والعشرون: في مخاطبة اثنين ثم النص على أحدهما دون الآخر
- العرب تقول: ما فعلتما يا فلان، وفي القرآن: {فمن رَبُّكُمَا يا مُوسَى}. وفيه: {فلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الجَنَّةِ فَتَشْقى}، خاطب آدم وحواء، ثم نصَّ في إتمام الخطاب على آدم وأغفل حواء
.
الفصل الثامن والعشرون: في إضافة الشيء إلى صفته
- هي من سنن العرب، إذ تقول: صلاة الأولى، ومسجد الجامع، وكتاب الكامل، وحمَّاد عَجْرَدٍ، ويوم الجمعة، وفي القرآن: {ولَدارُ الآخِرَةِ خَيرٌ}، وكما قال عزَّ ذِكره في مكان آخر: {قُلْ إنْ كانت لكمُ الدَّارُ الآخِرَةُ عِنْدَ اللهِ خالِصَةً}، وقال تعالى: {إنَّ هذا لَهوَ حَقُّ اليَقينِ}.
فأما إضافة الشيء إلى جنسه فكقولهم: خاتم فضة، وثوب حرير، وخبز شعير.
فقه اللغة وأسرار العربية
أبو منصور عبد الملك بن محمد الثعالبي ت430ه
إعداد وتقديم: محمد أبورزق
يُتبع

الفصل الرابع والعشرون: في تذكير المؤنث وتأنيث المذكَّر في الجمع



فقه اللغة وأسرار العربية
****القسم الثاني: سر العربية في مجاري كلام العرب وسننها، والاستشهاد بالقرآن على أكثرها (تابع)
الدرس الثامن
الفصل الرابع والعشرون: في تذكير المؤنث وتأنيث المذكَّر في الجمع
- هو من سنن العرب، قال تعالى: {وقال نِسْوَةٌ في المدينة}، وقال: {قالت الأعرابُ آمَنَّا}.
ـــ والمراد به قالت نسوة، وقال الأعراب ـــ
الفصل الخامس والعشرون: في حمل اللفظ على المعنى في تذكير المؤنث وتأنيث المذكر
- من سنن العرب ترك حكم ظاهر اللفظ، وحمله على معناه، كما يقولون: ثلاثةُ أنفس، والنفس مؤنثة، وإنما حملوه على معنى الإنسان أو معنى الشّخص. قال الشاعر:
[من الكامل]
ما عندنا إلا ثلاثة أنفسِ *** مِثلُ النُّجومِ تلألأتُ في الحِندِسِ.
وقال عمر بن عبد الله بن أبي ربيعة:
[من الطويل]
فكان مِجَنِّي دون ما كنتُ أتَّقي *** ثلاثُ شُخوصٍ كاعِبانِ وَمُعْصِرُ.
فحمل ذلك على أنهن نساء. وقال الأعشى:
[من النتقارب]
لِقومٍ وكانوا هُمُ المُنْفِدِينَ *** شَرابَهُمُ قَبْلَ تَنْفادِها.
فأنَّث الشراب لما كان الخمر المعني، وهي مؤنثة.
كما ذكّر الكفّ وهي مؤنثة في قوله:
أرى رجلا منهم أسيفاً كأنَّما *** يَضُمُّ إلى كَشْحَيْه كفَّاً مُخَضَّبا.
فحمل الكلام على العضو وهو مذكر.
وكما قال الآخر:
[من البسيط]
يا أيها الرَّاكب المُزجي مَطِّيته *** سائلْ بني أسدٍ ما هذهِ الصَّوتُ.
أي ما هذه الجَلَبة. 
وقال الآخر [من الطويل]:
مِنَ النَّاسِ إنسانان دَيْنِي عَليهما *** مَليئان لو شَاءَا لقد قَضَياني.
خليلَيَّ أمّا أمُّ عَمروٍ فَواحِدٌ *** وأمَّا عنِ الثاني فلا تَسلاني.
فحمل المعنى على الإنسان أو على الشخص. وفي القرآن: {وأعْتَدْنا لِمَنْ كَذَّبَ بِالساعة سَعيراً}، والسَّعير مذكر، ثمَّ قال: {إذا رَأتهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعيدٍ}، فحمله على النار فأنثه، وقال عزَّ اسمه: {فأحْيَينا بهِ بَلْدَةً ميتاً} ولم يقل ميتة لأنه حمله على المكان. وقال جلّ ثناؤه: {السَّماء مُنْفَطِرٌ بِه} فذكّر السّماء وهي مؤنثة لأنه حمل الكلام على السقف وكل ما علاك وأظلك فهو سماء، والله أعلم.
فقه اللغة وأسرار العربية
أبو منصور عبد الملك بن محمد الثعالبي ت430ه
إعداد وتقديم: محمد أبورزق
يُتبع

الأحد، 24 يونيو 2018

الفصل التاسع عشر: في الفعل يأتي بلفظ الماضي وهو مستقبل وبلفظ المستقبل وهو ماض

فقه اللغة وأسرار العربية
****القسم الثاني: سر العربية في مجاري كلام العرب وسننها، والاستشهاد بالقرآن على أكثرها (تابع)
الدرس السابع
الفصل التاسع عشر: في الفعل يأتي بلفظ الماضي وهو مستقبل وبلفظ المستقبل وهو ماض
- قال الله تعالى: {أتى أمرُ اللهِ}: أي يأتي. وقال جل ذكره: {فَلاَ صَدَّقَ وَلاَ صَلَّى}، أي لم يصدّق ولم يصلّ. وقال عزّ مِن قائل في ذكر الماضي بلفظ المستقبل: {فَلِمَ تَقتُلون أنْبياءَ اللهِ من قَبلُ} أي لِمَ قَتَلتُم؟ وقال تعالى: {واتَّبَعوا ما تَتْلوا الشَّياطينُ}، أي ما تلت. وقد تأتي كان بلفظ الماضي ومعنى المستقبل، كما قال الشاعر:
فَأدْرَكْتُ مَنْ كانَ قَبلي ولَم أدَع *** لِمن كان بَعدي في القَصائد مَصْنَعا.
أي لمن يكون بعدي. وفي القرآن: {وكان اللهُ غَفوراً رَحيماً} أي كان ويكون وهو كائن الآن جلّ ثناؤه.
الفصل العشرون: في المفعول يأتي بلفظ الفاعل
- تقول العرب: سرٌّ كاتِم، أي مكتوم. ومكان عامرٌ أي معمور. وفي القرآن: {لا عاصِمَ اليوم مِنْ أمرِ الله} أي لا مَعصوم. وقال تعالى: {خُلِقَ من ماءٍ دافِقٍ}، أي مدفوق. وقال: {عيشِةٍ راضيَة}، أي مَرضيَّة. وقال الله سبحانه: {حَرَماً آمِناً} أي مأمونا. وقال جرير:
إنَّ البَليَّة مَنْ تَمَلُّ كلامهُ *** فانقَع فُؤادكَ مِنْ حَديثِ الوامِقِ.
أي من حديث الموموق
الفصل الواحد والعشرون: في الفاعل يأتي بلفظ المفعول
- كما قال تعالى: {إنَّهُ كان وَعْدُهُ مأتِيّا} أي آتيا، وكما قال جلَّ جلاله: {حجابا مستورا} أي ساتراً.
الفصل الثاني والعشرون: في إجراء الإثنين مُجرى الجمع
- قال الشّعبي، في كلام له في مجلس عبد الملك بن مروان: رجلان جاءوني، فقال عبد الملك: لَحَنت يا شعبيّ، قال: يا أمير المؤمنين، لم ألْحَن، مع قول الله عزّ وجلّ: {هذان خَصمان اخْتَصَمُوا في ربهم}. فقال عبد الملك: لله درُكَ يا فقيهَ العراقين، قد شفيت وكفيت.
الفصل الثالث والعشرون: في إقامة الإسم والمصدر مقام الفاعل والمفعول
- تقول العرب: رجل عَدْل: أي عادل، ورِضاً: أي مَرْضِي، وبنو فلان لنا سَلْم: أي مسالمون، وحَرْب: أي محاربون. وفي القرآن: {ولكنَّ البِرَّ مَنْ آمَنَ باللهِ}، وتقديره: ولكن البِرَّ بِرُّ من آمنَ بالله، فأضمر ذكر البر وحذفه.
فقه اللغة وأسرار العربية
أبو منصور عبد الملك بن محمد الثعالبي ت430ه
إعداد وتقديم: محمد أبورزق
يُتبع

السبت، 23 يونيو 2018

الفصل الحادي عشر: في إجراء ما لا يَعقِل ولا يَفهَم من الحيوان مُجرى بني آدم

فقه اللغة وأسرار العربية
****القسم الثاني: سر العربية في مجاري كلام العرب وسننها، والاستشهاد بالقرآن على أكثرها (تابع)
الدرس الخامس
الفصل الحادي عشر: في إجراء ما لا يَعقِل ولا يَفهَم من الحيوان مُجرى بني آدم
- ذلك من سنن العرب، كما تقول: أكلوني البراغيث، وكما قال عزّ وجلّ: {يا أيُها النَّملُ ادخُلوا مَساكِنَكُمْ لا يُحَطِمَنَّكُمْ سُلَيمان وجُنودُهُ}، وكما قال سبحانه وتعالى: {والله خَلَقَ كلَّ دابَّةٍ من ماء فَمِنهُم من يَمْشي على بَطنِهِ ومنهم من يَمشي على رِجلين ومنهم من يَمشي على أرْبَع}، ويقال: إنه قال ذلك تغليبا لمن يمشي على رجلين وهم بنو آدم.
ومن سنن العرب تغليب ما يَعقِل على ما لا يعقِل ، كما يُغَلَّب المذكّر على المؤنَّث إذا اجتمعا.
الفصل الثاني عشر: في الرجوع من المخاطبة إلى الكناية، ومن الكناية إلى المخاطبة
العرب تفعل ذلك كما قال النابغة من البسط:
يا دارَ مَيَّة بالعلياء فالسَّنّدِ *** أقْوَتْ وطال عليها سالِفُ الأمَدِ.
فقال: يا دار ميَّة، ثم قال: أقْوَتْ، وكما قال الله عزّ وجلّ: {حتى إذا كنتم في الفُلكِ وجَرَينَ بهم بِريحٍ طَيّبَةٍ}، فقال: كنتم في الفلك، ثم قال: بهم، وكما قال: {الحَمدُ للهِ رَبِّ العالمينَ الرَّحمنِ الرَّحيمِ مالكِ يَومِ الدِّينِ إياكَ نَعبُدُ وإياكَ نَستَعينُ}، فرجع من الكناية إلى المخاطبة، كما رجع في الآية المُتقدمة من المخاطبة إلى الكناية..
ــ وللتوضيح أكثر حتى يستوعب القارئ الأمر جيدا نفسر ما لم يفسره الثعالبي بدقة، فقول النابغة: يا دار ميّة هذا خطاب مباشر فهو هنا يخاطب الدار، ثم قال في البيت الثاني: أقوت وطال عليها سالف الأمد. هنا رجع من المخاطبة إلى الكناية، وفي الآية الثانية قال تعالى الحمد لله رب العالمين هنا بدأ بالكناية، ثم قال : إياك نعبد وإياك نستعين هنا رجع إلى المخاطبة. والكناية هي: لفظ يعتمد على معنيين، واحدٌ ظاهرٌ غير مقصود، وآخر مخفي هو المقصود، بمعنى أن تدلّ كلمة أو جملة على شيء معيّن بشكل مباشر، ولكنها تخفي شيئاً غيره بشكل غير مباشر،ــــ
الفصل الثالث عشر: في الجمع بين شيئين اثنين ثم ذكر أحدهما في الكناية دون الآخر والمراد به كلامهما معا
- من سنن العرب أن تقول: رأيت عمراً وزيداً وسلّمت عليه، أي عليهما. قال الله عزّ وجلّ: {والذين يُكْنِزونَ الذَّهَبَ والفِضَةَ ولا يُنْفِقونَها في سبيل الله}، وتقدير الكلام: ولا ينفقونهما في سبيل الله، وقال تعالى: {وإذا رَأَوا تِجارَةً أو لهواً انْفَضُوا إليها}، وتقديره: انفضوا إليهما. وقال جلّ جلاله: {والله ورسوله أحَقُّ أن يُرضوهُ}، والمراد: أن يرضوهما.
فقه اللغة وأسرار العربية
أبو منصور عبد الملك بن محمد الثعالبي ت430ه
إعداد وتقديم: محمد أبورزق
يُتبع

قل للمليحة في الخمار الأسود

قل للمليحة في الخمار الأسود
قدم المدينة تاجر من أهل الكوفة ومعه خمر ''بضم الخاء والميم ''فباعها كلها وبقيت السود منها لا تنفق، وكان صديقا للدرامي، من مغني مكة وظرفائها، فشكا ذلك إليه، وكان قد نسك وترك الغناء و قول الشعر. فقال له لا تبتئس، فستبيعها كلها إن شاء الله، ثم رفع صوته في الناس يغني :
قل للمليحة في الخمار الأسود 
ماذا صنعت براهب متعبد
قد كان شمر للصلاة ثيابه
حتى وقفت له بباب المسجد
ردي عليه صلاته وصيامه
لا تقتليه بحق دين محمد
وذاع هذا الغناء في المدينة، وقال الناس :فتك الدرامي وعاد عن نسكه، لكنه لم يبق في المدينة مليحة إلا ابتاعت خمارا أسود، فنفد كل ما كان مع العراقي من خمر سود. وعاد الدرامي فلزم المسجد كما كان.
من كتاب ''التذكرة في قواعد اللغة العربية ''لمحمد خليل الباشا.

الأربعاء، 20 يونيو 2018

الفصل التاسع: في الحمل على اللفظ والمعنى للمجاورة


فقه اللغة وأسرار العربية
****القسم الثاني: سر العربية في مجاري كلام العرب وسننها، والاستشهاد بالقرآن على أكثرها (تابع)
الدرس الرابع
الفصل التاسع: في الحمل على اللفظ والمعنى للمجاورة
- العرب تفعل ذلك، فتقول: هذا حُجْرُ ضَبٍّ خَرِبٍ. والخرب نعت الحُجر لا نعت الضبِّ ولكن الجوار عمل عليه، كما قال امرؤ القيس:
كأن ثبيراً في عَرانين وَبلِهِ *** كبيرُ أناسٍ في بِجاد مُزَمَّلِ.
فالمُزَمَّل: نعت الشيخ لا نعت البِجاد، وحقه الرفع ولكن خفضه للجوار، وكما قال آخر:
يا ليت شَيْخَكِ قد غَدا *** مُتَقلِّدا سَيفا ورُمحا.
والرُمح لا يُتَقَلَّد، وإنما قال ذلك لمجاورته السيف. وفي القرآن: {فأَجْمِعوا أمْرَكُم وشُرَكاءَكُم} لا يقال: أجْمَعت الشُركاء وإنما يقال: جَمَعت شركائي، وأجمَعتُ أمري وإنما قال ذلك للمجاورة، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ارجِعْنَ مأزورات غيرَ مَأجورات» وأصلها مَوزورات من الوزر ولكن أجراها مجرى المَأجورات للمجاورة بينهما، وكقوله: بالغدايا والعشايا، ولا يقال: الغدايا إذا أفردت عن العشايا لأنها الغدوات، والعامة تقول: جاء البرد والأكسية، والأكسية لا تجيء ولكن للجوار حقٌ في الكلام.
الفصل العاشر: يناسبه ويقاربه
- العرب تسمي الشيء باسم غيره، إذا كان مجاورا له أو كان منه بسبب، كتسميتهم المطر بالسماء لأنه منها ينزل، وفي القرآن: {يُرْسِلِ السَّماءَ عليكُم مِدْرَارا}، أي المطر وكما قال جلَّ اسمه: {إني أراني أعصِرُ خَمرا} أي عنبا، ولا خفاء بمناسبتها، وكما يقال: عفيف الإزار، أي عفيف الفرج، في أمثال له كثيرة.
ومن سنن العرب وصف الشيء بما يقع فيه أو يكون منه كما قال تعالى: {في يومٍ عاصِفٍ} أي يوم عاصف الريح، وكما تقول: ليلٌ نائمٌ ، أي يُنام فيه وليلٌ ساهرٌ، أي يُسهر فيه.
فقه اللغة وأسرار العربية
أبو منصور عبد الملك بن محمد الثعالبي ت430ه
إعداد وتقديم: محمد أبورزق
يُتبع

الثلاثاء، 19 يونيو 2018

سلاما سلاما .

سلاما سلاما .
كان إبراهيم بن المهدي شديد الانحراف على الإمام علي، وفي ذات يوم حدث المأمون بأنه رأى عليا في المنام، قال فمشينا حتى جئنا قنطرة، فذهب يتقدمني لعبورها، فأمسكته وقلت له :إنما أنت تدعي الأمر بامرأة ونحن أحق به منك ،فما رأيت له في الجواب بلاغة كما يروى عنه.
فقال المأمون:وما ذا قال؟
قال:ما زادني على قوله سلاما سلاما. 
فقال المأمون :لقد والله أجابك أبلغ جواب فعرفك ''بتشديد الراء ''أنك جاهل وقد جاء في القرآن الكريم :''وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما ''
فخجل ابراهيم وسكت.
من كتاب ''التذكرة في قواعد اللغة العربية ''لمحمد خليل الباشا.

الاثنين، 18 يونيو 2018

إضافة الإسم إلى الفعل

فقه اللغة وأسرار العربية
****القسم الثاني: سر العربية في مجاري كلام العرب وسننها، والاستشهاد بالقرآن على أكثرها (تابع)
الدرس الثاني
الفصل الثالث: في إضافة الإسم إلى الفعل
- هي من سنن العرب، تقول: هذا عامُ يُغَاثُ الناس، وهذا يومُ يَدخُل الأمير، وفي القرآن: {ربِّ فأَنظِرْني إلى يَومِ يُبعَثون}. وقال عزَّ ذكره: {هذا يَومُ لا يَنطِقون}. وفي الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم: (إنَّ المريض لَيَخْرُجُ من مَرَضهِ كَيَومِ وَلَدَتهُ أمُّهُ).
ــ ولعل الأمر يكون غامضا على بعض القرّاء سأقوم بإعراب بعض الأمثلة حتى يتضح الأمر لأن الإمام الثعالبي لم يوضح كيفية هذه الإضافة
قال تعالى :" هذا يوْمُ لا ينْطِقوْنَ" "
هذا : إسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ
يوم : خبر مرفوع بالضمة الظاهرة وهو مضاف
لا : نافية
ينطقون فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل والجملة الفعلية " ينطقون " في محل جر بالاضافة للمضاف الذي هو " يومُ ــ " .
ونأتي بإعراب آية أخرى لم يستشهد بها الإمام الثعالبي وهي قوله تعالى:
( "قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ" )
( قال الله ) الجملة الفعلية مستأنفة (هذا يَوْمُ) هذا إسم إشارة مبتدأ ويوم خبره والجملة مقُول القولِ (يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ) ينفع فعل مضارع ومفعوله وفاعله المؤخر، والجملة في محل جر بالإضافة" للمضاف الذي هو" يومُ.
الفصل الرابع: في الكناية عما لم يجر ذكره من قبل
- العرب تقدم عليها توسعا واقتدارا واختصارا، ثقة بفهم المُخَاطَب، كما قال عزّ ذكره: {كُلُّ من عليها فانٍ} أي من على الأرض وكما قال: {حتى توارت بالحجاب} يعني الشمس، وكما قال عزَّ وجل: {كلّا إذا بَلَغَتِ التَّراقيَ} يعني الروح، فكنّى عن الأرض والشمس والروح، من غير أن أَجْرَي ذكرها.
وقال حاتم الطائي:
أماويَّ ما يُغْني الثَّراءُ عن الفَتى *** إذا حشرَجَتْ يوماً وضاقَ بها الصَّدرُ.
يعني: إذا حشرجت النفس.
وقال دِعبِل:
إن كان إبراهيم مضْطَلِعاً بها *** فَلَتَصْلُحَنْ من بَعده لِمُخارِقِ.
يعني: الخلافة، ولم يسمها فيما قبل.
وقال عبد الله بن المعتز:
وَنَدمان دعوتُ فَهَبَّ نَحوي *** وسلسَلها كما انخَرَطَ العَقيقُ.
يعني: وسلسلَ الخمر، ولم يجر ذكرها.
فقه اللغة وأسرار العربية
أبو منصور عبد الملك بن محمد الثعالبي ت430ه
إعداد وتقديم: محمد أبورزق
يُتبع

سر العربية في مجاري كلام العرب وسننها، والاستشهاد بالقرآن على أكثرها




فقه اللغة وأسرار العربية
****القسم الثاني: سر العربية في مجاري كلام العرب وسننها، والاستشهاد بالقرآن على أكثرها
الدرس الأول
الفصل الأول : في تقديم المؤخر وتأخير المقدم
- العرب تبتدئ بذكر الشيء والمقدَّم غيره، كما قال عزَّ وجلَّ: {يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين} وكما قال تعالى: {فمنكم كافر ومنكم مؤمن} وكما قال عزّ وجلَّ: {يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور} وكما قال تعالى: {وهو الذي خلق الليل والنهار} وكما قال حسان بن ثابت في ذكر بني هاشم:
بَهالِيلُ منهم جعفرٌ وابنُ أمّه *** عَلِيٌ ومنهم أحمد المُتَخَيَّرُ.
وكما قال الصَّلتان العبديّ:
فَمِلَّتنا أننا مسلمون *** على دين صدِّيقنا والنّبيْ.
الفصل الثاني: يناسبه في التقديم والتاخير
- العرب تقول: أكرَمني وأكرَمته زيد وتقديره: أكرمني زيد وأكرَمته، كما قال تعالى حكاية عن ذي القرنين: {آتوني أفرِغ عليه قِطرا} تقديره: آتوني قِطراً أفرغ عليه، وكما قال جلَّ جلاله: {الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجاً قيِّماً} وتقديره أنزل على عبده الكتاب قيِّما، ولم يجعل له عوجا، وكما قال امرؤ القيس:
ولو أن ما أسعى لأدنى معيشةٍ *** كفاني ولم أطلب قليلٌ من المال.
وتقديره: كفاني قليلٌ من المال، ولم أطلبه.
وكما قال طَرَفة:
وكَرِّي إذا نادى المضافُ مجنَّباً *** كذئبِ الغضى نَبَّهْتَهُ المُتَوَرَّدِ.
وتقديره: كذئب الغضى المتورِّدِ نبَّهتَه.
وكما قال ذو الرُّمَّة:
كأن أصواتَ من إيغالهنَّ بنا *** أواخرِ المَيْسِ أنقاضُ الفَراريجِ.
وتقديره: كأن أصوات أواخر الميس من إيغالهن بنا أنقاض الفراريج.
وكما قال أبو الطَّيب المتنبي:
حملت إليه من لساني حديقةً *** سقاها الحِجا سَقْيَ الرِّياضَ السَّحائبِ.
وتقديره: سَقْيَ السّحائبِ الرِّياضَ
فقه اللغة وأسرار العربية
أبو منصور عبد الملك بن محمد الثعالبي ت430ه
إعداد وتقديم: محمد أبورزق
يُتبع