musique

الأربعاء، 26 ديسمبر 2018

[ الإغراق ]

Mohammed Abourizq
************tag


اللغة العربية: إبداع وإمتاع وإقناع
علم البديع
دروس مهمة لكل شاعر وكاتب وأديب
الدرس السادس والثمانون (86) 
[ الإغراق ]
الإغراق أصله في الرمي، وذلك أن تجذب السهم في الوتر عند النزع حتى تستغرق جميعه بينك وبين حنية القوص، وإنما تفعل ذلك لبعد الغرض الذي ترميه،
والإغراق في الإصطلاح:إفراط وصف الشيء بالممكن البعيد وقوعه عادة، أو هو أن تدعي لشيء وصفا بالغا حد الإمكان عقلا, والاستحالة عادة.
قد تقرر في نوع المبالغة أنها إفراط وصف الشيء بالممكن القريب وقوعه عادة وهذا النوع أعني الإغراق فوق المبالغة ولكنه دون الغلو، وقلّ من فرق بينهما وغالب الناس عندهم المبالغة والإغراق والغلو نوع واحد وهنا لم يُعمل بقول الحريري: سامح أخاك إذا خلط. 
وكل من الإغراق والغلو يزداد حسنا إذا اقترن بما يقربه إلى القبول كحرف قَدْ للإحتمال ولَوْلا للإمتناع وكادَ للمقاربة وما أشبه ذلك من أنواع التقريب وليس ذلك شرطا فقد يُعدّان من المحاسن بدون هذه الأدوات.
وما وقع شيء من الإغراق والغلو في الكتاب العزيز ولا في الكلام الفصيح إلا مقرونا بما يخرجه من باب الاستحالة ويدخله في باب الإمكان مثل كاد ولَوْ وما يجري مجراهما كقوله تعالى ( يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار ) إذ لا يستحيل في العقل أن البرق يخطف الأبصار لكنه يمتنع عادة وما زاد وجه الإغراق هنا جمالا إلا تقريبه بكاد واقتران هذه الجملة بها هو الذي صرفها إلى الحقيقة فقلبت من الامتناع إلى الإمكان 
ومن شواهد تقريب نوع الإغراق بلَوْ قول زهير: 
لو كان يقعد فوق الشمس من كرم **** قوم بأولهم أو مجدهم قعدوا 
فاقتران هذه الجملة أيضا بامتناع قعود القوم فوق الشمس المستفاد بلو هو الذي أظهر بهجة شمسها في باب الإغراق 
ومما استشهدوا به على هذا النوع بغير أداة التقريب قول امرىء القيس 
تنورتها من أذرعات وأهلها **** بيثرب أدنى دارها نظر عالي 
وبين المكانين بُعدٌ تامّ فإن أذرعات من الشام والنار التي تنورها من أذرعات كانت بيثرب مدينة النبي وقد أثبتوا هذا الشاهد في باب الإغراق لأنهم قالوا لا يمتنع عقلا أن ترى النار من بعد هذه المسافة وأن لا يكون ثم حائل من جبل أو غيره من عظم جرم النار ولكن ذلك ممتنع عادة هذا إن جعلنا تنورتها نظرت إلى نارها حقيقة وأما إن جعلناه بمعنى توهمت نارها وتخيلتها في فكري فلا يكون في البيت إغراق 
وكقول عمرو بن الأيهم:
ونكرم جارنا ما دام فينا **** ونتبعه الكرامة حيث مالا
فإنه أدعى أن جاره لا يميل عنه إلى وجهة إلا وهو يتبعه الكرامة. وهذا ممكن عقلا, مستحيل عادة.
ومثله قول أبي الطيب المتنبي في صباه 
روح تردد في مثل الخلال إذا **** أطارت الريح عنه الثوب لم يبن 
كفى بجسمي نحولا أنني رجل **** لولا مخاطبتي إياك لم ترني 
وقالوا هنا لا يمتنع عقلا أن ينحل الشخص حتى يصير مثل الخلال ولا يستدل عليه إلا بالكلام إذ الشيء الدقيق إذا كان بعيدا لا يرى بخلاف الصوت ولكن صيرورة الشخص في النحول إلى مثل هذه الحال ممتنع عادة.
والشيخ شرف الدين عمر بن الفارض ضم خصر هذا المعنى الرقيق ورشحه بنفائس العقود حيث قال 
كأني هلال الشك لولا تأوهي **** خفيت فلم تهد العيون لرؤيتي 
وإذا قابلنا نحول المتنبي بهلال الشك الذي أبرزه ابن الفارض لم تبعد المقارنة لكن من قابل قول المتنبي انني رجل لولا مخاطبتي بقول الشيخ شرف الدين ابن الفارض في بيته كأني هلال الشك لولا تأوهي لا بد أن يقابله الله على ذلك وأين لطف لولا تأوهي من ثقل لولا مخاطبتي فالفرق بين خطاب الرجل وتأوه هلال الشك لا يخفى على حذاق أهل الأدب
وقد تفنن الشعراء في المبالغة في النحول, فمن ذلك قول الآخر:
ها فانظروني سقيما بعد فرقتكم **** لو لم أقل ها أنا للناس لم أبن
لو أن إبرة رفاء أكلفها **** جريت في ثقبها من دقة البدن
والبيت الثاني من الغلو.
وقول نصر السفاقسي والبيت الأول من الغلو, والثاني من الإغراق:
أذابه الحب لو تمثله **** بالوهم خلق لأعياهم توهمه
لولا الأنين ولوعات تحركه **** لم يدره بعيان من يكلم
ومنه قول بعضهم 
قد سمعتم أنينه من بعيد **** فاطلبوا الشخص حيث كان الأنين 
ورد هذا المعنى الذي حصلت فيه المواردة على أن الشخص لا يرى لشدة نحوله إلا بأنين أو تأوه
ومما استشهدوا به على نوع الإغراق بلَوْ التي يمكن الإغراق بها عقلا ويمتنع عادة قول القائل
( ولو أن ما بي من جوى وصبابة **** على جمل لم يبق في النار كافر )
يريد أنه لو كان ما به من الحب بجمل لنحل حتى يدخل في سم الخياط وذلك لا يستحيل عقلا إذ القدرة قابلة لذلك لكنه ممتنع عادة وهذا غاية في الإغراق
ومنه قول النّظّام:
توهمه طرفي فآلم خده **** فصار مكان الوهم من نظري أثر
وصافحه كفي فآلم كفه **** فمن صفح كفي في أنامله عقر
ومر بذكري خاطرا فجرجته **** ولم أر خلقا قط يجرحه الفكر
ومن الإغراق في المدح قول الحسين بن مطير:
له يوم بؤس فيه للناس أبؤس **** ويوم نعيم فيه للناس انعم
فيمطر يوم الجود من كفه الندى **** ويقطر يوم البؤس من كفه الدم
فلو أن يوم البؤس لم يثن كفه **** عن الناس لم يصبح على الأرض مجرم
ولو أن يوم الجود فرغ كفه **** لبذل الندى لم يبق في الأرض معدم
وقال المجنون في ذلك:
إلا إنما غادرت يا أم مالك **** صدى أينما تذهب به الريح يذهب
وقال بشار بن برد:
في حلتي جسم فتى ناحل **** لو هبت الريح به طاحا
حدث علي بن الصباح على بعض الكوفيين قال: مررت ببشار وهو منبطح في دهليزه كأنه جاموس, فقلت له: يا أبا معاذ من الذي يقول (في حلتي جسم فتى ناحل) البيت؟ قال: أنا, فقلت: فما حملك على هذا الكذب؟ والله إني لا أرى أن الله لو بعث الرياح التي أهلك بها الأمم الخالية ما حركتك من موضعك. فقال بشار من أين؟ قلت من أهل الكوفة, فقال: يا أهل الكوفة لا تدعون ثقلكم ومقتكم على كل حال.
وقال أحمد بن عبد ربه:
سبيل الحب أوله اغترار **** وآخره هموم وادّكار
وتلقى العاشقين لهم جسوم **** براها الشوق لو نفخوا لطاروا
ومنه قول ربيعة الرقية للعباس بن محمد:
إن المكارم لم تزل معقولة **** حتى حللت براحتيك عقالها
العود يرطب إن مسست لحاءه **** والأرض تعشب أن وطئت رمالها
وقول ابن الرومي:
أيامنا غدوات كلها بكم **** خلالهن ليال مثل أسحار
لكم خلائق لو تحظى السماء بها **** لما ألاحت نجوما غير أقمار
وقوله أيضاً:
تغنون عن كل تقريظ بفضلكم **** غنى الظباء عن التكحيل بالكحل
تلوح في دولة الإسلام دولتكم **** كأنها ملة الإسلام في الملل
وقول أبي تمام من قصيدة يمدح بها عبد الله بن الطاهر:
فنول حتى لم يجد من ينيله **** وحارب حتى لم يجد من يحاربه
وقوله في قصيدة المأمون:
الله أكبر جاء أكبر من جرت **** فتحيرت في كنه الأوهام
من لا يحيط الواصفون بقدره **** حتى يقولوا قدره إلهام
من شرد الإعدام عن أوطانه **** بالبذل حتى استطرف الإعدام
وتكفل الأيتام عن آبائهم **** حتى وددنا أننا أيتام
وقوله من أخرى في المعتصم:
تعود بسط الكف حتى لو أنه **** ثناها لقبض لم تطعه أنامله
ولو لم يكن في كفه غير نفسه **** لجاد بها فليتق الله سائله
وقول الشريف الرضي في النسيب:
ولو نفضت تلك الثنيات بردها **** على الصبر الممرور كان يطيب
وقول أن نباته السعدي في فرس:
لا تعلق الألحاظ في أعطافه **** إلا إذا كفكفت من غلوائه
وقول النظام في معنى ما تقدم له آنفا:
ظبي بدا يأنس الأنس **** يجرح اللحظ وباللمس
تحار عين الشمس في وجهه **** كما تحار العين في الشمس
لو صاح بالميت على غفلة **** أجابه الميت من الرمس
والإغراق هو في البيت الأخير
وقوله أيضا:
رق فلو بزت سراويله **** علق بالجو من اللطف
يجرحه اللحظ بتكراره **** ويشتكي الإيماء بالطرف
ودون هذا الإغراق قول بعضهم:
محجوبة سمعت صوتي فأرقها **** في آخر الليل لما ظلها السحر
تثني على جيدها ثنتي معصفرة **** والحلي منها على لبانها خصر
في ليلة النصف لا يدري مضاجعها **** أوجهها عنده أبهى أم القمر
لو خليت لمشت نحوي على قدم **** تكاد من رقة للمشي تنفطر
والإغراق جاء في البيت الأخير
المصادر:
كتاب البديع في البديع لابن المعتز ت247ه
العمدة في محاسن الشعر لابن رشيق القيرواني ت390ه
زهر الآداب للحصري القيرواني ت453ه
خزانة الأدب لابن حجة الحموي ت837ه
أنوار الربيع في أنواع البديع لابن معصوم الحسني ت1119ه
جمع وإعداد وتقديم: محمد أبورزق
يُتبع

الجمعة، 21 ديسمبر 2018

[ النوادر ]

اللغة العربية: إبداع وإمتاع وإقناع
علم البديع
دروس مهمة لكل شاعر وكاتب وأديب
الدرس الرابع والثمانون (84)
[ النوادر ]
النوادر: جمع نادرة. قال الجوهري: ندر الشيء يندر ندرا: إذا شذ, ومنه النوادر. وفي القاموس: نوادر الكلام: ما شذ وخرج من الجمهور.
وسماه قوم الإغراب والطرفة وهو أن يأتي الشاعر بمعنى يستغرب لقلة استعماله لا لأنه لم يسمع بمثله وهذا مما اختاره قدامة بن جعفر دون غيره حيث قال : هو أن يأتي الشاعر بمعنى غريب لقلته في الكلام, لأنه لم يسمع مثله, كالورد, وغيره إذا جاء في غير وقته سمي طريفا نادرا, لأنه لم ير مثله.
ولكن غالب علماء البديع اختاروا غير رأي قدامة في هذا النوع فإنهم قالوا لا يكون المعنى غريبا إلا إذا لم يسمع بمثله
وأورد زكي الدين ابن أبي الأصبع في كتابه المسمى بتحرير التحبير لنوع النوادر حدا أقرب إليه من اختيار قدامة وأبلغ وأوقع في النفوس وهو أن يعمد الشاعر إلى معنى مشهور ليس بغريب في بابه فيغرب فيه بزيادة لم تقع لغيره ليصير بها ذلك المعنى المشهور غريبا وينفرد به دون كل من نطق به وبيان ذلك أن تشبيه الحسان بالشمس والبدر مبذول معروف قد ذهبت طلاوته لكثرة ابتذاله.
وكان سابق المتقدمين وقبلة المتأخرين القاضي الفاضل أنفت نفسه من المثابرة على هذا الابتذال وكثرة تشبيه الحسان بالبدور فقال
تراءى ومرآة السماء صقيلة **** فأثر فيها وجهه صورة البدر
فان تشبيه الوجه الحسن بالبدر معنى مشهور مبتذل, لكنه تصرف فيه التصرف الذي جعله غريبا نادرا فقد جعل السماء مثل المرآة وجعل وجه محبوبه حين ظهر كأنه البدر أطلّ منها.
وكقول المتنبي:
يطمع الطير فيهم طول أكلهم **** حتى تكاد على هاماتهم تقع
ومنه قول القائل
عرض المشيب بعارضيه فأعرضوا **** وتقوضت خيم الشباب فقوضوا
ولقد سمعت وما سمعت بمثله **** بينَ غرابِ البيْنِ فيه أبيض
ومثل ذلك حتى يزداد نوع النوادر إيضاحا قول أبي نواس
هبت لنا ريح شمالية **** متّتْ إلى القلب بأسباب
أدت رسالات الهوى بيننا ****عرفتها من بين أصحابي
فقوله عرفتها من بين أصحابي نادرة لم يسبق إليها
وقد جاراه مجير الدين الخياط في بديع هذا النوع ونادرة هذ المعنى بقوله:
يا نسيم الصبا الولوع بوجدي **** حبذا أنت لو مررت بهند
ولقد رابني شذاك فبالله **** متى عهده بأطلال نجد
بين ولقد رابني شذاك في بيت مجير الدين وبين عرفتها من بين أصحابي معرك ذوقي ما يدركه إلا من صفت مرآة ذوقه في علم الأدب، والنادرتين يتجمل بهما هذا النوع
ومثله قول القائل:
ويد الشمال عشية مذ أرعشت **** دلت على ضعف النسيم بخطها
كتبت سقيما في صحيفة جدول **** فيد الغمامة صححته بنقطها
النوادر في هذين البيتين لم يحتج برهانها إلى إقامة دليل وقد فهمت الزيادات في غرابة المعاني المبتذلة
ومثله من لطف النسيم ونوادر النوع قول القائل
هبت صبا من قاسيون فسكنت **** بهبوبها وصب الفؤاد البالي
خاضت مياه النيرين عشية **** وأتتك وهي بليلة الأذيال
وقول ناصر الدين بن المشد
مسكية الأنفاس تملي الصبا **** عنها حديثا قط لم يملل
جننت لما أن سرى عرفها **** وما نرى من جن بالمندل
وألطف منه وأكثر نوادر قول بدر الدين حسن الغزي الشهير بالزغاري
سرت من بعيد الدار لي نسمة الصبا **** وقد أصبحت حسرى من السير ضائعه
ومن عرق مبلولة الجيب بالندى **** ومن تعب أنفاسها متتابعه
ومن العجائب في هذا النوع
حبذا ليلة رأيت دجاها **** زاهيا عطفه بحلة فجر
بشرت باللقاء وهي غراب **** ونفى الفجر حسنها وهي قمري
ومن النوادر اللطيفة في هذا الباب قول علاء الدين الجويني صاحب الديوان ببغداد من دو بيت
مذ صار مبيتنا بضوء القمر **** والحب نديمنا وصوت الوتر
نادى بفراقنا نسيم سحرا **** ما أبرد ما جاءت نسيم السحر
ومثل ذلك قول أبي الفتح البستني:
أرأيت ما قد قال لي بدر الدجى **** لما رأى طرفي يديم سهودا
حتام ترمقني بطرف ساهر **** أقصر فلست حبيبك المفقودا
وقول الآخر:
نظر الصباح إلى صفاء جبينه **** فتعلقت أنفاسه الصعداء
والليل فكر في سواد فروعه **** فتشبثت بمزاجه السوداء
وقول ابن معصوم الحسني:
سقى صوب الغمام عريش كرم **** جنينا من جناه العذب أنسا
وأمسى عاصر العنقود فيه **** يكسر أنجما ويصوغ شمسا
وقوله أيضاً:
يا سحب نيسان روي الكرم عن كرم **** ففي الحباب غنى عن لؤلؤ الصدف
المصادر:
كتاب البديع في البديع لابن المعتز ت247ه
العمدة في محاسن الشعر لابن رشيق القيرواني ت390ه
خزانة الأدب لابن حجة الحموي ت837ه
أنوار الربيع في أنواع البديع لابن معصوم الحسني ت1119ه
جمع وإعداد وتقديم: محمد أبورزق
يُتبع

الأحد، 16 ديسمبر 2018

[ الإنسجام ]

اللغة العربية: إبداع وإمتاع وإقناع
علم البديع
دروس مهمة لكل شاعر وكاتب وأديب
الدرس الثاني والثمانون (82)
[ الإنسجام ]
الجزء الأول
الإنسجام في اللغة: الإنصباب.
وفي الإصطلاح: أن يكون الكلام عذب الألفاظ, سهل التركيب؛ حسن السبك, خالياً من التكلف والعقادة؛ يكاد يسيل من رقته؛ وينحدر انحدار الماء في انسجامه, لا يتكلف فيه بشيء من أنواع البديع إلا ما جاء عفواً من غير قصد.
وإذا قوي الإنسجام في النثر جاءت فقراته موزونة من غير قصد, كما وقع في كثير من آيات القرآن العظيم, حتى وقع فيه من جميع البحور المشهورة أبيات, وأشطار أبيات.
وهو على قسمين: الإنسجام في النثر، والإنسجام في الشعر
1) الإنسجام في النثر
فمنه ما جاء في القرآن الكريم عفوا من غير قصد
فمن بحر الطويل, من صحيحه قوله تعالى: "فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر".
ومن مخرومه ويسمى الأثلم قوله تعالى: "منها خلقناكم وفيها نعيدكم".
ومن بحر المديد قوله تعالى: "واصنع الفلك بأعيننا" وتفعليه: فاعلاتن فعلن فعلن.
ومن بحر البسيط قوله تعالى: "ليقضي الله أمراً كان مفعولاً". ومثله "فأصبحوا لا ترى إلا مساكنهم".
ومن بحر الوافر وهو بيت تام، قوله تعالى: "ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قومٍ مؤمنين" ومنه "ويعلم ما جرحتم بالنهار".
ومن بحر الكامل من مخرومه قوله تعالى: "سيعلمون غداً من الكذاب". ومنه "والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم".
ومن بحر الهزج قوله تعالى: " تالله لقد آثرك الله علينا". ومثله ألقوه على وجه أبي يأت بصيراً" ".
ومن بحر الرجز قوله تعالى: "دانيةً عليهم ظلالها وذلِلت قطوفها تذليلاً، ومنه "فعميت عليهم الأنباء"".
ومن بحر الرمل قوله تعالى: "قتل الإنسان ما أكفره". ومنه "بدت البغضاء من أفواههم". ومن مجزوئه "وجِفان كالجواب وقدور راسيات". ونظيره "أوتيتْ من كل شيء ولها عرش عظيم". ومثله ووضعنا عنك وزرك الذي أنقض ظهرك"".
ومن بحر السريع قوله تعالى: "واصبر وما صبرك إلا بالله". ومثله "ألا إلى الله تصير الأمور". ومثله "ذلك تقدير العزيز العليم" ومنه "أو كالذي مرّ على قريةٍ".
ومن بحر المنسرح قوله تعالى: "إنا خلقنا الإنسان من نطفة" وتفعليه: مستفعلن مفعولات مستفعلن.
ومن بحر الخفيف قوله تعالى: "لا يكادون يفقهون حديثا". ومنه " أرأيت الذي يكذب بالدين"
ومن بحر المضارع من مخرومه قوله تعالى "يوم التناد. يوم تولون مدبرين". وتفعيله: مفعول فاعلات مفاعيل فاعلاتن.
ومن بحر المقتضب قوله تعالى: "في قلوبهن مرض". وتفعليه: فاعلات مفتعلن.
ومن بحر المجتث قوله تعالى: "نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم".
ومن بحر المتقارب قوله تعالى: "ولا تبخسوا الناس أشياءهم".
ومنه "وأملي لهم إن كيدي متين".
ومن بحر المتدارك "أم تأمرهم أحلامهم" وتفعليه: فعلن فعلن فعلن فعلن. وهذا البحر لم يذكره الخليل, واستدركه الأخفش والمحدثون فسمي متداركاً, ومحدثا, ومخترعا؛ ويسميه أهل الأندلس مشي البريد.
ومن بحر الدوبيت وهو المسمى عند العجم الرباعي, والترانة, وهو بحر مخترع مستحدث لطيف، قوله تعالى "إن كان الله يريد أن يغويكم" ومثله "ما كان عليهم من سلطان". وقد أكثر المتأخرون من العرب والعجم من النظم على هذا البحر لعذوبته, وسلاسته. وزعم بعضهم أنه مأخوذ من الكامل بطريقة متكلفة, وبعضهم أوصل أوزانه إلى عشرة آلاف.
ومن بحر المواليا وهو مشهور عند المتأخرين, وأصله من البسيط ، قوله تعالى: "والطير محشورة كل له أواب". ومنه "لو كنت فظاً غليظ القلب لا نفضوا".
وسبب تسميته بالمواليا, ما يحكى من أن الرشيد لما قتل جعفر البرمكي أمر أن لا يرثى بشعر, فرثته جارية له بهذا الوزن, حيث لم يكن من الشعر المعروف, وهي تندب وتقول: يا مواليا, فسمي بذلك.
ويقال: أن أول بيت قالته في هذا الوزن هذا البيت:
يا دار أين ملوك الأرض أين الفرس **** أين الذي قد حموك بالقنا والترس.
قالت تراهم رمم تحت الأراضي درس **** سكوت بعد فصاحة السنتهم خرس
ويستعذب في هذا الوزن اللحن, وكونه ملحوناً أحسن من كونه معرباً.
وإذا تأملت اشتمال القرآن العظيم على جميع أوزان هذه البحور المذكورة, بل وعلى غيرها مما لم نذكره علمت أن ذلك كله مندرج تحت قوله - علت كلمته وعظمت قدرته - : "ما فرّطنا في الكتاب من شيء". سبحانه "لا إله إلا هو إليه المصير".
ومن النثر المسجم الذي جاء موزوناً من غير قصد لقوة الإنسجام, قوله صلى الله عليه وآله وسلم:
أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب
ومنه قول إبراهيم بن العباس الصولي الشاعر المشهور فيما كتبه عن الخليفة إلى بعض البغاة الخارجين يتهددهم ويتوعدهم: أما بعد فإن لأمير المؤمنين أناة, فإن لم تغن عقب بعدها وعيداً, فإن لم يغن أغنت عزائمه والسلام. فإن هذا النثر مع وجازته وإبداعه في غاية الانسجام.
وينشأ منه بيت شعر وهو:
أناة فان لم تغن عقّب بَعدَها **** وعيداً فإن لم يغن أغنت عزائمه
المصادر:
كتاب البديع في البديع لابن المعتز ت247ه
العمدة في محاسن الشعر لابن رشيق القيرواني ت390ه
خزانة الأدب لابن حجة الحموي ت837ه
أنوار الربيع في أنواع البديع لابن معصوم الحسني ت1119ه
جمع وإعداد وتقديم: محمد أبورزق
يُتبع

الخميس، 13 ديسمبر 2018

[التلميح]

Mohammed Abourizq
***********tag
اللغة العربية: إبداع وإمتاع وإقناع
علم البديع
دروس مهمة لكل شاعر وكاتب وأديب
الدرس الواحد والثمانون (81)
[التلميح]
التلميح - قال العلامة التفتازاني في شرح التلخيص: هو من لمحه, إذا أبصره ونظر إليه. وكثيرا ما تسمعهم يقولون في تفسير الأبيات: في هذا البيت تلميح إلى قول فلان, وقد لمح هذا البيت فلان إلى غير ذلك من العبارات
وهو في الإصطلاح: أن يُشار في الكلام إلى آيٍ من القرآن, أو حديث مشهور, أو شعر مشهور أو مثل سائر, أو قصة, من ذكر شيء من ذلك صريحا. وأحسنه وأبلغه, ما حصل به زيادة في المعنى المقصود.
قال الطيبي في التبيان: ومنه قوله تعالى: (ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض وآتينا داود زبورا) . وقال جار الله الزمخشري: قوله: وآتينا داود زبورا, دلالة على تفضيل محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهو خاتم الأنبياء وأن أمته خير الأمم, لأن ذلك مكتوب في الزبور. قال تعالى (ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون) , وقال: وهو محمد صلى الله عليه وآله وأمته.
ولنرتب شواهد هذا النوع على فصول:.
ـــ الفصل الأول: فيما وقع التلميح فيه إلى آية من القرآن:
فمنه قول نصر بن أحمد الخُبزُ أَرْزي ـ وهي كنيته ـ:
أستودع الله أحبابا فُجعت بهم **** بانوا وما زادوني غير تعذيب
بانوا ولم يقض زيد منهم وطرا **** ولا انقضت حاجة في نفس يعقوب
لمح في المصراع الأول إلى قوله تعالى (فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها) , وفي الثاني قوله تعالى (إلا حاجة في نفس يعقوب قضاها) .
ولمح إلى الآية الأولى البهاء زهير في مطلع قصيدة له فقال:
لم يقض زيدكم من حبكم وطره **** ولا قضى ليله من حبكم سمره
يا صارفي القلب إلا عن مودتهم **** وسالبي الطرف إلا عن نظرهم
ولمح في الثانية أيضاً الشريف الرضي في قوله:
وحاجة أتقاضاه وتمطلني **** كأنها حاجة في نفس يعقوب
ومنه قول بعضهم:
ما في الصحاب وقد سارت حمولهم **** إلا محب له في الركب محبوب
كأنما يوسف في كل راحلة **** والحي في كل بيت منه يعقوب
يشير إلى ما قصّهُ سبحانه في القرآن العظيم من أمر يوسف. وحَرَض يعقوب عليهما السلام.
ومن بديع هذا النوع قول أبي نصر محمد الأصبهاني في ذم مملوك له:
بُليتُ بمملوك إذا ما بعثته **** لأمر أعيرت رجله مشية النمل
بليد كأن الله خالقنا عنى **** به المثل المضروب في سورة النحل
يشير إلى قوله تعالى (وضرب الله مثلاً رجلين أحدهما أبكم ولا يقدر على شيء وهو كل على مولاه أينما يوجهه لا يأت بخير) الآية.
ومنه قول الباخرزي يمدح جعفر بن داود:
والله لولا حسن نيته لما **** لقي الشقاء ببأسه مسعود
كان الحديد فلانَ يوم لقائه **** حتى تحقق أنه داوود
يشير إلى قوله تعالى في داود (وألنا له الحديد)
وجمع النفيس القطرسي بين التلميح إلى القرآن والشعر في قوله:
يُسرّ بالعيد أقوام لهم سعة **** من الثراء وأما المقترون فلا
هل سرني وثيابي فيه قوم سبا **** أو راقني وعلى رأسي به ابن جلا
يشير إلى قوله تعالى عن قوم سبا (ومزقناهم كل ممزق) .
وإلى قول الشاعر:
أنا ابن جلا وطلاع الثنايا **** متى أضع العمامة تعرفوني
ــ الفصل الثاني فيما وقع التلميح فيه إلى حديث مشهور فمن ذلك قول بعضهم مع التورية:
يا بدر أهلك جاروا **** وعلموك التجري
وقبحوا لك وصلي **** وحسنوا لك هجري
فيفعلوا ما أرادوا **** لأنهم أهل بدر
يشير إلى قوله عليه السلام لعمر حين سأله قتلَ حاطب: لعل الله قد أطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم.
وما أحسن ما لمح إلى هذا الحديث أيضاً الشيخ عمر بن الفارض بقوله مع التورية:
لِيَهُن ركب سروا ليلا وأنت بهم **** مسيرهم في صباح منك منبلج
فليصنع الركب ما شاؤا بأنفسهم **** هم أهل بدر فلا يخشون من حرج
ـــ الفصل الثالث: في ما وقع فيه التلميح إلى شعر مشهور.
ومن ذلك قول الشاعر
لَعَمْرٌو مع الرمضاء والنار تلتظي **** أرق وأحنى منك في ساعة الهجر
هذا الشاعر أشار بتلميحه في هذا البيت إلى البيت المشهور الذي ما
برح الناس يتمثلون به عند من هو موصوف بالقسوة وهو
المستجير بعمرو عند كرمته **** كالمستجير من الرمضاء بالنار
ومن لطائف التلميح قصة الهذلي مع منصور بني العباس فإنه حكي أن المنصور وعد الهذلي بجائزة ونسي فحَجّا معا ومرا في المدينة النبوية ببيت عاتكة فقال الهذلي يا أمير المؤمنين هذا بيت عاتكة التي يقول فيها الأحوص
يا بيت عاتكة التي أتغزل **** حذر العدا وبه الفؤاد موكل
فأنكر عليه أمير المؤمنين لأنه تكلم من غير أن يسأل
فلما رجع الخليفة نظر في القصيدة إلى آخرها ليعلم ما أراد الهذلي بإنشاد ذلك البيت من غير استدعاء فإذا فيها
وأراك تفعل ما تقول وبعضهم **** مذق اللسان يقول ما لا يفعل
فعلم أنه أشار إلى هذا البيت بتلميحه الغريب فتذكر ما وعده به وأنجزه له واعتذر إليه من النسيان
ومثله ما حكي أن أبا العلاء المعري كان يتعصب للمتنبي فحضر يوما مجلس الشريف المرتضى فجرى ذكر أبي الطيب فهضم المرتضى من جانبه فقال أبو العلاء لو لم يكن له من الشعر إلا قوله لك يا منازل في القلوب منازل لكفاه
فغضب المرتضى وأمر به فسحب وأخرج وبعد إخراجه قال المرتضى هل تدرون ما عنى بذكر البيت فقالوا لا والله فقال عنى به قول أبي الطيب في القصيدة
وإذا أتتك مذمتي من ناقص **** فهي الشهادة لي بأني كامل
وألطف من هذا ما حكاه ابن الجوزي في كتاب الأذكياء فإنه من غرائب التلميح
قال قعد رجل على جسر بغداد فأقبلت امرأة بارعة في الجمال من جهة الرصافة إلى الجانب الغربي فاستقبلها شاب فقال لها رحم الله علي بن الجهم
فقالت له رحم الله أبا العلاء المعري
وما وقفا بل سارا مغربا ومشرقا
قال الرجل فتبعت المرأة فقلت لها والله إن لم تقولي لي ما أراد بابن الجهم فضحتك، قالت أراد به:
عيون المها بين الرصافة والجسر **** جلبن الهوى من حيث أدري ولا أدري
وأردت أنا بأبي العلاء قوله
فيا دارها بالخيف إن مزارها **** قريب ولكن دون ذلك أهوال
ـــ الفصل الرابع فيما وقع فيه التلميح إلى مثل.
فمنه قول كعب بن زهير:
كانت مواعيد عرقوب لها مثلا **** وما مواعيدها إلا الأباطيل
يشير إلى المثل المشهور (أخلف من عرقوب) وهو رجل من العمالقة, وهو عرقوب بن زهي, أحد بني شمس بن ثعلبة, أو عرقوب بن صخر, على خلاف في ذلك. وكان من خبره أنه وعد أخا له ثمرة نخلة, وقال له: ائتني إذا طلع النخل, فلما أطلع قال: إذا أبلح قال: إذا أزهى (فلما أزهى) قال: إذا رطب قال: إذا أتمر, فلما أتمر جذه ليلا ولم يعطه شيئا.
ومنه قول المتلمس:
لذي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا **** وما علم الإنسان إلا ليعلما
يشير إلى المثل (إن العصا قرعت لذي الحلم) يضرب لمن إذا تنبه انتبه.
وذو الحلم هو عامر بن الظرب العدواني كان من حكماء العرب لا يعدل بفهمه فهما, ولا بحكمه حكما. فلما طعن في السن أنكر من عقله شيئاً فقال لبنيه: أنه قد كبرت سني, وعرض لي سهو فإذا رأيتموني خرجت من كلامي وأخذت في غيره فاقرعوا لي المحجن بالعصا. يقال: أنه عاش ثلاثمائة سنة.
ومنه قول أبي العلاء المعري:
إذا وَصفَ الطائيَ بالبخلِ مادرٌ **** وعَيّرَ قُسّا بالفهاهة بَاقِل
وقال السها للشمس أنت خفية **** وقال الدجى للصبح لونك حائل
وطاولت الأرض السماء سفاهة **** وفاخرت الشهب الحصى والجنادل
فيا موت زر أن الحياة ذميمة **** ويا نفس جدي أن دهرك هازل
فلمح في البيت الأول إلى أربعة أمثال. فإن الطائي وهو حاتم ويضرب به المثل في الجود, فيقال: أجود من حاتم. وقسا يضرب به المثل في البلاغة فيقال: أبلغ من قس. ومادرا يضرب به المثل في البخل, فيقال: أبخل من مادر. وباقلا يضرب به المثل في العي, فيقال: أعيا من باقل.
ومنه قول بعضهم:
عش بجد ولا يضرك نوك **** إنما عيش من ترى بالجدود
عش بجد وكن هبنقة القي **** سي نوكا أو شيبة بن الوليد
يشير إلى حمق هبنقة المضرب به المثل واسمه يزيد بن ثروان, ويلقب بذي الودعات, أحد بني قيس بني ثعلبة, وبلغ من حمقه أنه ضلّ له بعير فجعل ينادي: من وجد بعيري فهو له, فقيل له: فلم تنشده؟ قال: فأين حلاوة الوجدان؟.
والنّوْك: هو الحُمق
والنوكي: الأحمق
المصادر:
كتاب البديع في البديع لابن المعتز ت247ه
العمدة في محاسن الشعر لابن رشيق القيرواني ت390ه
خزانة الأدب لابن حجة الحموي ت837ه
أنوار الربيع في أنواع البديع لابن معصوم الحسني ت1119ه
جمع وإعداد وتقديم: محمد أبورزق
يُتبع

الثلاثاء، 11 ديسمبر 2018

أقسام التشبيه

اللغة العربية: إبداع وإمتاع وإقناع
علم البديع
دروس مهمة لكل شاعر وكاتب وأديب
الدرس الثمانون (80)
[ التشبيه ] (تابع)
الجزء السابع
أقسام التشبيه
مع خاتمة في محسنات التشبيه من الشعر العربي
ينقسم التشبيه إلى أربعة أقسام:
1) تقسيمه باعتبار طرفيه 2) تقسيمه باعتبار الوجه 3) تقسيمه باعتبار الغرض 4) تقسيمه باعتبار الأداة.
أولا تقسيمه باعتبار طرفيه: وهو أربعة أقسام:
الأول - تشبيه المفرد بالمفرد.
وهما غير مقيّدين, كتشبيه الخد بالورد.
أو مقيّدان كقولهم: هو الرّاقم على الماء, فإن المشبه هو الساعي المقيد بان لا يحصل من سعيه على شيء, والمشبه به هو الراقم المقيد بكون رقمه على الماء, لأن وجه الشبه فيه هو التسوية بين الفعل وعدمه, وهو موقوف على اعتبار هذين القيدين.
أو مختلفان, أي أحدهما غير مقيد والآخر مقيد, كقوله: والشمس كالمِرآة في كف الأشل, فإن المشبه وهو الشمس غير مقيد, والمشبه به وهو المرآة مقيد بكونه في كف الأشل, وعكسه كتشبيه المرآة في كف الأشل بالشمس.
الثاني :- تشبيه المركب بالمركب.
وهو ما طرفاه كثرتان مجتمعان, كما في قول البحتري:
ترى أحجاله يصعدن فيه **** صعود البرق في الغيم الجهام
لا يريد به تشبيه بياض الحجول على الانفراد بالبرق, بل مقصوده الهيئة الخاصة الحاصلة من مخالفة أحد اللونين بالآخر, ومنه بيت بشار السابق ذكره.
الثالث: - تشبيه المفرد بالمركب.
كقول الشاعر في تشبيه الشقيق بأعلام ياقوت منشورة على رماح
من زبرجد:
كأن محمر الشقيق **** إذا تصوب أو تصعد
أعلام ياقوت نُشِرْ **** نَ على رماح من زبرجد
وقد مرّ شرحه في الفصل الأول
الرابع: - تشبيه المركب بالمفرد.
كقول أبي تمام:
يا صاحبي تقصيا نظريكما **** تريا وجوه الأرض كيف تصور
تريا نهارا مشمسا قد شابه **** زهر الربى فكأنما هو مقمر
شبه النهار المشمس الذي اختلط به أزهار الربوات, فنقصت باخضرارها من ضوء الشمس حتى صارت تضرب إلى السواد, بالليل المقمر, فالمشبه مركب, والمشبه به مفرد.
وأيضا إن تعدد طرفاه فهو إما ملفوف أو مفروق، فالملفوف أن يؤتى على طريق العطف أو غيره بالمشبهات أولا, ثم بالمشبه به.
كقول امرئ القيس:
كأن قلوب الطير رطبا ويابسا **** لدى وكرها العناب والحشف البالي
والمفروق أن يؤتى بمشبه ومشبه به, ثم آخر وآخر.
كقول ابن سكرة:
الخد ورد والصدغ غالية **** والريق خمر والثغر من برد
وإن تعدد طرفه الأول (أعني المشبه) دون الثاني سمي تشبيه التسوية.
كقول الآخر:
صدغ الحبيب وحالي **** كلاهما كاليالي
وثغره في صفاء **** وأدمعي كاللآلي
وإن تعدد طرفه الثاني -أعني المشبه به- دون الأول, سمي تشبيه الجمع.
كقول الصاحب بن عباد:
أتتني بالأمس أبياته **** تعلل روحي بروح الجنان
كبرد الشباب وبرد الشراب **** وظل الأمان ونيل الأماني
وعهد الصبا ونسيم الصبا **** وصفو الدنان ورجع القيان
ثانيا: تقسيمه باعتبار وجهه
فهو: إما تمثيل, وإما مجمل أو مفصل, وإما قريب أو بعيد.
فالتمثيل: ما وجهه وصفٌ منتزعٌ من متعدد أمرين, أو أمور, كما مر من تشبيه الثريا, والتشبيه في بيت بشار, وتشبيه الشمس بالبوتقة المحماة, وتشبيهها بالمرآة في كف الأشل, إلى غير ذلك, وغير التمثيل ما كان بخلاف ذلك كما سبق في الأمثلة المذكورة.
كقول أبي بكر الخالدي:
يا شبيه البدر حسنا **** وضياء ومنالا
وشبه الغصن لينا **** وقواما واعتدالا
أنت مثل الورد لونا **** ونسيما وملالا
زارنا حتى إذا ما **** سرنا بالقرب زالا
والقريب: هو الذي ينتقل فيه من المشبه إلى المشبه به من غير تدقيق نظر لظهور وجهه.
والبعيد بخلافه, وقد سبق بيانهما في الفصل الرابع.
ثالثا تقسيمه باعتبار الغرض
فهو: إما مقبول أو مردود, وقد مر بيان ذلك في الأحوال.
رابعا تقسيمه باعتبار الأداة
فهو: إما مؤكد أو مرسل.
فالمؤكد: ما حذفت أداته كقوله تعالى "وهي تمر مر السحاب".
وقول الحماسي:
هم البحور عطاء حين تسألهم **** وفي اللقاء إذا تلقاهم بهم
والمرسل: ما ذكرت أداته كقوله تعالى "مثلهم كمثل الذي استوقد نارا" وقوله تعالى "عرضها كعرض السماء والأرض" إلى غير ذلك.
واعلم أن المشبه قد ينتزع من نفس التّضادّ, لاشتراك الضدين فيه, ثم ينزل منزلة بواسطة تمليح أو تهكم, فيقال للجبان: ما أشبهه بالأسد, وللبخيل: هو حاتم.
ولنختم بمحاسن من التشبيهات في الشعر العربي
فمنها قول محمد بن عبد الله الكاتب:
كأن الثريا صدر باز محلق **** سما حيث لا يبدو له غير جؤجؤ
حكت طبقا فيروزجيا أديمه **** نثرن عليه سبع حبات لؤلؤ
وقول ابن هاني الأندلسي من قصيدة:
كأن رقيب النجم أجدل مرقب **** يقلب تحت الليل في ريشه طرفا
كأن بني نعش ونعشا مطافل **** بوجرة قد أضللن في مهمه خشفا
كأن سهيلا في مطالع أفقه **** مفارق ألف لم يجد بعده ألفا
كأن سهاها عاشق بين عواد **** فآونة يبدو وأونة يخفى
ابن نباتة السعدي:
وخطه ضيم قد أبيت وليلة **** سريت فكان المجد ما أنا صانع
هتكت دجاها والنجوم كأنها **** عيون لها ثوب السماء براقع
أبو نواس:
ويمين الجوزاء تبسط باعا **** لعناق الدجى بغير بنان
وكأن النجوم أحداق روم **** ركبت في محاجر السودان
ابن المعتز:
أنظر إلى حسن هلال بدا **** يهتك من أنواره الحندسا
كمنجل قد صيغ من عسجد **** يحصد زهر الدجى نرجسا
السري الرفاء:
ولاح لنا الهلال كشطر طوق **** على لبات زرقاء اللباس
علاء الدين النابلسي:
هلال شوال ما زالت مطالعه **** يرنو إليه الورى من شدة الفرح
كأصبعي كف ندمان أشار إلى **** ساق لطيف يروم الأخذ للقدح
الصاحب بن عباد في الثلج:
وكأن السماء صاهرت الأر **** ض فكان النثار من كافور
بعض شعراء المغرب في كوكب منقض:
وكوكب أبصر العفريت مسترقا **** للسمع فانقض يذكي أثره لهبه
كفارس حل أعصار عمامته **** فجرها كلها من خلفه عذبه
سيف الدولة بن حمدان في قوس قزح:
وساق صبيح للصبوح دعوته **** فقام في أجفانه سنة الغمض
يطوف بكاسات العقار كأنجم **** فما بين منفض علينا ومنقض
وقد نشرت أيدي الجنوب مطارفا **** على الجو دكناء الحواشي على الأرض
يطرزها قوس السحاب بأصفر **** على أحمر في أخضر أثر مبيض
كأذيال خود أقبلت في غلائل **** مصبغة والبعض أقصر من بعض
قال الثعالبي: هذا من التشبيهات الملوكية التي لا يكاد يحضر مثلها السوقة.
الصنوبري في الشمعة:
مجدولة في قدها **** حاكية قد الاسل
كأنها عمر الفتى **** والنار فيها كالأجل
بعضهم في (تشبيه) النار:
انظر إلى النار وهي مضرمة **** وجمرها بالرماد مستور
شبه دم من فواخت ذبحت **** وفوقه ريشهن منثور
ابن المعتز في الشمس والغيم:
تظل الشمس ترمقنا بلحظ **** مريض مدنف من خلف ستر
تحاول فتق غيم وهو يأبى **** كعنين يريد نكاح بكر
إبن خفاجة الأندلسي:
والنقع يكسر من سنا شمس الضحى **** فكأنه صدأ على دينار
ابن النبيه:
والظل يسبح في الغدير كأنه **** صدأ يلوح على حسام مرهف
الشيخ جمال الدين العصامي:
فنجان قهوة ذا المليح وعينه ال **** كحلاء حارت فيهما الألباب
فسوادها كسوادها وبياضها **** كبياضها ودخانها الأهداب
ابن المنير الطرابلسي في النواعير:
لنواعيرها على الماء ألحان **** تهيج الشجى لقلب المشوق
فهي مثل الأفلاك شكلا وفعلا **** قسمت قسم جاهل بالحقوق
بين عال خال ينكسه الده **** ر ويعلو بسافل مرزوق
إبن المعتز في إبريق في فمه قطرة:
كأن أبريقها والراح في فمه **** ديك تناول ياقوتا بمنقار
إبن مكنسة:
إبريقنا عاكف على قدح **** كأنه الأم ترضع الولدا
أو عابد من بني المجوس إذا **** توهم الكأس شعلة سجدا
أبو منصور البغوي:
تراءت لنا من خدرها بسوالف **** كما لاح بدر من خلال سحاب
وهز الصبا صدغا لها فوق خدها **** كما روحت نار بريش غراب
أبو الفرج الببغاء:
والتهب نارها فمنظرها **** يغنيك عن كل منظر
إذا رمت بالشرار واضطرمت **** على ذراها مطارف اللهب
رأيت ياقوتة مشبكة **** تطير منها قراضة الذهب
أبو الفضل الميكالي:
تصوغ لنا كف الربيع حدائقا **** كعقد عقيق بين سمط لآلي
وفيهن أنوار الشقائق قد حكت **** خدود عذارى نقطت بغوالي
ابن المعتز:
زارني والدجى أحم الحواشي **** والثريا في الغرب كالعنقود
وهلال السماء طوق عروس **** بات يجلى على غلائل سود
وقال ابن الرومي في دينار خفيف
كأنه في الكف من خفة **** مقداره من صفرة الشمس
وقال يذم مغنيا
وكأن جرذان المحلّة كلها **** في حلقه يقرضن خبزا يابسا
وقال في تفضيل الورد على النرجس
أفضّل الورد على النرجس **** لا أجعل الأنجم كالأشمس
ليس الذي يقعد في مجلس **** مثل الذي يمثل في المجلس
المصادر:
كتاب البديع في البديع لابن المعتز ت247ه
العمدة في محاسن الشعر لابن رشيق القيرواني ت390ه
خزانة الأدب لابن حجة الحموي ت837ه
أنوار الربيع في أنواع البديع لابن معصوم الحسني ت1119ه
جمع وإعداد وتقديم: محمد أبورزق
يُتبع

الأحد، 9 ديسمبر 2018

[ التشبيه ] (تابع)

اللغة العربية: إبداع وإمتاع وإقناع
علم البديع
دروس مهمة لكل شاعر وكاتب وأديب
الدرس التاسع والسبعون (79)
[ التشبيه ] (تابع)
الجزء السادس
متطلّبات التشبيه (تابع)
الفصل الخامس
في أداة التشبيه
وهي ما يتوصل به إلى وصف المشبه بمشاركته للمشبه به في الوجه، وهي: (الكاف) نحو قولك: زيد كالأسد, و (كأن) نحو زيد كأنه أسد, و (مثل) نحو قولك: هو مثل الأسد, وما في معنى (مثل) كلفظة (نحو) وما يشتق من لفظة (مثل) و (شبه) من المماثلة والمشابهة وما يؤدي معنى ذلك: كالمضاهاة, والمحاكاة, والمساواة, والمناظرة.
وأداة التّشبيه الكاف من أكثر الأدوات استخداماً في التّشبيه،
والأصلُ في الكافِ، ومثلُ، وشبهُ، من الأسماءِ المضافة لما بعدها أن يليها المشبَّهُ به لفظاً أو تقديراً، نحو قوله تعالى: {وَحُورٌ عِينٌ كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ} سورة الواقعة، ونحو قوله تعالى: {وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ } سورة الرحمن
ومثل قوله تعالى: (يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ)، سورة القارعة
وكقول الشاعر:
فَالوَجهُ مثل الصُبحِ مبيضٌ **** والفَرعُ مِثلَ اللَيلِ مُسوَدُّ
ضِدّانِ لِما اسْتُجْمِعا حَسُنا **** وَالضِدُّ يُظهِرُ حُسنَهُ الضِدُّ
, وقد يليها مفرد لا يتأتى التشبيه به, وذلك إذا كان المشبه به مركبا, كقوله تعالى " واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيما تذروه الرياح" إذ ليس المراد تشبيه حال الدنيا بالماء, بل المراد تشبيه حالها في نضرتها وبهجتها, وما يتعقبها من الهلاك والفناء, بحال النبات الحاصل من الماء, يكون أخضر ناضرا شديد الخضرة ثم ييبس فتطيره الرياح كأن لم يكن.
وأما قوله تعالى "يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله كما قال عيسى بن مريم للحواريين من أنصاري إلى الله" فليس من هذا القبيل, أعنى مالا يلي المشبه به (الكاف) لأن التقدير: كونوا كالحواريين أنصارا لله وقت قول عيسى: من أنصاري إلى الله, على أن (ما) مصدرية, والزمان مقدر, كقولهم: آتيك خفوق النجم؛ أي زمان خفوقه, فالمشبه به وهو كون الحواريين أنصارا لله مقدر يلي الكاف, حذف لدلالة ما أقيم مقامه عليه, إذ لا يخفى أن ليس المراد تشبيه كون المؤمنين أنصارا بقول عيسى للحواريين: من أنصاري إلى الله.
وقد يذكر فعل ينبئ عن حال التشبيه من القرب والبعد, كما في (علمتُ زيدا أسدا) , إن قَرُبَ التشبيه أو أريد أنه مشابه للأسد مشابهة قوية لما في العلم من التحقيق, وكما في (حسبت) أو (خلت زيدا أسدا) إن بَعُد التشبيه أدنى بعد, لما في الحسبان من الدلالة على الظن دون التحقيق.
وتُعتبر أدوات التّشبيه أدوات الرّبط بين المُشبَّه والمُشبَّه به، ولا يتم تشبيهٌ إلا بها، ولها دور خاص في استخدام التّشبيه، ومن المُمكن حذفها، ومن المُتداوَل في اللّغة بأن حذف الأداة أبلغ من ذكرها.
وتُقسم هذه الأدوات إلى ثلاثة أقسام، هي:
أن تكون الأداة إسماً، مثل شبه، ومثل، كالقول: المرأة مثل الوردة.
أن تكون الأداة حرفاً، مثل حرف الكاف (ك)، وكأن، كالقول محمدٌ كالغيث؛ دلالة على كرمه، وعند استخدام أداة التّشبيه (كأن) فإن الواجب تقديم أداة التّشبيه في الجملة مثل: كأن زيدٌ أسداً.
أن تكون أداة التّشبيه فعلاً، مثل يُشبه، ويُماثِل، كالقول: كأن على رؤوسهم الطّير؛ كنايةً عن الصّمت والهدوء الشّديد.
أداة التّشبيه كأن من أكثر الأدوات شيوعاً واستخداماً في أساليب التّشبيه أيضاً، وتأتي عادةً قبل المُشبّه به، مثل قوله تعالى: (كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ)، والتّشبيه بكأن له خصائص عديدة يُذكَر منها: المُبالغة والتّأكيد. عند استخدامها في التّشبيه يكون الاهتمام الأكبر في الجملة على المُشبَّه. تتميّز كأن في التّشبيه بأنّ المُشبَّه به من المُمكن أن يكون غير مُحقّق الوقوع أو مستحيلاً، مثل قوله تعالى: (يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ).
والأصل ُفي كأنَّ، وشابهَ، وماثلَ، وما يرادفها، أنْ يليه المشبَّهُ، نحو قوله تعالى : {وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَّهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَّكْنُونٌ} سورة الطور، وقوله تعالى : {تَنزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ} سورة القمر . وقوله تتعالى : {كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ} سورة المدثر ، وقوله تعالى : {طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُؤُوسُ الشَّيَاطِينِ } سورة الصافات.
و مثل قول الشاعر:
كأنَّ الثُرَيَّا راحَة ٌ تَشُبرُ الدُّجى **** لتعلمَ طالَ اللَّيلُ لي أَم تعرَّضا
وكأنّ تفيدُ التشبيهَ إذا كانَ خبرُها جامداً، نحو: كأنَّ البحرَ مرآةٌ صافيةٌ.
وتفيد الشكَّ إذا كان خبرُها مشتقًّاً، نحو: كأنكَ فاهمٌ.
ومثل قول الشاعر:
كأنكَ منْ كلِّ النفوسِ مُركبٌ **** فأنتَ إلى كلِّ النفوسِ حبيبُ
ولكن المتتبع للنصوص الأدبية يدرك أن هذا الحرف يفيد التشبية دائما وأن المشبة ليس حالا واحدا وإنما حالين لشخص واحد كما في المثال الأول وهو تشبيه حالة عدم الفهم بحالة الفهم.
وقد يغنى عن أداة التشبيه «فعلٌ» يدلُ على حال التشبيه، ولا يعتبر أداة.
فان كان (الفعل لليقين) - أفاد قرب المشابهة، لما في فعل اليقين من الدلالة على تيقن الاتحاد وتحققه، وهذا يُفيد التشبيه مبالغة - نحو:
(فلما رأوهُ عارضاً مستقبل أوْدِيَتِهم قالوا هذا عارضٌ مُمطرنا) ونحو: رأيت الدنيا سراباً غراراً، وإن كان (الفعل للشّك) أفاد بعدها: لما في فعل الرّجحان من الإشعار بعدم التحقق، وهذا يفيد التّشبيه ضعفاً - نحو: (وإذا رايتهم حسبتهم لؤلؤاً منثوراً)
وكقول الشاعر:
قوم إذا لبسوا الدروع حسبتها **** سحباً مزرَّدةً على أقمار
المصادر:
كتاب البديع في البديع لابن المعتز ت247ه
العمدة في محاسن الشعر لابن رشيق القيرواني ت390ه
خزانة الأدب لابن حجة الحموي ت837ه
أنوار الربيع في أنواع البديع لابن معصوم الحسني ت1119ه
جمع وإعداد وتقديم: محمد أبورزق
يُتبع