musique

الجمعة، 21 ديسمبر 2018

[ النوادر ]

اللغة العربية: إبداع وإمتاع وإقناع
علم البديع
دروس مهمة لكل شاعر وكاتب وأديب
الدرس الرابع والثمانون (84)
[ النوادر ]
النوادر: جمع نادرة. قال الجوهري: ندر الشيء يندر ندرا: إذا شذ, ومنه النوادر. وفي القاموس: نوادر الكلام: ما شذ وخرج من الجمهور.
وسماه قوم الإغراب والطرفة وهو أن يأتي الشاعر بمعنى يستغرب لقلة استعماله لا لأنه لم يسمع بمثله وهذا مما اختاره قدامة بن جعفر دون غيره حيث قال : هو أن يأتي الشاعر بمعنى غريب لقلته في الكلام, لأنه لم يسمع مثله, كالورد, وغيره إذا جاء في غير وقته سمي طريفا نادرا, لأنه لم ير مثله.
ولكن غالب علماء البديع اختاروا غير رأي قدامة في هذا النوع فإنهم قالوا لا يكون المعنى غريبا إلا إذا لم يسمع بمثله
وأورد زكي الدين ابن أبي الأصبع في كتابه المسمى بتحرير التحبير لنوع النوادر حدا أقرب إليه من اختيار قدامة وأبلغ وأوقع في النفوس وهو أن يعمد الشاعر إلى معنى مشهور ليس بغريب في بابه فيغرب فيه بزيادة لم تقع لغيره ليصير بها ذلك المعنى المشهور غريبا وينفرد به دون كل من نطق به وبيان ذلك أن تشبيه الحسان بالشمس والبدر مبذول معروف قد ذهبت طلاوته لكثرة ابتذاله.
وكان سابق المتقدمين وقبلة المتأخرين القاضي الفاضل أنفت نفسه من المثابرة على هذا الابتذال وكثرة تشبيه الحسان بالبدور فقال
تراءى ومرآة السماء صقيلة **** فأثر فيها وجهه صورة البدر
فان تشبيه الوجه الحسن بالبدر معنى مشهور مبتذل, لكنه تصرف فيه التصرف الذي جعله غريبا نادرا فقد جعل السماء مثل المرآة وجعل وجه محبوبه حين ظهر كأنه البدر أطلّ منها.
وكقول المتنبي:
يطمع الطير فيهم طول أكلهم **** حتى تكاد على هاماتهم تقع
ومنه قول القائل
عرض المشيب بعارضيه فأعرضوا **** وتقوضت خيم الشباب فقوضوا
ولقد سمعت وما سمعت بمثله **** بينَ غرابِ البيْنِ فيه أبيض
ومثل ذلك حتى يزداد نوع النوادر إيضاحا قول أبي نواس
هبت لنا ريح شمالية **** متّتْ إلى القلب بأسباب
أدت رسالات الهوى بيننا ****عرفتها من بين أصحابي
فقوله عرفتها من بين أصحابي نادرة لم يسبق إليها
وقد جاراه مجير الدين الخياط في بديع هذا النوع ونادرة هذ المعنى بقوله:
يا نسيم الصبا الولوع بوجدي **** حبذا أنت لو مررت بهند
ولقد رابني شذاك فبالله **** متى عهده بأطلال نجد
بين ولقد رابني شذاك في بيت مجير الدين وبين عرفتها من بين أصحابي معرك ذوقي ما يدركه إلا من صفت مرآة ذوقه في علم الأدب، والنادرتين يتجمل بهما هذا النوع
ومثله قول القائل:
ويد الشمال عشية مذ أرعشت **** دلت على ضعف النسيم بخطها
كتبت سقيما في صحيفة جدول **** فيد الغمامة صححته بنقطها
النوادر في هذين البيتين لم يحتج برهانها إلى إقامة دليل وقد فهمت الزيادات في غرابة المعاني المبتذلة
ومثله من لطف النسيم ونوادر النوع قول القائل
هبت صبا من قاسيون فسكنت **** بهبوبها وصب الفؤاد البالي
خاضت مياه النيرين عشية **** وأتتك وهي بليلة الأذيال
وقول ناصر الدين بن المشد
مسكية الأنفاس تملي الصبا **** عنها حديثا قط لم يملل
جننت لما أن سرى عرفها **** وما نرى من جن بالمندل
وألطف منه وأكثر نوادر قول بدر الدين حسن الغزي الشهير بالزغاري
سرت من بعيد الدار لي نسمة الصبا **** وقد أصبحت حسرى من السير ضائعه
ومن عرق مبلولة الجيب بالندى **** ومن تعب أنفاسها متتابعه
ومن العجائب في هذا النوع
حبذا ليلة رأيت دجاها **** زاهيا عطفه بحلة فجر
بشرت باللقاء وهي غراب **** ونفى الفجر حسنها وهي قمري
ومن النوادر اللطيفة في هذا الباب قول علاء الدين الجويني صاحب الديوان ببغداد من دو بيت
مذ صار مبيتنا بضوء القمر **** والحب نديمنا وصوت الوتر
نادى بفراقنا نسيم سحرا **** ما أبرد ما جاءت نسيم السحر
ومثل ذلك قول أبي الفتح البستني:
أرأيت ما قد قال لي بدر الدجى **** لما رأى طرفي يديم سهودا
حتام ترمقني بطرف ساهر **** أقصر فلست حبيبك المفقودا
وقول الآخر:
نظر الصباح إلى صفاء جبينه **** فتعلقت أنفاسه الصعداء
والليل فكر في سواد فروعه **** فتشبثت بمزاجه السوداء
وقول ابن معصوم الحسني:
سقى صوب الغمام عريش كرم **** جنينا من جناه العذب أنسا
وأمسى عاصر العنقود فيه **** يكسر أنجما ويصوغ شمسا
وقوله أيضاً:
يا سحب نيسان روي الكرم عن كرم **** ففي الحباب غنى عن لؤلؤ الصدف
المصادر:
كتاب البديع في البديع لابن المعتز ت247ه
العمدة في محاسن الشعر لابن رشيق القيرواني ت390ه
خزانة الأدب لابن حجة الحموي ت837ه
أنوار الربيع في أنواع البديع لابن معصوم الحسني ت1119ه
جمع وإعداد وتقديم: محمد أبورزق
يُتبع

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق