اللغة العربية: إبداع وإمتاع وإقناع
علم البديع
دروس مهمة لكل شاعر وكاتب وأديب
الدرس الثاني والثمانون (82)
[ الإنسجام ]
الجزء الأول
الإنسجام في اللغة: الإنصباب.
وفي الإصطلاح: أن يكون الكلام عذب الألفاظ, سهل التركيب؛ حسن السبك, خالياً من التكلف والعقادة؛ يكاد يسيل من رقته؛ وينحدر انحدار الماء في انسجامه, لا يتكلف فيه بشيء من أنواع البديع إلا ما جاء عفواً من غير قصد.
وإذا قوي الإنسجام في النثر جاءت فقراته موزونة من غير قصد, كما وقع في كثير من آيات القرآن العظيم, حتى وقع فيه من جميع البحور المشهورة أبيات, وأشطار أبيات.
وهو على قسمين: الإنسجام في النثر، والإنسجام في الشعر
1) الإنسجام في النثر
فمنه ما جاء في القرآن الكريم عفوا من غير قصد
فمن بحر الطويل, من صحيحه قوله تعالى: "فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر".
ومن مخرومه ويسمى الأثلم قوله تعالى: "منها خلقناكم وفيها نعيدكم".
ومن بحر المديد قوله تعالى: "واصنع الفلك بأعيننا" وتفعليه: فاعلاتن فعلن فعلن.
ومن بحر البسيط قوله تعالى: "ليقضي الله أمراً كان مفعولاً". ومثله "فأصبحوا لا ترى إلا مساكنهم".
ومن بحر الوافر وهو بيت تام، قوله تعالى: "ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قومٍ مؤمنين" ومنه "ويعلم ما جرحتم بالنهار".
ومن بحر الكامل من مخرومه قوله تعالى: "سيعلمون غداً من الكذاب". ومنه "والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم".
ومن بحر الهزج قوله تعالى: " تالله لقد آثرك الله علينا". ومثله ألقوه على وجه أبي يأت بصيراً" ".
ومن بحر الرجز قوله تعالى: "دانيةً عليهم ظلالها وذلِلت قطوفها تذليلاً، ومنه "فعميت عليهم الأنباء"".
ومن بحر الرمل قوله تعالى: "قتل الإنسان ما أكفره". ومنه "بدت البغضاء من أفواههم". ومن مجزوئه "وجِفان كالجواب وقدور راسيات". ونظيره "أوتيتْ من كل شيء ولها عرش عظيم". ومثله ووضعنا عنك وزرك الذي أنقض ظهرك"".
ومن بحر السريع قوله تعالى: "واصبر وما صبرك إلا بالله". ومثله "ألا إلى الله تصير الأمور". ومثله "ذلك تقدير العزيز العليم" ومنه "أو كالذي مرّ على قريةٍ".
ومن بحر المنسرح قوله تعالى: "إنا خلقنا الإنسان من نطفة" وتفعليه: مستفعلن مفعولات مستفعلن.
ومن بحر الخفيف قوله تعالى: "لا يكادون يفقهون حديثا". ومنه " أرأيت الذي يكذب بالدين"
ومن بحر المضارع من مخرومه قوله تعالى "يوم التناد. يوم تولون مدبرين". وتفعيله: مفعول فاعلات مفاعيل فاعلاتن.
ومن بحر المقتضب قوله تعالى: "في قلوبهن مرض". وتفعليه: فاعلات مفتعلن.
ومن بحر المجتث قوله تعالى: "نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم".
ومن بحر المتقارب قوله تعالى: "ولا تبخسوا الناس أشياءهم".
ومنه "وأملي لهم إن كيدي متين".
ومن بحر المتدارك "أم تأمرهم أحلامهم" وتفعليه: فعلن فعلن فعلن فعلن. وهذا البحر لم يذكره الخليل, واستدركه الأخفش والمحدثون فسمي متداركاً, ومحدثا, ومخترعا؛ ويسميه أهل الأندلس مشي البريد.
ومن بحر الدوبيت وهو المسمى عند العجم الرباعي, والترانة, وهو بحر مخترع مستحدث لطيف، قوله تعالى "إن كان الله يريد أن يغويكم" ومثله "ما كان عليهم من سلطان". وقد أكثر المتأخرون من العرب والعجم من النظم على هذا البحر لعذوبته, وسلاسته. وزعم بعضهم أنه مأخوذ من الكامل بطريقة متكلفة, وبعضهم أوصل أوزانه إلى عشرة آلاف.
ومن بحر المواليا وهو مشهور عند المتأخرين, وأصله من البسيط ، قوله تعالى: "والطير محشورة كل له أواب". ومنه "لو كنت فظاً غليظ القلب لا نفضوا".
وسبب تسميته بالمواليا, ما يحكى من أن الرشيد لما قتل جعفر البرمكي أمر أن لا يرثى بشعر, فرثته جارية له بهذا الوزن, حيث لم يكن من الشعر المعروف, وهي تندب وتقول: يا مواليا, فسمي بذلك.
ويقال: أن أول بيت قالته في هذا الوزن هذا البيت:
يا دار أين ملوك الأرض أين الفرس **** أين الذي قد حموك بالقنا والترس.
قالت تراهم رمم تحت الأراضي درس **** سكوت بعد فصاحة السنتهم خرس
ويستعذب في هذا الوزن اللحن, وكونه ملحوناً أحسن من كونه معرباً.
وإذا تأملت اشتمال القرآن العظيم على جميع أوزان هذه البحور المذكورة, بل وعلى غيرها مما لم نذكره علمت أن ذلك كله مندرج تحت قوله - علت كلمته وعظمت قدرته - : "ما فرّطنا في الكتاب من شيء". سبحانه "لا إله إلا هو إليه المصير".
ومن النثر المسجم الذي جاء موزوناً من غير قصد لقوة الإنسجام, قوله صلى الله عليه وآله وسلم:
أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب
ومنه قول إبراهيم بن العباس الصولي الشاعر المشهور فيما كتبه عن الخليفة إلى بعض البغاة الخارجين يتهددهم ويتوعدهم: أما بعد فإن لأمير المؤمنين أناة, فإن لم تغن عقب بعدها وعيداً, فإن لم يغن أغنت عزائمه والسلام. فإن هذا النثر مع وجازته وإبداعه في غاية الانسجام.
وينشأ منه بيت شعر وهو:
أناة فان لم تغن عقّب بَعدَها **** وعيداً فإن لم يغن أغنت عزائمه
المصادر:
كتاب البديع في البديع لابن المعتز ت247ه
العمدة في محاسن الشعر لابن رشيق القيرواني ت390ه
خزانة الأدب لابن حجة الحموي ت837ه
أنوار الربيع في أنواع البديع لابن معصوم الحسني ت1119ه
جمع وإعداد وتقديم: محمد أبورزق
يُتبع
علم البديع
دروس مهمة لكل شاعر وكاتب وأديب
الدرس الثاني والثمانون (82)
[ الإنسجام ]
الجزء الأول
الإنسجام في اللغة: الإنصباب.
وفي الإصطلاح: أن يكون الكلام عذب الألفاظ, سهل التركيب؛ حسن السبك, خالياً من التكلف والعقادة؛ يكاد يسيل من رقته؛ وينحدر انحدار الماء في انسجامه, لا يتكلف فيه بشيء من أنواع البديع إلا ما جاء عفواً من غير قصد.
وإذا قوي الإنسجام في النثر جاءت فقراته موزونة من غير قصد, كما وقع في كثير من آيات القرآن العظيم, حتى وقع فيه من جميع البحور المشهورة أبيات, وأشطار أبيات.
وهو على قسمين: الإنسجام في النثر، والإنسجام في الشعر
1) الإنسجام في النثر
فمنه ما جاء في القرآن الكريم عفوا من غير قصد
فمن بحر الطويل, من صحيحه قوله تعالى: "فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر".
ومن مخرومه ويسمى الأثلم قوله تعالى: "منها خلقناكم وفيها نعيدكم".
ومن بحر المديد قوله تعالى: "واصنع الفلك بأعيننا" وتفعليه: فاعلاتن فعلن فعلن.
ومن بحر البسيط قوله تعالى: "ليقضي الله أمراً كان مفعولاً". ومثله "فأصبحوا لا ترى إلا مساكنهم".
ومن بحر الوافر وهو بيت تام، قوله تعالى: "ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قومٍ مؤمنين" ومنه "ويعلم ما جرحتم بالنهار".
ومن بحر الكامل من مخرومه قوله تعالى: "سيعلمون غداً من الكذاب". ومنه "والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم".
ومن بحر الهزج قوله تعالى: " تالله لقد آثرك الله علينا". ومثله ألقوه على وجه أبي يأت بصيراً" ".
ومن بحر الرجز قوله تعالى: "دانيةً عليهم ظلالها وذلِلت قطوفها تذليلاً، ومنه "فعميت عليهم الأنباء"".
ومن بحر الرمل قوله تعالى: "قتل الإنسان ما أكفره". ومنه "بدت البغضاء من أفواههم". ومن مجزوئه "وجِفان كالجواب وقدور راسيات". ونظيره "أوتيتْ من كل شيء ولها عرش عظيم". ومثله ووضعنا عنك وزرك الذي أنقض ظهرك"".
ومن بحر السريع قوله تعالى: "واصبر وما صبرك إلا بالله". ومثله "ألا إلى الله تصير الأمور". ومثله "ذلك تقدير العزيز العليم" ومنه "أو كالذي مرّ على قريةٍ".
ومن بحر المنسرح قوله تعالى: "إنا خلقنا الإنسان من نطفة" وتفعليه: مستفعلن مفعولات مستفعلن.
ومن بحر الخفيف قوله تعالى: "لا يكادون يفقهون حديثا". ومنه " أرأيت الذي يكذب بالدين"
ومن بحر المضارع من مخرومه قوله تعالى "يوم التناد. يوم تولون مدبرين". وتفعيله: مفعول فاعلات مفاعيل فاعلاتن.
ومن بحر المقتضب قوله تعالى: "في قلوبهن مرض". وتفعليه: فاعلات مفتعلن.
ومن بحر المجتث قوله تعالى: "نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم".
ومن بحر المتقارب قوله تعالى: "ولا تبخسوا الناس أشياءهم".
ومنه "وأملي لهم إن كيدي متين".
ومن بحر المتدارك "أم تأمرهم أحلامهم" وتفعليه: فعلن فعلن فعلن فعلن. وهذا البحر لم يذكره الخليل, واستدركه الأخفش والمحدثون فسمي متداركاً, ومحدثا, ومخترعا؛ ويسميه أهل الأندلس مشي البريد.
ومن بحر الدوبيت وهو المسمى عند العجم الرباعي, والترانة, وهو بحر مخترع مستحدث لطيف، قوله تعالى "إن كان الله يريد أن يغويكم" ومثله "ما كان عليهم من سلطان". وقد أكثر المتأخرون من العرب والعجم من النظم على هذا البحر لعذوبته, وسلاسته. وزعم بعضهم أنه مأخوذ من الكامل بطريقة متكلفة, وبعضهم أوصل أوزانه إلى عشرة آلاف.
ومن بحر المواليا وهو مشهور عند المتأخرين, وأصله من البسيط ، قوله تعالى: "والطير محشورة كل له أواب". ومنه "لو كنت فظاً غليظ القلب لا نفضوا".
وسبب تسميته بالمواليا, ما يحكى من أن الرشيد لما قتل جعفر البرمكي أمر أن لا يرثى بشعر, فرثته جارية له بهذا الوزن, حيث لم يكن من الشعر المعروف, وهي تندب وتقول: يا مواليا, فسمي بذلك.
ويقال: أن أول بيت قالته في هذا الوزن هذا البيت:
يا دار أين ملوك الأرض أين الفرس **** أين الذي قد حموك بالقنا والترس.
قالت تراهم رمم تحت الأراضي درس **** سكوت بعد فصاحة السنتهم خرس
ويستعذب في هذا الوزن اللحن, وكونه ملحوناً أحسن من كونه معرباً.
وإذا تأملت اشتمال القرآن العظيم على جميع أوزان هذه البحور المذكورة, بل وعلى غيرها مما لم نذكره علمت أن ذلك كله مندرج تحت قوله - علت كلمته وعظمت قدرته - : "ما فرّطنا في الكتاب من شيء". سبحانه "لا إله إلا هو إليه المصير".
ومن النثر المسجم الذي جاء موزوناً من غير قصد لقوة الإنسجام, قوله صلى الله عليه وآله وسلم:
أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب
ومنه قول إبراهيم بن العباس الصولي الشاعر المشهور فيما كتبه عن الخليفة إلى بعض البغاة الخارجين يتهددهم ويتوعدهم: أما بعد فإن لأمير المؤمنين أناة, فإن لم تغن عقب بعدها وعيداً, فإن لم يغن أغنت عزائمه والسلام. فإن هذا النثر مع وجازته وإبداعه في غاية الانسجام.
وينشأ منه بيت شعر وهو:
أناة فان لم تغن عقّب بَعدَها **** وعيداً فإن لم يغن أغنت عزائمه
المصادر:
كتاب البديع في البديع لابن المعتز ت247ه
العمدة في محاسن الشعر لابن رشيق القيرواني ت390ه
خزانة الأدب لابن حجة الحموي ت837ه
أنوار الربيع في أنواع البديع لابن معصوم الحسني ت1119ه
جمع وإعداد وتقديم: محمد أبورزق
يُتبع

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق