musique

الأربعاء، 26 ديسمبر 2018

[ الإغراق ]

Mohammed Abourizq
************tag


اللغة العربية: إبداع وإمتاع وإقناع
علم البديع
دروس مهمة لكل شاعر وكاتب وأديب
الدرس السادس والثمانون (86) 
[ الإغراق ]
الإغراق أصله في الرمي، وذلك أن تجذب السهم في الوتر عند النزع حتى تستغرق جميعه بينك وبين حنية القوص، وإنما تفعل ذلك لبعد الغرض الذي ترميه،
والإغراق في الإصطلاح:إفراط وصف الشيء بالممكن البعيد وقوعه عادة، أو هو أن تدعي لشيء وصفا بالغا حد الإمكان عقلا, والاستحالة عادة.
قد تقرر في نوع المبالغة أنها إفراط وصف الشيء بالممكن القريب وقوعه عادة وهذا النوع أعني الإغراق فوق المبالغة ولكنه دون الغلو، وقلّ من فرق بينهما وغالب الناس عندهم المبالغة والإغراق والغلو نوع واحد وهنا لم يُعمل بقول الحريري: سامح أخاك إذا خلط. 
وكل من الإغراق والغلو يزداد حسنا إذا اقترن بما يقربه إلى القبول كحرف قَدْ للإحتمال ولَوْلا للإمتناع وكادَ للمقاربة وما أشبه ذلك من أنواع التقريب وليس ذلك شرطا فقد يُعدّان من المحاسن بدون هذه الأدوات.
وما وقع شيء من الإغراق والغلو في الكتاب العزيز ولا في الكلام الفصيح إلا مقرونا بما يخرجه من باب الاستحالة ويدخله في باب الإمكان مثل كاد ولَوْ وما يجري مجراهما كقوله تعالى ( يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار ) إذ لا يستحيل في العقل أن البرق يخطف الأبصار لكنه يمتنع عادة وما زاد وجه الإغراق هنا جمالا إلا تقريبه بكاد واقتران هذه الجملة بها هو الذي صرفها إلى الحقيقة فقلبت من الامتناع إلى الإمكان 
ومن شواهد تقريب نوع الإغراق بلَوْ قول زهير: 
لو كان يقعد فوق الشمس من كرم **** قوم بأولهم أو مجدهم قعدوا 
فاقتران هذه الجملة أيضا بامتناع قعود القوم فوق الشمس المستفاد بلو هو الذي أظهر بهجة شمسها في باب الإغراق 
ومما استشهدوا به على هذا النوع بغير أداة التقريب قول امرىء القيس 
تنورتها من أذرعات وأهلها **** بيثرب أدنى دارها نظر عالي 
وبين المكانين بُعدٌ تامّ فإن أذرعات من الشام والنار التي تنورها من أذرعات كانت بيثرب مدينة النبي وقد أثبتوا هذا الشاهد في باب الإغراق لأنهم قالوا لا يمتنع عقلا أن ترى النار من بعد هذه المسافة وأن لا يكون ثم حائل من جبل أو غيره من عظم جرم النار ولكن ذلك ممتنع عادة هذا إن جعلنا تنورتها نظرت إلى نارها حقيقة وأما إن جعلناه بمعنى توهمت نارها وتخيلتها في فكري فلا يكون في البيت إغراق 
وكقول عمرو بن الأيهم:
ونكرم جارنا ما دام فينا **** ونتبعه الكرامة حيث مالا
فإنه أدعى أن جاره لا يميل عنه إلى وجهة إلا وهو يتبعه الكرامة. وهذا ممكن عقلا, مستحيل عادة.
ومثله قول أبي الطيب المتنبي في صباه 
روح تردد في مثل الخلال إذا **** أطارت الريح عنه الثوب لم يبن 
كفى بجسمي نحولا أنني رجل **** لولا مخاطبتي إياك لم ترني 
وقالوا هنا لا يمتنع عقلا أن ينحل الشخص حتى يصير مثل الخلال ولا يستدل عليه إلا بالكلام إذ الشيء الدقيق إذا كان بعيدا لا يرى بخلاف الصوت ولكن صيرورة الشخص في النحول إلى مثل هذه الحال ممتنع عادة.
والشيخ شرف الدين عمر بن الفارض ضم خصر هذا المعنى الرقيق ورشحه بنفائس العقود حيث قال 
كأني هلال الشك لولا تأوهي **** خفيت فلم تهد العيون لرؤيتي 
وإذا قابلنا نحول المتنبي بهلال الشك الذي أبرزه ابن الفارض لم تبعد المقارنة لكن من قابل قول المتنبي انني رجل لولا مخاطبتي بقول الشيخ شرف الدين ابن الفارض في بيته كأني هلال الشك لولا تأوهي لا بد أن يقابله الله على ذلك وأين لطف لولا تأوهي من ثقل لولا مخاطبتي فالفرق بين خطاب الرجل وتأوه هلال الشك لا يخفى على حذاق أهل الأدب
وقد تفنن الشعراء في المبالغة في النحول, فمن ذلك قول الآخر:
ها فانظروني سقيما بعد فرقتكم **** لو لم أقل ها أنا للناس لم أبن
لو أن إبرة رفاء أكلفها **** جريت في ثقبها من دقة البدن
والبيت الثاني من الغلو.
وقول نصر السفاقسي والبيت الأول من الغلو, والثاني من الإغراق:
أذابه الحب لو تمثله **** بالوهم خلق لأعياهم توهمه
لولا الأنين ولوعات تحركه **** لم يدره بعيان من يكلم
ومنه قول بعضهم 
قد سمعتم أنينه من بعيد **** فاطلبوا الشخص حيث كان الأنين 
ورد هذا المعنى الذي حصلت فيه المواردة على أن الشخص لا يرى لشدة نحوله إلا بأنين أو تأوه
ومما استشهدوا به على نوع الإغراق بلَوْ التي يمكن الإغراق بها عقلا ويمتنع عادة قول القائل
( ولو أن ما بي من جوى وصبابة **** على جمل لم يبق في النار كافر )
يريد أنه لو كان ما به من الحب بجمل لنحل حتى يدخل في سم الخياط وذلك لا يستحيل عقلا إذ القدرة قابلة لذلك لكنه ممتنع عادة وهذا غاية في الإغراق
ومنه قول النّظّام:
توهمه طرفي فآلم خده **** فصار مكان الوهم من نظري أثر
وصافحه كفي فآلم كفه **** فمن صفح كفي في أنامله عقر
ومر بذكري خاطرا فجرجته **** ولم أر خلقا قط يجرحه الفكر
ومن الإغراق في المدح قول الحسين بن مطير:
له يوم بؤس فيه للناس أبؤس **** ويوم نعيم فيه للناس انعم
فيمطر يوم الجود من كفه الندى **** ويقطر يوم البؤس من كفه الدم
فلو أن يوم البؤس لم يثن كفه **** عن الناس لم يصبح على الأرض مجرم
ولو أن يوم الجود فرغ كفه **** لبذل الندى لم يبق في الأرض معدم
وقال المجنون في ذلك:
إلا إنما غادرت يا أم مالك **** صدى أينما تذهب به الريح يذهب
وقال بشار بن برد:
في حلتي جسم فتى ناحل **** لو هبت الريح به طاحا
حدث علي بن الصباح على بعض الكوفيين قال: مررت ببشار وهو منبطح في دهليزه كأنه جاموس, فقلت له: يا أبا معاذ من الذي يقول (في حلتي جسم فتى ناحل) البيت؟ قال: أنا, فقلت: فما حملك على هذا الكذب؟ والله إني لا أرى أن الله لو بعث الرياح التي أهلك بها الأمم الخالية ما حركتك من موضعك. فقال بشار من أين؟ قلت من أهل الكوفة, فقال: يا أهل الكوفة لا تدعون ثقلكم ومقتكم على كل حال.
وقال أحمد بن عبد ربه:
سبيل الحب أوله اغترار **** وآخره هموم وادّكار
وتلقى العاشقين لهم جسوم **** براها الشوق لو نفخوا لطاروا
ومنه قول ربيعة الرقية للعباس بن محمد:
إن المكارم لم تزل معقولة **** حتى حللت براحتيك عقالها
العود يرطب إن مسست لحاءه **** والأرض تعشب أن وطئت رمالها
وقول ابن الرومي:
أيامنا غدوات كلها بكم **** خلالهن ليال مثل أسحار
لكم خلائق لو تحظى السماء بها **** لما ألاحت نجوما غير أقمار
وقوله أيضاً:
تغنون عن كل تقريظ بفضلكم **** غنى الظباء عن التكحيل بالكحل
تلوح في دولة الإسلام دولتكم **** كأنها ملة الإسلام في الملل
وقول أبي تمام من قصيدة يمدح بها عبد الله بن الطاهر:
فنول حتى لم يجد من ينيله **** وحارب حتى لم يجد من يحاربه
وقوله في قصيدة المأمون:
الله أكبر جاء أكبر من جرت **** فتحيرت في كنه الأوهام
من لا يحيط الواصفون بقدره **** حتى يقولوا قدره إلهام
من شرد الإعدام عن أوطانه **** بالبذل حتى استطرف الإعدام
وتكفل الأيتام عن آبائهم **** حتى وددنا أننا أيتام
وقوله من أخرى في المعتصم:
تعود بسط الكف حتى لو أنه **** ثناها لقبض لم تطعه أنامله
ولو لم يكن في كفه غير نفسه **** لجاد بها فليتق الله سائله
وقول الشريف الرضي في النسيب:
ولو نفضت تلك الثنيات بردها **** على الصبر الممرور كان يطيب
وقول أن نباته السعدي في فرس:
لا تعلق الألحاظ في أعطافه **** إلا إذا كفكفت من غلوائه
وقول النظام في معنى ما تقدم له آنفا:
ظبي بدا يأنس الأنس **** يجرح اللحظ وباللمس
تحار عين الشمس في وجهه **** كما تحار العين في الشمس
لو صاح بالميت على غفلة **** أجابه الميت من الرمس
والإغراق هو في البيت الأخير
وقوله أيضا:
رق فلو بزت سراويله **** علق بالجو من اللطف
يجرحه اللحظ بتكراره **** ويشتكي الإيماء بالطرف
ودون هذا الإغراق قول بعضهم:
محجوبة سمعت صوتي فأرقها **** في آخر الليل لما ظلها السحر
تثني على جيدها ثنتي معصفرة **** والحلي منها على لبانها خصر
في ليلة النصف لا يدري مضاجعها **** أوجهها عنده أبهى أم القمر
لو خليت لمشت نحوي على قدم **** تكاد من رقة للمشي تنفطر
والإغراق جاء في البيت الأخير
المصادر:
كتاب البديع في البديع لابن المعتز ت247ه
العمدة في محاسن الشعر لابن رشيق القيرواني ت390ه
زهر الآداب للحصري القيرواني ت453ه
خزانة الأدب لابن حجة الحموي ت837ه
أنوار الربيع في أنواع البديع لابن معصوم الحسني ت1119ه
جمع وإعداد وتقديم: محمد أبورزق
يُتبع

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق