اللغة العربية: إبداع وإمتاع وإقناع
علم البديع
دروس مهمة لكل شاعر وكاتب وأديب
الدرس الثامن والثمانون (88)
[ الإيغال ]
الإيغال في اللغة: مصدر وغل في البلاد، إذا ذهب وبالغ وأبعد فيها،وفي الاصطلاح: هو ختم الكلام نثرا كان أو نظما بما يفيد نكتة يتم المعنى بدونها،
ومعنى ذلك أن المتكلم أو الشاعر إذا انتهى إلى آخر القرينة أو البيت إستخرج سجعة أو قافية يريد معنى زائدا أو كُلّا منهما، فكأن المتكلم أو الشاعر قد تجاوز حد المعنى الذي هو آخذ فيه وبلغ مراده فيه إلى زيادة عن الحد.
وهذا النوع مما فرّعه قدامة وفسره بأن قال هو أن يستكمل الشاعر معنى بيته بتمامه قبل أن يأتي بقافيته فإذا أراد الإتيان بها ليكون الكلام شعرا أفاد بها معنى زائدا على معنى البيت
والفرق بين الإيغال والتتميم أن التتميم يأتي إلى المحتاج فيتممه كقول الشاعر وقد تقدم
أناس إذا لم يقبل الحق منهم **** ويعطوه غاروا بالسيوف القواضب
فإن المعنى بدون قوله ويعطوه ناقص والإيغال لا يرد إلا على المعنى التام فيزيده كمالا ويفيد فيه معنى زائدا.
والفرق بين الإيغال والتكميل من وجهين:
أحدهما: أن التكميل يؤتى به لإفادته معنى آخر يكمل المعنى الأول كما مر في بابه، والإيغال يؤتى به لإفادته نكتة في ذلك المعنى بعينه، كما سيأتي في الأمثلة.
الثاني: أن التكميل قد يكون في أثناء الكلام، وقد يكون في آخره، والإيغال لا يكون إلا ختما للكلام.
والإيغال يكون في النثر والشعر:
فمن شواهد الإيغال في النثر:
قوله تعالى: "أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين", فقوله: وما كانوا مهتدين, إيغال تم المعنى بدونه أفاد به زيادة المبالغة في ضلالتهم, لأن مطلوب التجار في متصرفاتهم سلامة رأس المال, وحصول الربح, وربما تضيع الطلبات ويبقى لهم معرفة التصرف في طريق التجارة, فيهتدون بطرق المعاش, وهؤلاء قد أضاعوا الطلبتين لاشتراكهم الضلالة بالهدى, وعدم حصول الربح, وضلوا الطرق أيضاً فدمروا تدميرا, وقوله تعالى "قال يا قوم اتبعوا المرسلين. اتبعوا من لا يسألكم أجرا وهم مهتدون" فإن قوله: وهم مهتدون, مما يتم المعنى بدونه, لأن الرسول مهتد لا محالة, لكنه إيغال أفاد زيادة حث على الإتباع وترغيب في الرسل, لا تخسرون معهم شيئا في دنياكم, وتربحون صحة دينكم, فينتظم لكم خير الدنيا والآخرة.
وقوله تعالى ( أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون ) فإن الكلام تم بقوله تعالى ( ومن أحسن من الله حكما ) ثم احتاج الكلام إلى فاصلة تناسب القرينة الأولى فلما أتى بها أفاد معنى زائدا ومثله قوله تعالى ( ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين ) فإن المعنى تم بقوله تعالى ( ولا تسمع الصم الدعاء ) ثم أراد وهو أعلم إتمام الكلام بالفاصلة فقال ( إذا ولوا مدبرين).
وبهذا يظهر بطلان قول من زعم أن هذا النوع خاص بالشعر
ومن شواهده في الشعر:
قول الخنساء:
وإن صخرا لتأتم الهداة به **** كأنه علم في رأسه نار
فإن قولها: كأنه علم واف بالمقصود, وهو تشبيه بما هو معروف بالهداية, لكنها أتت بقولها: في رأسه نار, إيغالا لزيادة المبالغة,
وهذه المرأة لم ترض لأخيها أن يأتم به جهال الناس حتى جعلته يأتم به أئمة الناس وهذا تتميم ولم ترض تشبيهه بالعلم وهو الجبل المرتفع المعروف بالهداية حتى جعلت في رأسه نارا
وقد حكي عن الأصمعي أنه سئل من أشعر الناس فقال الذي يأتي إلى المعنى الخسيس فيجعله بلفظه كثيرا وينقضي كلامه قبل القافية فإن احتاج إليها أفاد معنى زائدا فقيل له نحو من فقال : نحو الأعشى إذ يقول:
كناطح صخرة يوما ليفلقها ... فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل
فقد تم المثل بقوله: وأوهى قرنه، فلما احتاج إلى القافية قال " الوعل " قال: قلت: وكيف صار الوعل مفضلا على كل ما ينطح؟ قال: لأنه ينحط من قنة الجبل على قرنه فلا يضيره، قال: قلت: ثم نحو من؟ قال: نحو ذي الرمة بقوله:
قف العيس في أطلال مية واسأل ... رسوماً كأخلاق الرداء المسلسل
فتمم كلامه، ثم احتاج إلى القافية فقال " المسلسل " فزاد شيئاً، وقوله:
أظن الذي يجدي عليك سؤالها ... دموعاً كتبديد الجمان المفصل
فتمم كلامه، ثم احتاج إلى القافية فقال " المفلل " فزاد شيئاً أيضاً.
والفاتح لأبواب هذا المعني ومبتكره هو امرؤ القيس حيث قال:
كأن عيون الوحش حول خبائنا **** وأرحلنا الجزع الذي لم يثقب
شبه عيون الوحش حول خبائهم وأرحلهم بالجزع -وهو بالفتح-: الخرز اليماني الذي فيه سواد وبياض تشبه به العيون, وهو واف بالغرض من التشبيه, لكنه أتى بقوله: لم يثقب, إيغالا وتحقيقا للتشبيه, لأن الجزع إذا كان غير مثقوب كان أشبه بالعيون. قال الأصمعي: الظبي والبقرة إذا كانا حيين فعوينهما كلها سواد, وإذا ماتا بدا بياضها, وإنما شبهها بالجزع وفيه بياض وسواد بعدما موتت. والمراد كثرة الصيد, يعني لكثرة ما أكلنا منه كثرت العيون عندنا.
ومثله قول زهير
كأن فتات العهن في كل منزل **** نزلن به حب الفنا لم يحطم
ومعنى قول زهير انتهى في كلامه إلى قوله حب الفنا وزيادة المعنى في قوله لم يحطم فيها نكتة بديعية غريبة على ما قرره الأصمعي وما ذاك إلا أن زهيرا شبه ما تفتت من العهن بحب الفنا والفنا شجر ثمره حب أحمر وفيه نقط سود وقال الفراء هو عنب الثعلب فلما قال زهير بعد تمام معنى بيته لم يحطم أراد أن يكون حب الفنا صحيحا لأنه إذا كسر ظهر له لون غير الحمرة
وقول الأعشى يصف امرأة:
غراء فرعاء مصقول عوارضها **** تمشي الهوينا كما يمشي الوجى الوحل
فأوغل بقوله " الوحل " بعد أن قال " الوجى " "
وكان الرشيد كثير العجب بقول صريع الغواني:
إذا ما علت منا ذؤابة شارب **** تمشت به مشى المقيد في الوحل
ويقول: قاتله الله! ما كفاه أن جعله مقيداً حتى جعله في وحل
ومن الإيغال قول الطرماح العقيلي يصف فرساً بسعة المنخر:
لا يكتم الربو إلا ريث يخرجه **** من منخر كوجار الثعلب الخرب
فكونه كوجار الثعلب غاية في المبالغة، فكيف إذا كان خرابا؟.
وأنشد الجاحظ:
ألوي حيازيمي بهن صبابة **** كما تتلوى الحية المتشرق
فقوله " الحية المتشرق " إيغال؛ لأنه أشد لتلويه.
وكذلك قول جرير:
بات الفرزدق عائراً وكأنه **** قعو تعاوره السقاة معار
وإذا كان معاراً كان أشد لاستعماله وأقل للتحفظ عليه.
وقال جميل:
إني لأكتم حبها إذ بعضهم **** فيمن يحب كناشد الأغفال
" الناشد " طالب الضالة، وإذا كانت غفلاً ليس فيها سمة كان أشد للبحث عليها، وأكثر للسؤال والذكر.
ومن أحسن إيغال المحدثين قول مروان بن أبي حفصة:
هم القوم: إن قالوا أصابوا، وإن دعوا **** أجابوا، وإن أعطوا أطابوا وأجزلوا
فقوله " وأجزلوا " قد أتى به في نهاية الحسن.
وكذلك قول بشار بن برد:
وغيران من دون النساء كأنه **** أسامة ذو الشبلين حين يجوع
فقوله " حين يجوع " إيغال حسن.
وأسامة: من أسماء الأسد
وقال ابن المعتز:
وداع دعا والليل بيني وبينه **** فكنت مكان الظن منه وأعجلا
فقوله " وأعجل " زيادة وصف، وإيغال ظاهر.
وقال أبو الطيب في رثاء أم سيف الدولة:
مشى الأمراء حَوْليْها حفاة **** كأنّ المِروَ مِن زِفِّ الرئال
" فالزف ": أصغر الريش وألينه، ولا سيما النعام، ولم يرض بذلك حتى جعله زف الرئال، شبه به المرو وهو ما صغر من الحصى وحد فهذا فوق كل مبالغة وإيغال.
ومن هذا نوع يسمى الاستظهار، وهو قول ابن المعتز لابن طباطبا العلوي أو غيره:
فأنتم بنو بنته دوننا **** ونحن بنو عمه المسلم
فقوله " المسلم " استظهار؛ لأن العلوية من بني عم النبي عليه الصلاة والسلام أيضاً أعني أبا طالب ومات جاهلياً، فكأن ابن المعتز أشار بحذقه إلى ميراث الخلافة.
علم البديع
دروس مهمة لكل شاعر وكاتب وأديب
الدرس الثامن والثمانون (88)
[ الإيغال ]
الإيغال في اللغة: مصدر وغل في البلاد، إذا ذهب وبالغ وأبعد فيها،وفي الاصطلاح: هو ختم الكلام نثرا كان أو نظما بما يفيد نكتة يتم المعنى بدونها،
ومعنى ذلك أن المتكلم أو الشاعر إذا انتهى إلى آخر القرينة أو البيت إستخرج سجعة أو قافية يريد معنى زائدا أو كُلّا منهما، فكأن المتكلم أو الشاعر قد تجاوز حد المعنى الذي هو آخذ فيه وبلغ مراده فيه إلى زيادة عن الحد.
وهذا النوع مما فرّعه قدامة وفسره بأن قال هو أن يستكمل الشاعر معنى بيته بتمامه قبل أن يأتي بقافيته فإذا أراد الإتيان بها ليكون الكلام شعرا أفاد بها معنى زائدا على معنى البيت
والفرق بين الإيغال والتتميم أن التتميم يأتي إلى المحتاج فيتممه كقول الشاعر وقد تقدم
أناس إذا لم يقبل الحق منهم **** ويعطوه غاروا بالسيوف القواضب
فإن المعنى بدون قوله ويعطوه ناقص والإيغال لا يرد إلا على المعنى التام فيزيده كمالا ويفيد فيه معنى زائدا.
والفرق بين الإيغال والتكميل من وجهين:
أحدهما: أن التكميل يؤتى به لإفادته معنى آخر يكمل المعنى الأول كما مر في بابه، والإيغال يؤتى به لإفادته نكتة في ذلك المعنى بعينه، كما سيأتي في الأمثلة.
الثاني: أن التكميل قد يكون في أثناء الكلام، وقد يكون في آخره، والإيغال لا يكون إلا ختما للكلام.
والإيغال يكون في النثر والشعر:
فمن شواهد الإيغال في النثر:
قوله تعالى: "أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين", فقوله: وما كانوا مهتدين, إيغال تم المعنى بدونه أفاد به زيادة المبالغة في ضلالتهم, لأن مطلوب التجار في متصرفاتهم سلامة رأس المال, وحصول الربح, وربما تضيع الطلبات ويبقى لهم معرفة التصرف في طريق التجارة, فيهتدون بطرق المعاش, وهؤلاء قد أضاعوا الطلبتين لاشتراكهم الضلالة بالهدى, وعدم حصول الربح, وضلوا الطرق أيضاً فدمروا تدميرا, وقوله تعالى "قال يا قوم اتبعوا المرسلين. اتبعوا من لا يسألكم أجرا وهم مهتدون" فإن قوله: وهم مهتدون, مما يتم المعنى بدونه, لأن الرسول مهتد لا محالة, لكنه إيغال أفاد زيادة حث على الإتباع وترغيب في الرسل, لا تخسرون معهم شيئا في دنياكم, وتربحون صحة دينكم, فينتظم لكم خير الدنيا والآخرة.
وقوله تعالى ( أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون ) فإن الكلام تم بقوله تعالى ( ومن أحسن من الله حكما ) ثم احتاج الكلام إلى فاصلة تناسب القرينة الأولى فلما أتى بها أفاد معنى زائدا ومثله قوله تعالى ( ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين ) فإن المعنى تم بقوله تعالى ( ولا تسمع الصم الدعاء ) ثم أراد وهو أعلم إتمام الكلام بالفاصلة فقال ( إذا ولوا مدبرين).
وبهذا يظهر بطلان قول من زعم أن هذا النوع خاص بالشعر
ومن شواهده في الشعر:
قول الخنساء:
وإن صخرا لتأتم الهداة به **** كأنه علم في رأسه نار
فإن قولها: كأنه علم واف بالمقصود, وهو تشبيه بما هو معروف بالهداية, لكنها أتت بقولها: في رأسه نار, إيغالا لزيادة المبالغة,
وهذه المرأة لم ترض لأخيها أن يأتم به جهال الناس حتى جعلته يأتم به أئمة الناس وهذا تتميم ولم ترض تشبيهه بالعلم وهو الجبل المرتفع المعروف بالهداية حتى جعلت في رأسه نارا
وقد حكي عن الأصمعي أنه سئل من أشعر الناس فقال الذي يأتي إلى المعنى الخسيس فيجعله بلفظه كثيرا وينقضي كلامه قبل القافية فإن احتاج إليها أفاد معنى زائدا فقيل له نحو من فقال : نحو الأعشى إذ يقول:
كناطح صخرة يوما ليفلقها ... فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل
فقد تم المثل بقوله: وأوهى قرنه، فلما احتاج إلى القافية قال " الوعل " قال: قلت: وكيف صار الوعل مفضلا على كل ما ينطح؟ قال: لأنه ينحط من قنة الجبل على قرنه فلا يضيره، قال: قلت: ثم نحو من؟ قال: نحو ذي الرمة بقوله:
قف العيس في أطلال مية واسأل ... رسوماً كأخلاق الرداء المسلسل
فتمم كلامه، ثم احتاج إلى القافية فقال " المسلسل " فزاد شيئاً، وقوله:
أظن الذي يجدي عليك سؤالها ... دموعاً كتبديد الجمان المفصل
فتمم كلامه، ثم احتاج إلى القافية فقال " المفلل " فزاد شيئاً أيضاً.
والفاتح لأبواب هذا المعني ومبتكره هو امرؤ القيس حيث قال:
كأن عيون الوحش حول خبائنا **** وأرحلنا الجزع الذي لم يثقب
شبه عيون الوحش حول خبائهم وأرحلهم بالجزع -وهو بالفتح-: الخرز اليماني الذي فيه سواد وبياض تشبه به العيون, وهو واف بالغرض من التشبيه, لكنه أتى بقوله: لم يثقب, إيغالا وتحقيقا للتشبيه, لأن الجزع إذا كان غير مثقوب كان أشبه بالعيون. قال الأصمعي: الظبي والبقرة إذا كانا حيين فعوينهما كلها سواد, وإذا ماتا بدا بياضها, وإنما شبهها بالجزع وفيه بياض وسواد بعدما موتت. والمراد كثرة الصيد, يعني لكثرة ما أكلنا منه كثرت العيون عندنا.
ومثله قول زهير
كأن فتات العهن في كل منزل **** نزلن به حب الفنا لم يحطم
ومعنى قول زهير انتهى في كلامه إلى قوله حب الفنا وزيادة المعنى في قوله لم يحطم فيها نكتة بديعية غريبة على ما قرره الأصمعي وما ذاك إلا أن زهيرا شبه ما تفتت من العهن بحب الفنا والفنا شجر ثمره حب أحمر وفيه نقط سود وقال الفراء هو عنب الثعلب فلما قال زهير بعد تمام معنى بيته لم يحطم أراد أن يكون حب الفنا صحيحا لأنه إذا كسر ظهر له لون غير الحمرة
وقول الأعشى يصف امرأة:
غراء فرعاء مصقول عوارضها **** تمشي الهوينا كما يمشي الوجى الوحل
فأوغل بقوله " الوحل " بعد أن قال " الوجى " "
وكان الرشيد كثير العجب بقول صريع الغواني:
إذا ما علت منا ذؤابة شارب **** تمشت به مشى المقيد في الوحل
ويقول: قاتله الله! ما كفاه أن جعله مقيداً حتى جعله في وحل
ومن الإيغال قول الطرماح العقيلي يصف فرساً بسعة المنخر:
لا يكتم الربو إلا ريث يخرجه **** من منخر كوجار الثعلب الخرب
فكونه كوجار الثعلب غاية في المبالغة، فكيف إذا كان خرابا؟.
وأنشد الجاحظ:
ألوي حيازيمي بهن صبابة **** كما تتلوى الحية المتشرق
فقوله " الحية المتشرق " إيغال؛ لأنه أشد لتلويه.
وكذلك قول جرير:
بات الفرزدق عائراً وكأنه **** قعو تعاوره السقاة معار
وإذا كان معاراً كان أشد لاستعماله وأقل للتحفظ عليه.
وقال جميل:
إني لأكتم حبها إذ بعضهم **** فيمن يحب كناشد الأغفال
" الناشد " طالب الضالة، وإذا كانت غفلاً ليس فيها سمة كان أشد للبحث عليها، وأكثر للسؤال والذكر.
ومن أحسن إيغال المحدثين قول مروان بن أبي حفصة:
هم القوم: إن قالوا أصابوا، وإن دعوا **** أجابوا، وإن أعطوا أطابوا وأجزلوا
فقوله " وأجزلوا " قد أتى به في نهاية الحسن.
وكذلك قول بشار بن برد:
وغيران من دون النساء كأنه **** أسامة ذو الشبلين حين يجوع
فقوله " حين يجوع " إيغال حسن.
وأسامة: من أسماء الأسد
وقال ابن المعتز:
وداع دعا والليل بيني وبينه **** فكنت مكان الظن منه وأعجلا
فقوله " وأعجل " زيادة وصف، وإيغال ظاهر.
وقال أبو الطيب في رثاء أم سيف الدولة:
مشى الأمراء حَوْليْها حفاة **** كأنّ المِروَ مِن زِفِّ الرئال
" فالزف ": أصغر الريش وألينه، ولا سيما النعام، ولم يرض بذلك حتى جعله زف الرئال، شبه به المرو وهو ما صغر من الحصى وحد فهذا فوق كل مبالغة وإيغال.
ومن هذا نوع يسمى الاستظهار، وهو قول ابن المعتز لابن طباطبا العلوي أو غيره:
فأنتم بنو بنته دوننا **** ونحن بنو عمه المسلم
فقوله " المسلم " استظهار؛ لأن العلوية من بني عم النبي عليه الصلاة والسلام أيضاً أعني أبا طالب ومات جاهلياً، فكأن ابن المعتز أشار بحذقه إلى ميراث الخلافة.
وبيت الشيخ صفي الدين الحلي في بديعيته يقول فيه عن النبي
كأن مَرْآهُ بدر غير مستتر **** وطيب رياه مسك غير مكتتم
الإيغال مع الشيخ صفي الدين في غير مستتر وغير مكتتم
وبيت الشيخ عز الدين الموصلي في بديعيته يقول فيه عن النبي
أضحت أعاديه في الأقطار طائرة **** وأوغلت في الهوى خوفا مع العصم
قال الشيخ عز الدين في شرحه إن الإيغال الذي أفاد في بيته معنى زائدا بعد تمامه قوله خوفا مع العصم وذكر أن العصم هي الجوارح من الطيور التي تفرخ في العوالي والله أعلم
وبيت بديعية ابن حجة أشار فيه إلى النبي بقوله
للجود في السير إيغال إليه وكم **** حبا الأنام بود غير منصرم
الإيغال في قوله: غير منصرم، ولكن عابوا عليه استعارة السير والإيغال للجود وقالوا لا وجه لها، لأن الجود من الغرائز، والغريزة طبيعة لا تنفك عن الإنسان حتى تسير إليه، أو توغل في سيرها إليه، وهذا من الغلط في الكلام..
وبيت بديعية الطبري قوله:
هو الكريم بإيغال فلست ترى **** أمد منه عطاء غير منحسم
الإيغال في قوله: غير منحسم
وبيت بديعية ابن معصوم قوله:
ما أوغل الفكر في قولي بمدحته **** إلا وجاء بعقد غير منفصم
الإيغال فيه قوله: غير منفصم. والله أعلم.
المصادر:
كتاب البديع في البديع لابن المعتز ت247ه
العمدة في محاسن الشعر لابن رشيق القيرواني ت390ه
زهر الآداب للحصري القيرواني ت453ه
خزانة الأدب لابن حجة الحموي ت837ه
أنوار الربيع في أنواع البديع لابن معصوم الحسني ت1119ه
جمع وإعداد وتقديم: محمد أبورزق
يُتبع
كأن مَرْآهُ بدر غير مستتر **** وطيب رياه مسك غير مكتتم
الإيغال مع الشيخ صفي الدين في غير مستتر وغير مكتتم
وبيت الشيخ عز الدين الموصلي في بديعيته يقول فيه عن النبي
أضحت أعاديه في الأقطار طائرة **** وأوغلت في الهوى خوفا مع العصم
قال الشيخ عز الدين في شرحه إن الإيغال الذي أفاد في بيته معنى زائدا بعد تمامه قوله خوفا مع العصم وذكر أن العصم هي الجوارح من الطيور التي تفرخ في العوالي والله أعلم
وبيت بديعية ابن حجة أشار فيه إلى النبي بقوله
للجود في السير إيغال إليه وكم **** حبا الأنام بود غير منصرم
الإيغال في قوله: غير منصرم، ولكن عابوا عليه استعارة السير والإيغال للجود وقالوا لا وجه لها، لأن الجود من الغرائز، والغريزة طبيعة لا تنفك عن الإنسان حتى تسير إليه، أو توغل في سيرها إليه، وهذا من الغلط في الكلام..
وبيت بديعية الطبري قوله:
هو الكريم بإيغال فلست ترى **** أمد منه عطاء غير منحسم
الإيغال في قوله: غير منحسم
وبيت بديعية ابن معصوم قوله:
ما أوغل الفكر في قولي بمدحته **** إلا وجاء بعقد غير منفصم
الإيغال فيه قوله: غير منفصم. والله أعلم.
المصادر:
كتاب البديع في البديع لابن المعتز ت247ه
العمدة في محاسن الشعر لابن رشيق القيرواني ت390ه
زهر الآداب للحصري القيرواني ت453ه
خزانة الأدب لابن حجة الحموي ت837ه
أنوار الربيع في أنواع البديع لابن معصوم الحسني ت1119ه
جمع وإعداد وتقديم: محمد أبورزق
يُتبع

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق