اللغة العربية: إبداع وإمتاع وإقناع
علم البديع
دروس مهمة لكل شاعر وكاتب وأديب
الدرس التسعون (90)
[التهذيب والتأديب]
**وهو درس مهم جدّا يجب الإستفادة منه
هذا النوع ليس له شاهد من الشعر أو النثر يخصه وإن كان من مستحسنات البديع، لأنه وصفٌ يعمُّ كلّ كلام مُهذّبٍ مُحرّرٍ نظما كان أو نثرا.
وهو عبارة عن تهذيب المتكلّم كلامَه، وتنقيحَه ومراجعتَه بالنظر والفكر فيه، فيُسقِط ما يجب إسقاطه، ويُصلح ما يتعين إصلاحه، ويحرر مقاصده ومبانيه، ويبين أغراضه ومعانيه، بحيث لا يمكن أن يقال فيه: لو كان غير هذا لكان أحسن، ولو زيد هذا لكان يستحسن، ولو قُدّم هذا لكان أجمل، ولو تُرك هذا لكان أفضل.
وقلّما راجع الإنسان كلاما قاله إلا وعنَّتْ له هذه المقالة، كما قيل:
ما خَطَّ كف امرء شيئاً وراجَعه **** إلا وعَنَّ له تبديلُ ما فيه
وقال ذاك كذا أولى وذاك كذا **** وهكذا إن يكن تسمو قوافيه
فإذا سلِم البيت من لو كان هكذا، وليته كان هكذا، عُدّ من مستحسنات البديع، وشمله حَدُّ التهذيب والتأديب، وإلا فهو خارج عما نحن فيه، مردود على من خرج من فيه.
وكان زهير بن أبي سلمى يُضرب به المثل في تنقيح الشعر وتهذيبه، فيقال: حوليات زهير، لأنه كان يعمل القصيدة في ليلة، ثم تبقى حولا ينقحها.
وقيل: بل كان ينظمها في شهر وينقحها في أحد عشر شهرا. وقيل: بل كان ينظمها في أربعة أشهر، وينقحها في أربعة أشهر، ويعرضها على علماء أصحابه أربعة أشهر، ولهذا كان عمر بن الخطاب يعتقد أنه شاعر الشعراء.
وكان الحطيئة يقول: خير الشعر الحولي المحكك، إقتداء بمذهب زهير.
قال أبو العتاهية لمحمد بن مناذر: كم بيتـًا من الشـِّعر تنظم في اليوم؟ قال: ثلاثة أبيات أو خمسة. فقال أبو العتاهية: ولكني أقول المائة والمائتين. قال ابن مناذر: أجل، إنك تقول:
يا عُتْبُ مالي ولكِ **** يا ليتني لم أركِ
وأنا أقول:
سـتُظلم بغـداد وتجلو لنا الدُّجَى **** بمكــة مـا عشـــنا ثلاثــة أقمـر
إذا نزلوا بطحـاء مكـة أشـرقت **** بيحيى وبالفضل بن يحيى وجعفر
ومـا خُـــلِقتْ إلاَّ لجـودٍ أكــفَّهم **** وأقــــدامُهم إلا لأعــــواد منــبر
ولو أردتَ أنتَ أن تنظم مثلَ هذا لطال عليك الدّهر!
ومثل هذه الحكاية ما يحكى أن أبا نواس اجتمع مع مسلم بن الوليد
المعروف بصريع الغواني، فجرى بينهما كلام، فقال مسلم: لو كنت أرضى أن أقول مثل قولك:
لبيك إن الحمد لك **** والملك لا شريك لك
والليل لما إن حلك **** والسابحات في الفلك
لقلت في اليوم عشرة آلاف بيت، لكني أقول:
موف على رهج في يوم ذي رهج **** كأنه أجل يسعى إلى أمل
ينال بالرفق ما يعيا الرجال به **** كالموت مستعجلا يأتي على مهل
يكسو السيوف نفوس الناكثين به **** ويجعل الروس تيجان القنا الذبل
قال امرؤ القيس في تهذيبه لشعره :
أذود القوافي عنّي ذياداً **** ذيادَ غلامٍ جريء جرَّادَا
فلما كثُرنَ وعنَّيْنَه **** تخيَّر منهن شتَّى جِيادا
فأعزلُ مرجانها جانباً **** وآخذُ من درها المستجادا
فإذا كان أشعر الشعراء يصنع هذا ويحكيه عن نفسه، فكيف ينبغي لغيره أن يصنع؟
وقال عدي بن الرقاع في تهذيبه لشعره:
وقصيدة قد بِتُّ أجمع بيتها **** حتى أُقوِّم ميلها وسنادها
نَظَرَ المثقفِ في كعوب قناته **** حتى يقيم ثقافه منادها
وتبيت حتى ما أسائل عالما **** عن حرف واحدة لكي أزدادها
وقال أبو تمام:
خذها ابنة الفكر المهذب في الدجى **** والليل أسود رقعة الجلباب
وقال ابن عنين:
معنى بديع وألفاظ منقحة **** عن نية وقواف كلها نخب
وما أحسن ما قال أبو محمد يحيى بن علي المنجم:
رب شعر نقدته مثلما ين **** قد رأس الصيارف الدينارا
ثم أرسلته فكانت معاني **** ــهِ وألفاظه معا أبكارا
لو تأنى لقالة الشعر ما أس **** قط منه حلوا به الأشعارا
إن خير الكلام ما يستعير ال **** ناس منه ولم يكن مستعارا
ولله الآخر حيث يقول:
لا تعرضن على الرواة قصيدة **** ما لم تكن بالغت في تهذيبها
فإذا عرضت الشعر غير مهذب **** عَدُّوهُ منك وساوسا تهذي بها
قيل لبشار بن برد: بم فقت أهل عصرك، وسبقت أهل أندادك في دهرك، في حسن معاني الشعر، وتهذيب ألفاظه؟ فقال: لأني لم أقبل كل ما تورده علي قريحتي، وتناجيني به طبيعتي، وتبعثه فكرتي. ونظرت إلى مغارس الفطن ومعادن الحقائق، ولطائف التشبيهات فصرت إليها بفهم جيد، وغريزة قوية فأَبَحْتُ سرّها، وانتقيتُ حُرَّها، وكشفت عن حقائقها، واحترزت عن متكلَّفِها، لا والله ما ملك قيادي قط الإعجاب بشيء مما آتي به.
وقال أبو عبادة البحتري الشاعر: كنت في حداثتي أروم الشعر، وكنت أرجع فيه إلى طبع سليم، ولم أكن وقفت له على تسهيل مأخذ ووجوه اقتضاب، حتى قصدت أبا تمام وانقطعت إليه، واتكلت في تعريفه عليه، فكان أوّل ما قال لي: يا أبا عبادة، تخيّر الأوقات وأنت قليل الهموم، صِفرٌ من الغموم، واعلم أن العادة في الأوقات إذا قصد الإنسان تأليف بيت أو حفظه أن يختار وقت السحر، وذلك أن النفس تكون قد أخذت حظها من الراحة، وقسطها من النوم، وخف عنها ثقل الغذاء، وصفا من أكثر الأبخرة والأدخنة جسم الهواء، وسكنت الغماغم، ورقت النسائم، وتغنت الحمائم. وإذا شرعت في التأليف تغنَّ بالشعر، فإن الغناء مضماره الذي يجري فيه، واجتهد في إيضاح معانيه، فإن أردت التشبيب فاجعل اللفظ رقيقا، والمعنى رشيقا، وأكثر فيه من بيان الصبابة، وتوجع الكآبة، وقلق الأشواق والفراق، والتعلل باستنشاق النسائم وغناء الحمائم، والبروق اللامعة، والنجوم الطالعة، والتبرم من العُذّال والوقوف على الأطلال , وإذا أخذت في مدح سيد فأشهر مناقبه، وأظهر مناسبه، وأرهف من عزائمه، ورغِّب في مكارمه، واحذر المجهول من المعاني، وإياك أن تشين شعرك بالعبارة الرديئة، والألفاظ الحوشية، وناسب بين الألفاظ والمعاني في تأليف الكلام، وكن كأنك خياط يقدر الثياب على مقادير الأجسام.
وإذا عارضك الضجر فأرح نفسك، ولا تعمل إلا وأنت فارغ القلب ولا تنظم إلا برغبة، فإن الرغبة نعم المعين على حسن النظم، وجملة الحال أن تعتبر شعرك بم سلف من أشعار الماضيين، فما استحسن العلماء فاقصده، وما استقبحوه فاجتنبه.
وقال أبو الفتح نصر الله بن الأثير: جيّد الشعر ما كانت ألفاظه حلوة، ومخارجه سهلة، وقوافيه مألوفة، ووزنه حسنا تقبله النفس، سالما من الزحاف. واعلم أن اللفظ كالصورة والمعنى كالروح، فإن اتفقا وقع الكمال، وإن اختلفا وقع النقص. وأحسن الألفاظ ثلاثة: التطبيق، والتجنيس، والمقابلة. وأحسن المعاني ثلاثة: الاستعارة، والتشبيه، والمثل. فعليك بها على سبيل الاقتصاد. وينبغي أن يرغب الشاعر في الحلاوة واللطافة، والجزالة والفخامة، ويتجنب السوقي القريب، والحوشي الغريب، كما قال بعضهم:
عليك بأوساط الأمور فإنها **** نجاة ولا تركب ذلولا ولا صعبا
وينبغي أن يحصل المعنى قبل اللفظ، والقوافي قبل الأبيات، ويكتب كل لفظ يسنح، وكل معنى يلمح، ويترنم بالشعر وهو يصنعه، ويقصد علمه وقت السحر وهو خال من الهم، لأن النفس تكون قد أخذت حظها من الراحة، ويجعل شهوته لقول الشعر التوصل إلى من نظمه فإنها نعم المعين، ويعرف أغراض المخاطب كائناً من كان، لأن لكل مقام مقالا، فيخاطب الناس على قدر طبقاتهم وتعلقاتهم. فإن نسب ذل وخضع، وإن مدح أطرى وأسمع، وإن هجا أقل وأوجع، وإن فخر خب ووضع، وإن عاتب خفض ورفع، وإن استعطف حن ورجع. ويحسن الفواتح والخواتم والمطالع، ويلطف الخروج إلى المدح والهجاء، لأن حسن الافتتاح داعية الانشراح، وخاتمة الكلام أبقى في السمع، وألصق بالنفس لقرب العهد بها، فتقع من الأسماع والألقاب على حسبها، ولطافة الخروج أشد ارتياحا للممدوح، ويتفقد خاطره بالمذاكرة، فإنها زناده، وتشب أيقاده.
وتتفجر عيون المعاني، وتثبت قواعد المباني بمطالعة الأشعار وترنم جيدها، فإنهما يولدان الرغبة. وقيل: ما استدعي شارد الشعر بمثل الماء الجاري، والشرف العالي، والمكان الخالي، وتملّي الحالي (يراد الحالي من الروض) .
وقال الشيخ زكي الدين بن أبي الأصبع في وصية له: لا ينبغي للشاعر أن يكره الخاطر على وزن مخصوص، ورَوِيٍّ مقصود، بل ينبغي أن يتوخى الكلام الجزل دون الرذل، والسهل دون الصعب، والعذب دون المستكره، والمستحسن دون المستهجن. ولا تعمل نظما ولا نثرا عند الملل فإن الكثير معه قليل، والنفيس معه خسيس. والخواطر ينابيع، إذا رُفقَ بها جمعت، وإذا كثر استعمالها نزحت. واكتب كل معنى يَسْنَح، وقيِّدْ كل فائدة تعرض، فإن نتائج الأفكار كلمعة البرق ولمحة الطرف إن لم تقيدها شردت وندت، وإن لم يستعطف عليها بالتكرار صدت. والترنم بالشعر مما يعين عليه، فقد قال الشاعر:
تغنَّ بالشعر إمّا كنتَ قائلَه **** إن الغناء لقول الشعر مضمار
وقد يكلّ خاطر الشاعر ويعصى عليه الشعر زمانا. كما رُوي عن الفرزدق أنه قال: لقد يمرّ عليّ زمان وقلعُ ضرس من أضراسي أهون علي من أن أقول بيتا واحدا. فإذا كان كذلك فاتركه حتى يأتيك عفوا، وينقاد إليك طوعا. وإياك وتعفيد المعاني وتقعيرالألفاظ، وتَوَخَّ حسن النسق عند التهذيب، ليكون كلامك بعضه آخذا بأعناق بعض. وكرر التنقيح وعاود التهذيب، ولا تخرج عنك ما نظمته إلا بعد تدقيق النقد، وإمعان النظر.
وما أحسن ما قال أبو محمد الخازن:
لا يحسن الشعر ما لم يُسترقَّ له **** حُرُّ الكلام وتستخدم له الفكر
أنظر تجد صور الأشعار واحدة **** وإنما لِمَعانٍ تُعشقُ الصور
وإذ قد ذكرنا تهذيب بن الأثير: يستحب للشاعر أن يكون حسن الأخلاق، حلو الشمائل، مأمون الجانب، طلق الوجه، طلق اليدين، وإلا هو كما قال ابن أبي فنن:
وإن أحق الناس باللوم شاعر **** يلوم على البخلِ الرجالَ ويبخلُ
ويستحب له أن يكثر من حفظ شعر العرب لاشتماله على ذكر أخبارهم وآثارهم، وأنسابهم وأحسابهم، وفي ذلك تقوية لطبعه، وبه يعرف المقاصد، ويسهل عليه اللفظ، ويتسع المذهب، فإنه إذا كان له طبع وأخل بذلك فربما طلب معنى فلا يصل إليه، وهو ماثل بين يديه لضعف آلته، كالمقعد يجد في نفسه القوة على النهوض فلا تعينه آلته.
وسئل رؤبة بن العجاج عن الفحل من الشعراء فقال: هو الراوية، لأنه إذا روى إستفحل، قال ابن حبيب: لأنه يجمع إلى جيّد شعره معرفة جيد شعر غيره، فلا يحمل نفسه إلا على بصيرة.
وقال رؤبة في صفة شاعر:
لقد خشيت أن يكون ساحرا **** راوية مَرّاً ومَرّا شاعرا
فاستعظم حاله حتى قرنها بالسحر.
وكان امرؤ القيس راويةَ أبي داود الأيادي، مع فضل ذخيرته، وقوة غريزته.
وكان زهير راويةَ أوس بن حجر، وطفيل الغنوي.
وكان الحطيئة راويةَ زهير.
وكان الفرزدق على فضله يروي للحطيئة كثيرا.
وكان كُثير عزّة راويةَ جميل، ولم يكن بدون الفرزدق وجرير، بل كان يُقدّمُ عليهما عند أهل الحجاز.
ولا يستغني عن تصفح أشعار المحدثين المجيدين لما فيها من حلاوة اللفظ ، وقرب المأخذ، وإشارات الملح، ووجوه البديع، وأن يكون متصرفا في أنواع الشعر، من جد وهزل، وحلو وجزل، ومدح وهجاء، ورثاء وافتخار واعتذار، فإن كان كذلك لم يُمَلَّ شعره، فيُحكمُ له بالتصرف والتقدم.
وقد ادعى ذلك حبيب في القصيدة الواحدة فقال:
الجد والهزل في توشيع لحمتها **** إلا التصرف والسخف والأشجان والطرب
وقال إسماعيل بن القاسم أبو عتاهية:
لا يصلح النفس إذا كانت مركبة **** إلا التصرف من حال إلى حال
ويُكره للشاعر أن يكون معجبا بنفسه، مثنيا على شعره وإن كان مجيدا، إلا أنْ يريدَ ترغيب ممدوح أو ترهيبه، فيثني على نفسه، ويذكر فضل قصيدته، فقد جوزوا له ذلك مسامحة.
كالذي يعرض لكثير من الشعراء في أشعارهم من مدح قصائدهم، على أن أبا تمام يقول:
ويسيء بالإحسان ظناً لا كمن **** يأتيك وهو بشعره مفتون
المصادر:
كتاب البديع في البديع لابن المعتز ت247ه
العمدة في محاسن الشعر لابن رشيق القيرواني ت390ه
زهر الآداب للحصري القيرواني ت453ه
خزانة الأدب لابن حجة الحموي ت837ه
أنوار الربيع في أنواع البديع لابن معصوم الحسني ت1119ه
جمع وإعداد وتقديم: محمد أبورزق
يُتبع
علم البديع
دروس مهمة لكل شاعر وكاتب وأديب
الدرس التسعون (90)
[التهذيب والتأديب]
**وهو درس مهم جدّا يجب الإستفادة منه
هذا النوع ليس له شاهد من الشعر أو النثر يخصه وإن كان من مستحسنات البديع، لأنه وصفٌ يعمُّ كلّ كلام مُهذّبٍ مُحرّرٍ نظما كان أو نثرا.
وهو عبارة عن تهذيب المتكلّم كلامَه، وتنقيحَه ومراجعتَه بالنظر والفكر فيه، فيُسقِط ما يجب إسقاطه، ويُصلح ما يتعين إصلاحه، ويحرر مقاصده ومبانيه، ويبين أغراضه ومعانيه، بحيث لا يمكن أن يقال فيه: لو كان غير هذا لكان أحسن، ولو زيد هذا لكان يستحسن، ولو قُدّم هذا لكان أجمل، ولو تُرك هذا لكان أفضل.
وقلّما راجع الإنسان كلاما قاله إلا وعنَّتْ له هذه المقالة، كما قيل:
ما خَطَّ كف امرء شيئاً وراجَعه **** إلا وعَنَّ له تبديلُ ما فيه
وقال ذاك كذا أولى وذاك كذا **** وهكذا إن يكن تسمو قوافيه
فإذا سلِم البيت من لو كان هكذا، وليته كان هكذا، عُدّ من مستحسنات البديع، وشمله حَدُّ التهذيب والتأديب، وإلا فهو خارج عما نحن فيه، مردود على من خرج من فيه.
وكان زهير بن أبي سلمى يُضرب به المثل في تنقيح الشعر وتهذيبه، فيقال: حوليات زهير، لأنه كان يعمل القصيدة في ليلة، ثم تبقى حولا ينقحها.
وقيل: بل كان ينظمها في شهر وينقحها في أحد عشر شهرا. وقيل: بل كان ينظمها في أربعة أشهر، وينقحها في أربعة أشهر، ويعرضها على علماء أصحابه أربعة أشهر، ولهذا كان عمر بن الخطاب يعتقد أنه شاعر الشعراء.
وكان الحطيئة يقول: خير الشعر الحولي المحكك، إقتداء بمذهب زهير.
قال أبو العتاهية لمحمد بن مناذر: كم بيتـًا من الشـِّعر تنظم في اليوم؟ قال: ثلاثة أبيات أو خمسة. فقال أبو العتاهية: ولكني أقول المائة والمائتين. قال ابن مناذر: أجل، إنك تقول:
يا عُتْبُ مالي ولكِ **** يا ليتني لم أركِ
وأنا أقول:
سـتُظلم بغـداد وتجلو لنا الدُّجَى **** بمكــة مـا عشـــنا ثلاثــة أقمـر
إذا نزلوا بطحـاء مكـة أشـرقت **** بيحيى وبالفضل بن يحيى وجعفر
ومـا خُـــلِقتْ إلاَّ لجـودٍ أكــفَّهم **** وأقــــدامُهم إلا لأعــــواد منــبر
ولو أردتَ أنتَ أن تنظم مثلَ هذا لطال عليك الدّهر!
ومثل هذه الحكاية ما يحكى أن أبا نواس اجتمع مع مسلم بن الوليد
المعروف بصريع الغواني، فجرى بينهما كلام، فقال مسلم: لو كنت أرضى أن أقول مثل قولك:
لبيك إن الحمد لك **** والملك لا شريك لك
والليل لما إن حلك **** والسابحات في الفلك
لقلت في اليوم عشرة آلاف بيت، لكني أقول:
موف على رهج في يوم ذي رهج **** كأنه أجل يسعى إلى أمل
ينال بالرفق ما يعيا الرجال به **** كالموت مستعجلا يأتي على مهل
يكسو السيوف نفوس الناكثين به **** ويجعل الروس تيجان القنا الذبل
قال امرؤ القيس في تهذيبه لشعره :
أذود القوافي عنّي ذياداً **** ذيادَ غلامٍ جريء جرَّادَا
فلما كثُرنَ وعنَّيْنَه **** تخيَّر منهن شتَّى جِيادا
فأعزلُ مرجانها جانباً **** وآخذُ من درها المستجادا
فإذا كان أشعر الشعراء يصنع هذا ويحكيه عن نفسه، فكيف ينبغي لغيره أن يصنع؟
وقال عدي بن الرقاع في تهذيبه لشعره:
وقصيدة قد بِتُّ أجمع بيتها **** حتى أُقوِّم ميلها وسنادها
نَظَرَ المثقفِ في كعوب قناته **** حتى يقيم ثقافه منادها
وتبيت حتى ما أسائل عالما **** عن حرف واحدة لكي أزدادها
وقال أبو تمام:
خذها ابنة الفكر المهذب في الدجى **** والليل أسود رقعة الجلباب
وقال ابن عنين:
معنى بديع وألفاظ منقحة **** عن نية وقواف كلها نخب
وما أحسن ما قال أبو محمد يحيى بن علي المنجم:
رب شعر نقدته مثلما ين **** قد رأس الصيارف الدينارا
ثم أرسلته فكانت معاني **** ــهِ وألفاظه معا أبكارا
لو تأنى لقالة الشعر ما أس **** قط منه حلوا به الأشعارا
إن خير الكلام ما يستعير ال **** ناس منه ولم يكن مستعارا
ولله الآخر حيث يقول:
لا تعرضن على الرواة قصيدة **** ما لم تكن بالغت في تهذيبها
فإذا عرضت الشعر غير مهذب **** عَدُّوهُ منك وساوسا تهذي بها
قيل لبشار بن برد: بم فقت أهل عصرك، وسبقت أهل أندادك في دهرك، في حسن معاني الشعر، وتهذيب ألفاظه؟ فقال: لأني لم أقبل كل ما تورده علي قريحتي، وتناجيني به طبيعتي، وتبعثه فكرتي. ونظرت إلى مغارس الفطن ومعادن الحقائق، ولطائف التشبيهات فصرت إليها بفهم جيد، وغريزة قوية فأَبَحْتُ سرّها، وانتقيتُ حُرَّها، وكشفت عن حقائقها، واحترزت عن متكلَّفِها، لا والله ما ملك قيادي قط الإعجاب بشيء مما آتي به.
وقال أبو عبادة البحتري الشاعر: كنت في حداثتي أروم الشعر، وكنت أرجع فيه إلى طبع سليم، ولم أكن وقفت له على تسهيل مأخذ ووجوه اقتضاب، حتى قصدت أبا تمام وانقطعت إليه، واتكلت في تعريفه عليه، فكان أوّل ما قال لي: يا أبا عبادة، تخيّر الأوقات وأنت قليل الهموم، صِفرٌ من الغموم، واعلم أن العادة في الأوقات إذا قصد الإنسان تأليف بيت أو حفظه أن يختار وقت السحر، وذلك أن النفس تكون قد أخذت حظها من الراحة، وقسطها من النوم، وخف عنها ثقل الغذاء، وصفا من أكثر الأبخرة والأدخنة جسم الهواء، وسكنت الغماغم، ورقت النسائم، وتغنت الحمائم. وإذا شرعت في التأليف تغنَّ بالشعر، فإن الغناء مضماره الذي يجري فيه، واجتهد في إيضاح معانيه، فإن أردت التشبيب فاجعل اللفظ رقيقا، والمعنى رشيقا، وأكثر فيه من بيان الصبابة، وتوجع الكآبة، وقلق الأشواق والفراق، والتعلل باستنشاق النسائم وغناء الحمائم، والبروق اللامعة، والنجوم الطالعة، والتبرم من العُذّال والوقوف على الأطلال , وإذا أخذت في مدح سيد فأشهر مناقبه، وأظهر مناسبه، وأرهف من عزائمه، ورغِّب في مكارمه، واحذر المجهول من المعاني، وإياك أن تشين شعرك بالعبارة الرديئة، والألفاظ الحوشية، وناسب بين الألفاظ والمعاني في تأليف الكلام، وكن كأنك خياط يقدر الثياب على مقادير الأجسام.
وإذا عارضك الضجر فأرح نفسك، ولا تعمل إلا وأنت فارغ القلب ولا تنظم إلا برغبة، فإن الرغبة نعم المعين على حسن النظم، وجملة الحال أن تعتبر شعرك بم سلف من أشعار الماضيين، فما استحسن العلماء فاقصده، وما استقبحوه فاجتنبه.
وقال أبو الفتح نصر الله بن الأثير: جيّد الشعر ما كانت ألفاظه حلوة، ومخارجه سهلة، وقوافيه مألوفة، ووزنه حسنا تقبله النفس، سالما من الزحاف. واعلم أن اللفظ كالصورة والمعنى كالروح، فإن اتفقا وقع الكمال، وإن اختلفا وقع النقص. وأحسن الألفاظ ثلاثة: التطبيق، والتجنيس، والمقابلة. وأحسن المعاني ثلاثة: الاستعارة، والتشبيه، والمثل. فعليك بها على سبيل الاقتصاد. وينبغي أن يرغب الشاعر في الحلاوة واللطافة، والجزالة والفخامة، ويتجنب السوقي القريب، والحوشي الغريب، كما قال بعضهم:
عليك بأوساط الأمور فإنها **** نجاة ولا تركب ذلولا ولا صعبا
وينبغي أن يحصل المعنى قبل اللفظ، والقوافي قبل الأبيات، ويكتب كل لفظ يسنح، وكل معنى يلمح، ويترنم بالشعر وهو يصنعه، ويقصد علمه وقت السحر وهو خال من الهم، لأن النفس تكون قد أخذت حظها من الراحة، ويجعل شهوته لقول الشعر التوصل إلى من نظمه فإنها نعم المعين، ويعرف أغراض المخاطب كائناً من كان، لأن لكل مقام مقالا، فيخاطب الناس على قدر طبقاتهم وتعلقاتهم. فإن نسب ذل وخضع، وإن مدح أطرى وأسمع، وإن هجا أقل وأوجع، وإن فخر خب ووضع، وإن عاتب خفض ورفع، وإن استعطف حن ورجع. ويحسن الفواتح والخواتم والمطالع، ويلطف الخروج إلى المدح والهجاء، لأن حسن الافتتاح داعية الانشراح، وخاتمة الكلام أبقى في السمع، وألصق بالنفس لقرب العهد بها، فتقع من الأسماع والألقاب على حسبها، ولطافة الخروج أشد ارتياحا للممدوح، ويتفقد خاطره بالمذاكرة، فإنها زناده، وتشب أيقاده.
وتتفجر عيون المعاني، وتثبت قواعد المباني بمطالعة الأشعار وترنم جيدها، فإنهما يولدان الرغبة. وقيل: ما استدعي شارد الشعر بمثل الماء الجاري، والشرف العالي، والمكان الخالي، وتملّي الحالي (يراد الحالي من الروض) .
وقال الشيخ زكي الدين بن أبي الأصبع في وصية له: لا ينبغي للشاعر أن يكره الخاطر على وزن مخصوص، ورَوِيٍّ مقصود، بل ينبغي أن يتوخى الكلام الجزل دون الرذل، والسهل دون الصعب، والعذب دون المستكره، والمستحسن دون المستهجن. ولا تعمل نظما ولا نثرا عند الملل فإن الكثير معه قليل، والنفيس معه خسيس. والخواطر ينابيع، إذا رُفقَ بها جمعت، وإذا كثر استعمالها نزحت. واكتب كل معنى يَسْنَح، وقيِّدْ كل فائدة تعرض، فإن نتائج الأفكار كلمعة البرق ولمحة الطرف إن لم تقيدها شردت وندت، وإن لم يستعطف عليها بالتكرار صدت. والترنم بالشعر مما يعين عليه، فقد قال الشاعر:
تغنَّ بالشعر إمّا كنتَ قائلَه **** إن الغناء لقول الشعر مضمار
وقد يكلّ خاطر الشاعر ويعصى عليه الشعر زمانا. كما رُوي عن الفرزدق أنه قال: لقد يمرّ عليّ زمان وقلعُ ضرس من أضراسي أهون علي من أن أقول بيتا واحدا. فإذا كان كذلك فاتركه حتى يأتيك عفوا، وينقاد إليك طوعا. وإياك وتعفيد المعاني وتقعيرالألفاظ، وتَوَخَّ حسن النسق عند التهذيب، ليكون كلامك بعضه آخذا بأعناق بعض. وكرر التنقيح وعاود التهذيب، ولا تخرج عنك ما نظمته إلا بعد تدقيق النقد، وإمعان النظر.
وما أحسن ما قال أبو محمد الخازن:
لا يحسن الشعر ما لم يُسترقَّ له **** حُرُّ الكلام وتستخدم له الفكر
أنظر تجد صور الأشعار واحدة **** وإنما لِمَعانٍ تُعشقُ الصور
وإذ قد ذكرنا تهذيب بن الأثير: يستحب للشاعر أن يكون حسن الأخلاق، حلو الشمائل، مأمون الجانب، طلق الوجه، طلق اليدين، وإلا هو كما قال ابن أبي فنن:
وإن أحق الناس باللوم شاعر **** يلوم على البخلِ الرجالَ ويبخلُ
ويستحب له أن يكثر من حفظ شعر العرب لاشتماله على ذكر أخبارهم وآثارهم، وأنسابهم وأحسابهم، وفي ذلك تقوية لطبعه، وبه يعرف المقاصد، ويسهل عليه اللفظ، ويتسع المذهب، فإنه إذا كان له طبع وأخل بذلك فربما طلب معنى فلا يصل إليه، وهو ماثل بين يديه لضعف آلته، كالمقعد يجد في نفسه القوة على النهوض فلا تعينه آلته.
وسئل رؤبة بن العجاج عن الفحل من الشعراء فقال: هو الراوية، لأنه إذا روى إستفحل، قال ابن حبيب: لأنه يجمع إلى جيّد شعره معرفة جيد شعر غيره، فلا يحمل نفسه إلا على بصيرة.
وقال رؤبة في صفة شاعر:
لقد خشيت أن يكون ساحرا **** راوية مَرّاً ومَرّا شاعرا
فاستعظم حاله حتى قرنها بالسحر.
وكان امرؤ القيس راويةَ أبي داود الأيادي، مع فضل ذخيرته، وقوة غريزته.
وكان زهير راويةَ أوس بن حجر، وطفيل الغنوي.
وكان الحطيئة راويةَ زهير.
وكان الفرزدق على فضله يروي للحطيئة كثيرا.
وكان كُثير عزّة راويةَ جميل، ولم يكن بدون الفرزدق وجرير، بل كان يُقدّمُ عليهما عند أهل الحجاز.
ولا يستغني عن تصفح أشعار المحدثين المجيدين لما فيها من حلاوة اللفظ ، وقرب المأخذ، وإشارات الملح، ووجوه البديع، وأن يكون متصرفا في أنواع الشعر، من جد وهزل، وحلو وجزل، ومدح وهجاء، ورثاء وافتخار واعتذار، فإن كان كذلك لم يُمَلَّ شعره، فيُحكمُ له بالتصرف والتقدم.
وقد ادعى ذلك حبيب في القصيدة الواحدة فقال:
الجد والهزل في توشيع لحمتها **** إلا التصرف والسخف والأشجان والطرب
وقال إسماعيل بن القاسم أبو عتاهية:
لا يصلح النفس إذا كانت مركبة **** إلا التصرف من حال إلى حال
ويُكره للشاعر أن يكون معجبا بنفسه، مثنيا على شعره وإن كان مجيدا، إلا أنْ يريدَ ترغيب ممدوح أو ترهيبه، فيثني على نفسه، ويذكر فضل قصيدته، فقد جوزوا له ذلك مسامحة.
كالذي يعرض لكثير من الشعراء في أشعارهم من مدح قصائدهم، على أن أبا تمام يقول:
ويسيء بالإحسان ظناً لا كمن **** يأتيك وهو بشعره مفتون
المصادر:
كتاب البديع في البديع لابن المعتز ت247ه
العمدة في محاسن الشعر لابن رشيق القيرواني ت390ه
زهر الآداب للحصري القيرواني ت453ه
خزانة الأدب لابن حجة الحموي ت837ه
أنوار الربيع في أنواع البديع لابن معصوم الحسني ت1119ه
جمع وإعداد وتقديم: محمد أبورزق
يُتبع

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق