musique

السبت، 12 يناير 2019

[المشاكلة]



اللغة العربية: إبداع وإمتاع وإقناع
علم البديع
دروس مهمة لكل شاعر وكاتب وأديب
الدرس الرابع والتسعون (94)
[المشاكلة]
المشاكلة في اللغة: المشابهة والموافقة.
وفي الاصطلاح: ذكر الشيء بلفظ غيره، لوقوعه في صحبته تحقيقا أو تقديرا.
فالأول: وهو ما يكون وقوعه في صحبة غيره تحقيقا
كقوله تعالى "وجزاء سيئة سيئة مثلها" فإن الثانية لكونها حقيقة لا تكون سيئة، لكن لوقوعها في صحبة الأولى عبّر عنها بالسيئة.
فالجزاء عن السيئة في الحقيقة غير سيئة، والأصل وجزاء سيئة عقوبة مثلها
وقوله تعالى: "تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك"
والأصل تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما عندك
فلما عبّر عن الأول بما في نفسي، عبّر عن الثاني بما في نفسك مشاكلة، لأن الحق تعالى وتقدس لا يستعمل في حقه لفظة النفس، إلا أنها استعملت هنا مشاكلة لما تقدم من لفظ النفس.
ومنه قوله تعالى: ( ومكروا ومكر الله ) والأصل أخذهم بمكرهم. ومنه قوله تعالى: ( فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم ) أي فعاقبوه، فعدل عن هذا لأجل المشاكلة اللفظية.
ولا يلزم تقديم الصاحب لمجيئه متأخرا، كقوله عليه السلام: (أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قلَّ فعليكم من الأعمال بما تطيقون فإن الله لا يمل حتى تملوا) فعبّر عن قطع الثواب بالملل لوقوعه في صحبته وهو متأخر عنه.
وكقول الشاعر:
قالوا اقترح شيئا نجد لك طبخة **** قلت اطبخوا لي جبة وقميصا
ذكر خياطة الجبة بلفظ الطبخ لوقوعها في صحبة الطعام..
وقول أبي تمام:
من مبلغ أفناء يعرب كلها **** إني بنيت الجار قبل المنزل
فبناء الجار إنما سوغه بناء المنزل وهو متأخر عنه.
ومنه قول أبي تمام أيضا:
لا تسقني ماء الملام فإنني **** صب قد استعذبت ماء بكائي
قالوا إنه من هذا الباب، وإن إثبات الماء للملام بمشاكلة ماء البكاء المتأخر عنه.
واستشهدوا كثيرا لهذا النوع بقول ابن كلثوم:
ألا لا يجهلن أحد علينا **** فنجهل فوق جهل الجاهلينا
قالوا: سمى جزاء الجهل جهلا مشاكلة. واعترض بأنه إنما كان جهلا للزيادة على جهل الأول، فهو أيضاً جاهل متعد كالأول، وغاية ما يمكن أن يقال في جوابه: إن الزيادة على جهل الظالم في مكافأة ظلمه ليس ظلما في اعتقاد الشاعر، لأن الجهل عنده ما لا يكون له سبب يحال عليه عادة، والأول كذلك، وأما الثاني وإن زاد فيصح أن يحال على الأول.
وقد تقرر أن هذا النوع أعني المشاكلة اللفظية ـ أي التي تكون تحقيقا ــ أن يأتي المتكلم في كلامه باسم من الأسماء المشتركة في موضعين فتشاكل إحدى اللفظتين الأخرى في الخط واللفظ ومفهومهما مختلف
ومن إنشادات التبريزي في هذا الباب قول أبي سعيد المخزومي
حَدَقَ الآجالَ آجالُ **** والهوى للمرء قتال
فلفظة الآجال الأولى أسراب البقر الوحشية، مفرده إجل، والثانية منتهى الأعمار مفرده أجل، وبينهما مشاكلة في اللفظ والخط
وإن كان بعض علماء البديع صنّفوه من الجناس التامّ
والثاني: وهو ما يكون وقوعه في صحبة غيره تقديرا.
كقوله تعالى "صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة ونحن له عابدون" فقوله: صبغة الله, مصدر مؤكد منتصب عن قوله: آمنا بالله, لأن الإيمان يطهر النفوس, فعبر عن الإيمان بالصبغة وإن لم يقع في الصبغ. لأن سبب النزول دال عليه, وذلك أن النصارى كانوا يغمسون أولادهم في ماء أصفر يسمونه المعمودية ويقولون هو تطهير لهم, فعبر عن مقابله من تطهير القلوب بالإيمان بصبغة الله مشاكلة, لوقوعه في صحبة صبغة النصارى تقديرا وإن لم يذكر ذلك لفظا, وهذا كما تقول لمن يغرس الأشجار: اغرس كما يغرس فلان, تريد رجلا يصطنع الكرام ويحسن إليهم, فتعبر عن الاصطناع بلفظ الغرس للمشاكلة, وقرينة الحال, حيث كان مشغولا بالغرس وإن لم يكن له ذكر في المقال.
حكي أن فقيراً وقف على بعض الولاة وهو يغرس فسيلا فأنشده:
إن الولاية لا تدوم لواحد **** إن كنت تنكره فأين الأول
فاغرس من الفعل الجميل غرائسا **** فإذا عُزِلتَ فإنها لا تُعزَل
وأرباب البديعيات إنما بنوا أبياتهم على النوع الأول, وهو ما يكون وقوعه في صحبة غيره تحقيقا لأنه الأشهر والأكثر في الاستعمال.
وبيت بديعية الصفي قوله:
يجزي إساءة باغيهم بسيئة **** ولم يكن عاديا منهم على ارم
وبيت بديعية ابن جابر الأندلسي قوله:
سقاهم الغيث واستسقى لهم ذهبا **** فغير كفيه إن أمحلت لا تشم
وبيت بديعية عز الدين الموصلي قوله:
يجزي بسيئة للضد سيئة **** معنى مشاكلة من خير منتقم
وبيت بديعية ابن حجة قوله:
من اعتدى فبعدوان يشاكله **** لحكمة هو فيها خير منتقم
وبيت بديعية المقري قوله:
يضاعف الأجر والحسنى ويردع عن **** ظلم بظلم ويعفو عن كثيرهم
وبيت بديعية العلوي قوله:
إن الرحيم جزى بالسوء سيئة **** قطيعة العفو للأصحاب والرحم
وبيت بديعية الطبري قوله:
جازى بالإحسان إحسانا مشاكلة **** وألف اللفظ بالمعنى لملتئم
وبيت بديعية ابن معصوم الحسني قوله:
يجزى العداة بعدوان مشاكلة **** والفضل بالفضل ضعفا في جزائهم
المصادر:
كتاب البديع في البديع لابن المعتز ت247ه
العمدة في محاسن الشعر لابن رشيق القيرواني ت390ه
زهر الآداب للحصري القيرواني ت453ه
خزانة الأدب لابن حجة الحموي ت837ه
أنوار الربيع في أنواع البديع لابن معصوم الحسني ت1119ه
جمع وإعداد وتقديم: محمد أبورزق
يُتبع

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق