musique

الثلاثاء، 1 يناير 2019

[ الغُلُوّ ]

اللغة العربية: إبداع وإمتاع وإقناع
علم البديع
دروس مهمة لكل شاعر وكاتب وأديب
الدرس السابع والثمانون (87)
[ الغُلُوّ ]
الغُلُو في اللغة: مجاوزة الحدّ والقدر والإفراط فيه.
وفي الإصطلاح: هو أن تدعي لشيء وصفا بالغا حدّ الاستحالة عقلا وعادة.
وقد تقدم القول على المبالغة وتقرر أنها في الاصطلاح إفراط وصف الشيء بالممكن القريب وقوعه عادة وتقرر أن الإغراق فوقها في الرتبة وهو في الاصطلاح إفراط وصف الشيء بالممكن البعيد وقوعه عادة
والغلو فوقهما فإنه الإفراط في وصف الشيء بالمستحيل وقوعه عقلا وعادة.
وهو ينقسم إلى قسمين: مقبول وغير مقبول
فالمقبول لا بد أن يقربه الناظم إلى القبول بأداة التقريب اللهم إلا أن يكون الغلو في مديح النبي فلا غلو
ويجب على ناظم الغلو أن يسبكه في قوالب التخيلات الحسنة التي يدعو العقل إلى قبولها في أول وهلة كقوله تعالى ( يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار ) فإن إضاءة الزيت من غير مس نار مستحيلة عقلا ولكن لفظة يكاد قربته فصار مقبولا.
ومنه قول أبي العلاء المعري
تكاد قسيه من غير رام **** تمكن في قلوبهم النبالا
تكاد سيوفه من غير سل **** تجد إلى رقابهم انسلالا
وقول ابن المعتز:
يكاد يجري من القميص من ال **** نعمة لولا القميص يمسكه
وقول أبي الشيص:
لولا التمنطق والسوار معا **** والحجل والدملوج في العضد
لتزايلت من كل ناحية **** لكن جعلن لها على عمد
ومنه أخذ ابن النبيه قوله:
لها معصم لولا السوار يصده **** إذا حسرت أكمامها لجرى نهرا
وقول عبد العزيز بن عبد الرزاق :
قالت وقد صرت كطيف الخيال **** كيف ترى فعل الدمى بالرجال
وسددت سهما إلى مقتلي **** تقول هل فيك لدفع النصال
رقيقة الجسم فلولا الذي **** يمسكه من قسوة القلب سال
وقول شرف الدين الحلاوي يصف قدحا من أبيات:
رق فلولا الأكف تمسكه **** سال مع الخمر حين ترشفه
وقول ابن حمديس الصقلي في وصف فرس
ويكاد يخرج سرعة من ظله **** لو كان يرغب في فراق رفيق
ولمؤيد الدين الطغرائي يصف خيلا:
سبقت حوافرها النواظر فاستوى **** سبق إلى غاياتها وشفون
لولا ترائي الغايتين لأقسم ال **** راؤن أن حراكها تسكين
وتكاد تشبهها البروق لو أنها **** لم تعتلقها أعين وظنون
وقول أبي العتاهية في فرس للرشيد. حدث ابن الأعرابي قال: أجرى هارون الرشيد الخيل فجاء فرس يقال له المشمر سابقا, وكان الرشيد معجبا بذلك الفرس, فأمر الشعراء أن يقولوا فيه فبدرهم أبو العتاهية فقال:
جاء المشمر والأفراس يقدمها **** عفوا على رسله منها وما انبهرا
وخلف الريح حسرى وهي جامدة **** ومر يختطف الأبصار والنظرا
قال: فأجزل وصلته, وما جسر أحد بعد أبي العتاهية أن يقول شيئا.
ومنه قول الفرزدق في علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم أجمعين
يكاد يمسكه عرفان راحته **** ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم
وقول الشريف الرضي والغلو فيه مجازي:
أشكو ليالي غير معتبة **** أما من طول أو من القصر
تطول في هجركم وتقصر **** في الوصل فما تلتقي على قدر
يا ليلة كاد من تقاصرها **** يعثر فيه العشاء بالسحر
ومن الغلو المقبول بغير أداة التقريب قول أبي الطيب المتنبي في ممدوحه
عقدت سنابكها عليه عثيرا **** فلو ابتغى عنقا عليه أمكنا
معنى هذا البيت أن سنابك الخيل وهي أطراف الحوافر عقدت على هذا الممدوح عثيرا وهو الغبار حتى لو أراد أنه يمشي عليه عنقا لأمكن والعنق هو المشي السريع وانعقاد الغبار في الهواء حتى يمكن المشي عليه مستحيل عقلا وعادة إلا أنه تخيل حسن مقبول
وقد وقع للقاضي الأرجاني جمع فيه بين الشيئين الموجبين للقبول والتقريب وهما ما جرى بهما مجرى كاد والتخيل الحسن وذلك قوله
يخيل لي أن سمر الشهب في الدجا **** وشدت بأهدابي إليهن أجفاني
فقوله (يخيل) هي أداة التقريب, فإنه جعل المدعى توهما لا حقيقة وأما حسن التخييل فهو ما أدعاه من أنه لطول ليلة وشدة سهره يوقع في خياله أن الشهب محكمة بالمسامير لا تزول عن مكانها. وشدت أجفانه إليها بأهدابه لعدم انطباقها والتقائها, فجعل الأهداب بمنزلة الحبال. ولا خفاء بما في هذا التخييل من الحسن
ـــ وأما الغلو الذي هو غير مقبول فكقول أبي نواس
فلما شربناها ودب دبيبها **** إلى موضع الأسرار قلت لها قفي
مخافة أن يسطو علي شعاعها **** فيطلع ندماني على سري الخفي
قالوا إن سطوة شعاع الخمر عليه بحيث يصير جسمه شفافا يظهر لنديمه ما في باطنه لا يمكن عقلا ولا عادة
ومنه قول بعضهم
أسكر بالأمس إن عزمت على **** الشرب غدا إن ذا من العجب
فسكره بالأمس بسبب عزمه على الشرب غدا مما لا يمكن عقلا ولا عادة أيضا
ومنه قول أبي نواس
وأخفت أهل الشرك حتى إنه **** لتخافك النطف التي لم تخلق
وهذا الذي قاله أبو نواس أيضا أمر مستحيل فإن قيام العرض الموجود وهو الخوف بالمعدوم وهي النطف التي لم تخلق لا يمكن عقلا ولا عادة ومن ألطف ما يحكى هنا أن العتابي الشاعر لقي أبا نواس فقال له أما تستحي من الله بقولك وأخفت أهل الشرك البيت فقال له أبو نواس وأنت أيضا ما استحيت من الله بقولك
ما زلت في غمرات الموت مطرحا **** يضيق عني وسيع الرأي من حيل
فلم تزل دائبا تسعى بلطفك لي **** حتى اختلست حياتي من يدي أجلي
فقال العتابي قد علم الله وعلمت أن هذا ليس مثل قولك ولكنك أعددت لكل سؤال جوابا
ومنه قول بعضهم
قد كان لي فيما مضى خاتم **** واليوم لو شئت تمنطقت به
وذبت حتى صرت لو زج بي **** في مقلة النائم لم ينتبه
ومثل هذا أيضا لا يقبله العقل ولا عليه رونق القبول
ومراتب الغلو تتفاوت إلى أن تؤول بقائلها إلى الكفر فمن ذلك قول ابن دريد
مارستُ من لوْ هَوَتِ الأفلاك من **** جوانب الجوّ عليه ما شكا
يعني أنه تحدّى المهالك ومحن الدهر بصلابة وقوة حتى أنه لو سقطت عليه الأفلاك ما تألّم ولا شكا
قيل إنه لأجل هذا البيت والإدّعاء العظيم الذي ادعى فيه ابتلي بمرض كان فيه يخاف من الذباب أن يقع عليه
ومنه قوله
ولو حمى المقدار عنه مهجة **** لرامها أو تستبيح ما حمى
تغدو المنايا طائعات أمره **** ترضى الذي يرضى وتأبى ما أبى
ومثله قول أبي الطيب
كأني دحوت الأرض من خبرتي بها **** وكأن بنى الإسكندر السد من عزمي
هذا أيضا من الغلو الذي يؤدي إلى سخافة العقل مع ما فيه من قبح التركيب وبعده عن البلاغة
وأقبح من هذا كله قول عضد الدولة
ليس شرب الراح إلا في المطر **** وغناء من جوار في السحر
غانيات سالبات للنهى **** ناغمات من تضاعيف الوتر
مبرزات الكأس من مطلعها **** ساقيات الراح من فاق البشر
عضد الدولة بان ركنها **** ملك الأملاك غلاب القدر
روي أنه لم يفلح بعد هذا القول وكان لا ينطق إلا بقوله تعالى ( ما أغنى عني ماليه هلك عني سلطانيه )
والشعراء المشهورون بالاستكثار من الغلو المردود والقبيح: أبو نواس وأبو الطيب المتنبي, وابن هاني الأندلسي وهو أشهرهم بذلك, وأبو العلاء المعري, والمتأخرين ابن النبيه.
فمن غلو أبي نواس القبيح قوله يمدح الفضل بن العباس:
يداه في الأرض والسماء فما **** تجوز قطريه كف مخلوق
وقوله في الرشيد:
فلا يتعذرن عليك عفو **** وسعت به جميع العالمينا
وهذا إنما هو عفو الله سبحانه لا عفو الرشيد.
وقوله فيه أيضاً:
يا ناق لا تسأمي أو تبلغي ملكا **** تقبيل راحته والركن سيان
وقوله في الغزل:
متتايه بجماله صلف **** لا يستطاع كلامه تيها
للحسن في وجناته بدع **** ما إن ميل الدرس قاريها
لو كانت الأشياء تعقله **** أجللته إجلال باريها
قال أبو منصور الثعالبي في يتيمة الدهر عند ذكره ما نعي على أبي الطيب المتنبي من معائب شعره ومقابحه: منها الإفصاح عن ضعف العقيدة, ورقة الدين. على أن الديانة ليست عيارا على الشعر, ولا سوء الاعتقاد سببا لتأخر الشعر, ولكن الإسلام حقه من الإجلال الذي لا يسوغ الإخلال به, قولا وفعلا ونظما ونثرا, ومن استهان بأمره, ولم يضع ذكره وذكر ما يتعلق به في موضع استحقاقه فقد باء بغضب من الله تعالى, وتعرض لمقته في وقته.
ــ وأنا أستغفر الله تعالى من إثبات هذه الأشياء، فليحذر الأديب الأريب الوقوع في مثل ذلك، وما ذكرته هنا إلا لمعفة الغلوّ المفرط الغير مقبول، ولأن علماء البديع تطرقوا له وعابوه، وليتجنب الأديب هذه المسالك فإن صدور مثل ذلك من الشاعر منقصة في دينه, ولا يعود عليه منه إلا المقت من رحمة الله وخلقه. (ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب) ـــ .
المصادر:
كتاب البديع في البديع لابن المعتز ت247ه
العمدة في محاسن الشعر لابن رشيق القيرواني ت390ه
زهر الآداب للحصري القيرواني ت453ه
خزانة الأدب لابن حجة الحموي ت837ه
أنوار الربيع في أنواع البديع لابن معصوم الحسني ت1119ه
جمع وإعداد وتقديم: محمد أبورزق
يُتبع

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق