musique

الخميس، 15 نوفمبر 2018

[ التقسيم ]

Mohammed Abourizq
************tag
اللغة العربية: إبداع وإمتاع وإقناع
علم البديع
دروس مهمة لكل شاعر وكاتب وأديب
الدرس الثامن والستون (68)
[ التقسيم ]
التقسيم في اللغة: التجزئة والتفريق، وفي الاصطلاح على نوعين: 1) النوع الأول : أن يذكر قسمة ذات جزئين أو أكثر، ثم يضيف إلى كل واحد من الأقسام ما يليق به.
كقول المتلمس:
ولا يقيم على ضيم يراد به **** إلا الأذَلّانِ عَيْرُ الحَيِّ والوَتِدُ
هذا على الخسف مربوط برمته **** وذا يُشجُّ فلا يَرْثي له أحد
ذكر العير والوتد، ثم أضاف إلى الأول الربط مع الخسف، وإلى الثاني الشج.
ومعى قوله: أنه لا يقبل السكوت على الضيم إلا اثنين: الحمار والوتد، فالأول تربى على الربط، والثاني تربّى على الضرب، فهما ذليلان لا يأبه بهما أحد
وقول ربيعة الرقي:
لشتان ما بين اليزيدين في الندى **** يزيد سليم والأغر ابن حاتم
يزيد سليم سالم المال والفتى **** فتى الأزد للأموال غير مسالم
فهم الفتى الأزدي إتلاف ماله **** وهم الفتى القيسي جمع الدراهم
فإنه ذكر في الأبيات إسم يزيدين فذم واحدا ومدح واحدا، ثم أضاف إلى يزيد الأزدي ما يليق به من الكرم وإتلاف المال في ذلك، وأضاف إلى يزيد القيسي ما يليق به من البخل وجمع الأموال.
وقول أبي الفتيان ابن حيوس:
ثمانية لم تفترق مذ جمعتَها **** فلا افترقت ما ذبَّ عن ناظرٍ شَفْرُ
يقينك والتقوى وجودك والغنى **** ولفظك والمعنى وسيفك والنصر
2) النوع الثاني: أن يتقصَّى تفصيل ما ابتدأ به، ويستوفي جميع الأقسام التي يقتضيها ذلك المعنى، كقوله تعالى "هو الذي يريكم البرق خوفا وطمعا" إذ ليس في رؤية البرق إلا الخوف من الصواعق والطمع في الغيث ولا ثالث لهذين القسمين.
وقوله تعالى "الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم" استوفى جميع هيئات الذاكر من قيام وقعود وعلى الجنب ولا رابع لها، وقوله تعالى "يهب لمن يشاء إناثاً ويهب لمن يشاء الذكور، اًو يزوجهم ذكرانا وإناثا ويجعل من يشاء عقيما" استوفى جميع أحوال المشروحين ولا خامس لها.
ومنه قوله تعالى: ( ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا، فمنهم ظالم لنفسه، ومنهم مقتصد، ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله) فاستوفت الآية الكريمة جميع الأقسام التي يمكن وجودها، فإنّ العَالَم جميعه لا يخلو من هذه الأقسام الثلاثة.
وقوله تعالى: ( له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك) فالآية الشريفة جامعة لأقسام الزمان الثلاثة، ولا رابع لها، والمراد الحال والماضي والمستقبل، فله ما بين أيدينا المراد به المستقبل، وما خلفنا المراد به الماضي، وما بين ذلك الحال.
وفي الحديث النبوي قوله صلى الله عليه وسلم: " ما لَك من مالِك إلا ما أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت أو تصدقت فأبقيت"
ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: " من أقام الصلاة كان مسلما، ومن آتى الزكاة كان محسنا، ومن شهد أن لا إله إلا الله كان مخلصا" فإنه صلى الله عليه وسلم إستوعب الوصف الذي من الدرجات العليا والوسطى والسفلى.
وكان الحسن البصري يقول: لا توبة لقاتل المؤمن متعمدا، فدس إليه عمرو بن عبيد رجلا وقال: قل له: لا يخلو من أن يكون مؤمنا أو كافرا أو منافقا (أو فاسقا) . فإن كان مؤمنا فإن الله سبحانه يقول "يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا"، ويقول "توبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون"، وإن كان كافرا فإنه تعالى يقول: "قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف"، وإن كان منافقا فانه تعالى يقول: "إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا إلا الذين تابوا"، وإن كان فاسقا فإنه يقول: "أولئك هم الفاسقون إلا الذين تابوا".
فقال الحسن للرجل: من أين لك هذا؟ قال: شيء اختلج في صدري، قال: محال: أصدقني، فقال: عمرو بن عبيد، فقال: عمرو وما عمرو، إذا قام بأمر قعد به، وإذا قعد بأمر قام به، ورجع عن قوله.
وحكي أنه قدم وفد من العراق على عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه وفيهم شاب فقام وتقدم في المجلس وقال: يا أمير المؤمنين أصابتنا سنون ثلاث: أما الأولى فأذابت الشحم، وأما الثانية فنخست اللحم، وأما الثالثة فهاضت العظم، وفي أيديكم فضول أموال، فإن كانت لله فبثوها في عباد الله، وإن كانت لهم فلا تمنعوهم إياها، وإن كانت لكم فتصدقوا إن الله يجزي المتصدقين.
فقال عمر: ما ترك لنا في واحدة عذرا، ثم قال له: قد قلت في حاجة العامة فقل في حاجة نفسك، فقال: ما لي حاجة في خاصة دون عامة.
ولما ورد قتيبة من مسلم خراسان قال: بلغني أن لعبد الله بن حازم بهذه البلدة مالا فمن كان في يده شيء منه فلينبذه، ومن كان في فمه فليلفظه، ومن كان في صدره فلينفثه، فتعجبوا من حسن تفصيله.
ومثاله في الشعر قول سيبويه:
فقال فريق الحي لا، وفريقهم **** نعم، وفريق قال ويحك لا ندري
وقول زهير:
وأعلم علم اليوم والأمس قبله **** ولكنني عن علم ما في غد عم
وقوله:
فإن الحق مقطعه ثلاث **** يمين أو شهود أو جلاء
وروي أن عمر لما سمع هذا البيت قال: لو أدركت زهيراً لوليته القضاء.
ومنه قول ابن الفارض:
يقولون لي صفها فأنت بوصفها **** خبيرٌ أجَلْ عندي بأوصافها عِلمُ
صفاء ولا ماءٌ ولطف ولا هوىً **** ونور ولا نار وروح ولا جسم
وقول عمرو بن الأهتم:
إشربا ما شربتما فهذيل **** من قتيل أو هارب أو أسير
وقول أبي تمام في مجوسي أحرق بالنار:
صلى لها حيا وكان وقودها **** ميتا ويدخلها مع الفجار
وقول الآخر:
ولا بد من شكوى إلى ذي مروءة **** يواسيك أو يسليك أو يتوجع
فإن المشكو إليه إما أن يواسي الشاكي وهي الرتبة العليا، وإما أن يسليه وهي الرتبة الوسطى، وإما أن يتوجع وهي الرتبة السفلى.
وفساد التقسيم يكون إما بالتكرار كقوله:
فما برحت تومي إليك بطرفها **** وتومض أحيانا إذا خصمها غفل
فتومي بطرفها وتومض متساويان في المعنى.
أو بدخول أحد القسمين في الآخر كقول عدي:
غير ما أن أكون نلت نوالا **** من نداها عفوا ولا مَهْنِيا
فيجوز أن يكون العفو مهنيا وبالعكس.
وقول البحتري:
قف مشوقا أو مسعدا أو حزينا **** أو مغيثا أو عاذرا أو عذولا
قال ابن الأثير في المثل السائر: وهذا من فساد التقسيم، فإن المشوق يكون حزينا، والمسعد يكون مغيثا، وكذلك قد يكون المسعد عاذرا.
أو بترك بعض الأقسام كقول جرير:
صارت حنيفة أثلاثا فثلثهم **** من العبيد وثلث من مواليها
ولم يذكر في بيته القسم الثالث
وقال بوّابُ المأمونِ يوما للوُقوفِ على الباب: كم تقفون على الباب؟ اختاروا واحدة من ثلاث: إما أن تقفوا ناحية الباب، وإما أن تجلسوا في المسجد، ثم سكت, فقالوا: فالخصلة الثالثة؟ فلم يحسن أن يثلث، فقال: جئتمونا بكلام الزنادقة؟. فحدث به المأمون فضحك وأمر له بألف درهم، وقال: لولا أنها نادرة جهل لاستحق بها أكثر.
والخلاصة أن التقسيم على نوعين:
1)أن يذكر قسمة ذات جزئين أو أكثر، ثم يضيف إلى كل واحد من الأقسام ما يليق به.
كأن تقول مثلا: دمشق والقاهرة والرباط وبغداد عواصم عربية، فدمشق عاصمة سوريا، والقاهرة عاصمة مصر، والرباط عاصمة المغرب، وبغداد عاصمة العراق.
2) : أن يتقصَّى تفصيل ما ابتدأ به، ويستوفي جميع الأقسام التي يقتضيها ذلك المعنى
ومثاله: أن تقول: العناصر أربعة: الماء والهواء والتراب والنار، فقد استوفيت بكلامك جميع العناصر الموجودة ولا يوجد لها خامس.
المصادر:
كتاب البديع في البديع لابن المعتز ت247ه
العمدة في محاسن الشعر لابن رشيق القيرواني ت390ه
خزانة الأدب لابن حجة الحموي ت837ه
أنوار الربيع في أنواع البديع لابن معصوم الحسني ت1119ه
جمع وإعداد وتقديم: محمد أبورزق
يُتبع

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق