musique

الاثنين، 5 نوفمبر 2018

[ التِّكْرَار ]

Mohammed Abourizq
*******
اللغة العربية: إبداع وإمتاع وإقناع
علم البديع
دروس مهمة لكل شاعر وكاتب وأديب
الدرس الثالث والستون (63)
[ التِّكْرَار ]
التكرار, وقد يقال: التكرير، فالأول إسم، والثاني مصدر من كررت الشيء: إذا أعدته مرارا، وهو عبارة عن تكرير كلمة فأكثر باللفظ أوالمعنى، والمراد بذلك تأكيد الوصف أو المدح أو الذم أو التهويل أو الوعيد أو الإنكار أو التوبيخ أو الاستبعاد أو لغرض من الأغراض
وللتكرار مواضع يحسن فيها، ومواضع يقبح فيها، فأكثر ما يقع التكرار في الألفاظ دون المعانى، وهو في المعاني دون الألفاظ أقلّ، فإذا تكرر اللفظ والمعنى جميعاً فذلك الخذلان بعينه، ولا يجب للشاعر أن يكرر إسماً إلا على جهة التشوق والاستعذاب إذا كان في تغزل أو نسيب.
1) التكرار باللفظ
ـــ فمما جاء منه للتأكيد: قوله تعالى "كلا سوف تعلمون, ثم كلا سوف تعلمون". فالتكرير تأكيد للردع والإنذار, فقوله: كلا: ردع وتنبيه, على أنه لا ينبغي للِنّاظِرِ لنفسِهِ أن تكون الدنيا جميع همه وأن لا يهتمَّ بدينه. وسوف تعلمون: إنذار, ليخافوا فينتبهوا من غفلتهم، أي سوف تعلمون الخطأ فيما أنتم عليه إذا عاينتم ما أمامكم من هول لقاء الله. وفي الإتيان بلفظ (ثم) دلالة على أن الإنذار الثاني أبلغ من الأول، كما تقول لمن تنصحه، أقول لك: لا تفعل ثم لا تفعل، وذلك لأن أصل ثُمّ للدلالة على تراخي الزمان، لكنها قد تجيء لمجرد التدرج في دُرج الإرتقاء من غير اعتبار التراخي والبعد بين تلك الدرج، ولا لأن الثاني بعد الأول في الزمان، وذلك إذا تكرر الثاني بلفظ الأول نحو والله ثم والله. وكقوله تعالى "وما أدريك ما يوم الدين، ثم ما أدريك ما يوم الدين".
وقول كثير عزة:
فوالله ثم الله ما حل قبلها **** ولا بعدها مخلوقة حيث حلت
ــ ومنه لزيادة التنبيه: على ما ينفى التهمة والإيقاظ من سِنَة الغفلة، ليكمل تلقي الكلام بالقبول، كما في قوله تعالى: "وقال الذي آمن يا قوم اتبعوني أهدكم سبيل الرشاد، يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع" فانه كرر فيه النداء لذلك.
ـــ ومنه لزيادة التنويه والإشارة إليه بذكر، إن كان في مدح
كقول أبي الأسد:
ولائمة لامتك يا فيضُ في الندى **** فقلت لها: هل يقدح اللوم في البحر؟
أرادت لتُثنِي الفيضَ عن عادة الندى **** ومن ذا الذي يَثني السحاب عن القطر؟!
كأن وفود الفيض يوم تحملوا **** إلى الفيض لاقوا عنده ليلة القدر
مواقع جود الفيض في كل بلدة **** مواقع ماء المزن في البلد القفر
فتكريرإسم الممدوح هنا تنويه به، وإشارة بذكره، وتفخيم له في القلوب والأسماع.
وكذلك قول الخنساء:
وإن صخراً لمولانا وسيدنا **** وإن صخراً إذا نشتو لنحار
وإن صخراً لتأتم الهداة به **** كأنه علم في رأسه نار
ــ ومنه تذكر ما قد بعد بسبب طول الكلام: وهذا التكرير قد يكون مجردا عن رابط كما في قوله تعالى: "ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا إن ربك من بعدها لغفور رحيم".
فقوله: "من بعدها" تكرير لقوله: "من بعد"
وكما في قول الشاعر:
لقد علم الحي اليماني أنني **** إذا قلت أما بعد إني خطيبها
فقوله "أنني" تكرير لقوله "إنّي" وكلاهما مجردتان لا رابط بينهما.
وقد يكون مع رابط كما في قوله تعالى "لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب"
فقوله: "فلا تحسبنهم" تكرير لقوله: "لا تحسبن الذين يفرحون" لبُعده من المفعول الثاني.
ـــ ومنه زيادة التوجع والتحسر كما في قول الحسين بن مطير:
فيا قبرَ مُعنٍّ أنت أوّل حفرة **** من الأرض خطت للسماحة مضجعا
ويا قبر معن كيف واريت جوده **** وقد كان منه البر والبحر مترعا
وكقول متمم بن نويرة:
وقالوا: أتبكي كل قبر رأيته **** لقبر ثوى بين اللوى فالدكادك؟
فقلت لهم: إن الأسى يبعث الأسى **** دعوني فهذا كله قبر مالك
وأولى ما تكرر فيه الكلام باب الرثاء؛ لمكان الفجيعة وشدة القرحة التي يجدها المتفجع، وهو كثير حيث التُمِسَ من الشعر وُجِد.
ـــ ومنه التهويل نحو قوله تعالى: "الحاقة ما الحاقة" وقوله تعالى:"القارعة ما القارعة".
ـــ ومنه التهديد والوعيد
كقول الأعشى ليزيد بن مسهر الشيباني:
أبا ثابت لا تعلقنك رماحنا **** أبا ثابت أقصر وعرضك سالم
وذرنا وقوماً إن هم عمدوا لنا **** أبا ثابت واقعد فإنك طاعم!!
ـــ ومنه زيادة الإستبعاد كما في قوله تعالى "هيهات هيهات لما توعدون".
وقول الشاعر:
وهيهات هيهات العقيق وأهله **** وهيهات خل بالعقيق نواصله
ـــ ومنها زيادة المدح كقول أبي تمام:
بالصريح الصريح والأروع الأر **** وع منهم وباللباب اللباب
وكقول كثير في عمر بن عبد العزيز
فأربح بها من صفقة لمبايع **** وأعظم بها وأعظم بها ثم أعظم
ـــ ومنه التعظيم كقوله تعالى: "وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين".
ـــ ومنها التلذذ بذكر المكرر كما في قوله:
سقى الله نجدا والسلام على نجد **** ويا حبذا نجد على النأي والبعد
نظرت إلى نجد وبغداد دونه **** لعلي أرى نجدا وهيهات من نجد
فكرر لفظة نجد ست مرات لتلذذه بذكرها، كما قيل:
أعد ذكر نعمان لنا إن ذكره **** هو المسك ما كررته يتضوع
ـــ وأما ما جاء منه للذم فكقول مهلهل بن ربيعة أخي كليب
يا لبكر أنشروا لي كليبا **** يا لبكر أين أين الفرار
ـــ وأما ما جاء منه للإنكار والتوبيخ فهو تكرار قوله تعالى في سورة الرحمن ( فبأي آلاء ربكما تكذبان ) فإن الرحمن جل جلاله ما عدد آلاءه هنا إلا ليبكت بها من أنكرها على سبيل التقريع والتوبيخ كما يبكت منكر أيادي المنعم عليه من الناس بتعديدها له
وكقول بعضهم:
إلى كم وكم أشياء منكم تريبني **** أغمض عنها لست عنها بذي عمي
فأما قول محمد بن مناذر الصبيري في معنى التكثير:
كم وكم كم كم وكم كم كم وكم **** قال لي: أنجز حر ما وعد
فقد زاد على الواجب، وتجاوز الحد.
ولما أنشدوا للصاحب أبي القاسم إسماعيل بن عباد قول أبي الطيب:
عظمت فلما لم تكلم مهابة **** تواضعت، وهو العظم عظماً عن العظم
قال: ما أكثر عظام هذا البيت
ـــ وأما ما جاء منه في النسيب
كقول امرئ القيس
ديار لسلمى عافيات بذي الخال **** ألح عليها كل أسحم هطال
وتحسب سلمى لا تزال كعهدنا **** بوادي الخزامي أو على رأس أو عال
وتحسب سلمى لا تزال ترى طلا **** من الوحش أو بيضاً بميثاء محلال
ليالي سلمى إذ تريك منضداً **** وجيداً كجيد الريم ليس بمعطال
وكقول قيس بن ذريح:
ألا ليت لبنى لم تكن لي خلة **** ولم تلقني لبنى ولم أدر ما هيا
وقول بعضهم
يقلن وقد قيل إني هجعت **** عسى أن يلم بروحي الخيال
حقيق حقيق وجدت السلو **** فقلت لهن محال محال
وألطف منه قول القاضي الفاضل:
ماذا تقول اللواحي ضل سعيهم **** وما تقول الأعادي زاد معناه
هل غير أني أهواه وقد صدقوا **** نعم نعم أنا أهواه وأهواه
وما أحلى ما قال بعده
حسب البرية أجرا فضل رؤيته **** فما رئي قط إلا سبح الله
2) التكرار في المعاني
ومن تكرير المعاني قول امرئ القيس :
فيا لك من ليل كأن نجومه **** بكل مغار الفتل شدت بيذبل
كأن الثريا علقت في مصامها **** بأمراس كتان إلى صم جندل
فالبيت الأول يغني عن الثاني، والثاني يغني عن الأول، ومعناهما واحد؛ لأن النجوم تشتمل على الثريا، كما أن يذبل يشتمل على صم الجندل، وقوله " شدت بكل مغار الفتل " ومثل قوله " علقت بأمراس كتان "
ويقرب من ذلك وليس به قول كثير:
وإني وتهيامي بعزة بعدما **** تخليت مما بيننا وتخلت
لكالمرتجى ظل الغمامة كلما **** تبوأ منها للمقيل اضمحلت
كأني وإياها سحابة ممحل **** رجاها فلما جاوزته استهلت
إلا أن كثيراً تصرف، فجعل رجاء الأول ظل الغمامة ليقيل تحتها من حرارة الشمس فاضمحلت وتركته ضاحياً، وجعل الممحل في البيت الثاني يرجو سحابة ذات ماء فأمطرت بعد ما جاوزته.
وكقول البحتري:
الفاعلون إذا لُدنا بجودهم **** ما يفعل الغيث في شؤبوبه الهتن
فجاء بالمعنى عاما من غير عدد ولا لفظ مستورد، فهو أرجح كلاما وأحسن لفظا.
ومنه قول ابن المعتز
لساني لسري كتوم كتوم **** ودمعي بحبي نموم نموم
ولي مالك شفني حبه **** بديع الجمال وسيم وسيم
له مقلتا شادنٍ أحورٍ **** ولفظ سحور رخيم رخيم
فدمعي عليه سجوج سجوم **** وجسمي عليه سقيم سقيم
عيوب التكرار
ومن المعيب في التكرار قول ابن الزيات:
أتعزف أم تقيم على التصابي؟ **** فقد كثرت مناقلة العتاب
إذا ذكر السلو عن التصابي **** نفرت من اسمه نفر الصعاب
وكيف يلام مثلك في التصابي **** وأنت فتى المجانة والشباب؟!!
سأعزف إن عزفت عن التصابي **** إذا ما لاح شيب بالغراب
ألم ترني عدلت عن التصابي **** فأغرتني الملامة بالتصابي؟!!
فملأ الدنيا بالتصابي، فقد برد به الشعر، ولا سيما وقد جاء به كله على معنى واحد من الوزن، لم يعد به عروض البيت،
وأين هذا من تكريره على جهة التفخيم في قوله للحسن بن سهل من قصيدة:
إلى الأمير الحسن استجدتها **** أي مزار ومناخ ومحل
أي مزار ومناخ ومحل **** لخائف ومستريش ذي أمل
وهذا كقول امرئ القيس:
تقطع أسباب اللبانة والهوى **** عشية جاوزنا حماة وشيزرا
عشية جاوزنا حماة وشيزرا **** أخو الجهد لا يلوي على من تعذرا
والفرق بين التكرار وبين الترديد: أن اللفظة التي تتكرر ولا تفيد معنى زائدا غير معنى الأولى هي التكرار، واللفظة التي تتردد فتفيد بمتعلقها معنى آخر غير معنى الأولى هي الترديد.
المصادر:
كتاب البديع في البديع لابن المعتز ت247ه
العمدة في محاسن الشعر لابن رشيق القيرواني ت390ه
زهر الآداب للحصري القيرواني ت453ه
خزانة الأدب لابن حجة الحموي ت837ه
أنوار الربيع في أنواع البديع لابن معصوم الحسني ت1119ه
جمع وإعداد وتقديم: محمد أبورزق
يُتبع

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق