musique

الجمعة، 30 نوفمبر 2018

التشبيه (تابع)

اللغة العربية: إبداع وإمتاع وإقناع
علم البديع
دروس مهمة لكل شاعر وكاتب وأديب
الدرس الخامس والسبعون (75)
التشبيه (تابع)
الجزء الثاني
مُتطلّبات التشبيه
إعلم أن التشبيه يستدعي خمسة أشياء:
الأول: الطرفين: أعني المشبه والمشبه به ليحصل التشبيه, لأنه من الأمور النسبية المفتقرة إلى المنتسبين.
الثاني: الوجه المشترك: ليجمع الطرفين.
الثالث: الغرض: ليصح العدول إليه من أصل المعنى, فلا يعد عيبا.
الرابع: الأحوال: ليحسن التشبيه برعاية مقبولها, والاحتراز عن مردودها.
الخامس: الأداة: لتوصل أحد الطرفين بالآخر لفظا, كما يوصله الوجه معنى.
ولنبين ذلك في خمسة فصول:.
* الفصل الأول
في الطرفين يعني المُشَبّه والمُشَبّه به:
وهما إما حسّيان أو عقليان
أولا الحسّيان: كما في تشبيه الخد بالورد, والقد بالغصن, والفيل بالجبل في المبصرات, والصوت الضعيف بالهمس, وأطيط الرجل بأصوات الفراريج في المسموعات, والنكهة بالعنبر والمسك في المشمومات, والريق بالعسل والخمر في المذوقات, والجلد الناعم بالحرير, والخشن بالمسح في الملموسات.
ثانيا:العقليان: كتشبيه العلم بالحياة, والجهل بالموت, والكفر بالظلمات.
وإلى هذا أشار الشاعر بقوله:
أخو العلم حي خالد بعد موته **** وأوصاله تحت التراب رميم
وذو الجهل ميت وهو ماش على الثرى **** يُعَدُّ من الأحياء وهو عديم
وقال آخر:
رب حي كميت ليس فيه **** أمل يرتجى لنفع وضر
وعظام تحت التراب وفوق الأ **** رض منها آثار حمد وشكر
ــــ وإما مختلفان بأن يكون المشبه عقليا, والمشبه به حسيا, أو بالعكس,
ـــ فالأول كتشبيه المنيّة بالسبع, فإن المنية وهو الموت, عقلي, لأنه عدم الحياة عما من شأنه الحياة والسبع حسّي.
والثاني كما في تشبيه العطر بخلق كريم, فإن العطر -وهو الطيب- محسوس بالشم, والخلق وهو كيفية نفسانية تصدر عنها الأفعال بسهولة, عقلي.
قال الزنجاني في المعيار: وهذا القسم -أعني تشبيه المحسوس بالمعقول- غير جائز, لأن العلوم العقلية مستفادة من الحواس ومنتهية إليها, ولذلك قيل: من فقد حسّا فقد عِلما. وإذا كان المحسوس أصلا للمعقول, فتشبيهه به يكون جعلُ الفرعِ أصلاً, والأصلُ فرعا, وهو غير جائز. ولذلك لو حاول محاول المبالغة في وصف الشمس في الظهور, والمسك في الطيب, فقال: الشمس كالحجة في الظهور, والمسك كخلق فلان في الطيب, كان سخيفا من القول. وأما ما جاء في الأشعار من تشبيه المحسوس بالمعقول, فوجهه أن يُقدَّر المعقول محسوسا, فيجعل كالأصل في ذلك المحسوس على طريق المبالغة, فيصِحُّ التشبيه حينئذ. انتهى.
واعلم أن المراد بالحسي المدرك -هو أو مادته- إحدى الحواس الخمس الظاهرة, وهي البصر, والسمع, والشم, والذوق؛ واللمس. فدخل فيه الخيالي, وهو الذي فُرض مجتمِعا من أمور, كل واحد منها مدرك بالحس.
كما في قوله:
وكأنّ محمر الشقيق **** إذا تصوب أو تصعد
أعلام ياقوت نُشِرْ **** نَ على رماح من زبرجد
فان الأعلام الياقوتية المنشورة على الرماح الزبرجدية مما لم يدركه الحس, لأن الحس إنما يُدرِك ما هو موجود في المادة, حاضر عند المدرك, على هيئات محسوسة مخصوصة به لكن مادته التي تركّب هو منها كالأعلام والياقوت والرماح والزبرجد, كل واحد منها محسوس بالبصر.
والمراد بالعقلي, ما لا يكون -هو ولا مادته- مُدركا بإحدى الحواس الخمس الظاهرة. فدخل فيه الوهمي, أي ما هو غير مدرك بها, ولكنه بحيث لو أدرك لكان مدركا بها.
كما في قول امرئ القيس:
أيقتلني والمَشرفيُّ مُضاجِعي **** ومَسْنونةُ زُرقٍ كأنياب أغوال
فان الأنياب الأغوال مما لا يدركه الحس لعدم تحققها, مع أنها لو أدركت لم تدرك إلا بحس البصر. وعليه قوله تعالى "طلعها كأنه رؤوس الشياطين". ودخل فيه أيضاً ما يدرك بالوجدان كالشبع والجوع واللذة والألم الحسيين.
المصادر:
كتاب البديع في البديع لابن المعتز ت247ه
العمدة في محاسن الشعر لابن رشيق القيرواني ت390ه
خزانة الأدب لابن حجة الحموي ت837ه
أنوار الربيع في أنواع البديع لابن معصوم الحسني ت1119ه
جمع وإعداد وتقديم: محمد أبورزق
يُتبع

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق