اللغة العربية: إبداع وإمتاع وإقناع
علم البديع
دروس مهمة لكل شاعر وكاتب وأديب
الدرس الثاني والستون (62)
[ التَّرْدِيدُ ]
علم البديع
دروس مهمة لكل شاعر وكاتب وأديب
الدرس الثاني والستون (62)
[ التَّرْدِيدُ ]
التَّرْديدُ - عبارة عن أن يعلِّق المتكلم لفظةً من كلامِه بمعنى، ثم يُردّدها بعينها معلقة بمعنى آخر،
كقوله تعالى: (حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله، الله أعلم حيث يجعل رسالته) فالجلالة الأولى مضاف إليها متعلقة بمعنى، والثانية مبتدأ بها متعلقة بمعنى آخر. ومثله قوله تعالى: (وما أدراك ما ليلة القدر، ليلة القدر خير من ألف شهر) فليلة القدر الأولى مبتدأ عند الجمهور خبره (ما) الاستفهامية، قدم للزومه الصدر، وبالعكس عند سيبويه، وهي متعلقة بمعنى التعظيم، وليلة القدر الثانية مبتدأ خبرها ما بعدها، وهي متعلقة بمعنى الإخبار عنها بكونها خيرا من ألف شهر.
وكقوله تعالى ( لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة، أصحاب الجنة هم الفائزون )
ومثلوا للترديد من الشعر بقول الحسن بن هاني وهو أبو نواس:
صفراء لا تنزل الأحزان ساحتها **** لو مسها حجر مسته سراء
فقوله: مسها، مسته: ترديد.
والأحسن، التمثيل له بقول محمد بن هاني المغربي:
وقد أهبط الغيث غض الجميم **** غض الأسِرَّة غض الندى
يعني أن المطر لكثرة وقوعه هدل الروض وأنزله، والجميم بالجيم: النبت الكثير، أو الناهض المنتشر، والأسِرّة هنا مستعارة من قولهم: لمعت أسرة وجهه؛ وهي الخطوط التي تجتمع في الجبهة وتتكسر.
ومثله قوله أيضاً:
ويأبى لك الذم طيب النجار **** وطيب الخلال وطيب الشيم
فكلمة طيب: ترديد وكل واحدة متعلّقة بمعنى غير الآخر
وقوله من أخرى:
أقول وقد شق أعلى السحاب **** وأعلى الهضاب وأعلى الربى
إذا الودق في مثل هذا الرباب **** وذا البرق في مثل هذا السنا
فكلمة أعلى: ترديد.
وقول بدّر الدين بن مخزوم:
عزيز قوم عزيز الجار والشرف **** عبد العزيز غدا يلقاه خير وفي
وقول بعضهم في سوداء:
ومسكية النشر مسكية ال **** عذارين مسكية المنظر
تثنى وقامتها للقضيب **** وتنظر واللحظ للجؤذر
وأحسبها في خلال الحديث **** تنثر عقدا من الجوهر
فكل من هذه الألفاظ المرددة في هذه الأبيات تتعلق في كل موضع بمعنى غير الآخر.
ومنه قول زهير:
من يلق يوماً على علاته هرماً **** يلق السماحة منه والندى خلقاً
فعلق يلق بهرِم، وهو هرِم بن سنان، ثم علقها بالسماحة.
وكذلك قوله أيضاً:
ومن هاب أسباب المنايا ينلنه ... ولو رام أسباب السماء بسلم
فقوله أسباب ترديد.
ولبعض الحجازيين:
ومن لامني فيهم حبيب وصاحب **** فرد بغيظٍ صاحب وحميم
وقال مجنون بني عامر:
قضاها لغيري وابتلاني بحبها **** فهلا بشيء غير ليلى ابتلانيا
وقال أبو تمام:
خفت دموعك في إثر القطين لدن **** خفت من الكثب القضبان والكثب
الترديد في خفت ولو جعلتَ الكثيب ترديداً لجاز.
وقال ابن المعتز:
لو شئت لا شئت خليت السلو له **** وكان لا كان منكم في معافاتي
وقال أيضاً في مثل ذلك:
أتعذلني في يوسفٍ وهو من ترى **** ويوسف أضناني ويوسف يوسف
وقول الصنوبري:
أنت عذري إذا رأوك، ولكن *** كيف عذري إذا رأوك تخون
الترديد في قوله " إذا رأوك ".
وقال أبو الطيب وأحسن ما شاء:
أمير أمير عليه الندى **** جواد بخيل بأن لا يجودا
الترديد في أول البيت، وهو قوله: أمير
والعلماء بالشعر مجمعون على تقديم أبي حية النميري وتسليم فضيلة هذا الباب إليه في قوله:
ألا حي من أجل الحبيب المغانيا **** لبسن البلى مما لبسن اللياليا
إذا ما تقاضى المرء يوماً وليلة **** تقاضاه شيء لا يمل التقاضيا
والترديد الذي انفرد فيه بالإحسان عندهم قوله: "لبسن البلى مما لبسن اللياليا" وكذلك قوله: "إذا ما تقاضى المرء يوماً وليلة" ثم قال: "تقاضاه شيء لا يمل التقاضيا" لأن الهاء كناية عن المرء، وإن اختلف اللفظ.
وقول الحسين بن الضحاك الخليع:
لقد ملأت عيني بغير محاسن **** ملأن فؤادي لوعةً وهموما
لقرب ما بين اللفظتين،
وكذلك قول الطائي:
راح إذا ما الراح كان مطيها **** كانت مطايا الشوق في الأحشاء
ردد مطيها ومطايا الشوق.
ـــ والفرق بين الترديد وبين التكرار: أن اللفظة التي تتكرر ولا تفيد معنى زائدا غير معنى الأولى هي التكرار، واللفظة التي تتردد فتفيد بمتعلقها معنى آخر غير معنى الأولى هي الترديد.
قال الشيخ صفي الدين الحلي في شرح بديعيته: وإن اتفق للشاعر توجيه اللفظة المرددة واشتراكها بمعنى آخر كان أبلغ. انتهى.
ولا يخفى أنه حينئذ يكون من باب الجناس التام.
ومثاله قول الشيخ الإمام عز الدين بن أبي الحديد :
إمام هدى بالقُرص آثر فاقتضى **** له القرص رد القرص أبيض أزهرا
فلفظة القرص في أول البيت مراد بها قرص الشعير الذي آثر به المسكين، والأسير، واليتيم. وفي آخره: قرص الشمس في ردها له.
ومنه قول بعضهم في وصف كتاب:
كتاب كوشي الروض خطت سطوره **** يد ابن هلال عن فم ابن هلال
أراد بابن هلال الأول: أبا الحسن علي بن هلال، المعروف بابن البواب الكاتب المشهور، قال ابن خلكان: لم يوجد في المتقدمين ولا المتأخرين من كتب مثله، ولا قاربه. وبابن هلال الثاني: أبا إسحاق إبراهيم بن هلال الصابي، صاحب الرسائل المشهورة والنظم البديع.
وعلى ذلك بنى فحول أرباب البديعيات أبياتهم.
فبيت بديعية الشيخ صفي الدين الحلي (ره) قوله:
له السلام من الله السلام وفي **** دار السلام تراه شافع الأمم
السلام الأول: من التسليم، والثاني: من أسمائه تعالى، والثالث: بمعنى السلامة، سميت الجنة بذلك، لأن الصائر إليها يسلم من كل آفة وغير ذلك.
وبيت بديعية الشيخ عز الدين الموصلي قوله:
له الجميل من الرب الجميل **** على الوجه الجميل بترديد من النعم
وبيت بديعية ابن حجة قوله:
أبدى البديع له الوصف البديع وفي **** نظم البديع حلا ترديده بفمي
وبيت بديعية الشيخ عبد القادر الطبري قوله:
هو الجواد رسول للجواد بمض **** مار الجواد له الترديد بالنعم
الجواد الأول بمعنى السخي، والثاني: من أسمائه تعالى، والثالث: الفرس الرائع .
وبيت بديعية ابن معصوم الحسني قوله::
هو القسيم له أو في القسيم على **** نفي القسيم ولا ترديد في القسم
القسيم الأول بمعنى الجميل - من القسامة وهو الحسن - والثاني بمعنى القسم بالكسرة وهو النصيب - نص عليه في القاموس -، والثالث بمعنى المقاسم. والمعنى: أن له أوفى النصيب من كل فضل وشرف، مع نفي المقاسم له في ذلك. وقوله: ولا ترديد في القسم: تذييل، والمعنى: أن القسم مقضية قضاء فصل لا ترديد فيها.
وبيت بديعية شرف الدين المقري قوله:
جلَّتْ فتوحا وجَلَت معشرا كفرا **** طردا وجَلَت دياجي الأعصر الدهم
الترديد في لفظة جلت، فالأولى بمعنى عظمت، والثانية بمعنى أخرجت من الجلاء وهو الخروج من البلد - والثالثة بمعنى كشفت، يقال: جلى الشيء أي كشفه، ومنه جلى الصبح الظلام.
المصادر:
كتاب البديع في البديع لابن المعتز ت247ه
العمدة في محاسن الشعر لابن رشيق القيرواني ت390ه
زهر الآداب للحصري القيرواني ت453ه
خزانة الأدب لابن حجة الحموي ت837ه
أنوار الربيع في أنواع البديع لابن معصوم الحسني ت1119ه
جمع وإعداد وتقديم: محمد أبورزق
يُتبع
كقوله تعالى: (حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله، الله أعلم حيث يجعل رسالته) فالجلالة الأولى مضاف إليها متعلقة بمعنى، والثانية مبتدأ بها متعلقة بمعنى آخر. ومثله قوله تعالى: (وما أدراك ما ليلة القدر، ليلة القدر خير من ألف شهر) فليلة القدر الأولى مبتدأ عند الجمهور خبره (ما) الاستفهامية، قدم للزومه الصدر، وبالعكس عند سيبويه، وهي متعلقة بمعنى التعظيم، وليلة القدر الثانية مبتدأ خبرها ما بعدها، وهي متعلقة بمعنى الإخبار عنها بكونها خيرا من ألف شهر.
وكقوله تعالى ( لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة، أصحاب الجنة هم الفائزون )
ومثلوا للترديد من الشعر بقول الحسن بن هاني وهو أبو نواس:
صفراء لا تنزل الأحزان ساحتها **** لو مسها حجر مسته سراء
فقوله: مسها، مسته: ترديد.
والأحسن، التمثيل له بقول محمد بن هاني المغربي:
وقد أهبط الغيث غض الجميم **** غض الأسِرَّة غض الندى
يعني أن المطر لكثرة وقوعه هدل الروض وأنزله، والجميم بالجيم: النبت الكثير، أو الناهض المنتشر، والأسِرّة هنا مستعارة من قولهم: لمعت أسرة وجهه؛ وهي الخطوط التي تجتمع في الجبهة وتتكسر.
ومثله قوله أيضاً:
ويأبى لك الذم طيب النجار **** وطيب الخلال وطيب الشيم
فكلمة طيب: ترديد وكل واحدة متعلّقة بمعنى غير الآخر
وقوله من أخرى:
أقول وقد شق أعلى السحاب **** وأعلى الهضاب وأعلى الربى
إذا الودق في مثل هذا الرباب **** وذا البرق في مثل هذا السنا
فكلمة أعلى: ترديد.
وقول بدّر الدين بن مخزوم:
عزيز قوم عزيز الجار والشرف **** عبد العزيز غدا يلقاه خير وفي
وقول بعضهم في سوداء:
ومسكية النشر مسكية ال **** عذارين مسكية المنظر
تثنى وقامتها للقضيب **** وتنظر واللحظ للجؤذر
وأحسبها في خلال الحديث **** تنثر عقدا من الجوهر
فكل من هذه الألفاظ المرددة في هذه الأبيات تتعلق في كل موضع بمعنى غير الآخر.
ومنه قول زهير:
من يلق يوماً على علاته هرماً **** يلق السماحة منه والندى خلقاً
فعلق يلق بهرِم، وهو هرِم بن سنان، ثم علقها بالسماحة.
وكذلك قوله أيضاً:
ومن هاب أسباب المنايا ينلنه ... ولو رام أسباب السماء بسلم
فقوله أسباب ترديد.
ولبعض الحجازيين:
ومن لامني فيهم حبيب وصاحب **** فرد بغيظٍ صاحب وحميم
وقال مجنون بني عامر:
قضاها لغيري وابتلاني بحبها **** فهلا بشيء غير ليلى ابتلانيا
وقال أبو تمام:
خفت دموعك في إثر القطين لدن **** خفت من الكثب القضبان والكثب
الترديد في خفت ولو جعلتَ الكثيب ترديداً لجاز.
وقال ابن المعتز:
لو شئت لا شئت خليت السلو له **** وكان لا كان منكم في معافاتي
وقال أيضاً في مثل ذلك:
أتعذلني في يوسفٍ وهو من ترى **** ويوسف أضناني ويوسف يوسف
وقول الصنوبري:
أنت عذري إذا رأوك، ولكن *** كيف عذري إذا رأوك تخون
الترديد في قوله " إذا رأوك ".
وقال أبو الطيب وأحسن ما شاء:
أمير أمير عليه الندى **** جواد بخيل بأن لا يجودا
الترديد في أول البيت، وهو قوله: أمير
والعلماء بالشعر مجمعون على تقديم أبي حية النميري وتسليم فضيلة هذا الباب إليه في قوله:
ألا حي من أجل الحبيب المغانيا **** لبسن البلى مما لبسن اللياليا
إذا ما تقاضى المرء يوماً وليلة **** تقاضاه شيء لا يمل التقاضيا
والترديد الذي انفرد فيه بالإحسان عندهم قوله: "لبسن البلى مما لبسن اللياليا" وكذلك قوله: "إذا ما تقاضى المرء يوماً وليلة" ثم قال: "تقاضاه شيء لا يمل التقاضيا" لأن الهاء كناية عن المرء، وإن اختلف اللفظ.
وقول الحسين بن الضحاك الخليع:
لقد ملأت عيني بغير محاسن **** ملأن فؤادي لوعةً وهموما
لقرب ما بين اللفظتين،
وكذلك قول الطائي:
راح إذا ما الراح كان مطيها **** كانت مطايا الشوق في الأحشاء
ردد مطيها ومطايا الشوق.
ـــ والفرق بين الترديد وبين التكرار: أن اللفظة التي تتكرر ولا تفيد معنى زائدا غير معنى الأولى هي التكرار، واللفظة التي تتردد فتفيد بمتعلقها معنى آخر غير معنى الأولى هي الترديد.
قال الشيخ صفي الدين الحلي في شرح بديعيته: وإن اتفق للشاعر توجيه اللفظة المرددة واشتراكها بمعنى آخر كان أبلغ. انتهى.
ولا يخفى أنه حينئذ يكون من باب الجناس التام.
ومثاله قول الشيخ الإمام عز الدين بن أبي الحديد :
إمام هدى بالقُرص آثر فاقتضى **** له القرص رد القرص أبيض أزهرا
فلفظة القرص في أول البيت مراد بها قرص الشعير الذي آثر به المسكين، والأسير، واليتيم. وفي آخره: قرص الشمس في ردها له.
ومنه قول بعضهم في وصف كتاب:
كتاب كوشي الروض خطت سطوره **** يد ابن هلال عن فم ابن هلال
أراد بابن هلال الأول: أبا الحسن علي بن هلال، المعروف بابن البواب الكاتب المشهور، قال ابن خلكان: لم يوجد في المتقدمين ولا المتأخرين من كتب مثله، ولا قاربه. وبابن هلال الثاني: أبا إسحاق إبراهيم بن هلال الصابي، صاحب الرسائل المشهورة والنظم البديع.
وعلى ذلك بنى فحول أرباب البديعيات أبياتهم.
فبيت بديعية الشيخ صفي الدين الحلي (ره) قوله:
له السلام من الله السلام وفي **** دار السلام تراه شافع الأمم
السلام الأول: من التسليم، والثاني: من أسمائه تعالى، والثالث: بمعنى السلامة، سميت الجنة بذلك، لأن الصائر إليها يسلم من كل آفة وغير ذلك.
وبيت بديعية الشيخ عز الدين الموصلي قوله:
له الجميل من الرب الجميل **** على الوجه الجميل بترديد من النعم
وبيت بديعية ابن حجة قوله:
أبدى البديع له الوصف البديع وفي **** نظم البديع حلا ترديده بفمي
وبيت بديعية الشيخ عبد القادر الطبري قوله:
هو الجواد رسول للجواد بمض **** مار الجواد له الترديد بالنعم
الجواد الأول بمعنى السخي، والثاني: من أسمائه تعالى، والثالث: الفرس الرائع .
وبيت بديعية ابن معصوم الحسني قوله::
هو القسيم له أو في القسيم على **** نفي القسيم ولا ترديد في القسم
القسيم الأول بمعنى الجميل - من القسامة وهو الحسن - والثاني بمعنى القسم بالكسرة وهو النصيب - نص عليه في القاموس -، والثالث بمعنى المقاسم. والمعنى: أن له أوفى النصيب من كل فضل وشرف، مع نفي المقاسم له في ذلك. وقوله: ولا ترديد في القسم: تذييل، والمعنى: أن القسم مقضية قضاء فصل لا ترديد فيها.
وبيت بديعية شرف الدين المقري قوله:
جلَّتْ فتوحا وجَلَت معشرا كفرا **** طردا وجَلَت دياجي الأعصر الدهم
الترديد في لفظة جلت، فالأولى بمعنى عظمت، والثانية بمعنى أخرجت من الجلاء وهو الخروج من البلد - والثالثة بمعنى كشفت، يقال: جلى الشيء أي كشفه، ومنه جلى الصبح الظلام.
المصادر:
كتاب البديع في البديع لابن المعتز ت247ه
العمدة في محاسن الشعر لابن رشيق القيرواني ت390ه
زهر الآداب للحصري القيرواني ت453ه
خزانة الأدب لابن حجة الحموي ت837ه
أنوار الربيع في أنواع البديع لابن معصوم الحسني ت1119ه
جمع وإعداد وتقديم: محمد أبورزق
يُتبع

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق