اللغة العربية: إبداع وإمتاع وإقناع
علم البديع
دروس مهمة لكل شاعر وكاتب وأديب
الدرس الخامس والستون (65)
[ المناسبة ]
المناسبة على ضربين: مناسبة في المعاني ومناسبة في الألفاظ
فالمعنوية: هي أن يبتدئ المتكلم بمعنى ثم يتمم كلامه بما يناسبه معنى دون لفظ
وهذا النوع أعني المناسبة المعنوية كثير في الكتاب العزيز.
فمنه قوله تعالى: ( أولم يهد لهم كم أهلكنا من قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم إن في ذلك لآيات أفلا يسمعون أولم يروا أنا نسوق الماء إلى الأرض الجرز فنخرج به زرعا تأكل منه أنعامهم وأنفسهم أفلا يبصرون )
فانظر إلى قوله سبحانه وتعالى في صدر الآية التي هي للموعظة أولم يهد لهم ولم يقل أولم يروا لأن الموعظة سمعية وقد قال بعدها أفلا يسمعون
وانظر كيف قال في صدر الآية التي موعظتها مرئية أولم يروا وقال بعد الموعظة البصرية أفلا يبصرون
وقد عدوا من محاسن الأمثلة المعنوية قول أبي الطيب المتنبي
على سابح موج المنايا بنحره **** غداة كان النبل في صدره وبل
فإن بين لفظة السباحة ولفظتي الموج والوبل تناسبا معنويا صار البيت به متلاحما
والذي عقد الناس عليه الخناصر في هذا الباب قول ابن رشيق القيرواني
أصح وأقوى ما رويناه في الندا **** من الخبر المأثور منذ قديم
أحاديث ترويها السيول عن الحيا **** عن البحر عن جود الأمير تميم
قال زكي الدين بن أبي الأصبع هذا أحسن شعر سمعته في المناسبة المعنوية فإنه وفّى المناسبة حقها وناسب في البيت الأول بين الصحة والقوة والرواية والخبر المأثور وناسب في البيت الثاني بين الأحاديث والرواية والعنعنة هذا مع صحة ترتيب العنعنة من حيث أنها جاءت صاغرا عن كابر وآخِرا عن أول كما يقع في سند الأحاديث لأن السيول فرع والحيا أصله وكذلك الحيا فرع والبحر أصله ثم نزل البحر منزلة الفرع، وَجُودُ الممدوح منزلة الأصل للمبالغة في المدح، وهذا غاية الغايات في هذا الباب )
ـــ وأما المناسبة اللفظية وهي دون رتبة المعنوية فهي الإتيان بكلمات متزنات وهي على ضربين:
تامة وناقصة:
ـــ فالتامة: أن تكون الكلمات مع الاتزان مقفاة.
والناقصة: موزونة غير مقفاة
فمن شواهد التامة قوله سبحانه وتعالى ( ن والقلم وما يسطرون ما أنت بنعمة ربك بمجنون وإن لك لأجرا غير ممنون )
فالمناسبة هنا تامة لأن كلمات الآية موزونة مقفاة.
ومن شواهده التامة في السنة الشريفة قول النبي مما كان يرقي به الحسنين عليهما السلام: أعيذكما بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامه ومن كل عين لامه ولم يقل عليه السلام ملمة وهي القياس لمكان المناسبة اللفظية
ومن أمثلة المناسبتين الناقصة والتامة:
قول أبي تمام حبيب بن أوس:
مها الوحش إلا أن هاتا أوانس **** قنا الخط إلا أن تلك ذوابل فناسب بين مها وقنا مناسبة تامة وبين الوحش والخط وأوانس وذوابل مناسبة غير تامة
قال زكي الدين بن أبي الأصبع هذا البيت من أفضل بيوت المناسبة لما انضم إليه فيها من المحاسن فإن فيه مع المناسبتين التشبيه بغير أداة، والمساواة والاستثناء والطباق اللفظي وائتلاف اللفظ مع المعنى والتمكين، فأما المناسبة فيه فقد عرفت وأما التشبيه ففي قوله مها وقنا فإن التقدير كمها وكقنا وحذف الأداة ليدل على قرب المشبه من المشبه به، وأما الاستثناء البديعي ففي قوله: إلا أن هاتا أوانس، وقوله: إلا أن تلك ذوابل، ليثبت للموصوفات التأنيس وينفي عنهن النفار والتوحش، وكذلك فعل في الاستثناء الثاني فإنه أثبت لهن اللين ونفى عنهن اليبس والصلابة وأما المطابقة ففي قوله: الوحش وأوانس وهاتا وتلك فإن هاتا للقريب وتلك للبعيد، وأما المساواة فلفظ البيت لا يفضل عن معناه ولا يقصر عنه، وأما الائتلاف فلكون ألفاظه من واد واحد متوسطة بين الغرابة والاستعمال وكل لفظة منها لائقة بمعناها لا يكاد يصلح موضعها غيرها
وأما التمكين فاستقرار قافية البيت في موضعها وعدم نفارها عن محلها
ومن أمثلته المناسبة التامة في الشعر قول مروان بن أبي حفصة:
هم القوم إن قالوا أصابوا وإن دعوا **** أجابوا وإن أعطوا أطابوا وأجزلوا
وقول السلامي:
ظلت تزف له الدنيا محاسنها **** وتستعد له الألطاف والتحفا
من عارض وكفا أو بارق خطفا **** أو طائر هتفا أو سائر وقفا
وقول أبي سعيد الرستمي:
يرد سناك البدر والبدر زاهر **** ويقفو نداك البحر والبحر زاخر
ــ ومن أمثلة المناسبة الناقصة
قوله تعالى: (وظل ممدود. وماء مسكوب)
سميت مناسبة ناقصة لعدم التقفية.
وقول محمد بن هاني المغربي:
تأتي له خلف الخطوب عزائم **** تذكي لها خلف الصباح مشاعل
فكأنهن على العيون غياهب **** وكأنهن على النفوس حبائل
فقوله (على العيون) موازن (على النفوس) و (غياهب) موازن (حبائل) وهي مناسبة ناقصة لعدم التقفية.
ويجمع النوعين قول البحتري:
فأحجم لما لم يجد فيك مطعما **** وأقدم لما لم يجد عنك مهربا
فبين (أحجم) و (أقدم) مناسبة تامة، وبين (مطعما) و (مهربا) مناسبة ناقصة
المصادر:
كتاب البديع في البديع لابن المعتز ت247ه
العمدة في محاسن الشعر لابن رشيق القيرواني ت390ه
زهر الآداب للحصري القيرواني ت453ه
خزانة الأدب لابن حجة الحموي ت837ه
أنوار الربيع في أنواع البديع لابن معصوم الحسني ت1119ه
جمع وإعداد وتقديم: محمد أبورزق
يُتبع
علم البديع
دروس مهمة لكل شاعر وكاتب وأديب
الدرس الخامس والستون (65)
[ المناسبة ]
المناسبة على ضربين: مناسبة في المعاني ومناسبة في الألفاظ
فالمعنوية: هي أن يبتدئ المتكلم بمعنى ثم يتمم كلامه بما يناسبه معنى دون لفظ
وهذا النوع أعني المناسبة المعنوية كثير في الكتاب العزيز.
فمنه قوله تعالى: ( أولم يهد لهم كم أهلكنا من قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم إن في ذلك لآيات أفلا يسمعون أولم يروا أنا نسوق الماء إلى الأرض الجرز فنخرج به زرعا تأكل منه أنعامهم وأنفسهم أفلا يبصرون )
فانظر إلى قوله سبحانه وتعالى في صدر الآية التي هي للموعظة أولم يهد لهم ولم يقل أولم يروا لأن الموعظة سمعية وقد قال بعدها أفلا يسمعون
وانظر كيف قال في صدر الآية التي موعظتها مرئية أولم يروا وقال بعد الموعظة البصرية أفلا يبصرون
وقد عدوا من محاسن الأمثلة المعنوية قول أبي الطيب المتنبي
على سابح موج المنايا بنحره **** غداة كان النبل في صدره وبل
فإن بين لفظة السباحة ولفظتي الموج والوبل تناسبا معنويا صار البيت به متلاحما
والذي عقد الناس عليه الخناصر في هذا الباب قول ابن رشيق القيرواني
أصح وأقوى ما رويناه في الندا **** من الخبر المأثور منذ قديم
أحاديث ترويها السيول عن الحيا **** عن البحر عن جود الأمير تميم
قال زكي الدين بن أبي الأصبع هذا أحسن شعر سمعته في المناسبة المعنوية فإنه وفّى المناسبة حقها وناسب في البيت الأول بين الصحة والقوة والرواية والخبر المأثور وناسب في البيت الثاني بين الأحاديث والرواية والعنعنة هذا مع صحة ترتيب العنعنة من حيث أنها جاءت صاغرا عن كابر وآخِرا عن أول كما يقع في سند الأحاديث لأن السيول فرع والحيا أصله وكذلك الحيا فرع والبحر أصله ثم نزل البحر منزلة الفرع، وَجُودُ الممدوح منزلة الأصل للمبالغة في المدح، وهذا غاية الغايات في هذا الباب )
ـــ وأما المناسبة اللفظية وهي دون رتبة المعنوية فهي الإتيان بكلمات متزنات وهي على ضربين:
تامة وناقصة:
ـــ فالتامة: أن تكون الكلمات مع الاتزان مقفاة.
والناقصة: موزونة غير مقفاة
فمن شواهد التامة قوله سبحانه وتعالى ( ن والقلم وما يسطرون ما أنت بنعمة ربك بمجنون وإن لك لأجرا غير ممنون )
فالمناسبة هنا تامة لأن كلمات الآية موزونة مقفاة.
ومن شواهده التامة في السنة الشريفة قول النبي مما كان يرقي به الحسنين عليهما السلام: أعيذكما بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامه ومن كل عين لامه ولم يقل عليه السلام ملمة وهي القياس لمكان المناسبة اللفظية
ومن أمثلة المناسبتين الناقصة والتامة:
قول أبي تمام حبيب بن أوس:
مها الوحش إلا أن هاتا أوانس **** قنا الخط إلا أن تلك ذوابل فناسب بين مها وقنا مناسبة تامة وبين الوحش والخط وأوانس وذوابل مناسبة غير تامة
قال زكي الدين بن أبي الأصبع هذا البيت من أفضل بيوت المناسبة لما انضم إليه فيها من المحاسن فإن فيه مع المناسبتين التشبيه بغير أداة، والمساواة والاستثناء والطباق اللفظي وائتلاف اللفظ مع المعنى والتمكين، فأما المناسبة فيه فقد عرفت وأما التشبيه ففي قوله مها وقنا فإن التقدير كمها وكقنا وحذف الأداة ليدل على قرب المشبه من المشبه به، وأما الاستثناء البديعي ففي قوله: إلا أن هاتا أوانس، وقوله: إلا أن تلك ذوابل، ليثبت للموصوفات التأنيس وينفي عنهن النفار والتوحش، وكذلك فعل في الاستثناء الثاني فإنه أثبت لهن اللين ونفى عنهن اليبس والصلابة وأما المطابقة ففي قوله: الوحش وأوانس وهاتا وتلك فإن هاتا للقريب وتلك للبعيد، وأما المساواة فلفظ البيت لا يفضل عن معناه ولا يقصر عنه، وأما الائتلاف فلكون ألفاظه من واد واحد متوسطة بين الغرابة والاستعمال وكل لفظة منها لائقة بمعناها لا يكاد يصلح موضعها غيرها
وأما التمكين فاستقرار قافية البيت في موضعها وعدم نفارها عن محلها
ومن أمثلته المناسبة التامة في الشعر قول مروان بن أبي حفصة:
هم القوم إن قالوا أصابوا وإن دعوا **** أجابوا وإن أعطوا أطابوا وأجزلوا
وقول السلامي:
ظلت تزف له الدنيا محاسنها **** وتستعد له الألطاف والتحفا
من عارض وكفا أو بارق خطفا **** أو طائر هتفا أو سائر وقفا
وقول أبي سعيد الرستمي:
يرد سناك البدر والبدر زاهر **** ويقفو نداك البحر والبحر زاخر
ــ ومن أمثلة المناسبة الناقصة
قوله تعالى: (وظل ممدود. وماء مسكوب)
سميت مناسبة ناقصة لعدم التقفية.
وقول محمد بن هاني المغربي:
تأتي له خلف الخطوب عزائم **** تذكي لها خلف الصباح مشاعل
فكأنهن على العيون غياهب **** وكأنهن على النفوس حبائل
فقوله (على العيون) موازن (على النفوس) و (غياهب) موازن (حبائل) وهي مناسبة ناقصة لعدم التقفية.
ويجمع النوعين قول البحتري:
فأحجم لما لم يجد فيك مطعما **** وأقدم لما لم يجد عنك مهربا
فبين (أحجم) و (أقدم) مناسبة تامة، وبين (مطعما) و (مهربا) مناسبة ناقصة
المصادر:
كتاب البديع في البديع لابن المعتز ت247ه
العمدة في محاسن الشعر لابن رشيق القيرواني ت390ه
زهر الآداب للحصري القيرواني ت453ه
خزانة الأدب لابن حجة الحموي ت837ه
أنوار الربيع في أنواع البديع لابن معصوم الحسني ت1119ه
جمع وإعداد وتقديم: محمد أبورزق
يُتبع

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق