اللغة العربية: إبداع وإمتاع وإقناع
علم البديع
دروس مهمة لكل شاعر وكاتب وأديب
الدرس الواحد والستون (61)
[ العَكْسُ ]
العَكْسُ في اللغة: رَدُّ آخرِ الشيء على أوّله
وفي الاصطلاح على نوعين لفظي ومعنوي:
1) العكس اللفظي: هو أن تقدم في الكلام جزأ ثم تعكس وتقدم ما أخرت، وتؤخر ما قدمت، ويسمى التبديل أيضاً،
ويقع على وجوه كثيرة ولكن المراد هنا ما استعمل منها وكثر استعماله فالمقدم في هذا الباب قوله تعالى ( تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي ) العكس هنا مميز بعلو طباقه وبشرف القدرة الإلهية التي لا تصدر إلا عن عظمة الخالق جلت قدرته وبلاغة القرآن وإيجازه وفصاحته
ومنه قوله صلّى الله عليه وآله وسلّم: "جار الدار أحق بدار الجار". رواه النسائي، وأبو يعلى في مسنده، وابن حيان في صحيحه عن أنس وأحمد في مسنده، وأبو داود والترمذي عن سمرة. قاله العلامة السيوطي في الجامع الصغير.
وقول الحسن البصري: إنّ من خَوَّفك حتى تلقى الأمن خير ممن آمنك حتى تلقى الخوف.
وقول أبي الفتح البستي: عادات السادات سادات العادات. وقولهم: كلام الملوك ملوك الكلام. وقولهم: شيم الأحرار أحرار الشيم. وقولهم: كتب الأحباب أحباب الكتب.
ومنه قول أبي تمام وقد قال له بعض حساده لم لا تقول ما يفهم فقال له على الفور لم لا تفهم ما يقال، وقول الحكيم الذي قيل له لم تمنع من يسألك فقال لئلا أسأل من يمنعني، وقال حكيم :إذا لم يكن ما تريد فأرد ما يكون
وقيل لمريض كيف أنت؟ فقال: أجد ما لا اشتهي، وأشتهي ما لا أجد، وأنا في زمان سوء، من وَجَدَ لم يَجُدْ، ومن جادَ لم يَجِدْ.
وقال الجرجاني لأبي علي الحاتمي: إنما تحرم لأنك تشتم، فقال: إنما أشتم لأني أحرم.
وأنشد الشيخ شهاب الدين أبو الثناء محمود لنفسه في هذا النوع ما كتبه جوابا لصاحب اليمن عن هدية وردت منه قرين كتاب:
أتاني كتابك والمكرمات **** تسير لديه مسير السحب
لئن جاء في موكب من نداك **** فكتب الملوك ملوك الكتب
ومنه قول القاضي الأرجاني:
أنا أشعر الفقهاء غير مدافع **** في العصر لا بل أفقه الشعراء
شعري إذا ما قلت دونه الورى **** بالطبع لا بتكلف الإلقاء
ومنه قول تميم بن مفرج الطائي:
قل للغزالة وهي غير غزالة **** والجؤذر النعسان غير الجؤذر
لمذكر الخطوات غير مؤنث **** ومؤنث الخلوات غير مذكر
قال في دمية القصر: هذا بيت شعر يساوي بيت تبر، وفيه قلب يقبله كل قلب. ثم الموازنة بين الخطوات والخلوات في نهاية الحلاوة.
ويروى لأمير المؤمنين هارون الرشيد من النظم في هذا الباب
لساني كتوم لأسرارهم **** ودمعي بسري نموم مذيع
فلولا دموعي كتمت الهوى **** ولولا الهوى لم يكن لي دموع
وبديع هنا قول الصاحب ابن عباد وقد بالغ في وصف الزجاج والشراب وهو
رق الزجاج وراقت الخمر **** فتشابها فتشاكل الأمر
فكأنما خمر ولا قدح **** وكأنما قدح ولا خمر
ومثله
ألست ترى أطباق ورد وحولها **** من النرجس الغض الطري قدود
فتلك خدود ما عليهن أعين **** وتلك عيون ما لهن خدود
وقول ابن نباتة السعدي
ألا فاخش ما يرجى وجدك هابط **** ولا ترج ما يخشى وجدك رافع
فلا نافع إلا مع النحس ضائر **** ولا ضائر إلا مع السعد نافع
ومن حكم أبي الطيب المتنبي قوله في هذا الباب
فلا مجد في الدنيا لمن قل ماله **** ولا مال في الدنيا لمن قل مجده
ومثله في الحسن والبلاغة قوله
إن الليالي للأنام مناهل **** تطوى وتنشر دونها الأعمار
فقصارهن مع الهموم طويلة **** وطوالهن مع السرور قصار
واستشهدوا على نوع الطباق بقول الشاعر
رمى الحدثان نسوة آل حرب **** بمقدار سمدن له سمودا
فرد شعورهن السود بيضا **** ورد وجوههن البيض سودا والعكس هنا أحق من المطابقة وأولى فما فيه من عكس مطابقة عجزه لصدره وتبديل الطباق في العجز والصدر
ومن المستظرف هنا إلى الغاية قول الشيخ شرف الدين عبد العزيز الأنصاري شيخ شيوخ حماة
أفنيت عمري في دهر مكاسبه **** نطيع أهواءنا فيها وتعصينا
تسعا وعشرين مد الهم شقتها **** حتى توهمتها عشرا وتسعينا
وتلطف الشيخ جمال الدين بن نباتة بقوله هنا
مسألة الدور غدت **** بيني وبين من أحب
لولا مشيبي ما جَفَتْ **** لولا جفاها لم أشِب
ـــ 2) العكس المعنوي: وهو من مستخرجات ابن أبي الإصبع، وحدَّهَ بأن قال: هو أن يأتي الشاعر إلى معنى لغيره، أو لنفسه فيعكسه.
فمثال عكس الشاعر معنى غيره، قول علي بن الجهم يصف السحاب:
فمرت تفوت الطرف حتى كأنها **** جنود عبيد الله ولت بنودها
فإنه عكس فيه قول أبي العتاهية يصف الرايات:
ورايات يحل النصر فيها **** تمر كأنها قطع السحاب
وقول الآخر:
وربما فات بعض الناس أمرهم **** مع التأني وكان الحزم لو عجلوا
عكس فيه قول الأخطل:
قد يدرك المتأني بعض حاجته **** وقد يكون مع المستعجل الزلل
وعكس الصابي قول البحتري في الوداع:
أقول له عند توديعه **** وكل بعبرته ملبس
لئن قعدت عنك أجسادنا **** لقد سافرت معك الأنفس
فقال الصابي ونبه على ذلك:
ولما حضرت لتوديعه **** وطرف النوى نحونا أشوس
عكست له بيت شعر مضى **** يليق به الحال إذ يعكس
لئن سافرت عنك أجسادنا **** لقد قعدت معك الأنفس
وقال بعضهم:
إذا ما رأيت فتى ماجدا **** فظن بعقل أبيه السخف
فقد يلد النجب غير النجيب **** وهل يلد الدر إلا الصدف
وعكسه الآخر فقال:
إذا ما رأيت فتى ماجدا **** فكن بابنه سيئ الاعتقاد
فلست ترى من نجيب نجيبا **** وهل تلد النار غير الرماد
ومثال ما عكس الشاعر من المعاني لغيره
قال الأول
قد يدرك المتأني بعض حاجته **** وقد يكون مع المستعجل الزلل
قال الثاني الذي عكس الأول
وربما فات بعض الناس أمرهم **** مع التأني وكان الحزم لو عجلوا
ـــ ومثال عكس الشاعر معنى نفسه قول بعضهم:
وإذا الدر زان حسن وجوه **** كان للدر حسن وجهك زينا
ومثله قول الشاعر وتلطف ما شاء
ها قد غدا من ثياب الشعر في كفن **** وقد تعفت معاني وجهه الحسن
وكان يعرض عني حين أبصره **** فصرت أعرض عنه حين يبصرني
وأظرف منه قول الشيخ جمال الدين ابن نباتة
وصديق قوى يدي بنوال **** وأراه من بعد حاول وهني
كان مثل البستان آخذ منه **** صار مثل الحمام يأخذ مني
وأحسن منه قول نجم الدين يعقوب بن صابر المنجنيقي:
وجارية من بنات الحبوش **** ذات جفون صحاح مراض
تعشقتها للتصابي فشبت **** غراما ولم أك بالشيب راضي
وكنت أعيرها بالسواد **** فصارت تعيرني بالبياض
المصادر:
كتاب البديع في البديع لابن المعتز ت247ه
العمدة في محاسن الشعر لابن رشيق القيرواني ت390ه
زهر الآداب للحصري القيرواني ت453ه
خزانة الأدب لابن حجة الحموي ت837ه
أنوار الربيع في أنواع البديع لابن معصوم الحسني ت1119ه
جمع وإعداد وتقديم: محمد أبورزق
يُتبع
علم البديع
دروس مهمة لكل شاعر وكاتب وأديب
الدرس الواحد والستون (61)
[ العَكْسُ ]
العَكْسُ في اللغة: رَدُّ آخرِ الشيء على أوّله
وفي الاصطلاح على نوعين لفظي ومعنوي:
1) العكس اللفظي: هو أن تقدم في الكلام جزأ ثم تعكس وتقدم ما أخرت، وتؤخر ما قدمت، ويسمى التبديل أيضاً،
ويقع على وجوه كثيرة ولكن المراد هنا ما استعمل منها وكثر استعماله فالمقدم في هذا الباب قوله تعالى ( تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي ) العكس هنا مميز بعلو طباقه وبشرف القدرة الإلهية التي لا تصدر إلا عن عظمة الخالق جلت قدرته وبلاغة القرآن وإيجازه وفصاحته
ومنه قوله صلّى الله عليه وآله وسلّم: "جار الدار أحق بدار الجار". رواه النسائي، وأبو يعلى في مسنده، وابن حيان في صحيحه عن أنس وأحمد في مسنده، وأبو داود والترمذي عن سمرة. قاله العلامة السيوطي في الجامع الصغير.
وقول الحسن البصري: إنّ من خَوَّفك حتى تلقى الأمن خير ممن آمنك حتى تلقى الخوف.
وقول أبي الفتح البستي: عادات السادات سادات العادات. وقولهم: كلام الملوك ملوك الكلام. وقولهم: شيم الأحرار أحرار الشيم. وقولهم: كتب الأحباب أحباب الكتب.
ومنه قول أبي تمام وقد قال له بعض حساده لم لا تقول ما يفهم فقال له على الفور لم لا تفهم ما يقال، وقول الحكيم الذي قيل له لم تمنع من يسألك فقال لئلا أسأل من يمنعني، وقال حكيم :إذا لم يكن ما تريد فأرد ما يكون
وقيل لمريض كيف أنت؟ فقال: أجد ما لا اشتهي، وأشتهي ما لا أجد، وأنا في زمان سوء، من وَجَدَ لم يَجُدْ، ومن جادَ لم يَجِدْ.
وقال الجرجاني لأبي علي الحاتمي: إنما تحرم لأنك تشتم، فقال: إنما أشتم لأني أحرم.
وأنشد الشيخ شهاب الدين أبو الثناء محمود لنفسه في هذا النوع ما كتبه جوابا لصاحب اليمن عن هدية وردت منه قرين كتاب:
أتاني كتابك والمكرمات **** تسير لديه مسير السحب
لئن جاء في موكب من نداك **** فكتب الملوك ملوك الكتب
ومنه قول القاضي الأرجاني:
أنا أشعر الفقهاء غير مدافع **** في العصر لا بل أفقه الشعراء
شعري إذا ما قلت دونه الورى **** بالطبع لا بتكلف الإلقاء
ومنه قول تميم بن مفرج الطائي:
قل للغزالة وهي غير غزالة **** والجؤذر النعسان غير الجؤذر
لمذكر الخطوات غير مؤنث **** ومؤنث الخلوات غير مذكر
قال في دمية القصر: هذا بيت شعر يساوي بيت تبر، وفيه قلب يقبله كل قلب. ثم الموازنة بين الخطوات والخلوات في نهاية الحلاوة.
ويروى لأمير المؤمنين هارون الرشيد من النظم في هذا الباب
لساني كتوم لأسرارهم **** ودمعي بسري نموم مذيع
فلولا دموعي كتمت الهوى **** ولولا الهوى لم يكن لي دموع
وبديع هنا قول الصاحب ابن عباد وقد بالغ في وصف الزجاج والشراب وهو
رق الزجاج وراقت الخمر **** فتشابها فتشاكل الأمر
فكأنما خمر ولا قدح **** وكأنما قدح ولا خمر
ومثله
ألست ترى أطباق ورد وحولها **** من النرجس الغض الطري قدود
فتلك خدود ما عليهن أعين **** وتلك عيون ما لهن خدود
وقول ابن نباتة السعدي
ألا فاخش ما يرجى وجدك هابط **** ولا ترج ما يخشى وجدك رافع
فلا نافع إلا مع النحس ضائر **** ولا ضائر إلا مع السعد نافع
ومن حكم أبي الطيب المتنبي قوله في هذا الباب
فلا مجد في الدنيا لمن قل ماله **** ولا مال في الدنيا لمن قل مجده
ومثله في الحسن والبلاغة قوله
إن الليالي للأنام مناهل **** تطوى وتنشر دونها الأعمار
فقصارهن مع الهموم طويلة **** وطوالهن مع السرور قصار
واستشهدوا على نوع الطباق بقول الشاعر
رمى الحدثان نسوة آل حرب **** بمقدار سمدن له سمودا
فرد شعورهن السود بيضا **** ورد وجوههن البيض سودا والعكس هنا أحق من المطابقة وأولى فما فيه من عكس مطابقة عجزه لصدره وتبديل الطباق في العجز والصدر
ومن المستظرف هنا إلى الغاية قول الشيخ شرف الدين عبد العزيز الأنصاري شيخ شيوخ حماة
أفنيت عمري في دهر مكاسبه **** نطيع أهواءنا فيها وتعصينا
تسعا وعشرين مد الهم شقتها **** حتى توهمتها عشرا وتسعينا
وتلطف الشيخ جمال الدين بن نباتة بقوله هنا
مسألة الدور غدت **** بيني وبين من أحب
لولا مشيبي ما جَفَتْ **** لولا جفاها لم أشِب
ـــ 2) العكس المعنوي: وهو من مستخرجات ابن أبي الإصبع، وحدَّهَ بأن قال: هو أن يأتي الشاعر إلى معنى لغيره، أو لنفسه فيعكسه.
فمثال عكس الشاعر معنى غيره، قول علي بن الجهم يصف السحاب:
فمرت تفوت الطرف حتى كأنها **** جنود عبيد الله ولت بنودها
فإنه عكس فيه قول أبي العتاهية يصف الرايات:
ورايات يحل النصر فيها **** تمر كأنها قطع السحاب
وقول الآخر:
وربما فات بعض الناس أمرهم **** مع التأني وكان الحزم لو عجلوا
عكس فيه قول الأخطل:
قد يدرك المتأني بعض حاجته **** وقد يكون مع المستعجل الزلل
وعكس الصابي قول البحتري في الوداع:
أقول له عند توديعه **** وكل بعبرته ملبس
لئن قعدت عنك أجسادنا **** لقد سافرت معك الأنفس
فقال الصابي ونبه على ذلك:
ولما حضرت لتوديعه **** وطرف النوى نحونا أشوس
عكست له بيت شعر مضى **** يليق به الحال إذ يعكس
لئن سافرت عنك أجسادنا **** لقد قعدت معك الأنفس
وقال بعضهم:
إذا ما رأيت فتى ماجدا **** فظن بعقل أبيه السخف
فقد يلد النجب غير النجيب **** وهل يلد الدر إلا الصدف
وعكسه الآخر فقال:
إذا ما رأيت فتى ماجدا **** فكن بابنه سيئ الاعتقاد
فلست ترى من نجيب نجيبا **** وهل تلد النار غير الرماد
ومثال ما عكس الشاعر من المعاني لغيره
قال الأول
قد يدرك المتأني بعض حاجته **** وقد يكون مع المستعجل الزلل
قال الثاني الذي عكس الأول
وربما فات بعض الناس أمرهم **** مع التأني وكان الحزم لو عجلوا
ـــ ومثال عكس الشاعر معنى نفسه قول بعضهم:
وإذا الدر زان حسن وجوه **** كان للدر حسن وجهك زينا
ومثله قول الشاعر وتلطف ما شاء
ها قد غدا من ثياب الشعر في كفن **** وقد تعفت معاني وجهه الحسن
وكان يعرض عني حين أبصره **** فصرت أعرض عنه حين يبصرني
وأظرف منه قول الشيخ جمال الدين ابن نباتة
وصديق قوى يدي بنوال **** وأراه من بعد حاول وهني
كان مثل البستان آخذ منه **** صار مثل الحمام يأخذ مني
وأحسن منه قول نجم الدين يعقوب بن صابر المنجنيقي:
وجارية من بنات الحبوش **** ذات جفون صحاح مراض
تعشقتها للتصابي فشبت **** غراما ولم أك بالشيب راضي
وكنت أعيرها بالسواد **** فصارت تعيرني بالبياض
المصادر:
كتاب البديع في البديع لابن المعتز ت247ه
العمدة في محاسن الشعر لابن رشيق القيرواني ت390ه
زهر الآداب للحصري القيرواني ت453ه
خزانة الأدب لابن حجة الحموي ت837ه
أنوار الربيع في أنواع البديع لابن معصوم الحسني ت1119ه
جمع وإعداد وتقديم: محمد أبورزق
يُتبع

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق