musique

الثلاثاء، 6 نوفمبر 2018

[ المذهب الكلامي ]

اللغة العربية: إبداع وإمتاع وإقناع
علم البديع
دروس مهمة لكل شاعر وكاتب وأديب
الدرس الرابع والستون (64)
[ المذهب الكلامي ]
المذهب الكلامي نوع كبير نسبت تسميته إلى الجاحظ، وهو في الإصطلاح أن يأتي البليغ على صحة دعواه وإبطال دعوى خصمه بحجة قاطعة عقلية تصح نسبتها إلى علم الكلام، إذ علم الكلام عبارة عن إثبات أصول الدين بالبراهين العقلية القاطعة.
قال بعضهم: وإنما نسبت طريقة الاستدلال إلى المتكلمين والمتكفل ببيانها أهل الميزان، لكمال اجتهادهم في استعمال قواعد الاستدلال في المطالب الكلامية، حتى صاروا عَلَما يُضرب بهم المثل في البحث وإلزام الخصوم بأنواع الدليل.
وقيل إن ابن المعتز قال لا أعلم ذلك في القرآن أعني المذهب الكلامي، وليس عدم علمه مانعا علم غيره
قال العلماء: قد اشتمل القرآن العظيم على جميع أنواع البراهين والأدلّة. ما من برهان ولا دلالة وتقسيم وتحديد ينهي من كليات المعلومات العقلية والسمعية إلا وكتاب الله قد نطق به، لكن أورده على عادة العرب دون دقائق طرق المتكلمين، لأمرين: أحدهما: بسبب ما قاله (وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم) .
والثاني: أن المائل إلى دقيق المُحاجّة هو العاجز عن إقامة الحجة بالجلي من الكلام، فإن من استطاع أن يفهم بالأوضح الذي يفهمه الأكثرون، لم ينحط إلى الأغمض الذي لا يعرفه إلا الأقلون ولم يكن ملغزا، فاخرج تعالى مخاطباته في محاجة خلقه في أجلى صورة لتفهم العامة من جليها ما يقنعهم ويلزمهم الحجة، ويفهم الخواص من أثنائها ما يربي على ما أدركه فهم الخطباء.
ولم يُستشهد على المذهب الكلامي بأعظم من شواهد القرآن، وأوضح الأدلة في شواهد هذا النوع وأبلغها قوله تعالى: ( لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا )
هذا دليل قاطع على وحدانيته جل جلاله وتمام الدليل أن تقول لكنهما لم تفسدا فليس فيهما آلهة غير الله فهذا قياس شرطي من الله سبحانه وتعالى.
ومنه قوله تعالى أيضا: (وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه) أي الإعادة أهون وأسهل عليه من البدء، وكل ما هو أهون فهو أدخل في الإمكان. فالإعادةُ أدْخَلُ في الإمكان وهو المطلوب.
وقوله تعالى حكاية عن إبراهيم عليه السلام: (فلما أفل قال لا أحب الآفلين) أي القمر آفل وربي ليس بآفل، فالقمر ليس بربي.
وقوله تعالى: (وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه، قل فلم يعذبكم بذنوبكم) أي أنتم تعذبون والبنون لا يعذبون، فلستم ببنين له.
ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: (لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا) رواه الإمام البخاري في صحيحه عن عائشة وأبي هريرة وأنس بن مالك رضي الله عنهم ، وكذا رواه الإمام مسلم وغيره ،
وتمام الدليل أن يقال لكنكم ضحكتم كثيرا وبكيتم قليلا فلم تعلموا ما أعلم، فهذا قياس شرطي من كلام النبي صلى الله عليه وسلم.
والقياس الشرطي أوضح دلالة في هذا الباب من غيره وأعذب في الذوق وأسهل في التركيب، فإنه جملة واقعة بعد لَوْ وجوابها، وهذه الجملة على إصطلاحهم مقدمة شرطية متصلة يُستدل بها على ما تقدم من الحكم.
ومثله قول مالك بن المرجل الأندلسي
لو يكون الحب وصلا كله **** لم تكن غايته إلا الملل
أو يكون الحب هجرا كله **** لم تكن غايته إلا الأجل
إنما الوصل كمثل الماء لا **** يستطاب الماء إلا بالعلل
فالبيتان الأولان قياس شرطي والثالث قياس فقهي فإنه قاس الوصل على الماء
فكما أن الماء لا يستطاب إلا بعد العطش فالوصل مثله لا يستطاب إلا بعد حرارة الهجر
وأما الأقيسة الحملية فقد استنبطوها على صور، منها ما يروى أن أبا دلف قصده شاعر تميمي فقال له ممّن أنت؟ فقال: من تميم
فقال أبو دلف
تميم بطرق اللؤم أهدى من القطا **** ولو سلكت سبل الهداية ضلت
فقال له التميمي نعم بتلك الهداية جئت إليك
فأفحمه بدليل حملي ألزمه فيه أن المجيء إليه ضلال
ومنه ما حكي أن الوليد قال لأبي الأقرع: أنشدني قولك في الخمر فأنشده:
كميت إذا شجت ففي الكاس وردها **** لها في عظام الشاربين دبيب
تريك القذى من دونها وهي دونه **** لوجه أخيها في الإناء قطوب
فقال الوليد: شربتَها ورب الكعبة، فقال: لئن كان وصفي لها رابك لقد رابني معرفتك بها..
ومنه قول النابغة من قصيدة يعتذر فيها إلى النعمان بن المنذر وقد كان مدح آل جفنة بالشام فتنكر النعمان من ذلك:
حلفتُ فلم أترك لنفسي ريبة **** وليس وراء الله للمرء مطلب
لئن كنتَ قد بُلِّغتَ عني خيانة **** لَمُبَلِّغُكَ الواشي أغشُّ وأكذبُ
ولكنني كنت امرءاً لي جانبٌ **** من الأرض فيه مستراد ومذهب
ملوك وإخوان إذا ما مدحتهم **** أحكم في أموالهم وأقرب
كفعلك في قوم أراك اصطنعتهم **** فلم ترهمْ في مدحهم لك أذنبوا
يعني: لا تلمني ولا تعاتبني على مدح آل جفنة وقد أحسنوا إليّ، كما لا تلوم قوما مدحوك وقد أحسنت إليهم، فكما أن مدح أولئك لك لا يعد ذنبا، كذلك مدحي لمن أحسن إليّ.
وهذه الحجة على صورة التمثيل الذي يسميه الفقهاء قياسا. ويمكن رده إلى صورة قياس استثنائي بأن يقال: لو كان مدحي لآل جفنة ذنبا، لكان مدح أولئك القوم لك أيضاً ذنبا، لكن اللازم باطل وكذا الملزوم.
وقول طه المطرز المعروف بابن شحم يخاطب الملك الكامل بقوله:
دع النجوم لِطُرُقِيٍّ يعيش بها **** وبالعزائم فانهض أيها الملك
إن النبي وأصحاب النبي نهوا **** عن النجوم وقد أبصرت ما ملكوا
يعني لو كان الظفر والفوز بالمطالب بالنجوم لم يظفروا بشيء مما ظفروا به، لأنهم نهوا عنها، لكنهم مع ذلك ظفروا، فلم يكن الظفر بها.
المصادر:
كتاب البديع في البديع لابن المعتز ت247ه
العمدة في محاسن الشعر لابن رشيق القيرواني ت390ه
زهر الآداب للحصري القيرواني ت453ه
خزانة الأدب لابن حجة الحموي ت837ه
أنوار الربيع في أنواع البديع لابن معصوم الحسني ت1119ه
جمع وإعداد وتقديم: محمد أبورزق
يُتبع

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق