اللغة العربية: إبداع وإمتاع وإقناع
علم البديع
دروس مهمة لكل شاعر وكاتب وأديب
الدرس الخمسون (50)
[ التتميم ]
التتميم - ومنهم من سماه التمام، وسماه ابن المعتز اعتراض كلام في كلام لم يتم معناه، والتسمية الأولى للحاتمي، وهي أولى، وهو عبارة عن الإتيان في الكلام نظما كان أو نثرا بكلمة أو جملة إذا طرحت منه نقص حسنه ومعناه.
كقول طرفة:
فسقى ديارك غير مفسدها **** صوب الغمام وديمة تهمي
فقوله غير مفسدها إحتراس واحتياط، ويجيء في المقاطع والحشو وأكثر مجيئه في الحشو.
ومثاله قوله تعالى ( من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ) فقوله ( من ذكر أو أنثى ) تتميم وقوله ( وهو مؤمن ) تتميم ثان في غاية البلاغة التي بذكرها تم معنى الكلام وجرى على الصحة ولو حذفت الجملتان نقص معناه واختل حسن البناء.
وقوله تعالى: (ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف) فقوله: وهو مؤمن، تتميم في غاية الحسن، فلو حذفت هذه الجملة لاختل المعنى.
وقوله تعالى: (سبحان الذي أسرى بعبده ليلا) مع أن الإسراء لا يكون إلا بالليل تتميم أفاد الدلالة على تقليل المدة، وأنه أسرى به في بعض الليل.
وغاية الغايات في التتميم للمبالغة قوله تعالى: ( ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا ) فقوله على حبه هو تتميم للمبالغة التي تعجز عنها قدرة المخلوقين.
ومن هذا القسم قول النبي مما انفرد به مسلم ( ما من عبد مسلم يصلي لله كل يوم اثنتي عشرة ركعة من غير الفرائض إلا بنى الله له بيتا في الجنة ) فوقع التتميم في هذا الحديث في أربعة مواضع منها قوله مسلم ومنها قوله لله ومنها كل يوم ومنها قوله من غير الفرائض
ومن أناشيد قدامة على هذا القسم:
أناس إذا لم يقبل الحق منهم **** ويعطوه غاروا بالسيوف القواضب
فقوله ويعطوه تتميم فإنه في غاية الحسن وهو شاهد على ما جاء منه للإحتياط
ومثال ما جاء منه للمبالغة قول زهير
من يلقَ يوما على عِلاّتِه هَرِماً **** يلق السماحة منه والندى خُلقا
فقوله على علاته تتميم للمبالغة. ومعنى على عِلّاته: إي على قلّة مال أو عدم.
وقول الآخر:
إنّي على ما ترينَ من كِبري **** أعرفُ من أين تؤكل الكتف
فقوله: على ما ترين من كبري، تتميم أفاد معنى زائدا، وحسنا آخر، لو حذف لفات ذلك.
وقول الأخطل:
وأقسم المجد حقا لا يحالفهم **** حتى يحالف بطنَ الرّاحة الشعرُ
قوله: حَقّاً تتميم بديع.
وقول ابن المعتز:
وخيل طواها القود حتى كأنها **** أنابيب سمر من قنا الخط ذبل
صببنا عليها ظالمين سياطنا **** فطارت بها أيد سراع وأرجل
فقوله: ظالمين، تتميم في غاية البراعة، فلو حذف لم يبق للبيت رونق، ولا لمعناه لطف.
ومن بديع أمثلته أيضاً قول أبي العلاء المعري:
الموقدون بنجدٍ نارَ باديةٍ **** لا يحضرون وفَقْدُ العِزِّ في الحَضَرِ
إذا هَمَى القَطْرُ شَبَّتْها عَبيدُهم **** تحت الغمائم للسَّارين بالقَطْرِ
فقوله: تحت الغمائم تتميم أفاد مبالغة تأكيد لإرادة الإيقاد، والاهتمام بشأنه. وقوله: بالقطر تتميم للتميم، وذلك أن نزول المطر لا يمنعهم من الإيقاد، ولا يوقد عندهم إلا بالحطب الجزل، وإذا كان الحطب قطرا، وهو العود الذي يتبخر به، كان نهاية في إرادة المبالغة في الاهتمام بشأن الإيقاد، ويحتمل الاستتباع أيضاً، لأن صفة السخاوة استتبعت صفة الثروة لأن الوقود إذا كان عودا لدل على أنهم لم يكونوا من أوساط الناس.
ــ وقد يؤتى بالتميم لإقامة الوزن، بحيث لو طرحت الكلمة التي قصد بها التتميم، لم ينقص معنى البيت، بل استقل بدونها، ويسمى حشوا، وهو على ضربين: ضرب لا يفيد إلا إقامة الوزن فحسب وهو حشو قبيح معيب، وضرب يفيد مع ذلك نوعا من المحاسن، فإن حذاق الشعراء إذا اضطروا إلى الكلمة لإقامة الوزن، أفادوا بها لطيفة زائدة تفاديا من أن تكون لمجرد الوزن فتعد حشوا قبيحا، وهذا الضرب يسميه بعضهم حشو اللوزينج.
فالأول من العيوب والثاني من النعوت
فمثال الأول كقول بعضهم:
ذكرت أخي فعاودني **** صداعُ الرأسِ والوصبُ
فذِكرُ الرأس حشو قبيح لأن الصداع لا يكون إلا في الرأس
ومثال الثاني الذي يأتي لإقامة الوزن مع بعض المحاسن:
قول المتنبي:
وخفوق قلب لو رأيت لهيبه **** يا جنتي لظننت فيه جهنما
فإنه جاء بقوله يا جنتي لإقامة الوزن فأفاد تتميم المطابقة وهو ضرب من المحاسن المشار إليها.
ومنه قول الشيخ جمال الدين بن نباتة:
لو ذقتَ بَرْدَ ثناياه ومبسمه **** يا حار ما لمتَ أعطافي التي ثملتْ
فقوله: يا حار، حشو يتم المعنى بدونه، ولكن أفاد إقامة الوزن والتورية (في حار، فإنه ورى به، أنه منادى) اسم حارث مرخم، وهو يريد الحارّ الذي هو مرادف السخن، بدليل قوله: برد ثناياه، وهذا مع ما فيه من النظر في حار في غاية الحسن.
المصادر:
كتاب البديع في البديع لابن المعتز ت247ه
العمدة في محاسن الشعر لابن رشيق القيرواني ت390ه
خزانة الأدب لابن حجة الحموي ت837ه
أنوار الربيع في أنواع البديع لابن معصوم الحسني ت1119ه
جمع وإعداد وتقديم: محمد أبورزق
يُتبع
علم البديع
دروس مهمة لكل شاعر وكاتب وأديب
الدرس الخمسون (50)
[ التتميم ]
التتميم - ومنهم من سماه التمام، وسماه ابن المعتز اعتراض كلام في كلام لم يتم معناه، والتسمية الأولى للحاتمي، وهي أولى، وهو عبارة عن الإتيان في الكلام نظما كان أو نثرا بكلمة أو جملة إذا طرحت منه نقص حسنه ومعناه.
كقول طرفة:
فسقى ديارك غير مفسدها **** صوب الغمام وديمة تهمي
فقوله غير مفسدها إحتراس واحتياط، ويجيء في المقاطع والحشو وأكثر مجيئه في الحشو.
ومثاله قوله تعالى ( من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ) فقوله ( من ذكر أو أنثى ) تتميم وقوله ( وهو مؤمن ) تتميم ثان في غاية البلاغة التي بذكرها تم معنى الكلام وجرى على الصحة ولو حذفت الجملتان نقص معناه واختل حسن البناء.
وقوله تعالى: (ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف) فقوله: وهو مؤمن، تتميم في غاية الحسن، فلو حذفت هذه الجملة لاختل المعنى.
وقوله تعالى: (سبحان الذي أسرى بعبده ليلا) مع أن الإسراء لا يكون إلا بالليل تتميم أفاد الدلالة على تقليل المدة، وأنه أسرى به في بعض الليل.
وغاية الغايات في التتميم للمبالغة قوله تعالى: ( ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا ) فقوله على حبه هو تتميم للمبالغة التي تعجز عنها قدرة المخلوقين.
ومن هذا القسم قول النبي مما انفرد به مسلم ( ما من عبد مسلم يصلي لله كل يوم اثنتي عشرة ركعة من غير الفرائض إلا بنى الله له بيتا في الجنة ) فوقع التتميم في هذا الحديث في أربعة مواضع منها قوله مسلم ومنها قوله لله ومنها كل يوم ومنها قوله من غير الفرائض
ومن أناشيد قدامة على هذا القسم:
أناس إذا لم يقبل الحق منهم **** ويعطوه غاروا بالسيوف القواضب
فقوله ويعطوه تتميم فإنه في غاية الحسن وهو شاهد على ما جاء منه للإحتياط
ومثال ما جاء منه للمبالغة قول زهير
من يلقَ يوما على عِلاّتِه هَرِماً **** يلق السماحة منه والندى خُلقا
فقوله على علاته تتميم للمبالغة. ومعنى على عِلّاته: إي على قلّة مال أو عدم.
وقول الآخر:
إنّي على ما ترينَ من كِبري **** أعرفُ من أين تؤكل الكتف
فقوله: على ما ترين من كبري، تتميم أفاد معنى زائدا، وحسنا آخر، لو حذف لفات ذلك.
وقول الأخطل:
وأقسم المجد حقا لا يحالفهم **** حتى يحالف بطنَ الرّاحة الشعرُ
قوله: حَقّاً تتميم بديع.
وقول ابن المعتز:
وخيل طواها القود حتى كأنها **** أنابيب سمر من قنا الخط ذبل
صببنا عليها ظالمين سياطنا **** فطارت بها أيد سراع وأرجل
فقوله: ظالمين، تتميم في غاية البراعة، فلو حذف لم يبق للبيت رونق، ولا لمعناه لطف.
ومن بديع أمثلته أيضاً قول أبي العلاء المعري:
الموقدون بنجدٍ نارَ باديةٍ **** لا يحضرون وفَقْدُ العِزِّ في الحَضَرِ
إذا هَمَى القَطْرُ شَبَّتْها عَبيدُهم **** تحت الغمائم للسَّارين بالقَطْرِ
فقوله: تحت الغمائم تتميم أفاد مبالغة تأكيد لإرادة الإيقاد، والاهتمام بشأنه. وقوله: بالقطر تتميم للتميم، وذلك أن نزول المطر لا يمنعهم من الإيقاد، ولا يوقد عندهم إلا بالحطب الجزل، وإذا كان الحطب قطرا، وهو العود الذي يتبخر به، كان نهاية في إرادة المبالغة في الاهتمام بشأن الإيقاد، ويحتمل الاستتباع أيضاً، لأن صفة السخاوة استتبعت صفة الثروة لأن الوقود إذا كان عودا لدل على أنهم لم يكونوا من أوساط الناس.
ــ وقد يؤتى بالتميم لإقامة الوزن، بحيث لو طرحت الكلمة التي قصد بها التتميم، لم ينقص معنى البيت، بل استقل بدونها، ويسمى حشوا، وهو على ضربين: ضرب لا يفيد إلا إقامة الوزن فحسب وهو حشو قبيح معيب، وضرب يفيد مع ذلك نوعا من المحاسن، فإن حذاق الشعراء إذا اضطروا إلى الكلمة لإقامة الوزن، أفادوا بها لطيفة زائدة تفاديا من أن تكون لمجرد الوزن فتعد حشوا قبيحا، وهذا الضرب يسميه بعضهم حشو اللوزينج.
فالأول من العيوب والثاني من النعوت
فمثال الأول كقول بعضهم:
ذكرت أخي فعاودني **** صداعُ الرأسِ والوصبُ
فذِكرُ الرأس حشو قبيح لأن الصداع لا يكون إلا في الرأس
ومثال الثاني الذي يأتي لإقامة الوزن مع بعض المحاسن:
قول المتنبي:
وخفوق قلب لو رأيت لهيبه **** يا جنتي لظننت فيه جهنما
فإنه جاء بقوله يا جنتي لإقامة الوزن فأفاد تتميم المطابقة وهو ضرب من المحاسن المشار إليها.
ومنه قول الشيخ جمال الدين بن نباتة:
لو ذقتَ بَرْدَ ثناياه ومبسمه **** يا حار ما لمتَ أعطافي التي ثملتْ
فقوله: يا حار، حشو يتم المعنى بدونه، ولكن أفاد إقامة الوزن والتورية (في حار، فإنه ورى به، أنه منادى) اسم حارث مرخم، وهو يريد الحارّ الذي هو مرادف السخن، بدليل قوله: برد ثناياه، وهذا مع ما فيه من النظر في حار في غاية الحسن.
المصادر:
كتاب البديع في البديع لابن المعتز ت247ه
العمدة في محاسن الشعر لابن رشيق القيرواني ت390ه
خزانة الأدب لابن حجة الحموي ت837ه
أنوار الربيع في أنواع البديع لابن معصوم الحسني ت1119ه
جمع وإعداد وتقديم: محمد أبورزق
يُتبع

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق