اللغة العربية: إبداع وإمتاع وإقناع
علم البديع
دروس مهمة لكل شاعر وكاتب وأديب
الدرس الخامس والخمسون (55)
[ التمثيل ]
التمثيل مما فرعه قدامة بن جعفر من ائتلاف اللفظ مع المعنى وقال هو أن يريد المتكلم معنى فلا يدل عليه بلفظه الموضوع له ولا بلفظ قريب من لفظه وإنما يأتي بلفظ هو أبعد من لفظ الإرداف يصلح أن يكون مثالا للفظ المعنى المذكور كقوله تعالى ( وقضي الأمر ) وهذا التمثيل العظيم في غاية الإيجاز والحقيقة أي هلك من قضي هلاكه ونجا من قدرت نجاته وما عدل عن اللفظ الخاص إلى لفظ التمثيل إلا لأمرين أحدهما الإختصار لبلاغه الإيجاز والثاني كون الهلاك والنجاة كانا بأمر مطاع ولا يحصل ذلك من اللفظ الخاص.
ومثاله أيضا قوله تعالى: (أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا) فإنه مثل الإغتياب بأكل الإنسان لحم إنسان آخر مثله، ثم لم يقتصر على ذلك حتى جعله لحم الأخ، ثم لم يقتصر عليه حتى جعله ميتا، ثم جعل ما هو في غاية الكراهية موصولا بأخيه، ففيه أربع دلالات واقعة على ما قصدت له مطابقة المعنى الذي وردت لأجله.
أما تمثيل الإغتياب بأكل الإنسان لحم إنسان آخر مثله فشديد المناسبة جدا، لأن الإغتياب إنما هو ذكر مثالب الناس، وتمزيق أعراضهم. وأما قوله (لحم أخيه) فلِما في الإغتياب من الكراهية لأن العقل والشرع قد أجمعا على إستكراهه، وأمرا بتركه، والبعد عنه. وأما قوله (ميتا) فلأجل أن المغتاب لا يشعر بغيبته ولا يحس بها.
ومن أمثلته في السنة الشريفة قوله صلّى الله عليه وآله وسلّم لرجل رآه ينهك نفسه في العبادة (إن هذا الدِّينَ متين فأوْغِلْ فيه برفق، فإن المُنْبَتَّ لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى) .
فمثل عليه السلام حال من يعسف نفسه فينهك جسمه في العبادة بحال المنبت، وهو الرجل المنقطع عن أصحابه، فيعسف راحلته في السير في لحاقهم فتعيا راحلته ولا يبلغ رفقته. وأخرج التمثيل مخرج المثل السائر، وهو من أحسن أنواعه.
ومن شواهده كذلك في السنة الشريفة قول النبي حكاية عن بعض النسوة في حديث أم زرع: زوجي كلَيْلِ تهامة لا حر ولا برد، ولا مخافة ولا سآمة.
فإنها أرادت وصفه بحسن العشرة مع نسائه
فعدلت عن اللفظ الموضوع له إلى لفظ التمثيل لما فيه من الزيادة وذلك تمثيلها الممدوح بليل تهامة المجمع على وصفه بأنه معتدل فتضمن ذلك وصف الممدوح باعتدال المزاج المستلزم حسن العشرة وكمال العقل اللذين ينتجان لين الجانب وطيب المعاشرة وخصت الليل بالذكر لما في الليل من راحة الحيوان وخصوصا الإنسان لأنه يستريح فيه من الكد والفكر ولكون الليل جعل سكنا والسكن محل الإجتماع بالحبيب لا سيما وقد جعلته معتدلا بين الحر والبرد والطول والقصر وهذه صفة ليل تهامة لأن الليل يبرد فيه الجو مطلقا بالنسبة إلى النهار لغيبة الشمس وخلوص الهواء من إكتساب الحر فيكون في البلاد الباردة شديد البرد وفي البلاد الحارة معتدل البرد مستطابا فلهذا قالت زوجي كليل تهامة وحذفت أداة التشبيه ليقرب المشبه من المشبه به وهذا مما يبينه لفظ التمثيل لكونه لا يجيء إلا مقدرا بمثل غالبا
وقال ابن رشيق في العمدة التمثيل والاستعارة ضرب من التشبيه ولكنهما بغير أداة
والتمثيل هو المماثل عند بعضهم وذلك أن تمثل شيئا بشيء فيه إشارة منه كقول امرئ القيس
وما ذرفت عيناك إلا لتضربي **** بسهميك في أعشار قلب مقتل
فمثل عينيها بالسهمين ومثل قلبه بأعشار الجزور معناه ما بكيت إلا لتقدحي في قلبي كما يقدح القادح في الأعشار فتمت له جهات التمثيل والاستعارة
وقد تقدم أن التمثيل ضرب من الإستعارة والتشبيه وهو قريب التذييل ولكن بينهما فرق دقيق وهو خلو التذييل من التشبيه
ومن شواهده الشعرية قول الشاعر:
ألم أك في يمنى يديك جعلتني **** فلا تجعلني بعدها في شمالكا
كأن هذا الشاعر قال: ألم أكن قريبا منك؟ فلا تجعلني بعيدا عنك، فعبر عن قربه بكونه في اليمين لما في ذلك من التمثيل بشيء تقر في النفوس قوته، ووجوب البدأة وسرعة البطش، وعن بعده بكونه في الشمال، لما فيه من التمثيل بشيء هو عكس ذلك. فكان العدول عن لفظ القرب والشمال لهذه الفائدة.
وأحسن التمثيل ما أخرج مخرج المثل كقول أبي تمام:
أخرجتموه بكره عن سجيته ****والنار قد تنتضي من ناضر السلم
أوطأتموه على جمر العقوق ولو **** لم يحرج الليث لم يخرج من الأجم
ففي عجز كل من البيتين تمثيل حسن فإنه مثل فيهما حالته عند إخراجه كرها عن سجيته يخاطب أحبابه وقد أثروا به تلك الحالة والنار قد تلتظي من ناضر السلم وقد هنا للتقليل ومراده أن وقوعهذا منكم وأنتم أحباب عجيب ومثل الحال بقوله والنار قد تلتظي من ناضر السلم وقال في عجز البيت الثاني عندما أَوْطَأوه على جمر العقوق إن الليث لو لم يخرج ما خرج من الأجم.
والسلم هنا: نوع من الشجر.
وقول الطغرائي:
مجدي أخيرا ومجدي أولا شرع **** والشمس رأد الضحى كالشمس في الطفل
فمثل استواء مجده في الأول والآخر باستواء حالتي الشمس في أول النهار وفي آخره، فشبه نفسه بالشمس وأخرج ذلك مخرج المثل السائر.
وهو مأخوذ من قول أبي العلاء المعري:
وافقتهم في اختلاف من زمانكم **** والبدر في الوهن مثل البدر في السحر
غير أن ذاك شبه نفسه بالشمس، وهذا شبه ممدوحه وآباءه بالبدر، وهذا أيضاً من التمثيل المذكور.
وبيت بديعية الشيخ صفي الدين الحلي قوله:
يا غائبين لقد أضنى الهوى جسدي **** والغصن يذوي لفقد الوابل الرذم
مثل حاله لما أضنى الهوى جسده لغيبة أحبابه بالغصن الذي ذوى لفقد المطر، وأخرج كلامه مخرج المثل السائر كما تقرر.
وبيت بديعية ابن معصوم الحسني قوله:
طربت في البعد من تمثيل قربهم **** والمرء قد تزدهيه لذة الحلم
الطرب : خفة تلحق الإنسان تسره أو تسوؤه، والمراد به هنا: السرور، والتمثيل هنا بمعنى التصوير، مورى به عن اسم النوع، قال في القاموس: مثله له تمثيلا: صوره حتى كأنه ينظر إليه. انتهى. والازدهاء: الاستخفاف، ومنه قولهم: فلان لا يزدهي بخديعة. والمعنى أنه طرب من تصوير قرب أحبابه في حال البعد، كأنه صور لنفسه قربهم فلحقته لذلك خفة سرته، ثم مثل حاله هذه بحال الإنسان النائم الذي تستخفه لذة الأحلام فيطرب لها، وأخرج التمثيل مخرج المثل السائر، وما أشد انطباق هذا التمثيل لهذا المعنى الممثل له
المصادر:
كتاب البديع في البديع لابن المعتز ت247ه
العمدة في محاسن الشعر لابن رشيق القيرواني ت390ه
زهر الآداب للحصري القيرواني ت453ه
خزانة الأدب لابن حجة الحموي ت837ه
أنوار الربيع في أنواع البديع لابن معصوم الحسني ت1119ه
جمع وإعداد وتقديم: محمد أبورزق
يُتبع
علم البديع
دروس مهمة لكل شاعر وكاتب وأديب
الدرس الخامس والخمسون (55)
[ التمثيل ]
التمثيل مما فرعه قدامة بن جعفر من ائتلاف اللفظ مع المعنى وقال هو أن يريد المتكلم معنى فلا يدل عليه بلفظه الموضوع له ولا بلفظ قريب من لفظه وإنما يأتي بلفظ هو أبعد من لفظ الإرداف يصلح أن يكون مثالا للفظ المعنى المذكور كقوله تعالى ( وقضي الأمر ) وهذا التمثيل العظيم في غاية الإيجاز والحقيقة أي هلك من قضي هلاكه ونجا من قدرت نجاته وما عدل عن اللفظ الخاص إلى لفظ التمثيل إلا لأمرين أحدهما الإختصار لبلاغه الإيجاز والثاني كون الهلاك والنجاة كانا بأمر مطاع ولا يحصل ذلك من اللفظ الخاص.
ومثاله أيضا قوله تعالى: (أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا) فإنه مثل الإغتياب بأكل الإنسان لحم إنسان آخر مثله، ثم لم يقتصر على ذلك حتى جعله لحم الأخ، ثم لم يقتصر عليه حتى جعله ميتا، ثم جعل ما هو في غاية الكراهية موصولا بأخيه، ففيه أربع دلالات واقعة على ما قصدت له مطابقة المعنى الذي وردت لأجله.
أما تمثيل الإغتياب بأكل الإنسان لحم إنسان آخر مثله فشديد المناسبة جدا، لأن الإغتياب إنما هو ذكر مثالب الناس، وتمزيق أعراضهم. وأما قوله (لحم أخيه) فلِما في الإغتياب من الكراهية لأن العقل والشرع قد أجمعا على إستكراهه، وأمرا بتركه، والبعد عنه. وأما قوله (ميتا) فلأجل أن المغتاب لا يشعر بغيبته ولا يحس بها.
ومن أمثلته في السنة الشريفة قوله صلّى الله عليه وآله وسلّم لرجل رآه ينهك نفسه في العبادة (إن هذا الدِّينَ متين فأوْغِلْ فيه برفق، فإن المُنْبَتَّ لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى) .
فمثل عليه السلام حال من يعسف نفسه فينهك جسمه في العبادة بحال المنبت، وهو الرجل المنقطع عن أصحابه، فيعسف راحلته في السير في لحاقهم فتعيا راحلته ولا يبلغ رفقته. وأخرج التمثيل مخرج المثل السائر، وهو من أحسن أنواعه.
ومن شواهده كذلك في السنة الشريفة قول النبي حكاية عن بعض النسوة في حديث أم زرع: زوجي كلَيْلِ تهامة لا حر ولا برد، ولا مخافة ولا سآمة.
فإنها أرادت وصفه بحسن العشرة مع نسائه
فعدلت عن اللفظ الموضوع له إلى لفظ التمثيل لما فيه من الزيادة وذلك تمثيلها الممدوح بليل تهامة المجمع على وصفه بأنه معتدل فتضمن ذلك وصف الممدوح باعتدال المزاج المستلزم حسن العشرة وكمال العقل اللذين ينتجان لين الجانب وطيب المعاشرة وخصت الليل بالذكر لما في الليل من راحة الحيوان وخصوصا الإنسان لأنه يستريح فيه من الكد والفكر ولكون الليل جعل سكنا والسكن محل الإجتماع بالحبيب لا سيما وقد جعلته معتدلا بين الحر والبرد والطول والقصر وهذه صفة ليل تهامة لأن الليل يبرد فيه الجو مطلقا بالنسبة إلى النهار لغيبة الشمس وخلوص الهواء من إكتساب الحر فيكون في البلاد الباردة شديد البرد وفي البلاد الحارة معتدل البرد مستطابا فلهذا قالت زوجي كليل تهامة وحذفت أداة التشبيه ليقرب المشبه من المشبه به وهذا مما يبينه لفظ التمثيل لكونه لا يجيء إلا مقدرا بمثل غالبا
وقال ابن رشيق في العمدة التمثيل والاستعارة ضرب من التشبيه ولكنهما بغير أداة
والتمثيل هو المماثل عند بعضهم وذلك أن تمثل شيئا بشيء فيه إشارة منه كقول امرئ القيس
وما ذرفت عيناك إلا لتضربي **** بسهميك في أعشار قلب مقتل
فمثل عينيها بالسهمين ومثل قلبه بأعشار الجزور معناه ما بكيت إلا لتقدحي في قلبي كما يقدح القادح في الأعشار فتمت له جهات التمثيل والاستعارة
وقد تقدم أن التمثيل ضرب من الإستعارة والتشبيه وهو قريب التذييل ولكن بينهما فرق دقيق وهو خلو التذييل من التشبيه
ومن شواهده الشعرية قول الشاعر:
ألم أك في يمنى يديك جعلتني **** فلا تجعلني بعدها في شمالكا
كأن هذا الشاعر قال: ألم أكن قريبا منك؟ فلا تجعلني بعيدا عنك، فعبر عن قربه بكونه في اليمين لما في ذلك من التمثيل بشيء تقر في النفوس قوته، ووجوب البدأة وسرعة البطش، وعن بعده بكونه في الشمال، لما فيه من التمثيل بشيء هو عكس ذلك. فكان العدول عن لفظ القرب والشمال لهذه الفائدة.
وأحسن التمثيل ما أخرج مخرج المثل كقول أبي تمام:
أخرجتموه بكره عن سجيته ****والنار قد تنتضي من ناضر السلم
أوطأتموه على جمر العقوق ولو **** لم يحرج الليث لم يخرج من الأجم
ففي عجز كل من البيتين تمثيل حسن فإنه مثل فيهما حالته عند إخراجه كرها عن سجيته يخاطب أحبابه وقد أثروا به تلك الحالة والنار قد تلتظي من ناضر السلم وقد هنا للتقليل ومراده أن وقوعهذا منكم وأنتم أحباب عجيب ومثل الحال بقوله والنار قد تلتظي من ناضر السلم وقال في عجز البيت الثاني عندما أَوْطَأوه على جمر العقوق إن الليث لو لم يخرج ما خرج من الأجم.
والسلم هنا: نوع من الشجر.
وقول الطغرائي:
مجدي أخيرا ومجدي أولا شرع **** والشمس رأد الضحى كالشمس في الطفل
فمثل استواء مجده في الأول والآخر باستواء حالتي الشمس في أول النهار وفي آخره، فشبه نفسه بالشمس وأخرج ذلك مخرج المثل السائر.
وهو مأخوذ من قول أبي العلاء المعري:
وافقتهم في اختلاف من زمانكم **** والبدر في الوهن مثل البدر في السحر
غير أن ذاك شبه نفسه بالشمس، وهذا شبه ممدوحه وآباءه بالبدر، وهذا أيضاً من التمثيل المذكور.
وبيت بديعية الشيخ صفي الدين الحلي قوله:
يا غائبين لقد أضنى الهوى جسدي **** والغصن يذوي لفقد الوابل الرذم
مثل حاله لما أضنى الهوى جسده لغيبة أحبابه بالغصن الذي ذوى لفقد المطر، وأخرج كلامه مخرج المثل السائر كما تقرر.
وبيت بديعية ابن معصوم الحسني قوله:
طربت في البعد من تمثيل قربهم **** والمرء قد تزدهيه لذة الحلم
الطرب : خفة تلحق الإنسان تسره أو تسوؤه، والمراد به هنا: السرور، والتمثيل هنا بمعنى التصوير، مورى به عن اسم النوع، قال في القاموس: مثله له تمثيلا: صوره حتى كأنه ينظر إليه. انتهى. والازدهاء: الاستخفاف، ومنه قولهم: فلان لا يزدهي بخديعة. والمعنى أنه طرب من تصوير قرب أحبابه في حال البعد، كأنه صور لنفسه قربهم فلحقته لذلك خفة سرته، ثم مثل حاله هذه بحال الإنسان النائم الذي تستخفه لذة الأحلام فيطرب لها، وأخرج التمثيل مخرج المثل السائر، وما أشد انطباق هذا التمثيل لهذا المعنى الممثل له
المصادر:
كتاب البديع في البديع لابن المعتز ت247ه
العمدة في محاسن الشعر لابن رشيق القيرواني ت390ه
زهر الآداب للحصري القيرواني ت453ه
خزانة الأدب لابن حجة الحموي ت837ه
أنوار الربيع في أنواع البديع لابن معصوم الحسني ت1119ه
جمع وإعداد وتقديم: محمد أبورزق
يُتبع

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق