musique

الاثنين، 1 أكتوبر 2018

[ التذييل ]

اللغة العربية: إبداع وإمتاع وإقناع
علم البديع
دروس مهمة لكل شاعر وكاتب وأديب
الدرس الواحد والأربعون (41)
[ التذييل ]
قال ابن حجة الحموي: التذييل هو أن يذيل الناظم أو الناثر كلاما بعد تمامه وحسن السكوت عليه بجملة تحقق ما قبلها من الكلام وتزيده توكيدا وتجري مجرى المثل بزيادة التحقيق.
وقال ابن معصوم الحسني:التذييل - ضرب من الإطناب، وهو تعقيب الجملة التامة نظما كانت أو نثرا بجملة تشتمل على معناها لتوكيد منطوقها، أو مفهومها، ليظهر المعنى لمن لم يفهمه، ويتقرر عند من فهمه.
وهو نوعان :
النوع الأول :
وهو ما يخرج مخرج المثل السائر، بأن يكون مستقلا بإفادة المراد فيكون جائز الاستعمال على الإنفراد، وهذا النوع هو الذي بنى عليه أرباب البديعيات أبياتهم، ومثاله قوله تعالى: (وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا) فالجملة الأولى دلّت بمنطوقها على زهوق الباطل. والجملة الأخيرة تأكيد وتقرير لذلك، وهو التذييل الذي أخرج مخرج المثل السائر
والتذييل لم يفد غير تحقيق الكلام الأول وتوكيده
فلو وقفنا عند قوله تعالى " وقل جاء الحق وزهق الباطل" فهذه جملة تامة مفيدة بنفسها، وتبقى جملة " إن الباطل كان زهوقا" هي تأكيد للكلام السابق ومستقلة بنفسها ولا تَعلُّقَ لها بما قبلها، فهي تذييل للجملة الأولى خرجت مخرج المثل.
وقوله تعالى ( إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله ) ففي هذه الآية الشريفة تذييلان أحدهما قوله تعالى ( وعدا عليه حقا ) فإن الكلام كان قد تم قبل ذلك وحسن السكوت عليه والآخر قوله تعالى ( ومن أوفى بعهده من الله ) فخرج هذا الكلام مخرج المثل السائر
ووقع ذلك في السنة الشريفة وهو قول النبي ( من هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة وإن عملها كتبت له عشرا ومن هم بسيئة فلم يعملها لم تكتب عليه، وإن عملها كتبت عليه سيئة واحدة،ولا يُهلَك على الله إلا هالك)
فقوله ( لا يهلك على الله إلا هالك ) هو التذليل الذي تتعلق البلاغة بأذياله وخرج الكلام فيه مخرج الأمثال وهذا التذليل انفرد بإخراجه مسلم..
ومن هذا الباب قول النابغة
ولستَ بمُستبقٍ أخاً لا تَلُمَّهُ **** على شَعَثٍ أيُّ الرّجالِ المُهذّبُ
فصدر البيت دل بمفهومه على نفي الكامل من الرجال، وقوله: أي الرجال المهذب جملة مشتملة على هذا المعنى مؤكدة له خارجة مخرج المثل السائر وهو التذييل.
ــ وقَوْلُهُ لَا تلمُّه عَلَى شَعَثٍ : أَي لَا تَحْتَمِلُهُ عَلَى مَا فِيهِ مِنَ زَللٍ ودَرْءٍ، فتَلُمُّه وتُصْلحُه، وتَجْمَعُ مَا تَشَعَّثَ مِن
أمْرِه، وقوله:(أيُّ الرّجالِ المُهَذَّبُ) استفهام الإنكار أي ليس في الرجال منقح الفعال مرضي الخصال ــ.
وقول الحطيئة:
نَزورُ فتًى يُعطِي على الحَمدِ مالَه **** ومن يُعطِ أثمانَ المدائحِ يُحْمَدِ
فإن عجز البيت كله تذييل خرج مخرج المثل وصدر البيت استقل بالمعنى المراد على انفراده وفيه أيضا مع اتصاله بالعجز تعطف حسن في قوله يعطي ويعط وبالتعطف صار بين العجز والصدر ملاحمة وملاءمة شديدة ورابطة وثيقة قال ابن أبي الأصبع عجز هذا البيت إذا انفرد استقل مثلا وتذييلا كما أن الصدر إذا انفرد استقل بالمعنى المقصود من جملة البيت والغرض المطلوب من التمثيل أيضا وقَلَّ أن يوجد بيت بين صدره وعجزه مثل هذا التلاحم على استقلال كل قسم بنفسه وتمام معناه ولفظه
ومثله قول أبي الشيص:
وأهنْتِني فأهنتُ نفسي عامدا **** ما مَنْ يهونُ عليك مِمّن يُكرَمُ
فعجز البيت بجملته تذييل خارج مخرج المثل، وفي ضمنه مطابقة بين الهوان والكرامة.
ــ والنوع الثاني:
لا يخرج مخرج المثل لعدم استقلاله بإفادة المراد، وتوقفه على ما قبله، كقوله تعالى: (ذلك جزيناهم بما كفروا وهل نجازي إلا الكفور) إن قلنا: إن المعنى: وهل نجازي ذلك الجزاء المخصوص، فيكون متعلقا بما قبله. وقال الزمخشري: وفيه وجه آخر، وهو أن الجزاء عام لكل مكافأة، يستعمل تارة في معنى المعاقبة، وأخرى في معنى الإثابة، فلما استعمل في معنى المعاقبة في قوله تعالى: ذلك جزيناهم بما كفروا، بمعنى عاقبناهم بكفرهم، قيل: وهل نجازي إلا الكفور بمعنى وهل يعاقب. فعلى هذا يكون من الضرب الأول.
ومن ذلك قول ربيعة بن مقروم الضبّي:
ودَعَوْا نَزَالِ فكنتُ أوّل نازِلٍ ... وعَلامَ أركبُه إذا لم أَنزلِ
فعجز البيت كله تذييل لكنه لم يخرج مخرج المثل به واستقلاله وتوقفه على ما قبله.
ومعنى: "دعوْا نزالِ" أي صاحوا: نزالِ نزال.
وقول أبي الطيب المتنبي:
وما حاجة الأظعان حولك في الدجى ... إلى قمر ما واجد لك عادمه
فقوله: ما واجد لك عادمه، تذييل بديع لكنه لم (يخرج مخرج المثل لعين الأمر) .
وقوله أيضاً:
تمسي الأماني صرعى دون مبلغه ... فما يقول لشيء ليت ذلك لي
فالعجز كله تذييل على حد ما تقدم.
وقد اجتمع الضربان معا في قوله تعالى: (وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإن مت فهم الخالدون، كل نفس ذائقة الموت) فقوله: أفإن مت فهم الخالدون، تذييل الضرب الثاني لتوقفه على ما قبله، وتعلقه به، وقوله: كل نفس ذائقة الموت، من الضرب الأول، لأنه حكم كلي منفصل عما قبله.
وبيت بديعية الشيخ صفي الدين الحلي قوله:
لله لذة عيش بالحبيب مضت *** فلم تدم لي وغير الله لم يدم
فقوله: وغير الله لم يدم، هو التذييل الذي أخرج مخرج المثل السائر.
وبيت بديعية عز الدين الموصلي قوله:
تذييل عيشي ورزقي قسمة حصلت **** في أول الخلق والأرزاق بالقسم
والتذييل فيه ظاهر.
وبيت بديعية ابن حجة قوله:
والله ما طال تذييل اللقاء بهم **** يا عاذلي وكفى بالله في القسم
التذييل في قوله (وكفى بالله في القسم) وأجاد في ذكر الطول الذي ترشحت به التورية، لأن الطول من لوازم الذيل،
وبيت بديعية ابن معصوم الحسني هو قوله:
عدمتُ تذييل حظي حين قصّره **** طول التّفرقِ والدنيا إلى عدم
فقوله: والدنيا إلى عدم، هو التذييل، وقد أخرجه مخرج المثل السائر، وذِكر التقصير رشح التورية في لفظ التذييل الذي هو تسمية هذا النوع. فإن القصر من لوازم الأذيال كالطول، وفيه أيضاً المطابقة، ورد العجز على الصدر، والسهولة، والانسجام، والاستعارة.
المصادر:
كتاب البديع في البديع لابن المعتز ت247ه
العمدة في محاسن الشعر لابن رشيق القيرواني ت390ه
زهر الآداب للحصري القيرواني ت453ه
خزانة الأدب لابن حجة الحموي ت837ه
أنوار الربيع في أنواع البديع لابن معصوم الحسني ت1119ه
جمع وإعداد وتقديم: محمد أبورزق
يُتبع

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق