musique

الخميس، 20 سبتمبر 2018

[ الإفتنان ]

اللغة العربية: إبداع وإمتاع وإقناع
علم البديع
دروس مهمة لكل شاعر وكاتب وأديب
الدرس الثلاثون (30)
[ الإفتنان ]
الإفتنان هو أن يفتنَّ الشاعر فيأتي بفنين متضادين من فنون الشعر في بيت واحد فأكثر مثل النسيب والحماسة والمديح والهجاء والتهنئة والعزاء
ولا يختص بالنظم، بل يكون في النثر أيضاً كقوله تعالى: (كل من عليها فانٍ. ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام) فإنه جمع بين الفخر والتعزية، فعزى سبحانه جميع المخلوقات من الإنس والجن والملائكة وسائر أصناف ما هو قابل للحياة، وتمدَّح بالبقاء بعد فناء الموجودات في عشر كلمات، مع وصفهِ ذاتَه بعد انفراده بالبقاء، بالجلال والإكرام.
والجمع بين التهنئة والتعزية في باب الإفتنان أصعب مسلكاً من الجمع بين غيرهما من فنون الكلام، لشدة ما بينهما من التناقض.
ومما جمع فيه من النظم بين التهنئة والتعزية قول بعض الشعراء ليزيد بن معاوية لما دفن أباه وجلس للتعزية
إصبر يزيد فقد فارقت ذا ثقة *** واشكر حَباءَ الذي بالملك أصفاكا
لا رزء أصبح في الإسلام نعلمه *** كما رزئت ولا عقبى كعقباكا
ــ ومنه قول أبي نواس للعباس بن الفضل بن الربيع يعزيه بالرشيد ويهنئه بالأمين حيث قال
تعزّ أبا العباس عن خير هالك **** بأكرم حي كان أو هو كائن
حوادث أيام تدور صروفها **** لهن مساو مرة ومحاسن
وفي الحي بالميت الذي غيب الثرى **** فلا أنت مغبون ولا الموت غابن
ــ ومن أظرف ما وقع في هذا النوع أن ابن حجاج جمع في الافتنان بين التعزية والمدح المؤدي إلى التهكم بقوله في تعزية بعض الرؤساء بأبيه في بيت واحد وهو
أبوك قد جمّل أهل الثرى **** فجمّل الله به المقبره
ــ وأما ما افتنّ به الشاعر من النسيب والحماسة كقول عنترة
إن تُغدقي دوني القناعَ فإنّني **** طِبٌّ بأخذ الفارس المُستلئم
فأول البيت نسيب وآخره حماسة والمستلئم: الذي يلبس لَأْمَة حربه، وهي الدّرع، وما أحسن مقابلته به قناعَ المرأة.
ومنه قول عبد الله بن طاهر بن الحسين الخزاعي، الملقب والده بذي اليمينين، وزير المأمون:
نحن قوم تذيبنا الحدق النّج **** لُ على أننا نذيب الحديدا
طوع أيدي الغرام تقتادنا الغي **** د ونقتاد بالطعان الأسودا
نملك الصيد ثم تملكنا البي **** ض المصونات أعيناً وخدودا
تتقي سخطنا الأسود ونخشى ****سخطة الخشف حين يبدي الصدودا
فترانا يوم الكريهة أحرا **** راً وفي السلم للحسان عبيدا
وكقول أبي دلف العجلي
أحبك يا ظلوم وأنت مني **** مكان الروح من جسد الجبان
ولو أني أقول مكان روحي **** خشيت عليك بادرة الطعان
ــ ومن الافتنان بالنسيب والمدح: قول القزاز الأندلسي في ابن صمادح، وهو غريب:
نفَى الحبُّ عن مقلتي الكرى **** كما قد نفى عن يدي العدمْ
فقد قرّ حبك في خاطري **** كما قر في راحتيك الكرم
وفرَّ سُلُوّك من فكرتي **** كما فر عن عرضه كل ذم
فحبي ومفخره باقيان **** لا يذهبان بطول القدم
فأبقى لي الحب خال وخد **** وأبقى له الفخر خال وعم
ــ ومن الافتنان بالهجو والمدح، قول ربيعة في يزيد بن حاتم، يفضّله على يزيد بن أُسيد وكان في لسانه تمتمة، فعرض بها في هذه الأبيات:
لشتان ما بين اليزيدين في الندى **** يزيد سليم والأغر ابن حاتمِ
فهَمُّ الفتى الأزدي أتلاف ماله **** وهمّ الفتى القيسي جمع الدراهم
فلا يحسب التمتام أني هجوته ****ولكنني فضلت أهل المكارم
وهذا من أشد أنواع الهجاء، وهو الذي يسمى بالمُقْذِع.
ومنه قول الطبري
بسموا مذ تفننت المديح لهم **** فلا يغرك منهم ثغر مبتسمِ
الافتنان في هذا البيت بالجمع بين المدح والهجاء الذي هو من نوع النزاهة، وهو حسن جداً.
وبيت ابن معصوم الحسني:
إن افتنانهم في الحسن هيّمني **** قِدما وقد وطئت فرق السها قدمي
الافتنان في هذا البيت ظاهر، وهو الجمع بين النسيب والفخر.
وبيت الشيخ شرف الدين المقري قوله:
ألان مني الهوى ما لا يلينه ****صرف الليالي وبأس السيف والقلمِ
الافتنان فيه بالجمع بين الغزل والحماسة.
تنبيه - ذكر ابن أبي الإصبع في كتابه المسمى بتحرير التحبير نوعاً يسمى التمريج - بالجيم - ولم ينظمه أصحاب البديعيات، وهر قريب من الافتنان، غير أن بينهما فرقاً دقيقاً، وهو أن الافتنان لا يكون إلا بالجمع بين فنين من فنون الكلام، والتمريج يكون بالجمع بين الفنون والمعاني.
ومن أمثلته قول الشريف الرضي جامعاً بين الحماسة والمدح والهجو تعريضاً لا تصريحاً.
فقال وأغرب في المقال:
ما مقامي على الهوان وعندي **** مقول صارم وأنف حمي
وإباء محلق بي من الضي **** م كما راغ طائر وحشي
أي عذر له إلى المجد إن **** ذل غلام في غمده المشرفي
ألبس الذل في ديار الأعادي **** وبمصر الخليفة العلوي
من أبوه أبي ومولاه مولا **** ي إذا ضامني البعيد القصي
لف عرقي بعرقه سيد النا **** س جميعاً محمد وعلي
فتحمس أولاً ومدح الخليفة العلوي بمصر، ومتَّ إليه بالنسب وعرّض بهجاء بني العباس
المصادر:
كتاب البديع في البديع لابن المعتز ت247ه
العمدة في محاسن الشعر لابن رشيق القيرواني ت390ه
خزانة الأدب لابن حجة الحموي ت837ه
أنوار الربيع في أنواع البديع لابن معصوم الأندلسي ت 1119ه
جمع وإعداد وتقديم: محمد أبورزق
يُتبع

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق