musique

الثلاثاء، 18 سبتمبر 2018

الهجو في معرض المدح

Mohammed Abourizq

اللغة العربية: إبداع وإمتاع وإقناع
علم البديع
دروس مهمة لكل شاعر وكاتب وأديب
الدرس الثامن والعشرون (28)
[ الهجو في معرض المدح ]
هذا النوع من مستخرجات ابن أبي الأصبع وهو أن يقصد المتكلم هجاء إنسان فيأتي بألفاظ موجهة ظاهرها المدح وباطنها القدح فيوهم أنه يمدحه وهو يهجوه كقول الحماسي
يُجزُون من ظلم أهل الظلم مغفرةً **** ومن إساءة أهل السوء إحسانا
كأن ربك لم يخلق لخشيته **** سواهم من جميع الناس إنسانا
فليت لي بهم قوما إذا ركبوا **** شنوا الإغارة فرسانا وركبانا
فظاهر هذا الكلام المدح بالحلم والعفة والخشية والتقوى وباطنه المقصود أنهم في غاية الذل وعدم المنعة.
ومعنى هذه الأبيات: أنّ الذي يغفر لمن ظلمه ويحسن لمن أساء إليه أنه ذليل حقير مهان، لا يقدر على دفع الظلم والسوء، فأنت إذا قرأت الأبيات ظهر لك أنا مدح لهم ولكن باطنها وحقيقتها هي ذم وهجو لهم.
أما قوله في البيت الأخير: فليت لي بهم قوما إذا ركبوا
إذا قرأته تظن أنه يقصد أنه يتمنى أن يتخذهم قوما يشن بهم الغارات، ولكن الحقيقة أنه يتمنى أن لو كان له قوم غيرهم فيشن عليهم الغارة لحقارتهم وذلهم.
وظريف قول بعضهم في الشريف ابن الشجري
يا سيدي والذي يعيذك من **** نظم قريضٍ يَصْدى به الفكر
ما فيك من جَدِّك النبي سوى **** أنك لا ينبغي لك الشعر
ومثله قول الشاعرالنجاشي يهجو بني عجلان:
قبيلة لا يغدرون بذمة ****ولا يظلمون الناس حبة خردل
ولا يَرِدُونَ الماء إلا عشية **** إذا صَدَرَ الوُرّادُ عن كل منهل
تعاف الذئاب الضاريات لحومهم **** وتأكل من كعبِ بن عوفٍ ونهشل.
ويقال أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما سمع البيت الأول قال: وددت أن آل الخطاب هكذا، فلما سمع البيت الثاني قال: ما أحب كل هذه المذلة.
قال الشيخ زكي الدين بن أبي الأصبع لقد تشبثت بأذيال القاضي السعيد بن سنا الملك في هذا النوع بقولي فيمن ادعى الفقه والكرم
إن فلانا أكرم الناس لا **** يمنع ذا الحاجة من فلسه
وهو فقيه ذو اجتهاد وقد ****نص على التقليد في درسه
فيحسن البحث على وجهه **** ويوجب الدخل على نفسه
ومنه قول إبن معصوم الحسني
هجوت في معرض المدح الحسود لهم **** فقلت أنك ذو صبر على السدم
السدم بفتح السين والدال المهملتين: الغيظ مع حزن وهم، وهذا ظاهره المدح بأنه صبور، وباطنه الهجو بأنه يحمل غيظ الحسد وحزمه، ويصبر على مضضه، ويتجرع غصصه ولا يترك الحسد لهم.
وبيت الشيخ صفي الدين الحلي
من معشر يرخص الإعراض جوهرهم **** ويحملون الأذى من كل مهتضم
فقوله ويحملون الأذى من كل مهتضم المراد بما أبطنه الذل وعدم المنعة
وبيت بديعية ابن حجة الحموي
وكم بمعرض مدح قد هجوتهم **** وقلت سدتم بحمل الضيم والتهم
فحمل الضيم ظاهره الحلم والحسن وباطنه الذل وعدم المنعة، ولكن حمل التهم هو الغاية القصوى في ظاهره وباطنه والله أعلم
والفرق بين الهجاء في معرض المدح وبين التهكم أن التهكم لا تخلو ألفاظه من اللفظ الدال على نوع من أنواع الذم أو لفظة توهم من فحواها الهجو
وألفاظ المدح في معرض الذم لا يقع فيها شيء من ذلك ولا تزال تدل على ظاهر المدح حتى يقرن بها ما يصرفها عنه
المصادر:
كتاب البديع في البديع لابن المعتز ت247ه
العمدة في محاسن الشعر لابن رشيق القيرواني ت390ه
أنوار الربيع في أنواع البديع لابن معصوم الحسني ت1119ه
خزانة الأدب لابن حجة الحموي ت837ه
جمع وإعداد وتقديم: محمد أبورزق
يُتبع

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق