اللغة العربية: إبداع وإمتاع وإقناع
علم البديع
دروس مهمة لكل شاعر وكاتب وأديب
الدرس الثالث والثلاثون (33)
[ الإبهام ]
الإبهام وسمّاه بعضهم: التوجيه، ومُحتَمَل الضدين، وهو: عبارة عن أن يقول المتكلم كلاما محتملا لمعنيين متضادين، لا يتميز أحدهما عن الآخر، كالمديح والهجاء وغيرهما، ولا يأتي بعده ما يميز المراد منهما، قصدا للإبهام.
وزاد بعضهم: وينبغي أن يكون المراد، أنه إذا جرد عن القرائن ولم ينظر إلى القائل والمقول فيه، كان احتماله للمعنيين على السوية،
ومثاله من الحديث قوله صلى الله عليه وآله وسلم، وقد ذُكِر عنده شريح الحضرمي وهو من الصحابة: ذاك رجل لا يتوسد القرآن. فيحتمل وجهين ذكرهما تعلب عن ابن الأعرابي:
أحدهما المدح: وهو أنه لا ينام الليل حتى يتوسد القرآن معه فيكون مدحا.
والثاني الذم: وهو أنه ينام ولا يتوسده معه أي لا يحفظه، فيكون ذما.
ومثله ما حكي أن جعيفران الموسوس تقدّم إلى يوسف الأعور القاضي بسامرّاء ، في شيء كان في يده من وَقْفٍ له، فدفعه عنه وقضى عليه، فقال جعيفران: أراني الله أيها القاضي عينيك سواء، فأمسك عنه وأمر برده إلى داره. فلما رجع أطعمه ووهب له دراهم، ثم دعا به فقال له: ما أردتَ بدعائك، أردت أن يرد الله علي من بصري ما ذهب؟ فقال له جعيفران: لئن كنتَ وهبت لي هذه الدراهم لأسخر منك لأنت المجنون، لا أنا، أخبرني كم من أعور رأيته قد عمي؟ فقال: كثير، فقال: هل رأيت أعور قد صح قط؟ قال: لا، قال: فكيف توهمتَ علي الغلط؟ . فضحك منه وصرفه.
ومن شواهده أيضاً قول محمد بن حازم الباهلي في الحسن بن سهل حين تزوج الخليفة المأمون بابنته بوران فهنّأه مع من هنأه، فأثاب الناسَ كلّهم وحَرَمَه، فكتب إليه إن أنت تماديت على حرماني عملت فيك بيتا لا تعلم مدحتك فيه أو هجوتك، فاستحضره وسأله عن قوله فاعترف وقال لا أعطيك أو تفعل
فقال:
بارك الله للحسن **** ولبوران في الختن
يا إمام الهدى ظفرتَ **** ولكن ببنتِ مَنْ؟
فلم يعلم ما أراد بقوله: ببنتِ مَنْ؟ في الرفعة أو في الصغر واستحسن منه الحسن ذلك وناشده أسمعت هذا المعنى أم ابتكرته فقال لا والله بل نقلته من شعر شاعر مطبوع كثير العبث بهذا النوع اتفق أنه فصّل قباءً عند خياط أعور إسمه زيد فقال له
الخياط على طريق العبث به سآتيك به لا تدري أقباء هو أم دواج
فقال له الشاعر إن فعلت ذلك لأعملن فيك بيتا لا يعلم أحد ممن سمعه أدعوت لك أم دعوت عليك ففعل الخياط فقال الشاعر
خاط لي زيدٌ قباءً **** ليت عينيه سواء
فما علم أحد أن الصحيحة تساوي السقيمة أو بالعكس فاستحسن الحسن صدقه أضعاف استحسانه حذقه
فإن قيل أنه قصد التساوي بين عينيه في العمى فقد صح، وإن قيل أنه قصد التساوي بينهما في الإبصار صح.
ومنه قول الشاعر:
ويرغب أن يبني المعالي خالد *** ويرغب أن يرضى صنيع الألائم.
فإن هذا يحتمل المدح والذم لأنه إن قدَّرَ (في) أوّلاً و (عن) ثانيا فمدح، وإن عكس فذم، إذ يقال: رغب فيه، ورغب عنه.
ولهذا اشترط ابن مالك في حذف الجارّ مع أَنْ، وأنّ تعيينَ الجارّ ليؤمنَ اللّبس، قال: فلا يقال: رغبت أن تفعل، إذ لا يدري هل التقدير: في أن تفعل، أو عن تفعل.
وعدَّ ابن الأثير في المثل السائر من الإبهام قول أبي الطيب المتنبي في كافور:
فمالَكَ تُعنَى بالأسِنّة والقَنا **** وجدُّك طعّان بغير سِنان.
ومالَكَ تختارُ القسي وإنما **** عن السعد يَرمي دونك المَلَوان.
قال: فإن هذا لا يحتمل المدح والذم، بل هو بالذم أشبه، لأنه يقول: إنك لم تبلغ ما بلغته بسعيك واهتمامك، بل بجد وسعادة، وهذا أفضل فيه، لأن السعادة ينالها الخامل والجاهل ومن لا يستحقها. قال: وأكثر ما كان المتنبي يستعمل هذا الفن في القصائد الكافوريات.
والمَلَوان: الليل والنهار أو طرفا النهار.
ومما قيل أن أبا الطيب قصد فيه الإبهام قوله في مدح كافور:
ويغنيك عما ينسب الناس إنه **** إليك تتناهى المكرمات وتنسب..
قال الخطيب لهذا البيت باطن وهو سخرية، يريد أنه لا نسب لك لأنك عبد.
وبيت الشيخ صفي الدين الحلي
ليت المنية حالت دون نصحك لي **** فيستريح كلانا من أذى التهم
هذا البيت ليس له نظير في هذا الباب فإنه اشتمل على الرقة والسهولة والانسجام وما زاده حسنا إلا تقويته بليتَ التي استعان بها الشاعر في إبهام بيته على زيد الخياط
فإن الشيخ صفي الدين لما قال لعاذله ليت المنية حالت دون نصحك لي حسن إبهامه بقوله فيستريح كلانا من أذى التهم وصار الأمر مبهما بينه وبين العاذل
والطبري جمع بين الإبهام والتهكم في بيت واحد فقال:
أذقت إبهام ما يرضى الفؤاد فسد ** تهكما أنت ذو عز وذو عظم.
الإبهام في قوله: يرضي الفؤاد، فإنه إن قيل: فؤاد العاشق، صح، أو العاذل، صح.
وبيت ابن معصوم الحسني:
قالوا وقد أبهموا إذ بان مكتتمي **** في حبّهم بانَ لكِنْ أيّ مكتتم.
الإبهام في هذا البيت في قولهم: بان لكن أي مكتتم، لا يعلم ما أرادوا به، هل هو إعجاب به؛ أو احتقار له؟ فالأمر مبهم بين هذين المعنيين المتضادين محتمل لكل منهما على السواء، لا يتميز أحدهما عن الآخر.
وبيت الشيخ شرف الدين المقري من هذا القبيل أيضاً وهو:
ما مثلهم في العلى هيهات أين هم *** وأين منصبهم في القدر والعظم.
قال ناظمه في شرحه: ما مثلهم في العلى محتمل أنه أراد: لا نظير لهم في علوهم ومجدهم؛ ويحتمل أنه أراد: أن مثلهم لا يكون في العلى.
وكذلك قوله: هيهات أين هم وأين منصبهم في القدر والعظم، يحتمل أن سؤاله سؤال تفخيم وتعظيم، ويحتمل أنه أراد: الإحتقار والإعلام أنهم بحيث يفتش عليهم فلا يوجدون والله أعلم.
المصادر:
كتاب البديع في البديع لابن المعتز ت247ه
العمدة في محاسن الشعر لابن رشيق القيرواني ت390ه
خزانة الأدب لابن حجة الحموي ت837ه
أنوار الربيع في أنواع البديع لابن معصوم الأندلسي ت 1119ه
جمع وإعداد وتقديم: محمد أبورزق
علم البديع
دروس مهمة لكل شاعر وكاتب وأديب
الدرس الثالث والثلاثون (33)
[ الإبهام ]
الإبهام وسمّاه بعضهم: التوجيه، ومُحتَمَل الضدين، وهو: عبارة عن أن يقول المتكلم كلاما محتملا لمعنيين متضادين، لا يتميز أحدهما عن الآخر، كالمديح والهجاء وغيرهما، ولا يأتي بعده ما يميز المراد منهما، قصدا للإبهام.
وزاد بعضهم: وينبغي أن يكون المراد، أنه إذا جرد عن القرائن ولم ينظر إلى القائل والمقول فيه، كان احتماله للمعنيين على السوية،
ومثاله من الحديث قوله صلى الله عليه وآله وسلم، وقد ذُكِر عنده شريح الحضرمي وهو من الصحابة: ذاك رجل لا يتوسد القرآن. فيحتمل وجهين ذكرهما تعلب عن ابن الأعرابي:
أحدهما المدح: وهو أنه لا ينام الليل حتى يتوسد القرآن معه فيكون مدحا.
والثاني الذم: وهو أنه ينام ولا يتوسده معه أي لا يحفظه، فيكون ذما.
ومثله ما حكي أن جعيفران الموسوس تقدّم إلى يوسف الأعور القاضي بسامرّاء ، في شيء كان في يده من وَقْفٍ له، فدفعه عنه وقضى عليه، فقال جعيفران: أراني الله أيها القاضي عينيك سواء، فأمسك عنه وأمر برده إلى داره. فلما رجع أطعمه ووهب له دراهم، ثم دعا به فقال له: ما أردتَ بدعائك، أردت أن يرد الله علي من بصري ما ذهب؟ فقال له جعيفران: لئن كنتَ وهبت لي هذه الدراهم لأسخر منك لأنت المجنون، لا أنا، أخبرني كم من أعور رأيته قد عمي؟ فقال: كثير، فقال: هل رأيت أعور قد صح قط؟ قال: لا، قال: فكيف توهمتَ علي الغلط؟ . فضحك منه وصرفه.
ومن شواهده أيضاً قول محمد بن حازم الباهلي في الحسن بن سهل حين تزوج الخليفة المأمون بابنته بوران فهنّأه مع من هنأه، فأثاب الناسَ كلّهم وحَرَمَه، فكتب إليه إن أنت تماديت على حرماني عملت فيك بيتا لا تعلم مدحتك فيه أو هجوتك، فاستحضره وسأله عن قوله فاعترف وقال لا أعطيك أو تفعل
فقال:
بارك الله للحسن **** ولبوران في الختن
يا إمام الهدى ظفرتَ **** ولكن ببنتِ مَنْ؟
فلم يعلم ما أراد بقوله: ببنتِ مَنْ؟ في الرفعة أو في الصغر واستحسن منه الحسن ذلك وناشده أسمعت هذا المعنى أم ابتكرته فقال لا والله بل نقلته من شعر شاعر مطبوع كثير العبث بهذا النوع اتفق أنه فصّل قباءً عند خياط أعور إسمه زيد فقال له
الخياط على طريق العبث به سآتيك به لا تدري أقباء هو أم دواج
فقال له الشاعر إن فعلت ذلك لأعملن فيك بيتا لا يعلم أحد ممن سمعه أدعوت لك أم دعوت عليك ففعل الخياط فقال الشاعر
خاط لي زيدٌ قباءً **** ليت عينيه سواء
فما علم أحد أن الصحيحة تساوي السقيمة أو بالعكس فاستحسن الحسن صدقه أضعاف استحسانه حذقه
فإن قيل أنه قصد التساوي بين عينيه في العمى فقد صح، وإن قيل أنه قصد التساوي بينهما في الإبصار صح.
ومنه قول الشاعر:
ويرغب أن يبني المعالي خالد *** ويرغب أن يرضى صنيع الألائم.
فإن هذا يحتمل المدح والذم لأنه إن قدَّرَ (في) أوّلاً و (عن) ثانيا فمدح، وإن عكس فذم، إذ يقال: رغب فيه، ورغب عنه.
ولهذا اشترط ابن مالك في حذف الجارّ مع أَنْ، وأنّ تعيينَ الجارّ ليؤمنَ اللّبس، قال: فلا يقال: رغبت أن تفعل، إذ لا يدري هل التقدير: في أن تفعل، أو عن تفعل.
وعدَّ ابن الأثير في المثل السائر من الإبهام قول أبي الطيب المتنبي في كافور:
فمالَكَ تُعنَى بالأسِنّة والقَنا **** وجدُّك طعّان بغير سِنان.
ومالَكَ تختارُ القسي وإنما **** عن السعد يَرمي دونك المَلَوان.
قال: فإن هذا لا يحتمل المدح والذم، بل هو بالذم أشبه، لأنه يقول: إنك لم تبلغ ما بلغته بسعيك واهتمامك، بل بجد وسعادة، وهذا أفضل فيه، لأن السعادة ينالها الخامل والجاهل ومن لا يستحقها. قال: وأكثر ما كان المتنبي يستعمل هذا الفن في القصائد الكافوريات.
والمَلَوان: الليل والنهار أو طرفا النهار.
ومما قيل أن أبا الطيب قصد فيه الإبهام قوله في مدح كافور:
ويغنيك عما ينسب الناس إنه **** إليك تتناهى المكرمات وتنسب..
قال الخطيب لهذا البيت باطن وهو سخرية، يريد أنه لا نسب لك لأنك عبد.
وبيت الشيخ صفي الدين الحلي
ليت المنية حالت دون نصحك لي **** فيستريح كلانا من أذى التهم
هذا البيت ليس له نظير في هذا الباب فإنه اشتمل على الرقة والسهولة والانسجام وما زاده حسنا إلا تقويته بليتَ التي استعان بها الشاعر في إبهام بيته على زيد الخياط
فإن الشيخ صفي الدين لما قال لعاذله ليت المنية حالت دون نصحك لي حسن إبهامه بقوله فيستريح كلانا من أذى التهم وصار الأمر مبهما بينه وبين العاذل
والطبري جمع بين الإبهام والتهكم في بيت واحد فقال:
أذقت إبهام ما يرضى الفؤاد فسد ** تهكما أنت ذو عز وذو عظم.
الإبهام في قوله: يرضي الفؤاد، فإنه إن قيل: فؤاد العاشق، صح، أو العاذل، صح.
وبيت ابن معصوم الحسني:
قالوا وقد أبهموا إذ بان مكتتمي **** في حبّهم بانَ لكِنْ أيّ مكتتم.
الإبهام في هذا البيت في قولهم: بان لكن أي مكتتم، لا يعلم ما أرادوا به، هل هو إعجاب به؛ أو احتقار له؟ فالأمر مبهم بين هذين المعنيين المتضادين محتمل لكل منهما على السواء، لا يتميز أحدهما عن الآخر.
وبيت الشيخ شرف الدين المقري من هذا القبيل أيضاً وهو:
ما مثلهم في العلى هيهات أين هم *** وأين منصبهم في القدر والعظم.
قال ناظمه في شرحه: ما مثلهم في العلى محتمل أنه أراد: لا نظير لهم في علوهم ومجدهم؛ ويحتمل أنه أراد: أن مثلهم لا يكون في العلى.
وكذلك قوله: هيهات أين هم وأين منصبهم في القدر والعظم، يحتمل أن سؤاله سؤال تفخيم وتعظيم، ويحتمل أنه أراد: الإحتقار والإعلام أنهم بحيث يفتش عليهم فلا يوجدون والله أعلم.
المصادر:
كتاب البديع في البديع لابن المعتز ت247ه
العمدة في محاسن الشعر لابن رشيق القيرواني ت390ه
خزانة الأدب لابن حجة الحموي ت837ه
أنوار الربيع في أنواع البديع لابن معصوم الأندلسي ت 1119ه
جمع وإعداد وتقديم: محمد أبورزق

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق