musique

الثلاثاء، 18 سبتمبر 2018

الهجو في معرض المدح

Mohammed Abourizq

اللغة العربية: إبداع وإمتاع وإقناع
علم البديع
دروس مهمة لكل شاعر وكاتب وأديب
الدرس الثامن والعشرون (28)
[ الهجو في معرض المدح ]
هذا النوع من مستخرجات ابن أبي الأصبع وهو أن يقصد المتكلم هجاء إنسان فيأتي بألفاظ موجهة ظاهرها المدح وباطنها القدح فيوهم أنه يمدحه وهو يهجوه كقول الحماسي
يُجزُون من ظلم أهل الظلم مغفرةً **** ومن إساءة أهل السوء إحسانا
كأن ربك لم يخلق لخشيته **** سواهم من جميع الناس إنسانا
فليت لي بهم قوما إذا ركبوا **** شنوا الإغارة فرسانا وركبانا
فظاهر هذا الكلام المدح بالحلم والعفة والخشية والتقوى وباطنه المقصود أنهم في غاية الذل وعدم المنعة.
ومعنى هذه الأبيات: أنّ الذي يغفر لمن ظلمه ويحسن لمن أساء إليه أنه ذليل حقير مهان، لا يقدر على دفع الظلم والسوء، فأنت إذا قرأت الأبيات ظهر لك أنا مدح لهم ولكن باطنها وحقيقتها هي ذم وهجو لهم.
أما قوله في البيت الأخير: فليت لي بهم قوما إذا ركبوا
إذا قرأته تظن أنه يقصد أنه يتمنى أن يتخذهم قوما يشن بهم الغارات، ولكن الحقيقة أنه يتمنى أن لو كان له قوم غيرهم فيشن عليهم الغارة لحقارتهم وذلهم.
وظريف قول بعضهم في الشريف ابن الشجري
يا سيدي والذي يعيذك من **** نظم قريضٍ يَصْدى به الفكر
ما فيك من جَدِّك النبي سوى **** أنك لا ينبغي لك الشعر
ومثله قول الشاعرالنجاشي يهجو بني عجلان:
قبيلة لا يغدرون بذمة ****ولا يظلمون الناس حبة خردل
ولا يَرِدُونَ الماء إلا عشية **** إذا صَدَرَ الوُرّادُ عن كل منهل
تعاف الذئاب الضاريات لحومهم **** وتأكل من كعبِ بن عوفٍ ونهشل.
ويقال أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما سمع البيت الأول قال: وددت أن آل الخطاب هكذا، فلما سمع البيت الثاني قال: ما أحب كل هذه المذلة.
قال الشيخ زكي الدين بن أبي الأصبع لقد تشبثت بأذيال القاضي السعيد بن سنا الملك في هذا النوع بقولي فيمن ادعى الفقه والكرم
إن فلانا أكرم الناس لا **** يمنع ذا الحاجة من فلسه
وهو فقيه ذو اجتهاد وقد ****نص على التقليد في درسه
فيحسن البحث على وجهه **** ويوجب الدخل على نفسه
ومنه قول إبن معصوم الحسني
هجوت في معرض المدح الحسود لهم **** فقلت أنك ذو صبر على السدم
السدم بفتح السين والدال المهملتين: الغيظ مع حزن وهم، وهذا ظاهره المدح بأنه صبور، وباطنه الهجو بأنه يحمل غيظ الحسد وحزمه، ويصبر على مضضه، ويتجرع غصصه ولا يترك الحسد لهم.
وبيت الشيخ صفي الدين الحلي
من معشر يرخص الإعراض جوهرهم **** ويحملون الأذى من كل مهتضم
فقوله ويحملون الأذى من كل مهتضم المراد بما أبطنه الذل وعدم المنعة
وبيت بديعية ابن حجة الحموي
وكم بمعرض مدح قد هجوتهم **** وقلت سدتم بحمل الضيم والتهم
فحمل الضيم ظاهره الحلم والحسن وباطنه الذل وعدم المنعة، ولكن حمل التهم هو الغاية القصوى في ظاهره وباطنه والله أعلم
والفرق بين الهجاء في معرض المدح وبين التهكم أن التهكم لا تخلو ألفاظه من اللفظ الدال على نوع من أنواع الذم أو لفظة توهم من فحواها الهجو
وألفاظ المدح في معرض الذم لا يقع فيها شيء من ذلك ولا تزال تدل على ظاهر المدح حتى يقرن بها ما يصرفها عنه
المصادر:
كتاب البديع في البديع لابن المعتز ت247ه
العمدة في محاسن الشعر لابن رشيق القيرواني ت390ه
أنوار الربيع في أنواع البديع لابن معصوم الحسني ت1119ه
خزانة الأدب لابن حجة الحموي ت837ه
جمع وإعداد وتقديم: محمد أبورزق
يُتبع

الأربعاء، 12 سبتمبر 2018

الإستخدام

اللغة العربية: إبداع وإمتاع وإقناع
علم البديع
دروس مهمة لكل شاعر وكاتب وأديب
الدرس الثالث والعشرون (23)
[ الإستخدام ]
الإستخدام هو إستفعال من الخدمة، وأما في الإصطلاح فقد اختلفت العبارات في ذلك على طريقين:
ــ الأولى: طريقة صاحب الإيضاح الشيخ جمال الدّين القزويني ومن تبعه ومشى عليها كثير من الناس، وهي أن الإستخدام إطلاق لفظ مشترك بين معنيين فتريد بذلك اللفظ أحد المعنيين ثم تعيد عليه ضميرا تريد به المعنى الآخر أو تعيد عليه إن شئت ضميرين تريد بأحدهما أحد المعنيين وبالآخر المعنى الآخر وعلى هذه الطريقة مشى أصحاب البديعيات والشيخ صفي الدين الحلي والشيخ عز الدين وهلم جرا
ــ الثانية: طريقة الشيخ بدر الدين بن مالك رحمه الله تعالى في المصباح وهي أن الإستخدام إطلاق لفظ مشترك بين معنيين ثم يأتي بلفظين يفهم من أحدهما أحد المعنيين ومن الآخر المعنى الآخر ثم إن اللفظين قد يكونان متأخرين عن اللفظ المشترك وقد يكونان متقدمين وقد يكون اللفظ المشترك متوسطا بينهما والطريقتان راجعتان إلى مقصود واحد وهو إستعمال المعنيين وهذا هو الفرق بين التورية والاستخدام فإن المراد من التورية هو أحد المعنيين وفي الاستخدام كل من المعنيين مراد.
ونقل الشيخ صلاح الدين الصفدي في كتابه المسمى بفض الختام عن التورية والإستخدام ما يؤكد هذا فإنه قال المشترك إذا لزم إستعماله في مفهوميه معا فهو الإستخدام، وإن لزم في أحد مفهوميه في الظاهر مع لمح الآخر في الباطن فهو التورية.
وعلى كل تقدير فالطريقتان راجعتان إلى مقصود واحد وهو إستعمال المعنيين بضمير وغير ضمير. وأعظم الشواهد على طريقة ابن مالك ومن تبعه قوله تعالى: ( لكل أجل كتاب، يمحو الله ما يشاء ويثبت ) فإن لفظة كتاب يحتمل أن يراد بها الأجل المحتوم والكتاب المكتوب، وقد توسطت بين لفظتي أجل ويمحو فاستخدمت أحد مفهوميها وهو الأمد بقرينة ذكر الأجل واستخدمت المفهوم الآخر وهو الكتاب المكتوب بقرينة يمحو
وكقوله تعالى: (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) أريد أولا بالشهر (الهلال) ثم أُعيد عليه الضمير أخيراً (فليصمه) بمعنى أيام رمضان..
ومنها وهي أظهرها قوله تعالى: (ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين) فإن المراد به آدم، ثم أعاد الضمير عليه مراداً به ولده، فقال (ثم جعلناه نطفة في قرار مكين) ومنها قوله تعالى: (لا تسألوا عن أشياء إن تبدلكم تسؤكم) ثم قال (قد سألها قوم من قبلكم) أي أشياء أخر، لأن الأولين لم يسألوا عن الأشياء التي سأل عنها الصحابة فنهوا عن سؤالها.
ومنه قول الشيخ بدر الدين بن مالك من القصيدة النباتية التي يمدح فيها الشاعر جمال الدين ابن نباتة : [من البسيط]
حويتَ ريقاً نَباتيا حَلَا فغدا ... يَنظمُ الدُّرَّ عِقدا من ثناياك
فإن لفظة نباتيا تحتمل الاشتراك بالنسبة إلى السكر وإلى ابن نباتة الشاعر وقد توسطت بين الريق وحلاوته وبين الدر والنظم والعقد فاستخدمت أحد مفهوميها وهو السكر النباتي بذكر الريق والحلاوة واستخدمت المفهوم الآخر وهو قول الشاعر النباتي بذكر النظم والدر والعقد وليس في جانب من المفهومين إشكال
ــ وأما شاهد الضمائر على طريق صاحب الإيضاح، فجميع كتب المؤلفين لم يستشهدوا فيها على عود الضمير الواحد إلا بقول معاوية بن مالك : [من الوافر]
إذا نزل السماء بأرض قوم ... رعيناه وإن كانوا غضابا
فلفظة السماء يراد بها المطر وهو أحد المعنيين والضمير في رعيناه يراد به المعنى الآخر وهو النبات
وأما شاهد الضميرين فإنهم لم يخرجوا به عن قول البحتري وهو: [من الكامل]
فسقَى الغَضا والسَّاكِنيه وإنْ هم ... شَبُّوه بين جوانحي وضلوعي
فإن لفظة الغضى محتملة إسم الموضع والشجر والسقيا صالحة لكل منهما فلما قال والساكنيه استعمل أحد معنيي اللفظة وهو الموضع بدلالة القرينة عليه ولما قال شبّوه استعمل المعنى الآخر وهو الشجر بدلالة القرينة عليه.
وما أحلى قول بعض المتأخرين مع عدم التعسف والسلامة من النقد وصحة الاشتراك الأصلي وهو: [من البسيط]
وللغزالة شيء من تَلَفُّتِه **** ونورُها من ضِيا خدَّيه مُكتسَب
أراد الشاعر: بضمير تلفّته الغزالة وهو الحيوان المعروف، وبضمير (نورها) الغزالة بمعنى الشمس
وهذا النوع أعني الاستخدام قلَّ من البلغاء من تكلفه وصح معه بشروطه لصعوبة مسلكه وشدة إلتباسه بالتورية، وهو أعلى رتبة عند علماء البديع من التورية، وأحلى موقعا في الأذواق السليمة ولكن قلّ من ظفر منه بسلامة التخلص من علق النقد وصعِد من غور التعسف إلى نجد السهولة. قال الشيخ صلاح الدين الصفدي في كتابه المسمى: فَضُّ الختام عن التورية والاستخدام : ومن أنواع البديع ما هو نادر الوقوع ملحق بالمستحيل الممنوع وهو نوع التورية والإستخدام الذي تقف الأفهام حسرى دون غايته عند مرامي المرام
نوع يشق على الغبي وجوده **** من أي باب جاء يغدو مقفلا
ومن إستخدام البديع قول ابن الوردي:
ورُبَّ غزالة طلعت **** بقلبي وهو مرعاها
نصبتُ لها شباكاً من **** نضارٍ ثم صدناها
وقالت لي وقد صرنا **** إلى عينٍ قصدناها
بذلت العين فأكحلها **** بطلعتها ومجراها
ففي البيت الأول إستخدام، وفي البيت الرابع أربع إستخدامات، ومعناها بذلت الذهب فأكحل عينك بطلعة عين الشمس، ومجرى العين من الماء، لأنه وطأ لهذه المعاني في الأبيات المتقدمة، وأتى بالبيت الرابع فتنزل جملة على ما تفصل.
قال الصفدي: وهذا أبلغ ما سمعته في الاستخدام. وما عرفت لغيره هذه العدة في هذا الوزن القصير، وهذا يدل على الفكر الصحيح والتخيل التام.
وقد جمع ابن مليك الحموي أيضاً أربع استخدامات في العين.
فقال في بيت واحد من مديح نبوي:
فكم رد من عين وجاد بنيلها **** ولولاه ما ضاءت ولم تك تعذبُ
ــ فمعنى ردّ من عين: يعني يقصد به أن الرّسول صلى الله عليه وسلم ردّ عين قتادة الصحابي بعد خروجها، ومعنى جاد بنيلها: أي بالمال والمال يسمى العين، ومعنى لولاه ما ضاءت: أي عين الشمس، ومعنى لم تك تعذب: أي عين الماء ــ .
وأما الأمثلة على طريقة بدر الدين بن مالك، فمنها قول أبي العلاء يصف درعا:
نثرة من ضمانها للقنا الخط **** ي عند اللقاء نثر الكعوبِ
مثل وشي الوليد لانت وإن كا **** نت من الصنع مثل وشي حبيب
تلك ماذية وما لذباب الص **** يف والسيف عندها من نصيب
فالذباب مشترك بين طرف السيف وبين الطائر المعروف، فلفظ السيف يخدم المعنى الأول، ولفظ الصيف يخدم المعنى الثاني. ومعنى ماذية أي من خالص الحديد وجيّده.
وقول السراج الوراق:
دع الهوينا وانتصب واكتسب **** واكدح فنفس المرء كداحه
وكن عن الراحة في معزل **** فالصفع موجود مع الراحه
فالراحة تطلق على الاستراحة وعلى الكف، وقد تقدمها من القرائن ما يخدم المعنيين، فالانتصاب والكدح يخدم المعنى الأول، والصفح يخدم المعنى الثاني، ولا يخفى أن الطريقة الأولى أحسن موقعاً وألطف مورداً من هذه الطريقة، وقد تقدم أن أصحاب البديعيات إنما جروا على تلك الطريقة دون هذه.
وبيت عز الدين الموصلي: [من البسيط]
والعين قَرَّت بهم لما بها سمحوا **** واستخدموها من الأعدا فلم تنم
قوله والعين قرت بهم لما بها سمحوا في غاية الحسن فإنه أتى بالإستخدام وعود الضمير في شطر البيت مع الإنسجام والرقة واستخدامه في العين الناظرة وعين المال.
المصادر:
كتاب البديع في البديع لابن المعتز ت247ه
العمدة في محاسن الشعر لابن رشيق القيرواني ت390ه
زهر الآداب للحصري القيرواني ت453ه
خزانة الأدب لابن حجة الحموي ت837ه
أنوار الربيع في أنواع البديع لابن معصوم الحسني ت1119ه
جمع وإعداد وتقديم: محمد أبورزق
يُتبع

الاثنين، 10 سبتمبر 2018

الإستدراك

اللّغة العربية: إبداع وإمتاع وإقناع
علم البديع
دروس مهمّة لكل شاعر وكاتب وأديب
الدرس الثاني والعشرون (22)
الإستدراك
الإستدراك - هو رفع توهم يتولد من الكلام السابق رفعاً شبيهاً بالاستثناء، وهو معنى لكن.
ويشترط فيه هنا زيادة نكتة طريفة على معنى الاستدراك، لتحسنه وتدخله في البديع، وإلا فلا يعد منه.
والإستدراك على قسمين:
قسم يتقدم الإستدراكَ فيه تقريرٌ لما أخبرَ به المتكلم وتوكيد،
وقسم لا يتقدمه ذلك.
فمن أمثلة القسم الأول:
قول ابن الرومي : [من الوافر]
وإخوانٌ تَخِذتهم دروعا **** فكانوها ولكن للأعادي
وخِلتهم سهاما صائبات **** فكانوها ولكن في فؤادي
وقالوا قد صفت منا قلوب **** لقد صدقوا ولكن من ودادي
فإنه قرّر صفاء قلوبهم وأكّده بقوله صدقوا ثم عاد فاستدرك ذلك بتنكيت دعواهم وأنهم على عكس ذلك ممّا يُتوهم.
وقال ابن أبي الأصبع لم أسمع في هذا الباب أحسن من قول ابن دويدة المغربي يخاطب رجلا أودع بعض القضاة مالا فادّعى القاضي ضياعه وهو: [من الكامل]
إن قال قد ضاعت فيصدق أنها **** ضاعت ولكن منك يعني لو تعي
أو قال قد وقعت فيصدق أنها **** وقعت ولكن منه أحسن موقع
وممن تلطف في هذا الباب وأجاد للغاية القاضي الأرجاني بقوله: [من الرمل]
غالطتني إذ كستْ جسمي ضنىً **** كسوةً أعرت من اللحم العظاما
ثم قالت أنت عندي في الهوى **** مثل عيني صدقت لكن سقاما
فإنه قرر ما أخبرت به من قولها أنت عندي في الهوى مثل عيني ثم أكد بقوله صدقت ثم نكت بالزيادة على معنى الاستدراك التنكيت الذي يتطفل النسيم على رقته ولولاه ما سكن هذا النوع بيتا بديعيا ولا تأهل بعد غربته
ولقد أحسن القائل في شكوى الزمان بقوله: [ من الطويل]
ولي فرس من نسل أعوج سابقٌ **** ولكن على قدر الشعير يحمحم
وأقسمُ ما قصّرتُ فيما يزيدني **** عُلوّاً ولكن عند من أتقدّمُ
ومنه قول ابن أبي حجلة:
شكوت إلى الحبيبة سوء حظي **** وما ألقه من ألم البعادِ
فقالت أنت حظك مثل عيني **** فقلت نعم ولكن في السواد
وقول ابن حجلة أيضا:
رؤساء ما من جاءهم بقصيدة **** كانت جوائزهم عليها شكرهُ
وإذا طلبت وظيفة من قائم **** فأبشر فقد ولّاك ولكن ظهرهُ
وقول بعض الحنابلة:
يحجّون بالمال الذي يجمعونه **** حراماً إلى البيت العتيق الحرامِ
ويزعم كل أن تُحطَّ ذنوبهم **** تُحطُّ ولكن فوقهم في جهنم
وقول هبة الله بن سناء الملك:
أسر لطول أسري في يديه **** فيغضب إذ أسر لطول أسري
سألت الله أن يبلى بعشقٍ **** فأصبح عاشقاً لكن لهجري
وهذه كلها شواهد القسم الأول من الاستدراك
وأما شواهد القسم الثاني:
وهو الذي لا يتقدم الإستدراك فيه تقرير ولا توكيد مثل قول زهير: [من الطويل]
أخو ثقة لا يُهلِك الخمرُ مالَه **** ولكنه قد يُهلِك المالَ نائلُه
ولا يخفى على الذوق السليم ما في بيت زهير من الزيادة على معنى الاستدراك بقوله: ولكنه قد يهلك المال نائله
فإنه لو اقتصر على صدر البيت دل على أن ماله موفور وتلك صفة ذم فاستدرك ما يزيل هذا الاحتمال ويخلص الكلام للمدح المحض. علما أن الإستدراك في بيته لم يسبقه تقرير أو تأكيد كما في أمثلة القسم الأول.
ومنه قول المعري:
فيا دارها بالحَزَنِ إن مزارها **** قريب ولكن دون ذلك أهوالُ
ولا يخفى ما في هذا الاستدراك من الحسن والنكتة الزائدة على الاستدراك، ولم يسبقه تقرير أو تأكيد
ومثله قول العلامة محمد الشامي:
قسَّمتُ صفايا الودّ بيني وبينه **** سواء ولكني حفظت وضَيَّعا
وأصحاب البديعيات نسجوا على منوال القسم الأول ولم يتعرّضوا للقسم الثاني.
والشيخ صفي الدين حلا في هذا المنهل الصافي مورده وعلا في هذا السلك البديعي منظمه ومنضده وبيته: [من البسيط]
رجوتُ أن يرجِعوا يوما وقد رجعُوا **** عند العتاب ولكن عن وفا ذممي
فإنه قرر ما أخبر به قبل الاستدراك وأكده بقوله وقد رجعوا وفي قوله عند العتاب تكميل بديعي
وبيت إبن حجة الحموي:[من البسيط]
قالوا نرى لك لحما بعد فُرقتنا **** فقلت مستدركا لكن على وضم
ــ الوضم خشبة الجزار التي يقطع عليها اللحم ــ
وبيت بديعية ابن معصوم قوله:
أملت عودهم بعد العتاب وقد *** عادوا ولكن إلى استدراك صدّهمِ
المصادر:
كتاب البديع في البديع لابن المعتز ت247ه
العمدة في محاسن الشعر لابن رشيق القيرواني ت390ه
زهر الآداب للحصري القيرواني ت453ه
خزانة الأدب لابن حجة الحموي ت837ه
أنوار الربيع في أنواع البديع لابن معصوم الحسني ت1119ه
جمع وإعداد وتقديم: محمد أبورزق
يُتبع

الأحد، 9 سبتمبر 2018

الإستعارة (تابع)

اللغة العربية: إبداع وإمتاع وإقناع
علم البديع
دروس مهمة لكل شاعر وكاتب وأديب
الدرس الواحد والعشرون (21)
الإستعارة (تابع)
الجزء الثالث
واعلم أن لحسن الاستعارة شروطاً، أن لم تصادفها عريت من الحسن وربما اكتسيت قبحاً، فحسن كل من الاستعارة التحقيقية والتمثيلية، برعاية جهات حسن التشبيه. كأن يكون وجه الشبه شاملاً للطرفين، وافياً بما علق به من الغرض ونحو ذلك مما يذكر في باب التشبيه، وبأن لا تشم رائحة التشبيه من جهة اللفظ، لأنه يبطل الغرض من الاستعارة. أعني إدعاء دخول المستعار له في جنس المستعار منه، وإلحاقة به، لما في التشبيه من الدلالة على كون المستعار منه أقوى من المستعار له كما قيل:
ظلمناك في تشبيه صدغيك بالمسك ... فقاعدة التشبيه نقصان ما يحكي
ولذلك يوصى أن يكون ما به المشابهة بين الطرفين جلياً بنفسه، أو بسبب عرف أو اصطلاح خاص لئلا يصير كل منها ألغازاً، كما لو قيل في التحقيقية: رأيت أسداً وأريد إنسان أبخر، وفي التمثيلية: رأيت إبلاً مائه لا توجد في راحلة. يريد أن المرضي المنتجب في عزة وجوده كالنجية التي لا توجد في كثير من الإبل. وهذا يظهر أن كلاً من التحقيقية والتمثيلية لا يجيئان في كل ما يجيء به التشبيه.
ومما يتصل بهذا أنه إذا قوي الشبه بين الطرفين بحيث صار الفرع كأنه الأصل، لم يحسن التشبيه وتعينت الاستعارة في ذلك، كالنور إذا شبه العلم به، والظلمة شبهت الشُّبْهة بها، فإذا فهمت مسألة تقول: حصل في قلبي نور ولا تقول كأن نوراً حصل في قلبي. وكذا إذا وقعت في شبهة تقول: وقعت في ظلمة، ولا تقول: كأني وقعت في ظلمة.
والاستعارة المكنى عنها كالتحقيقية، في أن حسنها برعاية حسن التشبيه لأنها تشبيه مضمر في النفس.
وأما التخيلية فحسنها بحسب حسن المكنى عنها، لأنها لا تكون إلا تابعة لها .
وهذه أمثلة للإستعارة من النثر والنظم
أولا النثر:
فمنه قول الحسن بن وهب: شربت البارحة على وجه السماء وعقد الثريا ونطاق الجوزاء، فلما انتبه الفجر نمت، فما عقلت حتى لحقني قميص الشمس.
وقول الآخر: ولقد عرق بالندى جبين النسيم، وابتل جناح الهواء، وضربت خيمة الغمام، واغرورقت مقلة السماء، وقام خطيب الرعد، ونبض عرق البرق.
ومن بديع النثر في هذا النوع قول أبي القاسم عبد الصمد بن علي الطبري، يصف متنزهاً: لله متنزهنا والسماء زرقاء اللباس؛ والشمال ندية الأنفاس، والروض مخضل الأزار، والغيم منحل الأزرار، والجبال قد تركت نواصيها الثلوج شيباً، والصحارى قد لبست من نسيج الربيع برداً قشيبا. والكؤوس تدور بيننا بالرحيق، والأباريق تنهل مثل ذوب العقيق، وتفتر عن فار المسك وخد الشقيق. والجيوب تستغيث من أكف العشاق، وسقيط الطل يعبث بالأغصان عبث الدل بالغصون الرشاق والدن يجرح بالمبزال فتل الصائغ طرف الخلخال.
ثانيا النظم:
فمن محاسنه قول ابن خفاجة الأندلسي:
وقد جال من جون الغمامة أدهم *** له البرق سوط والشمال عنان
وضمخ ردع الشمس نحر حديقة *** عليه من الطل السقيط جمان
ونمت بأسرار الرياض خميلة *** لها النور ثغر والنسيم لسان
وقول ابن الساعاتي:
ولولا رواة بل وشاة تخرصوا *** أحاديث ليست في سماع ولا نقلِ
لثمنا ثغور النور في شنب الندى *** خلال جبين النهر في طرر الظل
وما ألطف قول أبي زكريا المغربي:
نام طفل النبت في حجر النعامى ***لاهتزاز الظل في مهد الخزامى
وسقى الوسمي أغصان النقا *** فهوت تلثم أفواه الندامى
كحل الفجر لهم جفن الدجى *** وغدا في وجهة الصبح لثاما
تحسب البدر محيا ثمل *** قد سقته راحة الصبح مداما
حول الزهر كؤوس قد غدت *** مسكة الليل عليهن ختاما
يا عليل الريح رفقاً علني *** أشف بالسقم الذي حزت سقاما
أبلغن شوقي غريباً باللوى *** همت في أرض بها حلواً غراما
فرشوا فيها من الدر حصى *** ضربوا فيها من المسك خياما
كنت أشفي غلة من صدكم *** لو أذنتم لجفوني أن تناما
واستعدت الروح من ريح الصبا *** لو أتت تحمل من سلمى سلاما
وقول ابن نباتة المصري:
ولما جنى طرفي رياض جمالكم *** جعلت سهادي في عقوبة من جنى
أأحبابنا أن عفتم السفح منزلا *** وأخليتم من جانب الجزع موطنا
فقد حزتموا دمعي عقيقاً ومهجتي *** غضاً وسكنتم من ضلوعي منحنى
وما أجود قول أبي طاهر البغدادي في نار القرى:
خطرت فكاد الورق تسجع فوقها *** إن الحمام لمغرم بالبانِ
من معشر نشروا على تاج الربى *** للطارقين ذوائب النيران
وقول القاضي تاج الدين المالكي:
طال المنام على أرجوحة الصغر *** وبالغ الشيب في التحذير بالنذرِ
وجيش ليل الصبا فرت كتيبته *** لما أتى جيش صبح الشيب بالتبر
فاغسل بدمعك جفناً بات مكتحلاً *** بنومه واكتحل من أثمد السهر
وانهض لتصقل مرآة البصيرة من *** غين الغشاء وما للذنب من أثر
إن الذنوب وإن جلت فإن لها *** إتيان ساحة طه سيد البشر
فشد حزم مطايا قصده وانخ *** ببابه والثم الأعتاب واعتفر
المصادر:
كتاب البديع في البديع لابن المعتز ت247ه
العمدة في محاسن الشعر لابن رشيق القيرواني ت390ه
زهر الآداب للحصري القيرواني ت453ه
خزانة الأدب لابن حجة الحموي ت837ه
أنوار الربيع في أنواع البديع لابن معصوم الحسني ت1119ه
جمع وإعداد وتقديم: محمد أبورزق
يُتبع

السبت، 8 سبتمبر 2018

الإستعارة

اللغة العربية: إبداع وإمتاع وإقناع
علم البديع
دروس مهمة لكل شاعر وكاتب وأديب
الدرس الثامن عشر (19)
الإستعارة
الإستعارة فن يحتاج إلى كتاب كامل، وليس درسا واحدا أو عدة دروس نظرا لأهميتها، لذلك وحتى نستوعبها جيدا سأقسمها إلى ثلاثة أجزاء:
الجزء الأول
قالوا: زُوِّجَ المجازُ بالتشبيه فتولّد بينهما الاستعارة، فهي مجاز علاقته المشابهة.
إعلم أن الكلام في الاستعارة وأنواعها مما أطلق البيانيون فيه أعنة الأقلام، حتى أفردها بعضهم بالتأليف، وليس الغرض هنا استقصاء ذلك وإنما المقصود تقريبها إلى الإفهام، بتعريف يزيل عنها الإبهام، وذكر أقسامها باختصار، مع إثبات شيء مما وقع منها في محاسن النظم والنثر.
وقالوا في تعريفها: حقيقة الاستعارة، أن تستعار الكلمة من شيء معروف بها إلى شيء لم يعرف بها، وحكمة ذلك إظهار الخفي، أو إيضاح الظاهر الذي ليس بجلي، أو حصول المبالغة أو المجموع. .
وأصل الإستعارة: تشبيه حُذِف أحد طرفيه، ووجه شبهه، وأداته.
وأركان الاستعارة ثلاثة:
مستعار منه، ومستعار له، ومستعار
مثل قوله تعالى: (واشتعل الرأس شيبا)
فالنار مستعار منها والاشتعال مستعار والشيب مستعار له.
وأقسامها كثيرة
1) تتقسم باعتبار المستعار منه، والمستعار له، والوجه الجامع لهما إلى خمسة أقسام.
ــ الأول : إستعارة محسوس لمحسوس بوجه محسوس، ومثاله:
قول الشاعر:
ووردُ جَنْيٍ طالعتنا خدودُه **** ببِشْرٍ ونَشْرٍ يبعثان على السُّكْرِ
فالمستعار منه الوجنات الحمر، والمستعار له ورق الورد، بجامع الحمرة والجميع محسوس.
ــ الثاني: إستعارة محسوس لمحسوس بوجه عقلي، وهي ألطف من الأولى، ومثاله قوله تعالى: (وآية لهم الليل نسلخ منه النهار) فإن المستعار منه كشط الجلد وإزالته عن الشاة ونحوها، والمستعار له كشف الضوء عن مكان الليل، وهما حسيان، والجامع لهما ما يعقل من ترتب أمر على آخر، وحصوله عقب حصوله كترتب ظهور اللحم على الكشط، وظهور الظلمة على كشف الضوء، والترتب أمر عقلي.
ــ الثالث: إستعارة معقول لمعقول بوجه عقلي. قيل: وهي ألطف الاستعارات ومثاله قوله تعالى: (من بعثنا من مرقدنا هذا) فإن المستعار منه الرقاد، والمستعار له الموت، والجامع بينهما عدم ظهور الفعل، والجميع عقلي.
ــ الرابع: إستعارة محسوس لمعقول بوجه عقلي، ومثاله قوله تعالى: (فاصدع بما تؤمر) فإن المستعار منه صدع الزجاجة، وهو كسرها وهي حسي، والمستعار له تبليغ الرسالة وهو عقلي، والجامع لهما التأثير وهو عقلي أيضاً.
ــ الخامس: إستعارة معقول لمحسوس بوجه عقلي، ومثاله قوله تعالى: (إنا لما طغى الماء) فإن المستعار له كثرة الماء وهو حسي والمستعار منه الطغيان أو التكبر وهو عقلي، والجامع الاستعلاء المفرط وهو عقلي أيضاً.
2) وتنقسم باعتبار اللفظ إلى أصلية، وتبعية:
ــ إستعارة أصلية أن يكون اللفظ المستعار إسما جامدا غير مشتق، مثل قول الشاعر:
عضّنا الدهر بنابه .... ليت ما حلّ بنا به.
فقد شُبِّه الدهرُ بحيوانٍ مفترس، ثم حُذف المستعار منه ورُمز إليه بشيء من لوازمه وهو العضّ، والدهر إسم
ــ إستعارة تبعية: وهي ما كان اللفظ فيها إسما، أو فعلا، أوحرفا أو من المشتقات، مثل قوله تعالى : (فاصدعْ بما تؤمر) فإن المستعار منه صَدْعُ الزجاجة، وهو كسرها، والمستعار له تبليغ الرسالة.
3) وتنقسم باعتبار الطرفين إلى وفاقية وعنادية:
ــ الوفاقية هي: إجتماع الطرفين في شيء إن كان ممكناً نحو وأحيينا، في قوله تعالى: (أو من كان ميتاً فأحييناه) أي ضالاً فهديناه. استعير الإحياء وهو جعل الشيء حياً للهداية التي هي الدلالة على طريق يوصل إلى المطلوب، والإحياء والهداية مما يمكن اجتماعهما في شيء،
ــ والعنادية هي: إجتماع الطرفين في شيء ممتنع، وذلك كاستعارة المعدوم للموجود لانتفاء النفع به كما في المعدوم. ولا شك أن اجتماع الوجود والعدم في شيء ممتنع، وذلك كاستعارة اسم الميت للحي الجاهل، فإن الموت والحياة ممتنع اجتماعهما.
ومن العنادية التهكمية والتمليحية، وهما ما استعمل في ضد أو نقيض، نحو قوله تعالى: (فبشرهم بعذابٍ أليمٍ) أي أنذرهم. استعيرت البشارة التي هي الأخبار بما يسر، للإنذار الذي هو ضده، بإدخاله في جنسها على سبيل التهكم، وكذا قولك: رأيت أسداً، وأنت تريد جباناً على سبيل التمليح والطرافة.
4) وتنقسم باعتبار الجامع إلى:
1) عامّية: وهي القريبة المبتذلة التي لاكتها الألسن، فلا تحتاج إلى بحث: ويكون الجامع فيها ظاهراً، نحو: رأيت أسداً يرمى.
وكقول الشاعر:
وأدهم يسمتدّ الليل منه **** وتطلع بين عينيه الثُّريَّا
فقد استعار الثريا، لِغُرّة المهر، والجامع بين الطرفين ظاهر، وهو البياض.
2) خاصية : وهي الغريبة التي يكون الجامع فيها غامضاً، لا يُدركه إلا أصحاب المدارك (من الخواص) - كقول كثير يمدح عبد العزيز بن مروان
غَمْرُ الرِّداءِ إذا تبسّمَ ضاحكاً **** غلقت لضحكته رقابُ المال
غمر الرداء «كثير العطايا والمعروف» استعار الرداء للمعروف لأنه يصون ويستر عرض صاحبه، كستر الرِّداء ما يلقى عليه، واضاف إليه الغمر، وهو القرينة على عدم إرادة معنى الثوب: لأنّ الغمر من صفات المال، لا من صفات الثوب.
وهذه الاستعارة: لا يظفر باقتطاف ثمارها إلاّ ذووا الفطرة السليمة والخبرة التامة.
المصادر:
كتاب البديع في البديع لابن المعتز ت247ه
العمدة في محاسن الشعر لابن رشيق القيرواني ت390ه
زهر الآداب للحصري القيرواني ت453ه
خزانة الأدب لابن حجة الحموي ت837ه
أنوار الربيع في أنواع البديع لابن معصوم الحسني ت1119ه
جمع وإعداد وتقديم: محمد أبورزق
يُتبع

الخميس، 6 سبتمبر 2018

المقابلة

اللغة العربية: إبداع وإمتاع وإقناع
دروس مهمّة لكل شاعر وكاتب وأديب
علم البديع
الدرس الثامن عشر (18)
المقابلة
المقابلة : هي أن يأتي المتكلم بلفظين متوافقين فأكثر، ثم بأضدادها أو غيرها على الترتيب، وهذا أحد الفرقين بينها وبين المطابقة. والمراد بالتوافق خلاف التقابل، لا أن يكونا متناسبين ومتماثلين، فإن ذلك غير مشروط كما سيجيء من الأمثلة.
وقد أدخلها جماعة في المطابقة وهو غير صحيح فإن المقابلة أعمّ من المطابقة وهي التنظير بين شيئين فأكثر وبين ما يخالف وما يوافق
فبقولنا وما يوافق صارت المقابلة أعمّ من المطابقة، فإن التنظير بين ما يوافق ليس بمطابقة، وهذا مذهب زكي الدين بن أبي الأصبع فإنه قال: صِحّةُ المقابلات عبارة عن توخِّي المتكلم بين الكلام على ما ينبغي، فإذا أتى بأشياء في صدر كلامه أتى بأضدادها في عجزه على الترتيب، بحيث يقابل الأول بالأول والثاني بالثاني لا يخرم من ذلك شيئا في المخالف والموافق، ومتى أخلَّ بالترتيب كانت المقابلة فاسدة، وقد تكون المقابلة بغير الأضداد.
والفرق بين المطابقة والمقابلة من وجهين أحدهما أن المطابقة لا تكون إلا بالجمع بين ضدين، والمقابلة تكون غالبا بالجمع بين أربعة أضداد، ضدان في صدر الكلام وضدان في عجزه، وتبلغ إلى الجمع بين عشرة أضداد خمسة في الصدر وخمسة في العجز.
والثاني أن المطابقة لا تكون إلا بالأضداد، والمقابلة بالأضداد وغير الأضداد، ولكن بالأضداد أعلا رتبة وأعظم موقعا.
ومن معجزات هذا الباب قوله عز و جل: ( ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله ) فانظر إلى مجيء الليل والنهار في صدر الكلام وهما ضدان ثم قابلهما في عجز الكلام بضدين وهما السكون والحركة على الترتيب ثم عبر عن الحركة بلفظ الإرداف.
والآية الشريفة سيقت للاعتداد بالنِّعم، فوجب العدول عن لفظ الحركة إلى لفظ هو ردفه، ليتم حسن البيان، فتضمنت هذه الكلمات التي هي بعض آية عدة من المنافع والمصالح، التي لو عددت بألفاظها الموضوعة لها لاحتاجت في العبارة عنها إلى ألفاظ كثيرة، فحصل في هذا الكلام بهذا السبب عدة ضروب من المحاسن
ألا تراه سبحانه وتعالى كيف جعل العلة في وجود الليل والنهار حصول منافع الإنسان، حيث قال: لتسكنوا ولتبتغوا بلام التعليل، فجمعت هذه الكلمات من أنواع البديع: المقابلة، والتعليل، والإشارة، والإرداف، وائتلاف اللفظ مع المعنى، وحسن البيان، وحسن النسق، فلذلك جاء الكلام متلائما آخذا بعضه بأعناق بعض، ثم أخبرنا بالخبر الصادق أن جميع ما عدده من النعم باللفظ الخاص، وما تضمنته العبارة من النعم التي تلزم من لفظ الإرداف، بعض رحمته حيث قال بحرف التبعيض: ومن رحمته.
وهذا كله في بعض آية عِدّتها عشر كلمات فلاحظْ هذه البلاغة الباهرة والفصاحة الظاهرة
ومن أمثلة صحة المقابلة في السنة الشريفة قول النبي صلى الله عليه وسلّم: ( ما كان الرفق في شيء إلا زانه ولا كان الخرق في شيء إلا شانه )
فانظر كيف قابل الرفق بالخرق والزين بالشين بأحسن ترتيب وأتم مناسبة
وهذا الباب في مقابلة اثنين باثنين ومنه قوله تعالى ( فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا ) ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( إن لله عبادا جعلهم مفاتيح الخير مغاليق الشر )
ومنه وهو ظريف في مقابلة اثنين باثنين أن المنصور قال لمحمد ابن عمران إنك لبخيل
فقال يا أمير المؤمنين لا أُحمدُ في حقّ ولا أُذمُّ في باطل
ومنه في النظم قول النابغة: [من الطويل]
فتى كان فيه ما يسرُّ صديقَه ... على أن فيه ما يسوء الأعاديا
ــ وأما مقابلة ثلاثة بثلاثة:
فقيل إن المنصور سأل أبا دلامة عن أشعر بيت في المقابلة فأنشده
ما أحسن الدين والدنيا إذا اجتمعا ... وأقبح الكفرَ والإفلاسَ بالرجل
فالشاعر قابل بين أحسن وأقبح وبين الدين والكفر والدنيا والإفلاس
قال ابن أبي الأصبع إنه لم يُقل قبله مثله.
ومن مقابلة ثلاثة بثلاثة أيضا قول أبي الطيب المتنبي:
فلا الجُود يفني المال والجد مقبل ... ولا البخل يبقي المال والجد مدبرُ
وقول الآخر في المعنى:
إذا جادت الدنيا عليك فجد بها ... على الخلق طرا إنها تنقلبُ
فلا الجود يفنيها إذا هي أقبلت ... ولا البخل يبقيها إذا هي تذهب
ــ ومن مقابلة أربعة بأربعة:
قوله تعالى ( فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى ) المقابلة بين قوله واستغنى وقوله واتقى لأن معناه زهد فيما عنده واستغنى بشهوات الدنيا عن نعيم الآخرة وذلك يتضمن عدم التقوى
ومن مقابلة أربعة بأربعة قول أبي بكر الصديق رضي الله عنه في وصيته عند الموت: هذا ما أوصى به أبو بكر عند آخر عهده بالدنيا خارجا منها وأول عهده بالآخرة داخلا فيها
فقابل أولا بآخر والدنيا بالآخرة وخارجا بداخل ومنها بفيها
فانظر إلى ضيق هذا المقام كيف صدر عنه مثل هذا الكلام
قال علماء البديع كلما كثر عددها كانت أبلغ.
وقول غرس الدين الأربلي:
تسرُّ لئيماً مكرماتٍ تُعِزّه ... وتُبكي كريما حادثات تهينُهُ
ـــ ومن مقابلة خمسة بخمسة:
قول أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه لعثمان بن عفان رضي الله عنهما إن الحق ثقيل مَرِيٌّ والباطل خفيف وبيّ وأنت رجل إذا صُدّقتَ سَخطتَ وإن كُذِّبت رَضيتَ.
ومن مقابلة خمسة بخمسة:
قول أبي الطيب المتنبي:
أقلي النهار إذا أضاء صباحه ... وأظلّ انتظر الظلام الدامسا
فالصبح يشمت بي فيقبل ضاحكاً ... والليل يرثي لي فيدبر عابسا
ـــ ومن مقابلة الستة بالستة:
قول عنترة بن شداد: [من الطويل]
على رأسِ عبدٍ تاجُ عِزٍّ يَزينُه ... وفي رِجْل حُرٍّ قيْدُ ذُلٍّ يَشينُه
فقابل عَلَى بفِي، وقابل رأس برِجل، وقابل عبْد بحُرّ، وقابل تاج بقيْد، وقابل عزّ بذُل، وقابل يزينه بيشينه.
ونشير إلى أن المقابلة تكون في كل من صدر البيت وعجزه، بأن يأتي بلفظين ويقابل منهما بضده أو غيره في الصدر، وكذا في العجز كقول الطغرائي:
حلو الفكاهة مرُّ الجِدّ قد مُزجت **** بشدة اليأس منه رقة الغزلِ
فإنه قابل الحلو والفكاهة، وهي المزح، بالمر والجد على الترتيب في صدر البيت، وقابل الشدة واليأس بالرقة والغزل على الترتيب في عجز البيت.
وبيت بديعية صفي الدين الحلي: [من البسيط]
كان الرضا بدُنُوّي من خَواطِرهم **** فصار سُخْطي لبُعدي عن جِوارهم
فقابل الرضا بالسخط والدنو بالبعد ولفظة من بعن فإذا قلنا إن من ضد عن سلم له أربعة بأربعة وخواطرهم بجوارهم على مذهب من يرى أن المقابلة تجوز بالأضداد وبغيرها
وبيت بديعية ابن جابر الأندلسي قوله:
بواطئ فوق خد الصبح مشتهر **** وطائر تحت ذيل الليل مكتتمِ
والمقابلة في هذا بين خمسة أيضاً.
وبيت بديعية إبن معصوم الحسني
وَلَّوْا بسخط وعنف نازحين وقد *** قابلتهم بالرضا والرفق من أَمَمِ
المقابلة فيه بين أربعة، وجميعها أضداد كما لا يخفى.
المصادر:
كتاب البديع في البديع لابن المعتز ت247ه
العمدة في محاسن الشعر لابن رشيق القيرواني ت390ه
زهر الآداب للحصري القيرواني ت453ه
خزانة الأدب لابن حجة الحموي ت837ه
أنوار الربيع في أنواع البديع لابن معصوم الحسني ت1119ه
جمع وإعداد وتقديم: محمد أبورزق
يُتبع

الأربعاء، 5 سبتمبر 2018

المطابقة

اللغة العربية: إبداع وإمتاع وإقناع
علم البديع
دروس مهمة لكل شاعر وكاتب وأديب
الدرس السابع عشر (17)
المطابقة
المطابقة يقال لها التطبيق والطباق، والمطابقة في اللغة أن يضع البعير رِجله في موضع يده، فإذا فعل ذلك قيل طابق البعير.
وقال الأصمعي المطابقة أصلها وضعُ الرِّجل موضع اليد في مشي ذوات الأربع
وقال الخليل بن أحمد يقال طابقت بين الشيئين إذا جمعت بينهما على حد واحد
وليس بين تسمية اللغة وتسمية الاصطلاح مناسبة، لأن المطابقة في الاصطلاح: الجمع بين الضدين في كلام أو بيت شعر، كالإيراد والإصدار، والليل والنهار، والبياض والسواد.
وليس في الألوان ما تحصل به المطابقة غيرهما أعني البياض والسواد فقد قال الرُّمّاني وغيره: البياض والسواد ضدان بخلاف بقية الألوان لأن كلا منهما إذا قوي زاد بعدا من صاحبه
وإذا ألحقوا بقية الألوان بالمطابقة فالتدبيج أحق منها بذلك فإنهم أوردوا في المطابقة من التدبيج قول ابن حيوس على جهة الكناية: [من الكامل]
فافخرْ بعمٍّ عمَّ جودُ يمينه **** وأبٍ لأفعال الدَّنية آبي
ببياضِ عرضٍ واحمرارِ صوارمٍ ***وسوادِ نقعٍ واخضرارِ رحابِ
وقد تقرر أن المطابقة الجمع بين الضدين عند غالب الناس سواء كانت من إسمين أو من فعلين أو غير ذلك
قال الأخفش وقد سئل عنها: أجد قوما يختلفون فيها فطائفة وهم الأكثر يرون أنها الشيء وضدُّه وطائفة يزعمون أنها اشتراك المعنيين في لفظ واحد منهم قدامة بن جعفر الكاتب، وأوردوا في ذلك قول زياد الأعجم
ونُبِّئتُهمْ يستنصِرون بكاهلٍ ... وللؤم فيهم كاهلٌ وسنامُ
فكاهل الأول اسم رجل والثاني كاهل الإنسان العضو المعروف فاللفظ واحد والمعنيان مختلفان وهذا هو الجناس التام بعينه. وقال الأخفش من قال إن المطابقة اشتراك المعنيين في لفظ واحد فقد خالف الخليل والأصمعي، فقيل أوكانا يعرفان ذلك فقال: سبحان الله من أعلم منهما بطيبه وخبيثه وما أحسن ما أتى الأخفش في الجواب بالمطابقة حين قال: بطيبه وخبيثه..
ولقد شفى زكي الدين بن أبي الأصبع القلوب في ما قرره فإنه قال المطابقة ضربان: ضرب يأتي بألفاظ الحقيقة، وضرب يأتي بألفاظ المجاز. فما كان بلفظ الحقيقة سُمّي طباقا، وما كان بلفظ المجاز سُمي تكافؤا
فمثال التكافؤ وهو من إنشادات قدامة: [من الكامل]
حلو الشمائل وهو مر باسل ... يحمي الذمار صبيحة الإرهاق
فقوله حلو ومر يجري مجرى الاستعارة إذ ليس في الإنسان ولا في شمائله ما يذاق بحاسة الذوق.
وما أحلى قول القائل في هذا الباب: [من الطويل]
إذا نحن سرنا بين شرق ومغرب ... تحرك يقظان التراب ونائمه
فالمطابقة بين اليقظان والنائم ونسبتهما إلى التراب على سبيل المجاز وهذا هو التكافؤ عند ابن أبي الأصبع
وأما المطابقة الحقيقية التي لم تأت بغير ألفاظ الحقيقة فأعظم الشواهد عليها قوله تعالى ( وأنه هو أضحك وأبكى وأنه هو أمات وأحيى ) وكقول النبي للأنصار رضي الله تعالى عنهم ( إنكم لتكثرون عند الفزع وتقلون عند الطمع ) فانظر إلى هذه البلاغة النبوية والمناسبة التامة ضمن المطابقة
ومن الشواهد الشعرية قول الحماسي: [من الطويل]
تأخرتُ أستبقي الحياة فلم أجد ... لنفسي حياة مثل أن أتقدما
ولآخر في وصف فرس وأجاد: [من الخفيف]
وأرى الوحش في يميني إذا ما ... كان يوما عنانه بشمالي
والمعجز الذي لا تصل إليه قدرة مخلوق قوله تعالى ( وما يستوي الأعمى والبصير ولا الظلمات ولا النور ولا الظل ولا الحرور وما يستوي الأحياء ولا الأموات ) فانظر إلى عظم هذه المطابقة وما فيها من الوجازة
ومن ذلك في الحديث قول النبي ( فليأخذ العبد من نفسه لنفسه ومن ديناه لآخرته ومن الشبيبة للكبر ومن الحياة للممات فوالذي نفسي بيده ما بعد الحياة مستعتب ولا بعد الدنيا دار إلا الجنة والنار )
ــ ولهم مطابقة السلب بعد الإيجاب، وهي المطابقة التي لم يصرح فيها بإظهار الضدين كقوله تعالى ( قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون ) فالمطابقة حاصلة بين إيجاب العلم ونفيه لأنهما ضدان
ومثله قول البحتري: [من الطويل]
يُقيَّضُ لي من حيث لا أعلم النّوَى ... ويسري إليَّ الشوقُ من حيث أعلم
فالمطابقة باطنة ومعناها ظاهر فإن قوله لا أعلم كقوله جاهل
والسابق إلى هذا امرؤ القيس بقوله: [من الطويل]
جزعتُ ولم أجزع من البيْنِ مَجزعا ... وعَزّيتُ قلبا بالكواعب مولعا
فالمطابقة حاصلة بين إيجاب الجزع ونفيه، ومن المستحسن في ذلك قول بعضهم:[من الكامل]
خُلِقوا وما خُلقوا لمكرُمةٍ ... فكأنهم خُلقوا وما خُلقوا
رُزقوا وما رُزقوا سماحَ يدٍ ... فكأنهم رُزقوا وما رُزقوا
ومثله قول بشر بن هارون وقد ظهر منه الفرح عند الموت فقيل له أتفرح بالموت فقال: ليس قدومي على خالق أرجوه كمقامي عند مخلوق لا أرجوه
فالمطابقة حاصلة بين إيجاب الرجاء ونفيه
ــ ولهم إيهام المطابقة كما لهم إيهام التورية والشاهد على إيهام المطابقة قول الشاعر: [من الكامل]
يبدي وشاحا أبيضا من سَيْبِه ... والجوُّ قد لبس الوشاحَ الأغبرا
فإن الأغبر ليس بضد الأبيض وإنما يوهم بلفظه أنه ضده ومثله قول دعبل: [من الكامل]
لا تعجبني يا سلم من رجل ... ضحك المشيب برأسه فبكى
فالضحك هنا من جهة المعنى ليس بضد البكاء لأنه كناية عن كثرة الشيب ولكنه من جهة اللفظ يوهم المطابقة
ــ ولهم الملحق بالطباق وهو راجع إلى الضدين كقوله تعالى ( أشدّاءُ على الكفار رُحماءُ بينَهم ) طابق الأشداء بالرحماء لأن الرحمة فيها معنى اللين
ومثله قوله تعالى ( مما خطيئاتهم أغرقوا فأدخلوا نارا ) فالمطابقة بين الغرق ودخول النار، فإنّ من دخل النار إحترق والإحتراق ضد الغرق
ومنه قول الحماسي: [من الطويل]
لهم جلُّ مالي إن تتابع لي غنى ... وإن قلَّ مالي لا أكلفهم رفدا
ففي قوله تتابع لي غنى معنى الكثرة
وأما قول أبي الطيب المتنبي: [من الطويل]
لمن تطلبُ الدنيا إذا لم تُرِد بها ... سرورَ محبٍّ أو إساءةَ مجرم
فمتفق عليه أنه من الطباق الفاسد فإن المجرم ليس بضد للمحب بوجه ما وليس للمحب ضد غير المبغض
ــ وذكروا في آخر الباب طباق الترديد وهو أن ترد آخر الكلام المطابق على أوله فإن لم يكن الكلام مطابقا فهو من رد الإعجاز على الصدور ومنه قول الأعشى: [من البسيط]
لا يَرْقعُ الناسُ ما أوْهوا وإن جَهِدوا ... طولَ الحياة ولا يُوهُون ما رَقَعوا
وخلاصة القول: أن المطابقة التي يأتي بها الناظم مُجرّدة ليس تحتها كبير أمر، ونهاية ذلك أن يطابق الضدَّ بالضدِّ وهو شيء سهل اللهم إلا أن تترشح بنوع من أنواع البديع يشاركه في البهجة والرونق، كقوله تعالى ( تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي وترزق من تشاء بغير حساب ) ففي العطف بقوله تعالى ( وترزق من تشاء بغير حساب ) دلالة على أن من قدرَ على تلك الأفعال العظيمة قدر على أن يرزق بغير حساب من شاء من عباده وهذه مبالغة التكميل المشحونة بقدرة الرب سبحانه وتعالى، فانظر إلى عظم كلام الخالق هنا فقد اجتمع فيه المطابقة الحقيقية والعكس الذي لا يُدركُ لوجازته وبلاغته ومبالغة التكميل التي لا تليق بغير قدرته
ومثل ذلك قول امرئ القيس: [من الطويل]
مكر مفر مقبل مدبر معا ... كجلمود صخر حطه السيل من عل
فالمطابقة في الإقبال والإدبار ولكنه لما قال (معاً) زادها تكميلا في غاية الكمال فإن المراد بها قرب الحركة في حالتي الإقبال والإدبار وحالتي الكر والفر فلو ترك المطابقة مجردة من هذا التكميل ما حصل لها هذه البهجة ولا هذا الموقع ثم إنه استطرد بعد تمام المطابقة وكمال التكميل إلى التشبيه على سبيل الاستطراد البديعي ولم يكن قد ضرب لأنواع البديع في بيوت العرب وتد ولا امتد له سبب
وقد اشتمل بيت امرئ القيس على المطابقة والتكميل والاستطراد على طريقة، فإن ابن المعتز قال هو أن يكون المتكلم في معنى فيخرج منه بطريق التشبيه إلى معنى آخر
وممن كسا المطابقة ديباجة التورية أبو الطيب المتنبي حيث قال: [من الطويل]
برغم شبيبٍ فارقَ السيفُ كفّه ... وكانا على العِلّاتِ يصطحبان
كأن رقابَ الناس قالت لسيفه ... رفيقك قَيْسِيٌّ وأنت يماني
لعمري لقد رفع أبو الطيب قدر المطابقة وأزال حقارتها بمجاورة هذا النوع البديعي الذي عظم عند أهل الأدب قدرا
وأبو تمام كساها ديباجة المجانسة بقوله: [من البسيط]
بيض الصفائح لا سود الصحائف في ... متونهن جلاء الشك والريب
بيض وسود = مطابقة
الصفائح والصحائف = جناس مقلوب
المصادر:
كتاب البديع في البديع لابن المعتز ت247ه
العمدة في محاسن الشعر لابن رشيق القيرواني ت390ه
زهر الآداب للحصري القيرواني ت453ه
خزانة الأدب لابن حجة الحموي ت837ه
أنوار الربيع في أنواع البديع لابن معصوم الحسني ت1119ه
جمع وإعداد وتقديم: محمد أبورزق
يُتبع

الأحد، 2 سبتمبر 2018

تعريف الجناس:

اللغة العربية: إبداع وإمتاع وإقناع
علم البديع
دروس مهمة لكل شاعر وكاتب وأديب
الدرس الخامس عشر
ملخص عام لدروس الجناس
تعريف الجناس:
الجناس هو أن يتفق اللفظان في النطق أو يتقاربا فيه مع اختلاف المعنى، هذا من جهة ماهيته، أما من جهة فائدته فقد عرفه الرُّمَّاني فقال: "هو بيان المعاني بأنواع من الكلام يجمعها أصل واحد من اللغة".
وأنواعه وهي:
1) الجناس المركب
وهو ما اختلف اللفظان من حيث التركيب والإفراد، كقوله:
إذا ملكٌ لم يكن ذا هِبة **** فـدعه فـدولته ذاهبة
فالاول: مركب من "ذا" و "هبة" بمعنى: صاحب هيبة ووقار، والثاني: من كلمة مفردة وهي "ذاهبة" وهو اسم الفاعل من ذهَبَ
2) الجناس الملفق
وهو ما كان فيه اللّفظان كلاهما مركّباً،
كقول القاضي عبد الباقي بن حصين وكان قاضيا بالمعرّة [ من الوافر ]:
فلمْ تضعِ الأعادي قَدْرَ شاني **** ولا قـالوا فلانٌ قدْ رَشاني
الاول: مركّب من (قَدْر) ومن (شأني)، والثاني: مركّب من (قد) ومن (رشاني) ، ومعناه أن الأعداء لم يحطّوا من مكانتي ، ولم يقولوا بأنني أخذت منهم رشوة.
والفرق بين المركب والملفق: أن المركب يكون أحد ركنيه مركبا والثاني مفردا، والملفق يكون كلا ركنيه مركبا.
3) الجناس المذيل
وهو ما يكون الإختلاف بزيادة حرف أو أكثر في آخره، كقوله: :
يمدون من أيد عواص عواصم تصول بأسياف قواض قواضب
4) الجناس المطرف
وهو ما يكون الإختلاف بزيادة حرف أو أكثر في أوله، كقوله:
وكم غرر من برّه ولطائف **** لشكري على تلك اللطائف طائف
والفرق بين المذيل والمطرف: أن المذيل تكون الزيادة في آخره، والمطرف تكون الزيادة في أوله.
5) الجناس المضارع
وهو ما يكون باختلاف اللفظين في حرفين، مع قرب مخرجهما، كقوله تعالى: (وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ)
6) الجناس اللاحق
وهو ما يكون باختلاف اللفظين في حرفين، مع بُعد مخرجهما، كقوله تعالى: (وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ)
7) الجناس التام
وهو ما اتفق فيه اللفظان المتجانسان في أمور أربعة:
نوع الحروف، وعددها، وهيئتها، وترتيبها مع اختلاف المعنى، كقوله تعالى: (ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة)
فالمراد بالساعة الاولى: يوم القيامة.. وبالساعة الثانية: جزء من الزمان.
وكقول الإمام الشافعي:
رأيتكَ تكويني بِميسم منـة *** كأنك كنت الأصل في يوم تكويني
فدعني من المن الوخيم فبلغة ***من العيش تكفيني إلى يومِ تكفيني
تكويني الأولى: من الكي، تكويني الثانية من الكينونة.
تكفيني الأولى : من الكفاية، تكفيني الثانية: من الكفن
8) الجناس المطلق
وهو توافق اللفظين في الحروف وترتيبها، بدون أن يجمعهما اشتقاق، نحو قوله صلى الله عليه وسلم: (غِفار، غَفر الله لها).
غفار قبيلة معروفة ، وغفر من الغفران.
ومنه قول الشاعر:
بجانب الكرخ من بغداد عنَّ لنا **** ظبيٌ يُنفِّرُه عن وصلنا نفرُ
ضفيرتاه على قتلي تظافرتا *** يا منْ رأى شاعراً أوْدى به الشَّعَرُ
ينفّره: من النفور، نفر: جماعة من القوم
ضفيرتاه: أي جدائل المرأة، تظافرتا: تعاونتا
الشاعر معروف وهو من ينظم الشِعر، والشَّعر معروف وهو شعر رأس الإنسان.
9) الجناس المصحف
وهو ما اختلف اللّفظان من حيث التنقيط، بحيث لو زالت النُقَط لم يتميّز أحدهما عن الآخر:
كقوله تعالى: (والذي يطعمني ويسقين وإذا مرضت فهو يشفين)
وهناك نوع يسمّى التصحيف ولكنه لا يُعدّ من الجناس، وهو أن يقرأ القارئ الكلمة خطأ إمّا من حيث التنقيط أو من حيث الحركات. كأن يرى مثلا كلمة " جارَ الزّمانُ " فلا يلاحظ النقط فيقول: "حار الرُّمّان" ومثله ذلك الذي رأى حديث: " "عليكم بالحبة السوداء" فقرأها: عليكم بالحية السوداء. فصحّف الباء ياء.
10) الجناس المحرف
وهو ما اختلف اللفظان في هيئات الحروف من حيث الحركات، نحو: (جُبّة البُرد جُنّة البَرد).
ومنه قول ابن نباتة المصري: [ من الوافر ]
قَوامُكِ تحت شَعْرِك يا أُمَامهْ **** لحُسنكِ حاملٌ عَلَمَ الإِمامهْ
11) الجناس اللفظي
وهو ما اختلف ركناه خطاً مع اتحادهما في التلفّظ، كقوله:
أعذب خلق الله نطقاً وفمـاً إن لم يكن أحق بالحُسن فمن
فالاول تنوين، والثاني نون.
12) الجناس المقلوب
وهو ما اختلف فيه اللفظان في ترتيب الحروف، نحو: (رحم الله امرءاً مسك ما بين فكّيه وأطلق ما بين كفيّه).
ومنه نوع يُسمى المستوي أو ما لا يستحيل بالإنعكاس، وهو الذي يُقرأ من آخره كما يُقرأ من أوله ،
كقوله تعالى: "كلٌّ في فلك"
13) الجناس المعنوي
الجناس المعنوي نوعان: جناس إضمار، وجناس إشارة.
أ- فجناس الإضمار أن يأتي بلفظ يحضر في ذهنك لفظا آخر و ذلك اللفظ المحضر يراد به غير معناه، بدلالة السّياق مثل قوله: [البسيط]
مُنعّمُ الجسم تحكي الماءَ رقّتُه **** قلبُه قسوة يحكي أبا أوس
فأوس شاعر معروف وإسم أبيه حَجَر ، فلفظ أبي أوس يحضر في الذهن إسمه وهو حَجَر، وليس هو المراد، وإنما المراد الحجر المعروف تشبيها بالقساوة، كأنه يريد أن يقول: قلبه قسوة يشبه الحجر.
ب) وجناس الإشارة: هو ما ذكر فيه أحد اللفظين وأشير للآخر بما يدل عليه، كقول الشاعر:
يا " حمزة " اسمح بوصل **** وامنن علينا بقرب
في ثغرك إسمك أضحى **** مُصحّفا وبقلبي
فقد ذكر الشاعر أحد المتجانسين وهو حمزة ، وأشار إلى الجناس فيه بأن مصحفه في ثغره أي خمرة، وفي قلبه، أي جمرة
المصادر:
كتاب البديع في البديع لابن المعتز ت247ه
العمدة في محاسن الشعر لابن رشيق القيرواني ت390ه
زهر الآداب للحصري القيرواني ت453ه
خزانة الأدب لابن حجة الحموي ت837ه
أنوار الربيع في أنواع البديع لابن معصوم الحسني ت1119ه
جمع وإعداد وتقديم: محمد أبورزق
يُتبع

الجمعة، 31 أغسطس 2018

مراجعة الدروس السابقة في الجناس

اللغة العربية: إبداع وإمتاع وإقناع
علم البديع
دروس مهمة لكل شاعر وكاتب وأديب
الدرس الثالث عشر (13)
مراجعة الدروس السابقة في الجناس
الجزء الأول:
في هذا الدرس سأقوم بمراجعة عامّة للدروس السابقة عن الجناس مع تلخيصها نظرا لكثرة أنواعه حتى يتمكن القارئ من ضبطه وفهمه جيدا ولا يبقى هناك أي لُبس.
الجزء الأول
تعريف الجناس
أما هذا النوع فإنه ما سُمي جناسا إلا لمجيء حروف ألفاظه من جنس واحد ومادة واحدة ولا يشترط فيه تماثل جميع الحروف بل يكفي في التماثل ما تعرف به المجانسة
ومنهم من يسميه التجنيس أو التجانس
وذلك لأن إحدى الكلمتين إذا تشابهت بالأخرى وقعت بينهما مفاعلة الجنسية
وأنواعه: المُركّب، والمُطْلق، والمُذيل، واللاحق، والتام، والمُطرّف والمُحرّف، والمُصحّف، والمُلفّق، واللفظي، والمقلوب، والمعنوي.
فالكلمتان في الجناس هما من جنس واحد، ومادة واحدة، ولكن قد تختلفان فتكون إحداهما مركبة والأخرى مفردة، أو مركبتين معا، أو مختلفتان من حيث التنقيط، أو الحركات أو من حيث مخارج الحروف أو من حيث المعنى، إلخ.
1) المركب
وهو :أن يكون أحد الركنين كلمة مفردة والأخرى مركبة من كلمتين وهو على ضربين:
ــ فالأول: ما تشابه لفظا وخطا كقول الشاعر :[من مجزوء الرّمل]
عضّنا الدهرُ بنابِه ... ليتَ ما حلّ بنا به
بنابه: أي الناب وهي كلمة مفردة
بنا به : وهي مركبة من كلمتين حرف جر وضمير الجمع ثم حرف الجر وضمير الغائب
والركنان متشابهان لفظا وخطا ومختلفان في المعنى.
ومنه قول الشاعر:
دققت الباب حتّى كلّ متني **** فلمّا كلّ متني كلّمتني
كلّ متني: مركبة من كلمتين وتعني تعب متنه
كلّمتني: كلمة مفردة وتعني الكلام
وهما متشابهان في الخط واللفظ ومختلفان في المعنى.
ــ والثاني: ما تشابه لفظا لا خطا ويسمى المفروق وهو الذي نظمه صفي الدين في بديعيته كقول الشاعر:[من الكامل]
لا تعرضن على الرواة قصيدة ... ما لم تكن بالغت في تهذيبها
وإذا عرضت الشعر غير مهذب ... عدوه منك وساوسا تهذي بها
تهذيبها: كلمة مفردة وتعني التهذيب
تهذي بها: كلمة مركبة وتعني الهذيان
والركنان متشابهان لفظا ومختلفان خطا ومعنى
ــ ومن أنواع الجناس المركب نوع يسمى: ( المَرْفُوّ ) وهو أن يكون أحد الركنين جزءا مستقلا والآخر مجزأ من كلمة أخرى كقول الحريري
( والمَكْرُ مهما استطعتَ لا تأتِه ... لتقتني السؤدد والمَكْرُمَه )
فكلمة (المكر مهما) مجزء من كلمة أخرى، و(المكرمه) من جزء مستقل وبينهما تجانس في اللفظ واختلاف في المعنى.
2) الجناس الملفق
وهو ما كان اللّفظان كلاهما مركّباً، كقول الشاعر [من الوافر]:
فلم تضع الأعادي قدر شأني **** ولا قـالوا فلان قد رشاني
الاول: مركّب من (قدر) ومن (شأني)..... والثاني: مركّب من (قد) ومن (رشاني).
وعلى هذا فالجناس المركب يكون أحد ركنيه كلمة مركبة والأخرى مفردة.
والملفق يكون اللفظان كلاهما مركبا. وهذا هو الفرق بينهما.
3) الجناس المطلق
وهو توافق اللفظين في الحروف وترتيبها، بدون أن يجمعهما اشتقاق،
كقوله تعالى ( وإن يُرِدْكَ بخير فلا رادّ لفضله ) وكقوله تعالى ( لِيُرِيَه كيف يُوارِي سوأة أخيه )
فكلمة يردك موافقة لكلمة لا رادّ في الحروف والترتيب وليست مشتقة منها، لأن كلمة يُردك من الإرادة ، وكلمة لا رادّ من الرّدّ
وكذلك كلمة يريه مع يواري.
فكلمة يريه : من الرؤيا ومعناها ليعلّمه
وكلمة يواري: من المواراة وهي الستر والدفن.
وما أحلى قول أبي فراس في هذا النوع: [من البسيط]
فما السلاف ازدهتني بل سوالفه ... ولا الشمول دهتني بل شمائله
والفرق بينه وبين المشتق أن المشتق تكون كلماته من أصل واحد كقوله تعالى : ( ومن شر حاسد إذا حسد) فإن كلمة حاسد مشتقة من حسد وهذا لا يسمى جناسا، وإنما هو إشتقاق
4) الجناس المذيل
وهو ما يكون الإختلاف بأكثر من حرفين في آخره، كقوله
كقول كعب بن زهير: [من الكامل]
ولقد عَلِمْتِ وأنتِ خيرُ عليمةٍ ... أن لا يُقرّبني الهَوَى لِهَوانِ
فقد قال "الهوى" ثم زاد نونا في آخره فأصبحت "هوان"
وما ألطف من قال: [ من الكامل ]
وسألتُها بإشارة عن حالها ... وعليَّ فيها للوشاة عُيونُ
فتنفستْ صُعداً وقالت ما الهوى ... إلا الهوانُ فزال عنه النونُ
فالمذيل هو أن تحتفظ بنفس الكلمة وتزيد حرفا في آخرها تجانسها ولكنها تعطيك معنى آخر.
5) الجناس المُطرّف
الجناس المطرف فهو ما زاد أحد ركنيه على الآخر حرفا في طرفه الأول وهذا هو الفرق بينه وبين المذيل فإن الزيادة في المذيل تكون في آخره وأما المطرف فتكون زيادته في أوله لتصير له كالطرف ويسمى الناقص والمردف وفي تسميته اختلاف كثير ولكن مطابقة المطرف في التسمية طرفة كقوله تعالى ( والتفّت السّاقُ بالسّاقِ إلى ربك يومئذ المَساقُ )
السّاق = المساق
الزيادة وقعت في أول الكلمة حيث زيدت الميم
والزيادة تارة تكون في أول الركن الثاني كما تقدم وتارة في أول الركن الأول
كقول الشاعر: [من الطويل]
وكم سبقت منه إلي عوارف **** ثنائي على تلك العوارف وارف
وكم غرر من بره ولطائف **** فشكري على تلك اللطائف طائف
العوارف = وارف
اللطائف = طائف
6) الجناس اللاحق
الجناس اللاحق هو ما أبدل من أحد ركنيه حرف من غير مخرجه كقوله تعالى ( فأما اليتيم فلا تقهر وأما السائل فلا تنهر )
فكلمتا: تقهر وتنهر بهما القاف والنون وهما ليستا من نفس المخرج.فإن القاف مخرجها أقصى الحلق، والنون مخرجها من طرف اللسان..
ومن النظم قول البحتري وأجاد إلى الغاية: [من الخفيف]
عجب الناس لاعتزالي وفي الأط **** ــراف تُلفى منازل الأشراف
وقعودي عن التقلب والأر **** ضُ لمثلي رحيبة الأكناف
ليس عن ثروة بلغت مداها **** غير أني امرؤ كفاني كفافي
كلمتا: كفاني وكفافي هو اللاحق الذي لا يلحق
وكذلك كلمتا: الأطراف والأشراف في البيت الأول
وهذا هو الفرق بينه وبين المضارع ، فإن المضارع هو ما أبدل أحد ركنيه حرف من نفس المخرج كقوله تعالى : (وهم يَنهوْن عنه ويَنئوْن عنه)، فإن الهاء والهمزة من نفس المخرج وهو الحلق، وكقوله صلى الله عليه وسلم: (الخيل معقود بنواصيها الخير)
فكلمتا الخيل والخير بهما اللام والراء وهما من مخرج واحد
المصادر: كتاب البديع في البديع لابن المعتز ت247ه
العمدة في محاسن الشعر لابن رشيق القيرواني ت390ه
زهر الآداب للحصري القيرواني ت453ه
خزانة الأدب لابن حجة الحموي ت837هبؤ
أنوار الربيع في أنواع البديع لابن معصوم الحسني ت 1119ه
جمع وإعداد وتقديم: محمد أبورزق
يُتبع