musique

الأربعاء، 5 سبتمبر 2018

المطابقة

اللغة العربية: إبداع وإمتاع وإقناع
علم البديع
دروس مهمة لكل شاعر وكاتب وأديب
الدرس السابع عشر (17)
المطابقة
المطابقة يقال لها التطبيق والطباق، والمطابقة في اللغة أن يضع البعير رِجله في موضع يده، فإذا فعل ذلك قيل طابق البعير.
وقال الأصمعي المطابقة أصلها وضعُ الرِّجل موضع اليد في مشي ذوات الأربع
وقال الخليل بن أحمد يقال طابقت بين الشيئين إذا جمعت بينهما على حد واحد
وليس بين تسمية اللغة وتسمية الاصطلاح مناسبة، لأن المطابقة في الاصطلاح: الجمع بين الضدين في كلام أو بيت شعر، كالإيراد والإصدار، والليل والنهار، والبياض والسواد.
وليس في الألوان ما تحصل به المطابقة غيرهما أعني البياض والسواد فقد قال الرُّمّاني وغيره: البياض والسواد ضدان بخلاف بقية الألوان لأن كلا منهما إذا قوي زاد بعدا من صاحبه
وإذا ألحقوا بقية الألوان بالمطابقة فالتدبيج أحق منها بذلك فإنهم أوردوا في المطابقة من التدبيج قول ابن حيوس على جهة الكناية: [من الكامل]
فافخرْ بعمٍّ عمَّ جودُ يمينه **** وأبٍ لأفعال الدَّنية آبي
ببياضِ عرضٍ واحمرارِ صوارمٍ ***وسوادِ نقعٍ واخضرارِ رحابِ
وقد تقرر أن المطابقة الجمع بين الضدين عند غالب الناس سواء كانت من إسمين أو من فعلين أو غير ذلك
قال الأخفش وقد سئل عنها: أجد قوما يختلفون فيها فطائفة وهم الأكثر يرون أنها الشيء وضدُّه وطائفة يزعمون أنها اشتراك المعنيين في لفظ واحد منهم قدامة بن جعفر الكاتب، وأوردوا في ذلك قول زياد الأعجم
ونُبِّئتُهمْ يستنصِرون بكاهلٍ ... وللؤم فيهم كاهلٌ وسنامُ
فكاهل الأول اسم رجل والثاني كاهل الإنسان العضو المعروف فاللفظ واحد والمعنيان مختلفان وهذا هو الجناس التام بعينه. وقال الأخفش من قال إن المطابقة اشتراك المعنيين في لفظ واحد فقد خالف الخليل والأصمعي، فقيل أوكانا يعرفان ذلك فقال: سبحان الله من أعلم منهما بطيبه وخبيثه وما أحسن ما أتى الأخفش في الجواب بالمطابقة حين قال: بطيبه وخبيثه..
ولقد شفى زكي الدين بن أبي الأصبع القلوب في ما قرره فإنه قال المطابقة ضربان: ضرب يأتي بألفاظ الحقيقة، وضرب يأتي بألفاظ المجاز. فما كان بلفظ الحقيقة سُمّي طباقا، وما كان بلفظ المجاز سُمي تكافؤا
فمثال التكافؤ وهو من إنشادات قدامة: [من الكامل]
حلو الشمائل وهو مر باسل ... يحمي الذمار صبيحة الإرهاق
فقوله حلو ومر يجري مجرى الاستعارة إذ ليس في الإنسان ولا في شمائله ما يذاق بحاسة الذوق.
وما أحلى قول القائل في هذا الباب: [من الطويل]
إذا نحن سرنا بين شرق ومغرب ... تحرك يقظان التراب ونائمه
فالمطابقة بين اليقظان والنائم ونسبتهما إلى التراب على سبيل المجاز وهذا هو التكافؤ عند ابن أبي الأصبع
وأما المطابقة الحقيقية التي لم تأت بغير ألفاظ الحقيقة فأعظم الشواهد عليها قوله تعالى ( وأنه هو أضحك وأبكى وأنه هو أمات وأحيى ) وكقول النبي للأنصار رضي الله تعالى عنهم ( إنكم لتكثرون عند الفزع وتقلون عند الطمع ) فانظر إلى هذه البلاغة النبوية والمناسبة التامة ضمن المطابقة
ومن الشواهد الشعرية قول الحماسي: [من الطويل]
تأخرتُ أستبقي الحياة فلم أجد ... لنفسي حياة مثل أن أتقدما
ولآخر في وصف فرس وأجاد: [من الخفيف]
وأرى الوحش في يميني إذا ما ... كان يوما عنانه بشمالي
والمعجز الذي لا تصل إليه قدرة مخلوق قوله تعالى ( وما يستوي الأعمى والبصير ولا الظلمات ولا النور ولا الظل ولا الحرور وما يستوي الأحياء ولا الأموات ) فانظر إلى عظم هذه المطابقة وما فيها من الوجازة
ومن ذلك في الحديث قول النبي ( فليأخذ العبد من نفسه لنفسه ومن ديناه لآخرته ومن الشبيبة للكبر ومن الحياة للممات فوالذي نفسي بيده ما بعد الحياة مستعتب ولا بعد الدنيا دار إلا الجنة والنار )
ــ ولهم مطابقة السلب بعد الإيجاب، وهي المطابقة التي لم يصرح فيها بإظهار الضدين كقوله تعالى ( قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون ) فالمطابقة حاصلة بين إيجاب العلم ونفيه لأنهما ضدان
ومثله قول البحتري: [من الطويل]
يُقيَّضُ لي من حيث لا أعلم النّوَى ... ويسري إليَّ الشوقُ من حيث أعلم
فالمطابقة باطنة ومعناها ظاهر فإن قوله لا أعلم كقوله جاهل
والسابق إلى هذا امرؤ القيس بقوله: [من الطويل]
جزعتُ ولم أجزع من البيْنِ مَجزعا ... وعَزّيتُ قلبا بالكواعب مولعا
فالمطابقة حاصلة بين إيجاب الجزع ونفيه، ومن المستحسن في ذلك قول بعضهم:[من الكامل]
خُلِقوا وما خُلقوا لمكرُمةٍ ... فكأنهم خُلقوا وما خُلقوا
رُزقوا وما رُزقوا سماحَ يدٍ ... فكأنهم رُزقوا وما رُزقوا
ومثله قول بشر بن هارون وقد ظهر منه الفرح عند الموت فقيل له أتفرح بالموت فقال: ليس قدومي على خالق أرجوه كمقامي عند مخلوق لا أرجوه
فالمطابقة حاصلة بين إيجاب الرجاء ونفيه
ــ ولهم إيهام المطابقة كما لهم إيهام التورية والشاهد على إيهام المطابقة قول الشاعر: [من الكامل]
يبدي وشاحا أبيضا من سَيْبِه ... والجوُّ قد لبس الوشاحَ الأغبرا
فإن الأغبر ليس بضد الأبيض وإنما يوهم بلفظه أنه ضده ومثله قول دعبل: [من الكامل]
لا تعجبني يا سلم من رجل ... ضحك المشيب برأسه فبكى
فالضحك هنا من جهة المعنى ليس بضد البكاء لأنه كناية عن كثرة الشيب ولكنه من جهة اللفظ يوهم المطابقة
ــ ولهم الملحق بالطباق وهو راجع إلى الضدين كقوله تعالى ( أشدّاءُ على الكفار رُحماءُ بينَهم ) طابق الأشداء بالرحماء لأن الرحمة فيها معنى اللين
ومثله قوله تعالى ( مما خطيئاتهم أغرقوا فأدخلوا نارا ) فالمطابقة بين الغرق ودخول النار، فإنّ من دخل النار إحترق والإحتراق ضد الغرق
ومنه قول الحماسي: [من الطويل]
لهم جلُّ مالي إن تتابع لي غنى ... وإن قلَّ مالي لا أكلفهم رفدا
ففي قوله تتابع لي غنى معنى الكثرة
وأما قول أبي الطيب المتنبي: [من الطويل]
لمن تطلبُ الدنيا إذا لم تُرِد بها ... سرورَ محبٍّ أو إساءةَ مجرم
فمتفق عليه أنه من الطباق الفاسد فإن المجرم ليس بضد للمحب بوجه ما وليس للمحب ضد غير المبغض
ــ وذكروا في آخر الباب طباق الترديد وهو أن ترد آخر الكلام المطابق على أوله فإن لم يكن الكلام مطابقا فهو من رد الإعجاز على الصدور ومنه قول الأعشى: [من البسيط]
لا يَرْقعُ الناسُ ما أوْهوا وإن جَهِدوا ... طولَ الحياة ولا يُوهُون ما رَقَعوا
وخلاصة القول: أن المطابقة التي يأتي بها الناظم مُجرّدة ليس تحتها كبير أمر، ونهاية ذلك أن يطابق الضدَّ بالضدِّ وهو شيء سهل اللهم إلا أن تترشح بنوع من أنواع البديع يشاركه في البهجة والرونق، كقوله تعالى ( تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي وترزق من تشاء بغير حساب ) ففي العطف بقوله تعالى ( وترزق من تشاء بغير حساب ) دلالة على أن من قدرَ على تلك الأفعال العظيمة قدر على أن يرزق بغير حساب من شاء من عباده وهذه مبالغة التكميل المشحونة بقدرة الرب سبحانه وتعالى، فانظر إلى عظم كلام الخالق هنا فقد اجتمع فيه المطابقة الحقيقية والعكس الذي لا يُدركُ لوجازته وبلاغته ومبالغة التكميل التي لا تليق بغير قدرته
ومثل ذلك قول امرئ القيس: [من الطويل]
مكر مفر مقبل مدبر معا ... كجلمود صخر حطه السيل من عل
فالمطابقة في الإقبال والإدبار ولكنه لما قال (معاً) زادها تكميلا في غاية الكمال فإن المراد بها قرب الحركة في حالتي الإقبال والإدبار وحالتي الكر والفر فلو ترك المطابقة مجردة من هذا التكميل ما حصل لها هذه البهجة ولا هذا الموقع ثم إنه استطرد بعد تمام المطابقة وكمال التكميل إلى التشبيه على سبيل الاستطراد البديعي ولم يكن قد ضرب لأنواع البديع في بيوت العرب وتد ولا امتد له سبب
وقد اشتمل بيت امرئ القيس على المطابقة والتكميل والاستطراد على طريقة، فإن ابن المعتز قال هو أن يكون المتكلم في معنى فيخرج منه بطريق التشبيه إلى معنى آخر
وممن كسا المطابقة ديباجة التورية أبو الطيب المتنبي حيث قال: [من الطويل]
برغم شبيبٍ فارقَ السيفُ كفّه ... وكانا على العِلّاتِ يصطحبان
كأن رقابَ الناس قالت لسيفه ... رفيقك قَيْسِيٌّ وأنت يماني
لعمري لقد رفع أبو الطيب قدر المطابقة وأزال حقارتها بمجاورة هذا النوع البديعي الذي عظم عند أهل الأدب قدرا
وأبو تمام كساها ديباجة المجانسة بقوله: [من البسيط]
بيض الصفائح لا سود الصحائف في ... متونهن جلاء الشك والريب
بيض وسود = مطابقة
الصفائح والصحائف = جناس مقلوب
المصادر:
كتاب البديع في البديع لابن المعتز ت247ه
العمدة في محاسن الشعر لابن رشيق القيرواني ت390ه
زهر الآداب للحصري القيرواني ت453ه
خزانة الأدب لابن حجة الحموي ت837ه
أنوار الربيع في أنواع البديع لابن معصوم الحسني ت1119ه
جمع وإعداد وتقديم: محمد أبورزق
يُتبع

الأحد، 2 سبتمبر 2018

تعريف الجناس:

اللغة العربية: إبداع وإمتاع وإقناع
علم البديع
دروس مهمة لكل شاعر وكاتب وأديب
الدرس الخامس عشر
ملخص عام لدروس الجناس
تعريف الجناس:
الجناس هو أن يتفق اللفظان في النطق أو يتقاربا فيه مع اختلاف المعنى، هذا من جهة ماهيته، أما من جهة فائدته فقد عرفه الرُّمَّاني فقال: "هو بيان المعاني بأنواع من الكلام يجمعها أصل واحد من اللغة".
وأنواعه وهي:
1) الجناس المركب
وهو ما اختلف اللفظان من حيث التركيب والإفراد، كقوله:
إذا ملكٌ لم يكن ذا هِبة **** فـدعه فـدولته ذاهبة
فالاول: مركب من "ذا" و "هبة" بمعنى: صاحب هيبة ووقار، والثاني: من كلمة مفردة وهي "ذاهبة" وهو اسم الفاعل من ذهَبَ
2) الجناس الملفق
وهو ما كان فيه اللّفظان كلاهما مركّباً،
كقول القاضي عبد الباقي بن حصين وكان قاضيا بالمعرّة [ من الوافر ]:
فلمْ تضعِ الأعادي قَدْرَ شاني **** ولا قـالوا فلانٌ قدْ رَشاني
الاول: مركّب من (قَدْر) ومن (شأني)، والثاني: مركّب من (قد) ومن (رشاني) ، ومعناه أن الأعداء لم يحطّوا من مكانتي ، ولم يقولوا بأنني أخذت منهم رشوة.
والفرق بين المركب والملفق: أن المركب يكون أحد ركنيه مركبا والثاني مفردا، والملفق يكون كلا ركنيه مركبا.
3) الجناس المذيل
وهو ما يكون الإختلاف بزيادة حرف أو أكثر في آخره، كقوله: :
يمدون من أيد عواص عواصم تصول بأسياف قواض قواضب
4) الجناس المطرف
وهو ما يكون الإختلاف بزيادة حرف أو أكثر في أوله، كقوله:
وكم غرر من برّه ولطائف **** لشكري على تلك اللطائف طائف
والفرق بين المذيل والمطرف: أن المذيل تكون الزيادة في آخره، والمطرف تكون الزيادة في أوله.
5) الجناس المضارع
وهو ما يكون باختلاف اللفظين في حرفين، مع قرب مخرجهما، كقوله تعالى: (وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ)
6) الجناس اللاحق
وهو ما يكون باختلاف اللفظين في حرفين، مع بُعد مخرجهما، كقوله تعالى: (وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ)
7) الجناس التام
وهو ما اتفق فيه اللفظان المتجانسان في أمور أربعة:
نوع الحروف، وعددها، وهيئتها، وترتيبها مع اختلاف المعنى، كقوله تعالى: (ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة)
فالمراد بالساعة الاولى: يوم القيامة.. وبالساعة الثانية: جزء من الزمان.
وكقول الإمام الشافعي:
رأيتكَ تكويني بِميسم منـة *** كأنك كنت الأصل في يوم تكويني
فدعني من المن الوخيم فبلغة ***من العيش تكفيني إلى يومِ تكفيني
تكويني الأولى: من الكي، تكويني الثانية من الكينونة.
تكفيني الأولى : من الكفاية، تكفيني الثانية: من الكفن
8) الجناس المطلق
وهو توافق اللفظين في الحروف وترتيبها، بدون أن يجمعهما اشتقاق، نحو قوله صلى الله عليه وسلم: (غِفار، غَفر الله لها).
غفار قبيلة معروفة ، وغفر من الغفران.
ومنه قول الشاعر:
بجانب الكرخ من بغداد عنَّ لنا **** ظبيٌ يُنفِّرُه عن وصلنا نفرُ
ضفيرتاه على قتلي تظافرتا *** يا منْ رأى شاعراً أوْدى به الشَّعَرُ
ينفّره: من النفور، نفر: جماعة من القوم
ضفيرتاه: أي جدائل المرأة، تظافرتا: تعاونتا
الشاعر معروف وهو من ينظم الشِعر، والشَّعر معروف وهو شعر رأس الإنسان.
9) الجناس المصحف
وهو ما اختلف اللّفظان من حيث التنقيط، بحيث لو زالت النُقَط لم يتميّز أحدهما عن الآخر:
كقوله تعالى: (والذي يطعمني ويسقين وإذا مرضت فهو يشفين)
وهناك نوع يسمّى التصحيف ولكنه لا يُعدّ من الجناس، وهو أن يقرأ القارئ الكلمة خطأ إمّا من حيث التنقيط أو من حيث الحركات. كأن يرى مثلا كلمة " جارَ الزّمانُ " فلا يلاحظ النقط فيقول: "حار الرُّمّان" ومثله ذلك الذي رأى حديث: " "عليكم بالحبة السوداء" فقرأها: عليكم بالحية السوداء. فصحّف الباء ياء.
10) الجناس المحرف
وهو ما اختلف اللفظان في هيئات الحروف من حيث الحركات، نحو: (جُبّة البُرد جُنّة البَرد).
ومنه قول ابن نباتة المصري: [ من الوافر ]
قَوامُكِ تحت شَعْرِك يا أُمَامهْ **** لحُسنكِ حاملٌ عَلَمَ الإِمامهْ
11) الجناس اللفظي
وهو ما اختلف ركناه خطاً مع اتحادهما في التلفّظ، كقوله:
أعذب خلق الله نطقاً وفمـاً إن لم يكن أحق بالحُسن فمن
فالاول تنوين، والثاني نون.
12) الجناس المقلوب
وهو ما اختلف فيه اللفظان في ترتيب الحروف، نحو: (رحم الله امرءاً مسك ما بين فكّيه وأطلق ما بين كفيّه).
ومنه نوع يُسمى المستوي أو ما لا يستحيل بالإنعكاس، وهو الذي يُقرأ من آخره كما يُقرأ من أوله ،
كقوله تعالى: "كلٌّ في فلك"
13) الجناس المعنوي
الجناس المعنوي نوعان: جناس إضمار، وجناس إشارة.
أ- فجناس الإضمار أن يأتي بلفظ يحضر في ذهنك لفظا آخر و ذلك اللفظ المحضر يراد به غير معناه، بدلالة السّياق مثل قوله: [البسيط]
مُنعّمُ الجسم تحكي الماءَ رقّتُه **** قلبُه قسوة يحكي أبا أوس
فأوس شاعر معروف وإسم أبيه حَجَر ، فلفظ أبي أوس يحضر في الذهن إسمه وهو حَجَر، وليس هو المراد، وإنما المراد الحجر المعروف تشبيها بالقساوة، كأنه يريد أن يقول: قلبه قسوة يشبه الحجر.
ب) وجناس الإشارة: هو ما ذكر فيه أحد اللفظين وأشير للآخر بما يدل عليه، كقول الشاعر:
يا " حمزة " اسمح بوصل **** وامنن علينا بقرب
في ثغرك إسمك أضحى **** مُصحّفا وبقلبي
فقد ذكر الشاعر أحد المتجانسين وهو حمزة ، وأشار إلى الجناس فيه بأن مصحفه في ثغره أي خمرة، وفي قلبه، أي جمرة
المصادر:
كتاب البديع في البديع لابن المعتز ت247ه
العمدة في محاسن الشعر لابن رشيق القيرواني ت390ه
زهر الآداب للحصري القيرواني ت453ه
خزانة الأدب لابن حجة الحموي ت837ه
أنوار الربيع في أنواع البديع لابن معصوم الحسني ت1119ه
جمع وإعداد وتقديم: محمد أبورزق
يُتبع

الجمعة، 31 أغسطس 2018

مراجعة الدروس السابقة في الجناس

اللغة العربية: إبداع وإمتاع وإقناع
علم البديع
دروس مهمة لكل شاعر وكاتب وأديب
الدرس الثالث عشر (13)
مراجعة الدروس السابقة في الجناس
الجزء الأول:
في هذا الدرس سأقوم بمراجعة عامّة للدروس السابقة عن الجناس مع تلخيصها نظرا لكثرة أنواعه حتى يتمكن القارئ من ضبطه وفهمه جيدا ولا يبقى هناك أي لُبس.
الجزء الأول
تعريف الجناس
أما هذا النوع فإنه ما سُمي جناسا إلا لمجيء حروف ألفاظه من جنس واحد ومادة واحدة ولا يشترط فيه تماثل جميع الحروف بل يكفي في التماثل ما تعرف به المجانسة
ومنهم من يسميه التجنيس أو التجانس
وذلك لأن إحدى الكلمتين إذا تشابهت بالأخرى وقعت بينهما مفاعلة الجنسية
وأنواعه: المُركّب، والمُطْلق، والمُذيل، واللاحق، والتام، والمُطرّف والمُحرّف، والمُصحّف، والمُلفّق، واللفظي، والمقلوب، والمعنوي.
فالكلمتان في الجناس هما من جنس واحد، ومادة واحدة، ولكن قد تختلفان فتكون إحداهما مركبة والأخرى مفردة، أو مركبتين معا، أو مختلفتان من حيث التنقيط، أو الحركات أو من حيث مخارج الحروف أو من حيث المعنى، إلخ.
1) المركب
وهو :أن يكون أحد الركنين كلمة مفردة والأخرى مركبة من كلمتين وهو على ضربين:
ــ فالأول: ما تشابه لفظا وخطا كقول الشاعر :[من مجزوء الرّمل]
عضّنا الدهرُ بنابِه ... ليتَ ما حلّ بنا به
بنابه: أي الناب وهي كلمة مفردة
بنا به : وهي مركبة من كلمتين حرف جر وضمير الجمع ثم حرف الجر وضمير الغائب
والركنان متشابهان لفظا وخطا ومختلفان في المعنى.
ومنه قول الشاعر:
دققت الباب حتّى كلّ متني **** فلمّا كلّ متني كلّمتني
كلّ متني: مركبة من كلمتين وتعني تعب متنه
كلّمتني: كلمة مفردة وتعني الكلام
وهما متشابهان في الخط واللفظ ومختلفان في المعنى.
ــ والثاني: ما تشابه لفظا لا خطا ويسمى المفروق وهو الذي نظمه صفي الدين في بديعيته كقول الشاعر:[من الكامل]
لا تعرضن على الرواة قصيدة ... ما لم تكن بالغت في تهذيبها
وإذا عرضت الشعر غير مهذب ... عدوه منك وساوسا تهذي بها
تهذيبها: كلمة مفردة وتعني التهذيب
تهذي بها: كلمة مركبة وتعني الهذيان
والركنان متشابهان لفظا ومختلفان خطا ومعنى
ــ ومن أنواع الجناس المركب نوع يسمى: ( المَرْفُوّ ) وهو أن يكون أحد الركنين جزءا مستقلا والآخر مجزأ من كلمة أخرى كقول الحريري
( والمَكْرُ مهما استطعتَ لا تأتِه ... لتقتني السؤدد والمَكْرُمَه )
فكلمة (المكر مهما) مجزء من كلمة أخرى، و(المكرمه) من جزء مستقل وبينهما تجانس في اللفظ واختلاف في المعنى.
2) الجناس الملفق
وهو ما كان اللّفظان كلاهما مركّباً، كقول الشاعر [من الوافر]:
فلم تضع الأعادي قدر شأني **** ولا قـالوا فلان قد رشاني
الاول: مركّب من (قدر) ومن (شأني)..... والثاني: مركّب من (قد) ومن (رشاني).
وعلى هذا فالجناس المركب يكون أحد ركنيه كلمة مركبة والأخرى مفردة.
والملفق يكون اللفظان كلاهما مركبا. وهذا هو الفرق بينهما.
3) الجناس المطلق
وهو توافق اللفظين في الحروف وترتيبها، بدون أن يجمعهما اشتقاق،
كقوله تعالى ( وإن يُرِدْكَ بخير فلا رادّ لفضله ) وكقوله تعالى ( لِيُرِيَه كيف يُوارِي سوأة أخيه )
فكلمة يردك موافقة لكلمة لا رادّ في الحروف والترتيب وليست مشتقة منها، لأن كلمة يُردك من الإرادة ، وكلمة لا رادّ من الرّدّ
وكذلك كلمة يريه مع يواري.
فكلمة يريه : من الرؤيا ومعناها ليعلّمه
وكلمة يواري: من المواراة وهي الستر والدفن.
وما أحلى قول أبي فراس في هذا النوع: [من البسيط]
فما السلاف ازدهتني بل سوالفه ... ولا الشمول دهتني بل شمائله
والفرق بينه وبين المشتق أن المشتق تكون كلماته من أصل واحد كقوله تعالى : ( ومن شر حاسد إذا حسد) فإن كلمة حاسد مشتقة من حسد وهذا لا يسمى جناسا، وإنما هو إشتقاق
4) الجناس المذيل
وهو ما يكون الإختلاف بأكثر من حرفين في آخره، كقوله
كقول كعب بن زهير: [من الكامل]
ولقد عَلِمْتِ وأنتِ خيرُ عليمةٍ ... أن لا يُقرّبني الهَوَى لِهَوانِ
فقد قال "الهوى" ثم زاد نونا في آخره فأصبحت "هوان"
وما ألطف من قال: [ من الكامل ]
وسألتُها بإشارة عن حالها ... وعليَّ فيها للوشاة عُيونُ
فتنفستْ صُعداً وقالت ما الهوى ... إلا الهوانُ فزال عنه النونُ
فالمذيل هو أن تحتفظ بنفس الكلمة وتزيد حرفا في آخرها تجانسها ولكنها تعطيك معنى آخر.
5) الجناس المُطرّف
الجناس المطرف فهو ما زاد أحد ركنيه على الآخر حرفا في طرفه الأول وهذا هو الفرق بينه وبين المذيل فإن الزيادة في المذيل تكون في آخره وأما المطرف فتكون زيادته في أوله لتصير له كالطرف ويسمى الناقص والمردف وفي تسميته اختلاف كثير ولكن مطابقة المطرف في التسمية طرفة كقوله تعالى ( والتفّت السّاقُ بالسّاقِ إلى ربك يومئذ المَساقُ )
السّاق = المساق
الزيادة وقعت في أول الكلمة حيث زيدت الميم
والزيادة تارة تكون في أول الركن الثاني كما تقدم وتارة في أول الركن الأول
كقول الشاعر: [من الطويل]
وكم سبقت منه إلي عوارف **** ثنائي على تلك العوارف وارف
وكم غرر من بره ولطائف **** فشكري على تلك اللطائف طائف
العوارف = وارف
اللطائف = طائف
6) الجناس اللاحق
الجناس اللاحق هو ما أبدل من أحد ركنيه حرف من غير مخرجه كقوله تعالى ( فأما اليتيم فلا تقهر وأما السائل فلا تنهر )
فكلمتا: تقهر وتنهر بهما القاف والنون وهما ليستا من نفس المخرج.فإن القاف مخرجها أقصى الحلق، والنون مخرجها من طرف اللسان..
ومن النظم قول البحتري وأجاد إلى الغاية: [من الخفيف]
عجب الناس لاعتزالي وفي الأط **** ــراف تُلفى منازل الأشراف
وقعودي عن التقلب والأر **** ضُ لمثلي رحيبة الأكناف
ليس عن ثروة بلغت مداها **** غير أني امرؤ كفاني كفافي
كلمتا: كفاني وكفافي هو اللاحق الذي لا يلحق
وكذلك كلمتا: الأطراف والأشراف في البيت الأول
وهذا هو الفرق بينه وبين المضارع ، فإن المضارع هو ما أبدل أحد ركنيه حرف من نفس المخرج كقوله تعالى : (وهم يَنهوْن عنه ويَنئوْن عنه)، فإن الهاء والهمزة من نفس المخرج وهو الحلق، وكقوله صلى الله عليه وسلم: (الخيل معقود بنواصيها الخير)
فكلمتا الخيل والخير بهما اللام والراء وهما من مخرج واحد
المصادر: كتاب البديع في البديع لابن المعتز ت247ه
العمدة في محاسن الشعر لابن رشيق القيرواني ت390ه
زهر الآداب للحصري القيرواني ت453ه
خزانة الأدب لابن حجة الحموي ت837هبؤ
أنوار الربيع في أنواع البديع لابن معصوم الحسني ت 1119ه
جمع وإعداد وتقديم: محمد أبورزق
يُتبع

الخميس، 30 أغسطس 2018

الجناس المعنوي

اللغة العربية: إبداع وإمتاع وإقناع
علم البديع
دروس مهمة لكل شاعر وكاتب وأديب
الدرس الثاني عشر (12)
في الجناس (تابع)
الجناس المعنوي
أما الجناس المعنوي فإنه ضربان تجنيس إضمار وتجنيس إشارة
ومنهم من سمى تجنيس الإشارة تجنيس الكناية وكل منهما مطابق التسمية
ولم ينظم الشيخ صفي الدين الحلي في بديعيته غير نوع الإضمار وهو أصعب مسلكا من جناس الإشارة ،فإن المعنوي طرفة من طرف الأدب عزيز الوجود جدا.
1) الجناس المضمر
فالمعنوي المضمر: هو أن يضمر الناظم ركني التجنيس ويأتي في الظاهر بما يرادف المضمر للدلالة عليه فإن تعذر المرادف أتى بلفظ فيه كناية لطيفة تدل على المضمر بالمعنى كقول أبي بكر بن عبدون وقد اصطبح بخمرة ترك بعضها إلى الليل فصارت خلا: [ من الطويل]
ألا في سبيل اللهو كأس مدامة ... أتتنا بطعم عهده غير ثابت
حكت بنت بسطام بن قيس صبيحة ... وأمست كجسم الشنفري بعد ثابت
فبنت بسطام بن قيس كان اسمها الصهباء والشنفري قال
اسقنيها يا سواد بن عمرو ... إن جسمي من بعد حالي لخَلّ
والخَلّ هو الرقيق المهزول فظهر من كناية اللفظ الظاهر جناسان مضمران في صهباء وصهباء وخل وخل وهما في صدر البيت وعجزه،
فكأن الشاعر يريد أن يقول:
حكت الصهباء صبيحة.... وأمست كانها الخَلّ
لكنه أضمر المعنى في الشطر الأول ببنت بسطام واسمها الصهباء،وأضمر المعنى في الشطر الثاني ببيت الشنفرى المتضمن لكلمة الخَلّ.
ومن هنا أخذ الشيخ صفي الدين الحلي وقال: من البسيط]
وكلُّ لَحْظٍ أتى بإسم ابن ذي يزن ... في فَتْكه بالمعنى أو أبى هرم
فابن ذي يزن ملك اليمن المعروف إسمه سيف وأبو هرم إسمه سنان فظهر له جناسان مضمران من كنايات الألفاظ الظاهرة،
فكأنه يريد أن يقول:
وكلّ لحظ سيف.... في فتكه أو سِنان
فبدلا من أن يظهر إسم السيف وإسم سنان أضمرهما في إسمي هذين العَلَمين على المعنى.
2) جناس الإشارة
والضرب الثاني من المعنوي وهو: جناس الإشارة والكناية هو غير الأول وسبب ورود هذا النوع في النظم أن الشاعر يقصد المجانسة في بيته بين الركنين من الجناس فلا يوافقه الوزن على إبرازهما فيضمر الواحد ويعدل بقوته إلى مرادف فيه كناية تدل على الركن المضمر فإن لم يتفق له مرادف الركن المضمر يأتي بلفظة فيها كناية لطيفة تدل عليه وهذا لا يتفق في الكلام المنثور
والذي يدل عليه المرادف قول امرأة من عقيل وقد أراد قومها الرحيل عن بني ثهلان وتوجّه منهم جماعة يُحضرون الإبل وهو: [ من الطويل]
فما مكثنا دام الجَمال عليكما ... بثهلان إلا أن تشد الأباعر
وأرادت أن تجانس بين الجَمال والجِمال فلم يساعدها الوزن ولا القافية فعدلت إلى مرادفة الجمال بالأباعر.
والذي يدل على مضمره اللفظة الظاهرة بالكناية اللطيفة قول دعبل في امرأته سلمى: [ من البسيط]
( إني أحبّكِ حبّاً لو تضمنه ... سَلْمى سَمِيُّكِ ذاك الشاهق الراسي )
فكلمة سلمى في البيت إسم جبل وقارن إسم امرأته سلمى به.
فالكناية اللطيفة في سَمِيُّك ـ أي نظيرك ــ لأنها أشعرت أن الركن المضمر في سلمى يظهر منه جناس الإشارة بين الركن الظاهر والمضمر في سلمى الذي هو إسم امرأته وسلمى الذي هو الجبل.
ومثله قول الآخر
وتحت البراقع مقلوبها ... تدِب على وردِ خَدٍّ ندي
فكنى عن العقارب بمقلوب البراقع ولا شك أن بين اللفظ المصرح به والمكنى عنه تجانسا.
ومن الكنايات بالمرادف قول شرف الدين بن الحلاوي وهو غاية في هذا النوع
وبدت نظائر ثغره في قرطه **** فتشابها متخالفين فأشكلا
فرأيت تحت البدر سالفة الطَّلا **** ورأيت فوق الدر مسكرة الطِّلا
الطَّلا: ولد الظبية
الطِّلا: ما طُبخ من عصير العنب
أراد أن يجانس بين سالفة الطلا وسلافة الطلا فلم يساعده الوزن فعدل بقوته إلى المسكرة وهي مرادفة السلافة وقد تقرر أن الشاعر يريد في هذا النوع إظهار الركنين فلا يساعده الوزن فيعدل بحسن تصرفه إلى مرادفه.
المصادر:
كتاب البديع في البديع لابن المعتز ت247ه
زهر الآداب للحصري القيرواني ت453ه
خزانة الأدب لابن حجة الحموي ت837ه
أنوار الربيع في أنواع البديع لابن معصوم الحسني ت1119ه
جمع وإعداد وتقديم: محمد أبورزق
يُتبع

الثلاثاء، 28 أغسطس 2018

الجناس المُصَحّف

اللغة العربية: إبداع وإمتاع وإقناع
علم البديع
دروس مهمة لكل شاعر وكاتب وأديب
الدرس العاشر (10)
في الجناس (تابع)
الجناس المُصحَّف والجناس المُحرّف
1 ـ الجناس المُصَحّف
المُصَحّف هو ما تماثل ركناه في الحروف. وتخالفا في النقط.
بحيث لو زالت النُقَط لم يتميّز أحدهما عن الآخر،
كقوله تعالى: (والذي هو يطعمني ويسقين وإذا مرضت فهو يشفين) وقوله تعالى: (وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً) وقوله تعالى: (قل إن لن يجيرني من الله أحد ولن أجد من دونه ملتحدا) .
فكلمة يسقين وكلمة يشفين لو أزلنا عنهما النقط لما ميّزنا بينهما
وكذلك يحسبون ويحسنون في الآية الثانية، وأحد مع كلمة أجد في الآية الثالثة. فهي متماثلة في الحروف، مختلفة في النقط
وككتاب كتبه أمير المؤمنين علي بن ابي طالب كرم الله وجهه إلى معاوية : (غَرّكَ عِزُّك فَصَارَ قِصَارِ ذَلِكَ ذُلّكَ، فَاخْشَ فَاحِشَ فِعْلِكَ، فَعَلّكَ تَهْدَأ بِهَذا).
فهذه الكلمات لو تركت بدون تنقيط لصعب فهمها لتشابهها في الحروف ولكن بتنقيطها زال اللّبس
ومنهم من يسمّيه جناس الخط وهو ما تماثل ركناه خطا واختلفا لفظا، ومنه قول النبي لعلي بن أبي طالب كرم الله وجهه ( قصِّرْ ثوبك فإنه أنقى وأتقى وأبقى )
وقول النبي حين سمع رجلا ينشد على سبيل الافتخار، وقيل سأله عن نسبه فقال: [من البسيط]
إنّي امرؤٌ حِمْيَريّ حين تنْسِبُني **** لا مِن ربيعةَ آبائي ولا مُضر
فقال له النبي ذلك والله ألْأَمُ لِجَدّكَ وأقلّ لحدِّكَ.
ومنه قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه لو كنت تاجرا ما اخترت غير العطر إن فاتني رِبْحُه لم تفتني رِيحُة.
وقال أهل الأدب: خُلْفُ الوَعْدِ خُلُقُ الوَغْدِ والأربعة أركان بغير حشو وهو غاية في هذا الباب.
ومن النظم قول الشاعر: [من الوافر]
فإن حَلُّوا فليس لهم مقَرّ **** وإن رحلوا فليس لهم مفر
ومثله قول أبي فراس: [ من مجزوء الكامل]
من بحر جودك أغترف **** وبفضل علمك أعترف
وقول البحتري:
ولم يكن المغتر بالله إذا سرى **** ليعجز والمعتز بالله طالبه
انتهى الكلام على الجناس المصحف
2 ـ الجناس المحرّف
وهو: ما اختلف اللفظان في هيئات الحروف من حيث الحركات، نحو: (جُبَّةُ البُرْدِ جُنّة البَرْدِ).
أوهو: ما اتفق ركناه في عدد الحروف وترتيبها واختلفا في الحركات سواء كانا من اسمين أو فعلين أو من اسم وفعل أو من غير ذلك فإن القصد اختلاف الحركات كما تقرر والمقدم فيه وهو الغاية التي لا تدرك قوله تعالى ( ولقد أرسلنا فيهم منذِرين فانظر كيف كان عاقبة المنذَرين )
ولا يقال إن اللفظين متحدان في المعنى لأنهما من الأنذار فلا يكون بينهما تجنيس فاختلاف المعنى ظاهر إذ المراد بالأول الفاعلون وهم الرسل وبالثاني المفعولون وهم الذين وقع عليهم الإنذار وقول النبي ( اللهم كما حَسَّنْتَ خَلْقي فحَسِّنْ خُلُقي )
ومثله قولهم جُبَّةُ البُرْدِ جَنَّةُ البَرْدِ.
فكلمتا البُرْد والبَرْد اتفقتا في عدد الحروف والترتيب واختلفتا في الحركات. فالأولى تعني نوع من الثياب والثانية تعني البَرد الذي هو ضد القرّ والحركة هي من فرّقت بينهما.
ومن النظم قول أبي تمام: [ من الكامل ]
هُنّ الحَمام فإن كسّرتَ عِيَافةً **** من حائهن فإنهن حِمام
وما أحلى قول أبي العلاء المعري: [ من الطويل ]
لغيري زكاةٌ من جِمال فإن تكن **** زكاةُ جَمال فاذكري ابن سبيل
ومثله قول ابن الفارض رحمه الله تعالى: [من الكامل]
هلّا نَهاك نُهاك عن لوْم امرئٍ **** لمْ يُلفَ غير مُنَعَّمٍ بشقاءِ
وأورد الشيخ كمال الدين الدميري في كتابه المسمى بحياة الحيوان عندما انتهى إلى ذكر المها أبياتا أولها تام وآخرها مطرف وباقي الأبيات تحريفها تمتزج بالأذواق حلاوته المعتدلة والأبيات لجميل بثينة: [ من الطويل ]
خليلي إن قالت بثينة ما له **** أتانا بلا وعد فقولا لها لَهَا
أتي وهو مشغول لعظم الذي به *** ومن بات طول الليل يرعى السُّها سَها
بثينة تزري بالغزالة في الضحى *** إذا برزت لم تبق يوما بِها بَها
لها مقلة كحلاء نجلاء خلقة *** كأن أباها الظبي أو أمُّها مَها
دهتني بود قاتل وهو متلفي ***وكم قتلتْ بالوُد مَن ودّها دَها
وبيت ابن حجة الحموي يجمع بين المصحف والمحرّف : [ من البسيط ]
هل من يقي ويفي إن صحفوا عذلي **** وحرفوا وأتوا بالكَلْمِ في الكَلِم
خلاصة القول:
أن الجناس المصحف هو: ما اختلف فيه اللفظان من حيث التنقيط.
مثال: جُبّة وجُنّة، ومثال: يسقين ويشفين
والجناس المحرف هو: ما اختلف فيه اللفظان من حيث الحركة.
مثال: البُرْد و الَبَرْد، ومثال الحَمام والحِمام
المصادر:
كتاب البديع في البديع لابن المعتز ت247ه
العمدة في محاسن الشعر لابن رشيق القيرواني ت390ه
خزانة الأدب لابن حجة الحموي ت837ه
أنوار الربيع في أنواع البديع لابن معصوم الحسني ت1119ه
جمع وإعداد وتقديم: محمد أبورزق
يُتبع

الاثنين، 27 أغسطس 2018

"الجناس التام"



اللغة العربية: إبداع وإمتاع وإقناع
علم البديع
دروس مهمة لكل شاعر وكاتب وأديب
الدرس التاسع (9)
في الجناس (تابع)
"الجناس التام"
وهو ما اتفق فيه اللفظان المتجانسان في أمور أربعة:
نوع الحروف، وعددها، وهيئتها، وترتيبها مع اختلاف المعنى،
وعلى هذا فالجناس التام فهو ما تماثل ركناه واتفقا لفظا واختلفا معنى من غير تفاوت في تصحيح تركيبهما واختلاف حركتهما سواء كانا من إسمين أو من فعلين أو من إسم وفعل فإنهم قالوا إذا انتظم ركناه من نوع واحد كإسمين أو فعلين سُمي "مماثلا" وإن إنتظما من نوعين كإسم وفعل سُمي "مُستوفى". وجل القصد تماثُل الركنين في اللفظ والخط والحركة واختلافهما في المعنى سواء كانا من إسمين أو من غير ذلك فإن المراد أن يكون الجناس تاما على الصفة المذكورة من حيث هو أكمل الأنواع إبداعا وأسماها رتبة وأولاها في الترتيب فمنه قول الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه :صولة الباطل ساعة وصولة الحق إلى الساعة
وقيل ما وقع في القرآن العظيم غير هذين الركنين وهو قوله تعالى: ( ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة )
فالمراد بالساعة الاولى: يوم القيامة.. وبالساعة الثانية: جزء من الزمان وهما متفقتان في عدد الحروف وترتيبها وهيئتها ونوعها ومختلفتان في المعنى.
ولكن استخرج ابن حجر من القرآن جناسا آخر تاما عظيما وهو قوله تعالى ( يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار، يقلب الله الليل والنهار إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار )
فالمراد بالأبصار الأولى النظر والأبصار الثانية البصيرة وهي العقل
فهما متفقتان في نوع الحروف وعددها وترتبها وهيئتها، ولكنهما مختلفتان في المعنى.
ومن الشعر قول بعضهم وأجاد: [من الطويل]
وسميته يحيى ليحيى فلم يكن **** إلى ردِّ أمر الله فيه سبيل
أي سميته يحيى ليعيش ولكن قضاء الله بموته ما له مردّ
يحيى الأولى إسم ويحيى الثانية من الحياة.
ومن ملح هذا النوع قول ابن الرومي: [من البسيط]
للسُّود في السُّود آثارٌ تركن بها **** وقْعاً من البِيض يَثْني أعينَ البِيض
السود الأولى : الفرسان،السود الثانية : الليالي، البيض الأولى : السيوف، البيض الثانية : النساء
وقول ابن فضالة المجاشعي القيرواني وقيل ابن شرف:
إن تلقك الغربة في معشر**** قد أجمعوا فيك على بغضهم
فدارهم ما دمت في دارهم **** وأرضهم ما دمت في أرضهم
دارهم الأولى من المداراة ، ودارهم الثانية بمعنى المسكن والبيت، و أرضهم الأولى من الرضى ، وأرضهم الثانية هي الأرض.
وقول الراجز:
يا عامر بن مالك يا عَمّاً **** أفنيت عَمّاً وجبرت عَمّاً
أراد بالعم الأول أخا أبيه، وبالثاني الجمع الكثير. يقول: أفنيت قوماً وجبرت آخرين.
وقول الخليل بن أحمد رحمه الله تعالى:
يا ويح قلبي من دواعي الهوى *** إذا رحل الجيران عند الغروب
أتبعتهم طرفي وقد أزمعوا *** ودمع عيني كفيض الغروب
بانوا وفيهم طفلة حرة *** تفتر عن مثل أقاح الغروب
فالغرب الأول: غروب الشمس، والثاني: جمع غرب وهو الدلو العظيمة المملوءة، والثالث: جمع غرب وهو الوهدة المنخفضة.
وقول أبي العلاء المعري، ونبه على الجناس فيه مع التغزل البديع:
معانيك شتى والعبارة واحد **** فطرفك مغتال وزندك مغتال
فمغتال الأول، من اغتاله بمعنى أهلكه، والثاني بمعنى الغيل بالفتح وهو الساعد الريان الممتلي
ومنه قول المعري أيضا
لم نلق غيرك إنسانا يلاذ به **** فلا برحت لعين الدهر إنسانا
إنسانا الأولى: البشر
إنسانا الثانية : بؤبؤ العين أو ناظرها
ومنه قول أبي الفتح البستي: [من الوافر]
( سما وحمى بني سامٍ وحامِ **** فليس كمثله سامٍ وحامِ )
بني سام وحام الأولى : البيض والسود من الناس
وسام وحام الثانية : من السمو والحماية.
وما أحسن قول الحريري في مقاماته في هذا النوع:
لا تبك إلفا نأى ولا دارا **** ودر مع الدهر كيفما دارا
واتخذ الناس كلهم سكنا **** ومثل الأرض كلها دارا
واصبر على خلق من تعاشره **** وداره فاللبيب من دارى
ولا تضع فرصة السرور فما **** تدري أيوماً تعيش أم دارا
واعلم بأن المنون جائلة **** وقد أدارت على الورى دارا
وأقسمت لا تزال قانصة ****ماكر عصرا المحيا وما دارا
وكيف ترجو النجاة من شرك **** لم ينج منه كسرى ولا دارا
فكلمة دار في البيت الأول من الدوران، وفي البيت الثاني المنزل، وفي الثالث من المداراة، وفي الرابع إسم الدهر أو الحول، وفي الخامس معناها صائدة أو قابضة أي المنية. وفي السادس معناها دار الليل والنهار أي تكرّرا، وفي السابع دارا هو والد كسرى ملك الفُرس
وبيت ابن معصوم الحسني
إليك فقلبي لا تقر بلابله **** إذا ما شدت فرع الغصون بلابله
وإذا كان الجناس التام لايتوافق فيه اللفظان المتجانسان في نوع الحروف وشكلها وعددها وترتيبها توافقا تامّاً بل يختلفان في واحد أوأكثر من واحد من هذه الأمور سُمّي ناقصا، كقول الإمام علي رضي الله عنه:
(فَاِنَّ الدُنيا رَنقٌ مَشرَبُها رَدغٌ مَشرعُهَا)
الجناس هنا بين اللفظين (مشرب) و(مشرع) والجناس هنا غير التامّ.
وكقوله أيضا:
(وَألجِئْ نَفَسك فِي الاُمورِ كلِّها إلى إلَهِك)
فالجناس هنا بين اللفظين (إلى) و(إلهك) والجناس هنا غير التامّ.
المصادر:
كتاب البديع في البديع لابن المعتز ت247ه
العمدة في محاسن الشعر لابن رشيق القيرواني ت390ه
خزانة الأدب لابن حجة الحموي ت837ه
أنوار الربيع في أنواع البديع لابن معصوم الأندلسي ت1119ه
جمع وإعداد وتقديم: محمد أبورزق
يُتبع

الأحد، 26 أغسطس 2018

الجناس اللاحق

اللغة العربية: إبداع وإمتاع وإقناع
علم البديع
دروس مهمة لكل شاعر وكاتب وأديب
الدرس الثامن (8)
في الجناس (تابع)
الجناس اللاحق
بعد أن إنتهينا في الدرسين السابقين من لكلام عن الجناس المذيل والمُطَرّف، نتكلم الآن عن الجناس اللاحق والمضارع.
وأما اللاحق فقلّ من فرّق بينه وبين المضارع والمراد بالمضارع هنا المشابه والفرق بينهما دقيق فإن اللاحق هنا ما أبدل من أحد ركنيه حرف من غير مخرجه، ومتى كان الحرف المُبدل من مَخْرج المُبدل منه سمّي مضارعا وإن كان قريبا منه كان مضارعا أيضا وأنا أذكر شاهد كل منهما فإن الفرق بينهما يدق عن كثير من الأفهام.
والمضارع هو المتشابه في المخرج ـ أي مخارج الحروف، والذين لهم إلمام بعلم التجويد يعرفون هذا
كقوله تعالى وهو الغاية التي لا تدرك: (وهم ينهون عنه وينئون عنه)
فكلمتا (ينهون) و(ينئون) بهما الهاء والهمزة وهما من مخرج واحد حرفان حلقيان أي مخرجهما من الحلق.
وإذا أردت أن تعرف مخرج الحرف فانطقه وحده ساكنا تعرف مخرجه هل هو من الحلق أو من الشفتين أو الثنايا العليا أو السفلى، كأن تقول مثلا مْ أو بْ فتعرف أنهما من الشفتين.
ومنه قوله ( الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة )
وكلمتا الخيل والخير بهما اللام والراء وهما من مخرج واحد
ومثله قول بعضهم البرايا أهداف البلايا
ومن النظم قول الشريف الرضي رحمه الله
لا يذكر الرمل إلا حن مغترب **** له إلى الرمل أوطار وأوطان
فاللام والراء والنون من مخرج واحد عند قطرب والجرمي وابن دريد والفراء
قال بعض أهل الأدب: راش سهامه بالعقوق ولوى ماله عن الحقوق
فالعين والحاء من مخرج واحد
فالمضارع هو ما تشابه ركناه في مخارج الحروف.
وأمّا الجناس اللاحق فقد تقدم أنه ما أبدل من أحد ركنيه حرف من غير مخرجه، كقوله تعالى ( فأما اليتيم فلا تقهر وأما السائل فلا تنهر )
فكلمتا: تقهر وتنهر بهما القاف والنون وتتغايران في المخرج.
ومنه قوله تعالى: (إنه على ذلك لشهيد وإنه لحب الخير لشديد)
فكلمتا لشهيد ولشديد بهما الهاء والدال وتتغايران أيضا في المخرج.
وكتب بعضهم في جواب رسالة: وصل كتابك فتناولته باليمين ووضعته مكان العقد الثمين.
ومن النظم قول البحتري وأجاد إلى الغاية: [من الخفيف]
عجب الناس لاعتزالي وفي الأطْ **** ــرافِ تُلفى منازل الأشراف
وقعودي عن التقلب والأر **** ضُ لمثلي رحيبة الأكناف
ليس عن ثروة بلغت مداها **** غير أني امرؤ كفاني كفافي
كلمتا: كفاني وكفافي هو اللاحق الذي لا يلحق
وكذلك كلمتا: الأطراف والأشراف في البيت الأول
وهنا نكتة لطيفة تؤيد قول البحتري في بيته الأول وهو
عجب الناس لاعتزالي وفي الأطر **** اف تُلفى منازل الأشراف
قيل لبعضهم في أي موضع في القرآن: الأطراف منازل الأشراف؟ فقال في قوله تعالى ( وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى قال يا قوم اتبعوا المرسلين ) فهذا أشرفهم وكان ينزل من أقصى المدينة، أي في طرفها، والأطراف والأشراف مما نحن فيه.
وما أحلى قول أبي هلال العسكري في اللاحق: [من الوافر
أراعي تحت حاشية الدياجي **** شقائق وجنة سقيت مداما
وإن ذكرت لواحظ مقلتيه **** حسبت قلوبنا مطرت سهاما
وإن مالت بعطفيه شمول **** سقانا من شمائله سقاما
فكلمتا سهاما وسقاما بهما الهاء والقاف وهما متغايرتان في المخرج
وقول ابن جابر الأندلسي:
يكفي الأنام بسيبه وبسيفه ****عند المكارم والمكاره دائما
سيبه = سيفه
المكارم = المكاره
الباء والفاء متغايرتان في المخرج وكذلك الميم والهاء.
وبيت ابن معصوم الحسني
قد طلع البدر في كواكبه **** كالملك يختال في مواكبه
والليل يسعى به إلى أمدٍ **** كالطرف يستن تحت راكبه
انتهى الكلام على الجناس اللاحق والفرق بينه وبين المضارع،
ومن الناس من يسمّي كل ما اختلف بحرف "تجنيس التصريف" سواء كان من المخرج أو من غيره ولكن رأيت استجلاء الفرق أنور ولا يشترط أن يكون الإبدال في الأول ولا في الوسط ولا في الآخر فإن جل القصد الإبدال كيفما اتفق.
وبيت الشيخ صفي الدين يشتمل على المذيل واللاحق وهو [من البسيط]
أبيتُ والدمعُ هامٍ هاملٌ سَرِبُ **** والجسم في أضمٍ لحمٌ على وَضَمِ
فكلمتا : هام هامل :جناس مذيل
وكلمتا: أضم و وضم جناس لاحق
والأضم: هو الضرّ والأذى
والوضم: قطعة الخشب التي يقطع عليها الجزار اللحم.
وبيت الشيخ عز الدين الموصلي [من البسيط]
يُذيّلُ الدمعَ جَارٌ جارِحٌ بأذى **** كلاحقٍ ماحقِ الآثار في الأكم
فالمذيل في جار جارح، واللاحق في لاحق ماحق
قال الشيخ شمس الدين الهيتي : لو عزا أحد هذين البيتين إلى الجانّ ما شككت في قوله
وبيت بديعية إبن حجة الحموي يمثل فيه للجناس المذيل واللاحق: [من البسيط]
وذَيَّلَ الهمُّ هَمْلَ الدمعِ لي فجرى **** كلاحقِ الغيثِ حيث الأرض في ضَرَمِ
فالمذيل في هم وهمل واللاحق في غيث وحيث
المصادر:
كتاب البديع في البديع لابن المعتز ت247ه
العمدة في محاسن الشعر لابن رشيق القيرواني ت390ه
خزانة الأدب لابن حجة الحموي ت837ه
أنوار الربيع في أنواع البديع لابن معصوم الحسني ت1119ه
جمع وإعداد وتقديم: محمد أبورزق
يُتبع

(الجناس المُطَرَّف)


(الجناس المُطَرَّف)
قلنا سابقا في الدرس السادس على أن الجناس المُذيّل
وهو ما يكون الإختلاف فيه بزيادة حرف أو أكثر في آخره، كقوله :
يمدون من أيد عواص عواصم **** تصول بأسياف قواض قواضب
عواص= عواصم
قواض = قواضب
وأما الجناس المُطرَّف فهو ما زاد أحد ركنيه على الآخر حرفا في طرفه الأول وهذا هو الفرق بينه وبين المذيل فإن الزيادة في المذيل تكون في آخره وأما المطرف فتكون زيادته في أوله لتصير له كالطرف ويسمى الناقص والمردف وفي تسميته اختلاف كثير، ولكن مطابقة المطرف في التسمية أولى إذ الزيادة فيه كالطرف لأنها في أوله وخير الأسماء ما وافق المسمى، كقوله تعالى ( والتفّت السّاقُ بالسّاقِ إلى ربك يومئذ المَساقُ )
السّاق = المساق
الزيادة وقعت في أول الكلمة حيث زيدت الميم
والزيادة تارة تكون في أول الركن الثاني كما تقدم وتارة في أول الركن الأول بحرف أو أكثر، كقول أبي الفتح البستي: [من الوافر]
أبا العباس لا تحسب بأني **** بشيء من حلى الأشعار عاري
فلي طبع كسلسال معين **** زلال من ذرى الأحجار جاري
إذ ما كبت الأدوار زندا **** فلي زند على الأدوار واري
لاحظ معي:
الأشعار = عاري
الأحجار = جاري
الأدوار = واري
ومثله : [من الطويل]
وكم سبقتْ منه إليَّ عوارفٌ **** ثَنائي على تلك العوارفِ وارفُ
وكم غررٌ من بَرِّه ولطائفٌ **** فشكري على تلك اللطائف طائفُ
العوارف = وارف
اللطائف = طائف
وقول الآخر:
يا ناقلاً قولَ الذي **** في العِرض مني قد لَغا
أقصِر فما أسمعني **** سوءاً سوى من بلَّغا
وقول ابن جابر الأندلسي:
فيا راكب الوجناء هل أنت عالم *** فداؤك نفسي كيف تلك المعالم
وقوله أيضاً:
صاد قلبي وصدَّ عنّي صدودا **** وانثنى يسحب الذوائب سودا
فرأيت الصباح في الليل يبدو ****وشهدت الرشا يصيد الأسودا
وقول الشيخ عبد القاهر الجرجاني:
كبِّرْعلى العِلم يا خليلي ... ومِلْ إلى الجهل مَيْلَ هانِمِ
وكن حماراً تكن سعيدا ... فالسّعد من طالع البهائم
ومن نظم ابن نباتة الذي جعله نفثا: [من الكامل]
عطّفتْ كأمثالِ القِسيِّ حواجبا **** فرمتْ غداةَ البَيْنِ قلباً واجِبا
ومثله قول ابن حجة الحموي
والله ما هب النسيم بحاجر **** إلا ترقرق مدمعي بمحاجري
وهما في بيت البديعية ظاهران
وبيت صفي الدين الحلي قوله
من شأنه حمل أعباء الهوى كمدا **** إذا هم شأنه بالدمع لم يلم
وبيت ابن معصوم الحسني:
يا زيدُ زِيدَ المُنى مذْ تمَّ طَرَّفَني **** وقال هِمْ بِهِمْ تسعدْ بقُربهم
فالمطرف في موضعين من عجز البيت، أحدهما في (هِم) و (بهم) ، والثاني في (بهم) و (بقربهم) . والمعنى: إن مزيد المنى مذ تم ووصل إلى حد لا زيادة عليه، أطرفه برخاء وصلهم، وقال له: جُن عشقاً بهم فإنك تسعد بقربهم وتحظى بوصلهم. والهُيام بالضم كالجنون من العشق.
ومن بديع ما وقع من هذا النوع في النثر قولهم: النبيذ بغير النغم غَمٌّ وبغير الدسم سُمٌّ. وقول بعض الفضلاء في ذم الدنيا: إن أقبلتْ بَلَتْ، أو أدبرت بَرَتْ، أو واصلت صَلتْ، أو أيسرت سرَتْ، أو أطنبت نبَتْ أو أسفت سفت، أو عاونت ونت، أو نوهت وهت.
المصادر:
كتاب البديع في البديع لابن المعتز ت247ه
العمدة في محاسن الشعر لابن رشيق القيرواني ت390ه
خزانة الأدب لابن حجة الحموي ت837ه
أنوار الربيع في أنواع البديع لابن معصوم الحسني ت1119ه
جمع وإعداد وتقديم: محمد أبورزق
يُتبع

الخميس، 23 أغسطس 2018

"الجِناس المُلَفّق"

اللغة العربية: إبداع وإمتاع وإقناع
علم البديع
الدرس الخامس
في الجناس (تابع)
"الجِناس المُلَفّق"
الجناس المُلَفق وهو ألطفها موقعاً في القلوب وأحلاها ذوقاً في الأسماع وأصعبها مسلكاً. وحده أن يكون كل من ركنيه مركباً من كلمتين فصاعداً. وهذا هو الفرق بينه وبين المركب وقلّ من أفرده عنه وغالب المؤلفين ما فرّقوا بينهما، بل عدّوا كل واحد منهما مركبا إلا الحاتمي وابن رشيق وأمثالهما، ولو سمّوا الملفق مركبا والمركب ملفقا لكان أقرب إلى المطابقة في التسمية لأن الملفق مركب في الركنين، والمركب ركن واحد وكلمة مفردة، ، وما ألمّ بالملفق أحد من أصحاب البديعيات غير الشيخ صفي الدين الحلي، وما ذاك إلا أنه قال في خطبة بديعيته أنها نتيجة سبعين كتابا في هذا الفن، وهذا دليل على أنه لما عارضه الشيخ عز الدين والتزم تسمية الأنواع التي ذكرها الشيخ صفي الدين لم يجد بدا من نظمه لأجل المعارضة، ولكن نحت فيه بيتا من الجبال وسيأتي
ومن أمثلة الملفق في النظم قول الشاعر: [من الطويل]
وكم لجِباهِ الرّاغبين إليه من **** مجالِ سُجودٍ في مجالسِ جُودٍ
فانظر إلى كلمة "مجال سجود" وكلمة "مجالس جود" وهذا هو الجناس الملفّق فهو يتكون من ركنين وكل ركن مركب من كلمتين، متفقتين في اللفظ مختلفتين في المعنى..
وحتى أوضح للقارئ الفرق بين الجناس المركب والملفق سأعيد مثالا للجناس المركب من الدرس الثالث وهوقول الشاعر :[من مجزوء الرّمل]
عضّنا الدهرُ بنابِه ... ليتَ ما حلّ بنا به
فهو يتكون من ركنين ركن من كلمة واحدة وهي " بنابه " وركن مركب من كلمتين وهما " بنا" و " به " على خلاف الجناس الملفق فهو يتكون من ركنين وكل ركن يتكون من كلمتين كما في المثال السابق، وهما: " مجال سجود " و "مجالس جود"
وما ألطف ما قال القاضي أبو علي عبد الباقي بن أبي حصين في هذا النوع وقد ولي القضاء بالمعرّة وهو ابن خمس وعشرين سنة وأقام في الحكم خمس سنين وهو: [من الوافر]
وُلِّيتُ الحكمَ خمساً وهي خُمُسٌ ... لِعُمْري والصِّبا في العنفوان
فلم تضع الأعادي قَدْرَ شاني ... ولا قالوا فلانٌ قدْ رشاني
ــ الأول: مركّب من (قدر) ومن (شأني)..... والثاني: مركّب من (قد) ومن (رشاني).
الأولى تعني القدر والشأن. والثاني قدْ: حرف تحقيق، ورشاني: من الرشوة.ــ
وقوله :(وهي خُمُس) بضم الخاء، أي خمس عمره يشير إلى أن عمره في ذلك الوقت خمس وعشرون سنة.
وما أحلى قول الشيخ شرف الدين بن عنين في هذا الباب:
خبِّرُوها بأنه ما تَصدّى **** لسُلوٍّ عنها ولو ماتَ صدّا
أنظر إلى كلمة: " ما تصدّى " وكلمة " مات صدّا " والأمر مفهوم.
وبيت صفي الدين الحلي في الملفق: [من البسيط]
فقد ضمنت وجود الدمع مِنْ عَدَمِ **** لهم ولم أستطع مع ذاك مَنْعَ دمي
ــ أنظر إلى كلمة " مِنْ عدَمِ " وكلمة " مَنْعَ دمي " والأمر كذلك واضح.ــ
ولم يمكن الشيخ صفي الدين أن يحصر مع الملفق غيره من أنواع الجناس في بيت واحد لما تقدم من صعوبة مسلكه وهو عزيز الوقوع ولكن له رونق وموقع في الذوق لطلاوة تركيبه وغرابة أسلوبه وبيت الشيخ صفي الدين في غاية الرقة والانسجام
وأكثر أصحاب البديعيات عيال علي أبي الفتح البستي في قوله في هذا النوع:
إلى حتفي مشى قدمي **** أرى قدمي أراق دمي
أنظر إلى كلمة "أرى قدمي" وكلمة "أراق دمي"
وقوله أيضاً:
قد مر أمس ولم يعبأ به أحد **** من التواء ببؤس مرّ أمْ رَغَدِ
وعندي اليوم قوت استعف به **** وإن بقيت غدا أصلحت أَمْرَ غَدِ
التلفيق حصل في كلمة " أمْ رَغَد وكلمة " أمْرَ غد "
وبيت بديعية ابن معصوم:
بانوا فهان دمي عندي فها ندمي **** على مُلفق صبري بَعْد بُعدهم
التلفيق في كلمة " فهان دمي " وكلمة " فها ندمي
المصادر: كتاب البديع في البديع لابن المعتز ت247ه
العمدة في محاسن الشعر لابن رشيق القيرواني ت390ه
خزانة الأدب لابن حجة الحموي ت837ه
أنوار الربيع في أنواع البديع لابن معصوم الحسني ت1119ه
جمع وإعداد وتقديم: محمد أبورزق
يُتبع