اللغة العربية: إبداع وإمتاع وإقناع
علم البديع
دروس مهمة لكل شاعر وكاتب وأديب
الدرس العاشر (10)
في الجناس (تابع)
الجناس المُصحَّف والجناس المُحرّف
1 ـ الجناس المُصَحّف
المُصَحّف هو ما تماثل ركناه في الحروف. وتخالفا في النقط.
بحيث لو زالت النُقَط لم يتميّز أحدهما عن الآخر،
كقوله تعالى: (والذي هو يطعمني ويسقين وإذا مرضت فهو يشفين) وقوله تعالى: (وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً) وقوله تعالى: (قل إن لن يجيرني من الله أحد ولن أجد من دونه ملتحدا) .
فكلمة يسقين وكلمة يشفين لو أزلنا عنهما النقط لما ميّزنا بينهما
وكذلك يحسبون ويحسنون في الآية الثانية، وأحد مع كلمة أجد في الآية الثالثة. فهي متماثلة في الحروف، مختلفة في النقط
وككتاب كتبه أمير المؤمنين علي بن ابي طالب كرم الله وجهه إلى معاوية : (غَرّكَ عِزُّك فَصَارَ قِصَارِ ذَلِكَ ذُلّكَ، فَاخْشَ فَاحِشَ فِعْلِكَ، فَعَلّكَ تَهْدَأ بِهَذا).
فهذه الكلمات لو تركت بدون تنقيط لصعب فهمها لتشابهها في الحروف ولكن بتنقيطها زال اللّبس
ومنهم من يسمّيه جناس الخط وهو ما تماثل ركناه خطا واختلفا لفظا، ومنه قول النبي لعلي بن أبي طالب كرم الله وجهه ( قصِّرْ ثوبك فإنه أنقى وأتقى وأبقى )
وقول النبي حين سمع رجلا ينشد على سبيل الافتخار، وقيل سأله عن نسبه فقال: [من البسيط]
إنّي امرؤٌ حِمْيَريّ حين تنْسِبُني **** لا مِن ربيعةَ آبائي ولا مُضر
فقال له النبي ذلك والله ألْأَمُ لِجَدّكَ وأقلّ لحدِّكَ.
ومنه قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه لو كنت تاجرا ما اخترت غير العطر إن فاتني رِبْحُه لم تفتني رِيحُة.
وقال أهل الأدب: خُلْفُ الوَعْدِ خُلُقُ الوَغْدِ والأربعة أركان بغير حشو وهو غاية في هذا الباب.
ومن النظم قول الشاعر: [من الوافر]
فإن حَلُّوا فليس لهم مقَرّ **** وإن رحلوا فليس لهم مفر
ومثله قول أبي فراس: [ من مجزوء الكامل]
من بحر جودك أغترف **** وبفضل علمك أعترف
وقول البحتري:
ولم يكن المغتر بالله إذا سرى **** ليعجز والمعتز بالله طالبه
انتهى الكلام على الجناس المصحف
2 ـ الجناس المحرّف
وهو: ما اختلف اللفظان في هيئات الحروف من حيث الحركات، نحو: (جُبَّةُ البُرْدِ جُنّة البَرْدِ).
أوهو: ما اتفق ركناه في عدد الحروف وترتيبها واختلفا في الحركات سواء كانا من اسمين أو فعلين أو من اسم وفعل أو من غير ذلك فإن القصد اختلاف الحركات كما تقرر والمقدم فيه وهو الغاية التي لا تدرك قوله تعالى ( ولقد أرسلنا فيهم منذِرين فانظر كيف كان عاقبة المنذَرين )
ولا يقال إن اللفظين متحدان في المعنى لأنهما من الأنذار فلا يكون بينهما تجنيس فاختلاف المعنى ظاهر إذ المراد بالأول الفاعلون وهم الرسل وبالثاني المفعولون وهم الذين وقع عليهم الإنذار وقول النبي ( اللهم كما حَسَّنْتَ خَلْقي فحَسِّنْ خُلُقي )
ومثله قولهم جُبَّةُ البُرْدِ جَنَّةُ البَرْدِ.
فكلمتا البُرْد والبَرْد اتفقتا في عدد الحروف والترتيب واختلفتا في الحركات. فالأولى تعني نوع من الثياب والثانية تعني البَرد الذي هو ضد القرّ والحركة هي من فرّقت بينهما.
ومن النظم قول أبي تمام: [ من الكامل ]
هُنّ الحَمام فإن كسّرتَ عِيَافةً **** من حائهن فإنهن حِمام
وما أحلى قول أبي العلاء المعري: [ من الطويل ]
لغيري زكاةٌ من جِمال فإن تكن **** زكاةُ جَمال فاذكري ابن سبيل
ومثله قول ابن الفارض رحمه الله تعالى: [من الكامل]
هلّا نَهاك نُهاك عن لوْم امرئٍ **** لمْ يُلفَ غير مُنَعَّمٍ بشقاءِ
وأورد الشيخ كمال الدين الدميري في كتابه المسمى بحياة الحيوان عندما انتهى إلى ذكر المها أبياتا أولها تام وآخرها مطرف وباقي الأبيات تحريفها تمتزج بالأذواق حلاوته المعتدلة والأبيات لجميل بثينة: [ من الطويل ]
خليلي إن قالت بثينة ما له **** أتانا بلا وعد فقولا لها لَهَا
أتي وهو مشغول لعظم الذي به *** ومن بات طول الليل يرعى السُّها سَها
بثينة تزري بالغزالة في الضحى *** إذا برزت لم تبق يوما بِها بَها
لها مقلة كحلاء نجلاء خلقة *** كأن أباها الظبي أو أمُّها مَها
دهتني بود قاتل وهو متلفي ***وكم قتلتْ بالوُد مَن ودّها دَها
وبيت ابن حجة الحموي يجمع بين المصحف والمحرّف : [ من البسيط ]
هل من يقي ويفي إن صحفوا عذلي **** وحرفوا وأتوا بالكَلْمِ في الكَلِم
خلاصة القول:
أن الجناس المصحف هو: ما اختلف فيه اللفظان من حيث التنقيط.
مثال: جُبّة وجُنّة، ومثال: يسقين ويشفين
والجناس المحرف هو: ما اختلف فيه اللفظان من حيث الحركة.
مثال: البُرْد و الَبَرْد، ومثال الحَمام والحِمام
المصادر:
كتاب البديع في البديع لابن المعتز ت247ه
العمدة في محاسن الشعر لابن رشيق القيرواني ت390ه
خزانة الأدب لابن حجة الحموي ت837ه
أنوار الربيع في أنواع البديع لابن معصوم الحسني ت1119ه
جمع وإعداد وتقديم: محمد أبورزق
يُتبع
علم البديع
دروس مهمة لكل شاعر وكاتب وأديب
الدرس العاشر (10)
في الجناس (تابع)
الجناس المُصحَّف والجناس المُحرّف
1 ـ الجناس المُصَحّف
المُصَحّف هو ما تماثل ركناه في الحروف. وتخالفا في النقط.
بحيث لو زالت النُقَط لم يتميّز أحدهما عن الآخر،
كقوله تعالى: (والذي هو يطعمني ويسقين وإذا مرضت فهو يشفين) وقوله تعالى: (وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً) وقوله تعالى: (قل إن لن يجيرني من الله أحد ولن أجد من دونه ملتحدا) .
فكلمة يسقين وكلمة يشفين لو أزلنا عنهما النقط لما ميّزنا بينهما
وكذلك يحسبون ويحسنون في الآية الثانية، وأحد مع كلمة أجد في الآية الثالثة. فهي متماثلة في الحروف، مختلفة في النقط
وككتاب كتبه أمير المؤمنين علي بن ابي طالب كرم الله وجهه إلى معاوية : (غَرّكَ عِزُّك فَصَارَ قِصَارِ ذَلِكَ ذُلّكَ، فَاخْشَ فَاحِشَ فِعْلِكَ، فَعَلّكَ تَهْدَأ بِهَذا).
فهذه الكلمات لو تركت بدون تنقيط لصعب فهمها لتشابهها في الحروف ولكن بتنقيطها زال اللّبس
ومنهم من يسمّيه جناس الخط وهو ما تماثل ركناه خطا واختلفا لفظا، ومنه قول النبي لعلي بن أبي طالب كرم الله وجهه ( قصِّرْ ثوبك فإنه أنقى وأتقى وأبقى )
وقول النبي حين سمع رجلا ينشد على سبيل الافتخار، وقيل سأله عن نسبه فقال: [من البسيط]
إنّي امرؤٌ حِمْيَريّ حين تنْسِبُني **** لا مِن ربيعةَ آبائي ولا مُضر
فقال له النبي ذلك والله ألْأَمُ لِجَدّكَ وأقلّ لحدِّكَ.
ومنه قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه لو كنت تاجرا ما اخترت غير العطر إن فاتني رِبْحُه لم تفتني رِيحُة.
وقال أهل الأدب: خُلْفُ الوَعْدِ خُلُقُ الوَغْدِ والأربعة أركان بغير حشو وهو غاية في هذا الباب.
ومن النظم قول الشاعر: [من الوافر]
فإن حَلُّوا فليس لهم مقَرّ **** وإن رحلوا فليس لهم مفر
ومثله قول أبي فراس: [ من مجزوء الكامل]
من بحر جودك أغترف **** وبفضل علمك أعترف
وقول البحتري:
ولم يكن المغتر بالله إذا سرى **** ليعجز والمعتز بالله طالبه
انتهى الكلام على الجناس المصحف
2 ـ الجناس المحرّف
وهو: ما اختلف اللفظان في هيئات الحروف من حيث الحركات، نحو: (جُبَّةُ البُرْدِ جُنّة البَرْدِ).
أوهو: ما اتفق ركناه في عدد الحروف وترتيبها واختلفا في الحركات سواء كانا من اسمين أو فعلين أو من اسم وفعل أو من غير ذلك فإن القصد اختلاف الحركات كما تقرر والمقدم فيه وهو الغاية التي لا تدرك قوله تعالى ( ولقد أرسلنا فيهم منذِرين فانظر كيف كان عاقبة المنذَرين )
ولا يقال إن اللفظين متحدان في المعنى لأنهما من الأنذار فلا يكون بينهما تجنيس فاختلاف المعنى ظاهر إذ المراد بالأول الفاعلون وهم الرسل وبالثاني المفعولون وهم الذين وقع عليهم الإنذار وقول النبي ( اللهم كما حَسَّنْتَ خَلْقي فحَسِّنْ خُلُقي )
ومثله قولهم جُبَّةُ البُرْدِ جَنَّةُ البَرْدِ.
فكلمتا البُرْد والبَرْد اتفقتا في عدد الحروف والترتيب واختلفتا في الحركات. فالأولى تعني نوع من الثياب والثانية تعني البَرد الذي هو ضد القرّ والحركة هي من فرّقت بينهما.
ومن النظم قول أبي تمام: [ من الكامل ]
هُنّ الحَمام فإن كسّرتَ عِيَافةً **** من حائهن فإنهن حِمام
وما أحلى قول أبي العلاء المعري: [ من الطويل ]
لغيري زكاةٌ من جِمال فإن تكن **** زكاةُ جَمال فاذكري ابن سبيل
ومثله قول ابن الفارض رحمه الله تعالى: [من الكامل]
هلّا نَهاك نُهاك عن لوْم امرئٍ **** لمْ يُلفَ غير مُنَعَّمٍ بشقاءِ
وأورد الشيخ كمال الدين الدميري في كتابه المسمى بحياة الحيوان عندما انتهى إلى ذكر المها أبياتا أولها تام وآخرها مطرف وباقي الأبيات تحريفها تمتزج بالأذواق حلاوته المعتدلة والأبيات لجميل بثينة: [ من الطويل ]
خليلي إن قالت بثينة ما له **** أتانا بلا وعد فقولا لها لَهَا
أتي وهو مشغول لعظم الذي به *** ومن بات طول الليل يرعى السُّها سَها
بثينة تزري بالغزالة في الضحى *** إذا برزت لم تبق يوما بِها بَها
لها مقلة كحلاء نجلاء خلقة *** كأن أباها الظبي أو أمُّها مَها
دهتني بود قاتل وهو متلفي ***وكم قتلتْ بالوُد مَن ودّها دَها
وبيت ابن حجة الحموي يجمع بين المصحف والمحرّف : [ من البسيط ]
هل من يقي ويفي إن صحفوا عذلي **** وحرفوا وأتوا بالكَلْمِ في الكَلِم
خلاصة القول:
أن الجناس المصحف هو: ما اختلف فيه اللفظان من حيث التنقيط.
مثال: جُبّة وجُنّة، ومثال: يسقين ويشفين
والجناس المحرف هو: ما اختلف فيه اللفظان من حيث الحركة.
مثال: البُرْد و الَبَرْد، ومثال الحَمام والحِمام
المصادر:
كتاب البديع في البديع لابن المعتز ت247ه
العمدة في محاسن الشعر لابن رشيق القيرواني ت390ه
خزانة الأدب لابن حجة الحموي ت837ه
أنوار الربيع في أنواع البديع لابن معصوم الحسني ت1119ه
جمع وإعداد وتقديم: محمد أبورزق
يُتبع

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق