musique

الخميس، 23 أغسطس 2018

"الجِناس المُلَفّق"

اللغة العربية: إبداع وإمتاع وإقناع
علم البديع
الدرس الخامس
في الجناس (تابع)
"الجِناس المُلَفّق"
الجناس المُلَفق وهو ألطفها موقعاً في القلوب وأحلاها ذوقاً في الأسماع وأصعبها مسلكاً. وحده أن يكون كل من ركنيه مركباً من كلمتين فصاعداً. وهذا هو الفرق بينه وبين المركب وقلّ من أفرده عنه وغالب المؤلفين ما فرّقوا بينهما، بل عدّوا كل واحد منهما مركبا إلا الحاتمي وابن رشيق وأمثالهما، ولو سمّوا الملفق مركبا والمركب ملفقا لكان أقرب إلى المطابقة في التسمية لأن الملفق مركب في الركنين، والمركب ركن واحد وكلمة مفردة، ، وما ألمّ بالملفق أحد من أصحاب البديعيات غير الشيخ صفي الدين الحلي، وما ذاك إلا أنه قال في خطبة بديعيته أنها نتيجة سبعين كتابا في هذا الفن، وهذا دليل على أنه لما عارضه الشيخ عز الدين والتزم تسمية الأنواع التي ذكرها الشيخ صفي الدين لم يجد بدا من نظمه لأجل المعارضة، ولكن نحت فيه بيتا من الجبال وسيأتي
ومن أمثلة الملفق في النظم قول الشاعر: [من الطويل]
وكم لجِباهِ الرّاغبين إليه من **** مجالِ سُجودٍ في مجالسِ جُودٍ
فانظر إلى كلمة "مجال سجود" وكلمة "مجالس جود" وهذا هو الجناس الملفّق فهو يتكون من ركنين وكل ركن مركب من كلمتين، متفقتين في اللفظ مختلفتين في المعنى..
وحتى أوضح للقارئ الفرق بين الجناس المركب والملفق سأعيد مثالا للجناس المركب من الدرس الثالث وهوقول الشاعر :[من مجزوء الرّمل]
عضّنا الدهرُ بنابِه ... ليتَ ما حلّ بنا به
فهو يتكون من ركنين ركن من كلمة واحدة وهي " بنابه " وركن مركب من كلمتين وهما " بنا" و " به " على خلاف الجناس الملفق فهو يتكون من ركنين وكل ركن يتكون من كلمتين كما في المثال السابق، وهما: " مجال سجود " و "مجالس جود"
وما ألطف ما قال القاضي أبو علي عبد الباقي بن أبي حصين في هذا النوع وقد ولي القضاء بالمعرّة وهو ابن خمس وعشرين سنة وأقام في الحكم خمس سنين وهو: [من الوافر]
وُلِّيتُ الحكمَ خمساً وهي خُمُسٌ ... لِعُمْري والصِّبا في العنفوان
فلم تضع الأعادي قَدْرَ شاني ... ولا قالوا فلانٌ قدْ رشاني
ــ الأول: مركّب من (قدر) ومن (شأني)..... والثاني: مركّب من (قد) ومن (رشاني).
الأولى تعني القدر والشأن. والثاني قدْ: حرف تحقيق، ورشاني: من الرشوة.ــ
وقوله :(وهي خُمُس) بضم الخاء، أي خمس عمره يشير إلى أن عمره في ذلك الوقت خمس وعشرون سنة.
وما أحلى قول الشيخ شرف الدين بن عنين في هذا الباب:
خبِّرُوها بأنه ما تَصدّى **** لسُلوٍّ عنها ولو ماتَ صدّا
أنظر إلى كلمة: " ما تصدّى " وكلمة " مات صدّا " والأمر مفهوم.
وبيت صفي الدين الحلي في الملفق: [من البسيط]
فقد ضمنت وجود الدمع مِنْ عَدَمِ **** لهم ولم أستطع مع ذاك مَنْعَ دمي
ــ أنظر إلى كلمة " مِنْ عدَمِ " وكلمة " مَنْعَ دمي " والأمر كذلك واضح.ــ
ولم يمكن الشيخ صفي الدين أن يحصر مع الملفق غيره من أنواع الجناس في بيت واحد لما تقدم من صعوبة مسلكه وهو عزيز الوقوع ولكن له رونق وموقع في الذوق لطلاوة تركيبه وغرابة أسلوبه وبيت الشيخ صفي الدين في غاية الرقة والانسجام
وأكثر أصحاب البديعيات عيال علي أبي الفتح البستي في قوله في هذا النوع:
إلى حتفي مشى قدمي **** أرى قدمي أراق دمي
أنظر إلى كلمة "أرى قدمي" وكلمة "أراق دمي"
وقوله أيضاً:
قد مر أمس ولم يعبأ به أحد **** من التواء ببؤس مرّ أمْ رَغَدِ
وعندي اليوم قوت استعف به **** وإن بقيت غدا أصلحت أَمْرَ غَدِ
التلفيق حصل في كلمة " أمْ رَغَد وكلمة " أمْرَ غد "
وبيت بديعية ابن معصوم:
بانوا فهان دمي عندي فها ندمي **** على مُلفق صبري بَعْد بُعدهم
التلفيق في كلمة " فهان دمي " وكلمة " فها ندمي
المصادر: كتاب البديع في البديع لابن المعتز ت247ه
العمدة في محاسن الشعر لابن رشيق القيرواني ت390ه
خزانة الأدب لابن حجة الحموي ت837ه
أنوار الربيع في أنواع البديع لابن معصوم الحسني ت1119ه
جمع وإعداد وتقديم: محمد أبورزق
يُتبع

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق