اللغة العربية: إبداع وإمتاع وإقناع
علم البديع
الدرس الثاني
براعة الإستهلال
شرط علماء البديع في براعة الإستهلال أن يكون مطلع القصيدة دالا على ما بنيت عليه، مشعرا بغرض الناظم من غير تصريح بل بإشارة لطيفة تعذب حلاوتها في الذوق السليم، ويستدل بها على قصده من عتب أو عذر أو تنَصّل أو تهنئة أو مدح أو هجو، وكذلك في النثر فإذا جمع الناظم بين حسن الإبتداء وبراعة الإستهلال كان من فرسان هذا الميدان، وإن لم يحصل له براعة الإستهلال فليجتهد في سلوك ما يقوله في حسن الإبتداء
وما سمي هذا النوع براعة الإستهلال إلا لأن المتكلم يُفهم غرضه من كلامه عند إبتداء رفع صوته به، ورفع الصوت في اللغة هو الإستهلال يقال إستهل المولود صارخا إذا رفع صوته عند الولادة،
وأهلّ الحجيج إذا رفعوا أصواتهم بالتلبية وسمي الهلال هلالا لأن الناس يرفعون أصواتهم عند رؤيته
ومما وقع من براعات الاستهلال التي تشعر بغرض الناظم وقصده في قصيده، براعة قصيدة الفقيه نجم الدين عمارة اليمني حيث قال
إذا لم يسالمك الزمان فحارب **** وباعد إذا لم تنتفع بالأقارب
فإشارات العتب والشكوى لا تخفى على أهل الذوق في هذه البراعة ويفهم منها أن بقية القصيدة تعرب عن ذلك فإن زكي الدين بن أبي الإصبع قال براعة الإستهلال هي إبتداء المتكلم بمعنى ما يريد تكميله، وهذه القصيدة في حكمها وتحشمها وتسيير أمثالها نهاية والموجب لنظمها على هذا النمط أنه كان بينه وبين الكامل بن شارر صحبة أكيدة قبل وزارة أبيه فلما وزر استحال عليه فكتب إليه هذه القصيدة التي من جملتها
ولا تحتقر كيدا صغيرا فربما ****تموت الأفاعي من سموم العقارب
ومنها
إذا كان رأس المال عمرك فاحترز****.عليه من الإنفاق في غير واجب
فبين اختلاف الليل والصبح معرك **** يكر علينا جيشه بالعجائب
ومن ألطف البراعات وأحشمها براعة مهيار الديلمي فإنه بلغه أنه وُشي به إلى محبوبه فتنصل من ذلك بألطف عذر وأبرزه في معرض التغزل والنسيب فقال
أما وهواها حلفة وتنصلا **** لقد نقل الواشي إليك فأمحلا
وما أحلى ما قال بعده
سعى جهده لكن تجاوز حده **** وكثر فارتابت ولو شاء قلّلا
علم البديع
الدرس الثاني
براعة الإستهلال
شرط علماء البديع في براعة الإستهلال أن يكون مطلع القصيدة دالا على ما بنيت عليه، مشعرا بغرض الناظم من غير تصريح بل بإشارة لطيفة تعذب حلاوتها في الذوق السليم، ويستدل بها على قصده من عتب أو عذر أو تنَصّل أو تهنئة أو مدح أو هجو، وكذلك في النثر فإذا جمع الناظم بين حسن الإبتداء وبراعة الإستهلال كان من فرسان هذا الميدان، وإن لم يحصل له براعة الإستهلال فليجتهد في سلوك ما يقوله في حسن الإبتداء
وما سمي هذا النوع براعة الإستهلال إلا لأن المتكلم يُفهم غرضه من كلامه عند إبتداء رفع صوته به، ورفع الصوت في اللغة هو الإستهلال يقال إستهل المولود صارخا إذا رفع صوته عند الولادة،
وأهلّ الحجيج إذا رفعوا أصواتهم بالتلبية وسمي الهلال هلالا لأن الناس يرفعون أصواتهم عند رؤيته
ومما وقع من براعات الاستهلال التي تشعر بغرض الناظم وقصده في قصيده، براعة قصيدة الفقيه نجم الدين عمارة اليمني حيث قال
إذا لم يسالمك الزمان فحارب **** وباعد إذا لم تنتفع بالأقارب
فإشارات العتب والشكوى لا تخفى على أهل الذوق في هذه البراعة ويفهم منها أن بقية القصيدة تعرب عن ذلك فإن زكي الدين بن أبي الإصبع قال براعة الإستهلال هي إبتداء المتكلم بمعنى ما يريد تكميله، وهذه القصيدة في حكمها وتحشمها وتسيير أمثالها نهاية والموجب لنظمها على هذا النمط أنه كان بينه وبين الكامل بن شارر صحبة أكيدة قبل وزارة أبيه فلما وزر استحال عليه فكتب إليه هذه القصيدة التي من جملتها
ولا تحتقر كيدا صغيرا فربما ****تموت الأفاعي من سموم العقارب
ومنها
إذا كان رأس المال عمرك فاحترز****.عليه من الإنفاق في غير واجب
فبين اختلاف الليل والصبح معرك **** يكر علينا جيشه بالعجائب
ومن ألطف البراعات وأحشمها براعة مهيار الديلمي فإنه بلغه أنه وُشي به إلى محبوبه فتنصل من ذلك بألطف عذر وأبرزه في معرض التغزل والنسيب فقال
أما وهواها حلفة وتنصلا **** لقد نقل الواشي إليك فأمحلا
وما أحلى ما قال بعده
سعى جهده لكن تجاوز حده **** وكثر فارتابت ولو شاء قلّلا
ومن البراعات التي يفهم من إشاراتها أنها تهنئة بمولود قول أبي بكر بن الخازن رحمه الله تعالى
بشرى فقد أنجز الإقبال ما وعدا **** وكوكب المجد في أفق العلا صعدا
ومما يشعر بقرينة الذوق أن الناظم يريد الرثاء قول التهامي
حكم المنية في البرية جاري **** ما هذه الدنيا بدار قرار
وهذه القصيدة يرثي بها ولده وهي نسيج وحدها وواسطة عقدها
ومنها
ومكلف الأيام ضد طباعها **** متطلب في الماء جذوة نار
جبلت على كدر وأنت تريدها **** صفوا من الأقذاء والأقذار
وإذا رجوت المستحيل فإنما **** تبني الرجاء على شفير هار
فالعيش نوم والمنية يقظة **** والمرء بينهما خيال سار
وما أعلم أن أحدا استهل للمراثي بأحسن من هذه البراعات ومنها يشير إلى ولده وهو من المعاني المستغربة
جاورتُ أعدائي وجاورَ ربَّه **** شتان بين جواره وجواري
بشرى فقد أنجز الإقبال ما وعدا **** وكوكب المجد في أفق العلا صعدا
ومما يشعر بقرينة الذوق أن الناظم يريد الرثاء قول التهامي
حكم المنية في البرية جاري **** ما هذه الدنيا بدار قرار
وهذه القصيدة يرثي بها ولده وهي نسيج وحدها وواسطة عقدها
ومنها
ومكلف الأيام ضد طباعها **** متطلب في الماء جذوة نار
جبلت على كدر وأنت تريدها **** صفوا من الأقذاء والأقذار
وإذا رجوت المستحيل فإنما **** تبني الرجاء على شفير هار
فالعيش نوم والمنية يقظة **** والمرء بينهما خيال سار
وما أعلم أن أحدا استهل للمراثي بأحسن من هذه البراعات ومنها يشير إلى ولده وهو من المعاني المستغربة
جاورتُ أعدائي وجاورَ ربَّه **** شتان بين جواره وجواري
وبراعة الشيخ صفي الدين الحلي في هذا الباب من أحسن البراعات وأحشمها وهي
إن جئت سَلْعاً فسلْ عن جيرة العِلم **** واقْرَ السلام على عُرب بذي سَلَم
فقد شبب بذكر سَلْع والسؤال عن جيرة العلم والسلام على عرب بذي سلم ولا يشكل على من عنده أدنى ذوق أن هذه البراعة صدرت لمديح نبوي ومطلع البردة أيضا في هذا الباب من أحسن البراعات أيضا وهو
أمن تذكر جيران بذي سلم **** مزجت دمعا جرى من مقلة بدم
فمزج دمعه بدمه عند تذكر جيران بذي سلم من ألطف الإشارات إلى أن القصيدة نبوية وما أحلى ما قال بعده
أم هبت الريح من تلقاء كاظمة **** وأومض البرق في الظلماء من إضَم
إن جئت سَلْعاً فسلْ عن جيرة العِلم **** واقْرَ السلام على عُرب بذي سَلَم
فقد شبب بذكر سَلْع والسؤال عن جيرة العلم والسلام على عرب بذي سلم ولا يشكل على من عنده أدنى ذوق أن هذه البراعة صدرت لمديح نبوي ومطلع البردة أيضا في هذا الباب من أحسن البراعات أيضا وهو
أمن تذكر جيران بذي سلم **** مزجت دمعا جرى من مقلة بدم
فمزج دمعه بدمه عند تذكر جيران بذي سلم من ألطف الإشارات إلى أن القصيدة نبوية وما أحلى ما قال بعده
أم هبت الريح من تلقاء كاظمة **** وأومض البرق في الظلماء من إضَم
المصادر: كتاب البديع في البديع لابن المعتز ت247ه
العمدة في محاسن الشعر لابن رشيق القيرواني ت390ه
زهر الآداب للحصري القيرواني ت453ه
خزانة الأدب لابن حجة الحموي ت837ه
العمدة في محاسن الشعر لابن رشيق القيرواني ت390ه
زهر الآداب للحصري القيرواني ت453ه
خزانة الأدب لابن حجة الحموي ت837ه
جمع وإعداد وتقديم: محمد أبورزق
يُتبع
يُتبع

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق