musique

الاثنين، 27 أغسطس 2018

"الجناس التام"



اللغة العربية: إبداع وإمتاع وإقناع
علم البديع
دروس مهمة لكل شاعر وكاتب وأديب
الدرس التاسع (9)
في الجناس (تابع)
"الجناس التام"
وهو ما اتفق فيه اللفظان المتجانسان في أمور أربعة:
نوع الحروف، وعددها، وهيئتها، وترتيبها مع اختلاف المعنى،
وعلى هذا فالجناس التام فهو ما تماثل ركناه واتفقا لفظا واختلفا معنى من غير تفاوت في تصحيح تركيبهما واختلاف حركتهما سواء كانا من إسمين أو من فعلين أو من إسم وفعل فإنهم قالوا إذا انتظم ركناه من نوع واحد كإسمين أو فعلين سُمي "مماثلا" وإن إنتظما من نوعين كإسم وفعل سُمي "مُستوفى". وجل القصد تماثُل الركنين في اللفظ والخط والحركة واختلافهما في المعنى سواء كانا من إسمين أو من غير ذلك فإن المراد أن يكون الجناس تاما على الصفة المذكورة من حيث هو أكمل الأنواع إبداعا وأسماها رتبة وأولاها في الترتيب فمنه قول الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه :صولة الباطل ساعة وصولة الحق إلى الساعة
وقيل ما وقع في القرآن العظيم غير هذين الركنين وهو قوله تعالى: ( ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة )
فالمراد بالساعة الاولى: يوم القيامة.. وبالساعة الثانية: جزء من الزمان وهما متفقتان في عدد الحروف وترتيبها وهيئتها ونوعها ومختلفتان في المعنى.
ولكن استخرج ابن حجر من القرآن جناسا آخر تاما عظيما وهو قوله تعالى ( يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار، يقلب الله الليل والنهار إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار )
فالمراد بالأبصار الأولى النظر والأبصار الثانية البصيرة وهي العقل
فهما متفقتان في نوع الحروف وعددها وترتبها وهيئتها، ولكنهما مختلفتان في المعنى.
ومن الشعر قول بعضهم وأجاد: [من الطويل]
وسميته يحيى ليحيى فلم يكن **** إلى ردِّ أمر الله فيه سبيل
أي سميته يحيى ليعيش ولكن قضاء الله بموته ما له مردّ
يحيى الأولى إسم ويحيى الثانية من الحياة.
ومن ملح هذا النوع قول ابن الرومي: [من البسيط]
للسُّود في السُّود آثارٌ تركن بها **** وقْعاً من البِيض يَثْني أعينَ البِيض
السود الأولى : الفرسان،السود الثانية : الليالي، البيض الأولى : السيوف، البيض الثانية : النساء
وقول ابن فضالة المجاشعي القيرواني وقيل ابن شرف:
إن تلقك الغربة في معشر**** قد أجمعوا فيك على بغضهم
فدارهم ما دمت في دارهم **** وأرضهم ما دمت في أرضهم
دارهم الأولى من المداراة ، ودارهم الثانية بمعنى المسكن والبيت، و أرضهم الأولى من الرضى ، وأرضهم الثانية هي الأرض.
وقول الراجز:
يا عامر بن مالك يا عَمّاً **** أفنيت عَمّاً وجبرت عَمّاً
أراد بالعم الأول أخا أبيه، وبالثاني الجمع الكثير. يقول: أفنيت قوماً وجبرت آخرين.
وقول الخليل بن أحمد رحمه الله تعالى:
يا ويح قلبي من دواعي الهوى *** إذا رحل الجيران عند الغروب
أتبعتهم طرفي وقد أزمعوا *** ودمع عيني كفيض الغروب
بانوا وفيهم طفلة حرة *** تفتر عن مثل أقاح الغروب
فالغرب الأول: غروب الشمس، والثاني: جمع غرب وهو الدلو العظيمة المملوءة، والثالث: جمع غرب وهو الوهدة المنخفضة.
وقول أبي العلاء المعري، ونبه على الجناس فيه مع التغزل البديع:
معانيك شتى والعبارة واحد **** فطرفك مغتال وزندك مغتال
فمغتال الأول، من اغتاله بمعنى أهلكه، والثاني بمعنى الغيل بالفتح وهو الساعد الريان الممتلي
ومنه قول المعري أيضا
لم نلق غيرك إنسانا يلاذ به **** فلا برحت لعين الدهر إنسانا
إنسانا الأولى: البشر
إنسانا الثانية : بؤبؤ العين أو ناظرها
ومنه قول أبي الفتح البستي: [من الوافر]
( سما وحمى بني سامٍ وحامِ **** فليس كمثله سامٍ وحامِ )
بني سام وحام الأولى : البيض والسود من الناس
وسام وحام الثانية : من السمو والحماية.
وما أحسن قول الحريري في مقاماته في هذا النوع:
لا تبك إلفا نأى ولا دارا **** ودر مع الدهر كيفما دارا
واتخذ الناس كلهم سكنا **** ومثل الأرض كلها دارا
واصبر على خلق من تعاشره **** وداره فاللبيب من دارى
ولا تضع فرصة السرور فما **** تدري أيوماً تعيش أم دارا
واعلم بأن المنون جائلة **** وقد أدارت على الورى دارا
وأقسمت لا تزال قانصة ****ماكر عصرا المحيا وما دارا
وكيف ترجو النجاة من شرك **** لم ينج منه كسرى ولا دارا
فكلمة دار في البيت الأول من الدوران، وفي البيت الثاني المنزل، وفي الثالث من المداراة، وفي الرابع إسم الدهر أو الحول، وفي الخامس معناها صائدة أو قابضة أي المنية. وفي السادس معناها دار الليل والنهار أي تكرّرا، وفي السابع دارا هو والد كسرى ملك الفُرس
وبيت ابن معصوم الحسني
إليك فقلبي لا تقر بلابله **** إذا ما شدت فرع الغصون بلابله
وإذا كان الجناس التام لايتوافق فيه اللفظان المتجانسان في نوع الحروف وشكلها وعددها وترتيبها توافقا تامّاً بل يختلفان في واحد أوأكثر من واحد من هذه الأمور سُمّي ناقصا، كقول الإمام علي رضي الله عنه:
(فَاِنَّ الدُنيا رَنقٌ مَشرَبُها رَدغٌ مَشرعُهَا)
الجناس هنا بين اللفظين (مشرب) و(مشرع) والجناس هنا غير التامّ.
وكقوله أيضا:
(وَألجِئْ نَفَسك فِي الاُمورِ كلِّها إلى إلَهِك)
فالجناس هنا بين اللفظين (إلى) و(إلهك) والجناس هنا غير التامّ.
المصادر:
كتاب البديع في البديع لابن المعتز ت247ه
العمدة في محاسن الشعر لابن رشيق القيرواني ت390ه
خزانة الأدب لابن حجة الحموي ت837ه
أنوار الربيع في أنواع البديع لابن معصوم الأندلسي ت1119ه
جمع وإعداد وتقديم: محمد أبورزق
يُتبع

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق