بسم الله الرحمن الرحيم
اللغة العربية: إبداع وإمتاع وإقناع
هذه دروس جمعتها من كتب البديع يحتاجها كل شاعر وكاتب وأديب، وأتمنى أن تكون مفيدة ونافعة فكلنا نحتاج لمعرفتها لإدخال محسنات بديعية على كتاباتنا والله الموفق
علم البديع
الدرس الأول
حُسن الإبتداء
إعلم أنه اتفق علماء البديع على أن براعة المطلع عبارة عن طلوع أهلّة المعاني واضحة في استهلالها، وأن لا يتجافى بجنوب الألفاظ عن مضاجع الرقة، وأن يكون التشبيب بنسيبها مُرقصا عند السماع، وطرق السهولة متكفلّة لها بالسلامة من تجشم الحزن ومطلعها، مع اجتناب الحشو ليس له تعلق بما بعده
وشرطوا أن يجتهد الناظم في تناسب قسميه بحيث لا يكون شطره الأول أجنبيا من شطره الثاني
وقد سمى ابن المعتز براعة الاستهلال حسن الابتداء وفي هذه التسمية تنبيه على تحسين المطالع وإن أخل الناظم بهذه الشروط لم يأت بشيء من حسن الابتداء وأورد في هذا الباب قول النابغة [من الطويل]
( كليني لهم يا أميمة ناصب ... وليل أقاسيه بطيء الكواكب )
قال زكي الدين بن أبي الأصبع لعمري لقد أحسن ابن المعتز الاختيار فإني أظنه نظر بين هذا الابتداء وبين ابتداء امرئ القيس حيث قال [من الطويل]
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل ... بسقط اللوى بين الدخول فحومل
اللغة العربية: إبداع وإمتاع وإقناع
هذه دروس جمعتها من كتب البديع يحتاجها كل شاعر وكاتب وأديب، وأتمنى أن تكون مفيدة ونافعة فكلنا نحتاج لمعرفتها لإدخال محسنات بديعية على كتاباتنا والله الموفق
علم البديع
الدرس الأول
حُسن الإبتداء
إعلم أنه اتفق علماء البديع على أن براعة المطلع عبارة عن طلوع أهلّة المعاني واضحة في استهلالها، وأن لا يتجافى بجنوب الألفاظ عن مضاجع الرقة، وأن يكون التشبيب بنسيبها مُرقصا عند السماع، وطرق السهولة متكفلّة لها بالسلامة من تجشم الحزن ومطلعها، مع اجتناب الحشو ليس له تعلق بما بعده
وشرطوا أن يجتهد الناظم في تناسب قسميه بحيث لا يكون شطره الأول أجنبيا من شطره الثاني
وقد سمى ابن المعتز براعة الاستهلال حسن الابتداء وفي هذه التسمية تنبيه على تحسين المطالع وإن أخل الناظم بهذه الشروط لم يأت بشيء من حسن الابتداء وأورد في هذا الباب قول النابغة [من الطويل]
( كليني لهم يا أميمة ناصب ... وليل أقاسيه بطيء الكواكب )
قال زكي الدين بن أبي الأصبع لعمري لقد أحسن ابن المعتز الاختيار فإني أظنه نظر بين هذا الابتداء وبين ابتداء امرئ القيس حيث قال [من الطويل]
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل ... بسقط اللوى بين الدخول فحومل
فرأى ابتداء امرئ القيس على تقدمه وكثرة معانيه متفاوت القسمين جدا لأن صدر البيت جمع بين عذوبة اللفظ وسهولة السبك وكثرة المعاني وليس في الشطر الثاني شيء من ذلك
وعلى هذا التقدير مطلع النابغة أفضل من جهة ملاءمة ألفاظه وتناسب قسميه وإن كان مطلع امرئ القيس أكثر معاني وما عظم ابتداء امرئ القيس في النفوس إلا الاقتصار على سماع صدر البيت فإنه وقف واستوقف وبكى واستبكى وذكر الحبيب والمنزل في شطر بيت وإذا تأمل الناقد البيت بكماله ظهر له تفاوت القسمين
وقال أعني ابن أبي الأصبع إذا وصلت إلى قول البحتري من هذا الباب وصلت إلى غاية لا تدرك وهو قوله
( بودي لو يهوى العذول ويعشق ... ليعلم أسباب الهوى كيف تعلق )
ولقد أحسن أبو الطيب المتنبي حيث قال
( أتراها لكثرة العشاق ... تحسب الدمع خلقة في المآقي )
وعلى هذا التقدير مطلع النابغة أفضل من جهة ملاءمة ألفاظه وتناسب قسميه وإن كان مطلع امرئ القيس أكثر معاني وما عظم ابتداء امرئ القيس في النفوس إلا الاقتصار على سماع صدر البيت فإنه وقف واستوقف وبكى واستبكى وذكر الحبيب والمنزل في شطر بيت وإذا تأمل الناقد البيت بكماله ظهر له تفاوت القسمين
وقال أعني ابن أبي الأصبع إذا وصلت إلى قول البحتري من هذا الباب وصلت إلى غاية لا تدرك وهو قوله
( بودي لو يهوى العذول ويعشق ... ليعلم أسباب الهوى كيف تعلق )
ولقد أحسن أبو الطيب المتنبي حيث قال
( أتراها لكثرة العشاق ... تحسب الدمع خلقة في المآقي )
وما ألطف قول أبي تمام في هذا الباب
( لا أنتِ أنتِ ولا الديار ديار ... خف الهوى وتقضت الأوطار )
ومثله قول أبي العلاء المعري
( يا ساهر البرق أيقظ راقد السمر ... لعل بالجزع أعوانا على السهر )
وقد خلب القلوب ابن المعتز في تناسب القسمين بقوله
( أخذت من شبابي الأيام ... وتولى الصبا عليه السلام )
( لا أنتِ أنتِ ولا الديار ديار ... خف الهوى وتقضت الأوطار )
ومثله قول أبي العلاء المعري
( يا ساهر البرق أيقظ راقد السمر ... لعل بالجزع أعوانا على السهر )
وقد خلب القلوب ابن المعتز في تناسب القسمين بقوله
( أخذت من شبابي الأيام ... وتولى الصبا عليه السلام )
ومما يعذب في الذوق من هذا الباب قول ابن قاضي ميلة
( يزيد الهوى دمعي وقلبي المعنف ... ويحيي جفوني الوجد وهو المكلف )
وقد نبه مشايخ البديع على يقظة الناظم في حسن الابتداء فإنه أول شيء يقرع الأسماع ويتعين على ناظمه النظر في أحوال المخاطبين والممدوحين وتفقد ما يكرهون سماعه ويتطيرون منه ليتجنب ذكره ويختار لأوقات المدح ما يناسبها
وخطاب الملوك في حسن الابتداء هو العمدة في حسن الأدب فقد حكي أن أبا النجم الشاعر دخل على هشام بن عبد الملك في مجلسه فأنشده من نظمه
( صفراء قد كادت ولما تفعل ... كأنها في الأفق عين الأحول )
وهشام بن عبد الملك أحول فأخرجه وأمر بحبسه
وكذلك اتفق لجرير مع عبد الملك بن مروان فإنه دخل عليه وقد مدحه بقصيدة حائية أولها
( أتصحو أم فؤادك غير صاح ... )
فقال له عبد الملك بل فؤادك يا ابن الفاعلة
( يزيد الهوى دمعي وقلبي المعنف ... ويحيي جفوني الوجد وهو المكلف )
وقد نبه مشايخ البديع على يقظة الناظم في حسن الابتداء فإنه أول شيء يقرع الأسماع ويتعين على ناظمه النظر في أحوال المخاطبين والممدوحين وتفقد ما يكرهون سماعه ويتطيرون منه ليتجنب ذكره ويختار لأوقات المدح ما يناسبها
وخطاب الملوك في حسن الابتداء هو العمدة في حسن الأدب فقد حكي أن أبا النجم الشاعر دخل على هشام بن عبد الملك في مجلسه فأنشده من نظمه
( صفراء قد كادت ولما تفعل ... كأنها في الأفق عين الأحول )
وهشام بن عبد الملك أحول فأخرجه وأمر بحبسه
وكذلك اتفق لجرير مع عبد الملك بن مروان فإنه دخل عليه وقد مدحه بقصيدة حائية أولها
( أتصحو أم فؤادك غير صاح ... )
فقال له عبد الملك بل فؤادك يا ابن الفاعلة
ومن هذه الجهة بعينها عابوا على أبي الطيب المتنبي خطابه لممدوحه في مطلع قصيدة حيث قال
( كفى بك داء أن ترى الموت شافيا ... وحسب المنايا أن يكن أمانيا )
ومن مستقبحات الابتداء قول البحتري وقد أنشد يوسف بن محمد قصيدته التي أولها
( لك الويل من ليل تقاصر آخره ... )
فقال بل لك الويل والخزي، وأما قصة إسحاق ابن إبراهيم الموصلي في هذا الباب فإني أنفعل وأخجل عند سماعها وما ذاك إلا أنه دخل على المعتصم وقد فرغ من بناء قصره بالميدان فشرع في إنشاء قصيدة نزل بمطلعها إلى الحضيض وكان هو وحكاية الحال في طرفي نقيض وهو
( يا دار غيّرك البلا ومحاك ... يا ليت شعري ما الذي أبلاك )
فتطير المعتصم من قبح هذا المطلع وأمر بهدم القصر على الفور
وقد اتفق علماء البديع على أن عدم تناسب القسمين نقص في حُسن الإبتداء، وقد تقدّم أن مطلع النابغة أفضل من مطلع امرئ القيس لتناسب القسمين وإن كان مطلع امرئ القيس أكثر معاني.
( كفى بك داء أن ترى الموت شافيا ... وحسب المنايا أن يكن أمانيا )
ومن مستقبحات الابتداء قول البحتري وقد أنشد يوسف بن محمد قصيدته التي أولها
( لك الويل من ليل تقاصر آخره ... )
فقال بل لك الويل والخزي، وأما قصة إسحاق ابن إبراهيم الموصلي في هذا الباب فإني أنفعل وأخجل عند سماعها وما ذاك إلا أنه دخل على المعتصم وقد فرغ من بناء قصره بالميدان فشرع في إنشاء قصيدة نزل بمطلعها إلى الحضيض وكان هو وحكاية الحال في طرفي نقيض وهو
( يا دار غيّرك البلا ومحاك ... يا ليت شعري ما الذي أبلاك )
فتطير المعتصم من قبح هذا المطلع وأمر بهدم القصر على الفور
وقد اتفق علماء البديع على أن عدم تناسب القسمين نقص في حُسن الإبتداء، وقد تقدّم أن مطلع النابغة أفضل من مطلع امرئ القيس لتناسب القسمين وإن كان مطلع امرئ القيس أكثر معاني.
المصادر: كتاب البديع في البديع لابن المعتز ت247ه
البيان والتبيين للجاحظ ت255ه
زهر الآداب للحصري القيرواني ت453ه
خزانة الأدب لابن حجة الحموي ت837ه
البيان والتبيين للجاحظ ت255ه
زهر الآداب للحصري القيرواني ت453ه
خزانة الأدب لابن حجة الحموي ت837ه
جمع وإعداد وتقديم: محمد أبورزق
يُتبع
يُتبع

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق