musique

الجمعة، 12 أكتوبر 2018

[ التتميم ]

اللغة العربية: إبداع وإمتاع وإقناع
علم البديع
دروس مهمة لكل شاعر وكاتب وأديب
الدرس الخمسون (50)
[ التتميم ]
التتميم - ومنهم من سماه التمام، وسماه ابن المعتز اعتراض كلام في كلام لم يتم معناه، والتسمية الأولى للحاتمي، وهي أولى، وهو عبارة عن الإتيان في الكلام نظما كان أو نثرا بكلمة أو جملة إذا طرحت منه نقص حسنه ومعناه.
كقول طرفة:
فسقى ديارك غير مفسدها **** صوب الغمام وديمة تهمي
فقوله غير مفسدها إحتراس واحتياط، ويجيء في المقاطع والحشو وأكثر مجيئه في الحشو.
ومثاله قوله تعالى ( من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ) فقوله ( من ذكر أو أنثى ) تتميم وقوله ( وهو مؤمن ) تتميم ثان في غاية البلاغة التي بذكرها تم معنى الكلام وجرى على الصحة ولو حذفت الجملتان نقص معناه واختل حسن البناء.
وقوله تعالى: (ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف) فقوله: وهو مؤمن، تتميم في غاية الحسن، فلو حذفت هذه الجملة لاختل المعنى.
وقوله تعالى: (سبحان الذي أسرى بعبده ليلا) مع أن الإسراء لا يكون إلا بالليل تتميم أفاد الدلالة على تقليل المدة، وأنه أسرى به في بعض الليل.
وغاية الغايات في التتميم للمبالغة قوله تعالى: ( ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا ) فقوله على حبه هو تتميم للمبالغة التي تعجز عنها قدرة المخلوقين.
ومن هذا القسم قول النبي مما انفرد به مسلم ( ما من عبد مسلم يصلي لله كل يوم اثنتي عشرة ركعة من غير الفرائض إلا بنى الله له بيتا في الجنة ) فوقع التتميم في هذا الحديث في أربعة مواضع منها قوله مسلم ومنها قوله لله ومنها كل يوم ومنها قوله من غير الفرائض
ومن أناشيد قدامة على هذا القسم:
أناس إذا لم يقبل الحق منهم **** ويعطوه غاروا بالسيوف القواضب
فقوله ويعطوه تتميم فإنه في غاية الحسن وهو شاهد على ما جاء منه للإحتياط
ومثال ما جاء منه للمبالغة قول زهير
من يلقَ يوما على عِلاّتِه هَرِماً **** يلق السماحة منه والندى خُلقا
فقوله على علاته تتميم للمبالغة. ومعنى على عِلّاته: إي على قلّة مال أو عدم.
وقول الآخر:
إنّي على ما ترينَ من كِبري **** أعرفُ من أين تؤكل الكتف
فقوله: على ما ترين من كبري، تتميم أفاد معنى زائدا، وحسنا آخر، لو حذف لفات ذلك.
وقول الأخطل:
وأقسم المجد حقا لا يحالفهم **** حتى يحالف بطنَ الرّاحة الشعرُ
قوله: حَقّاً تتميم بديع.
وقول ابن المعتز:
وخيل طواها القود حتى كأنها **** أنابيب سمر من قنا الخط ذبل
صببنا عليها ظالمين سياطنا **** فطارت بها أيد سراع وأرجل
فقوله: ظالمين، تتميم في غاية البراعة، فلو حذف لم يبق للبيت رونق، ولا لمعناه لطف.
ومن بديع أمثلته أيضاً قول أبي العلاء المعري:
الموقدون بنجدٍ نارَ باديةٍ **** لا يحضرون وفَقْدُ العِزِّ في الحَضَرِ
إذا هَمَى القَطْرُ شَبَّتْها عَبيدُهم **** تحت الغمائم للسَّارين بالقَطْرِ
فقوله: تحت الغمائم تتميم أفاد مبالغة تأكيد لإرادة الإيقاد، والاهتمام بشأنه. وقوله: بالقطر تتميم للتميم، وذلك أن نزول المطر لا يمنعهم من الإيقاد، ولا يوقد عندهم إلا بالحطب الجزل، وإذا كان الحطب قطرا، وهو العود الذي يتبخر به، كان نهاية في إرادة المبالغة في الاهتمام بشأن الإيقاد، ويحتمل الاستتباع أيضاً، لأن صفة السخاوة استتبعت صفة الثروة لأن الوقود إذا كان عودا لدل على أنهم لم يكونوا من أوساط الناس.
ــ وقد يؤتى بالتميم لإقامة الوزن، بحيث لو طرحت الكلمة التي قصد بها التتميم، لم ينقص معنى البيت، بل استقل بدونها، ويسمى حشوا، وهو على ضربين: ضرب لا يفيد إلا إقامة الوزن فحسب وهو حشو قبيح معيب، وضرب يفيد مع ذلك نوعا من المحاسن، فإن حذاق الشعراء إذا اضطروا إلى الكلمة لإقامة الوزن، أفادوا بها لطيفة زائدة تفاديا من أن تكون لمجرد الوزن فتعد حشوا قبيحا، وهذا الضرب يسميه بعضهم حشو اللوزينج.
فالأول من العيوب والثاني من النعوت
فمثال الأول كقول بعضهم:
ذكرت أخي فعاودني **** صداعُ الرأسِ والوصبُ
فذِكرُ الرأس حشو قبيح لأن الصداع لا يكون إلا في الرأس
ومثال الثاني الذي يأتي لإقامة الوزن مع بعض المحاسن:
قول المتنبي:
وخفوق قلب لو رأيت لهيبه **** يا جنتي لظننت فيه جهنما
فإنه جاء بقوله يا جنتي لإقامة الوزن فأفاد تتميم المطابقة وهو ضرب من المحاسن المشار إليها.
ومنه قول الشيخ جمال الدين بن نباتة:
لو ذقتَ بَرْدَ ثناياه ومبسمه **** يا حار ما لمتَ أعطافي التي ثملتْ
فقوله: يا حار، حشو يتم المعنى بدونه، ولكن أفاد إقامة الوزن والتورية (في حار، فإنه ورى به، أنه منادى) اسم حارث مرخم، وهو يريد الحارّ الذي هو مرادف السخن، بدليل قوله: برد ثناياه، وهذا مع ما فيه من النظر في حار في غاية الحسن.
المصادر:
كتاب البديع في البديع لابن المعتز ت247ه
العمدة في محاسن الشعر لابن رشيق القيرواني ت390ه
خزانة الأدب لابن حجة الحموي ت837ه
أنوار الربيع في أنواع البديع لابن معصوم الحسني ت1119ه
جمع وإعداد وتقديم: محمد أبورزق
يُتبع

الأربعاء، 10 أكتوبر 2018

[ الإستثناء ]

اللغة العربية: إبداع وإمتاع وإقناع
علم البديع
دروس مهمة لكل شاعر وكاتب وأديب
الدرس الثامن والأربعون (48)
[ الإستثناء ]
الإستثناء إستثناءان: لغوي وصناعي
فاللغوي: إخراج القليل من الكثير وقد فرَّع النحاة من ذلك في كتبهم فروعا كثيرة، وهو المذكور في كتب النحو، وحَدُّهُ: إخراجٌ (بإلاّ) أو إحدى أخواتها تحقيقا أو تقديرا من مَذْكورٍ أو مَتروكٍ، والمراد بالمُخرج تحقيقا: المتصل، كقام القوم إلا زيدا، فزيد مُخرج تحقيقا من القوم، لأنه داخل فيهم تحقيقا، وبالمخرج تقديرا: المنقطع، نحو (ما لهم به من علم إلا إتباع الظن) ، فإن الظن وإن لم يدخل في العلم تحقيقا فهو في تقدير الداخل فيه، إذ هو مستحضر بذكر العلم لكثرة قيامه مقامه، فهو مخرج منه تقديرا، وبالمذكور التام كهذين المثالين، وبالمتروك المفرغ نحو: ما ضربت إلا زيدا.
إذا علمت ذلك فليس كل استثناء يُعدّ من المحسنات البديعية، بل يشترط فيه إشتماله على معنى يزيد على معنى الإستثناء اللغوي، حتى يستحق به نظمه في سلك أنواع البديع كما قلناه في الاستدراك، وإلا لم يكن منه.
والصناعي: وهو مقصودنا في الدرس وهو الذي يفيد بعد إخراج القليل من الكثير معنى يزيد على معنى الإستثناء ويكسوه بهجة وطلاوة ويميزه بما يستحق به الإثبات في أبواب البديع كقوله تعالى ( فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس ) فإنّ فِي هذا الكلام معنًى زائدا على مقدار الاستثناء وذلك لِعِظَم الكبيرة التي أتى بها إبليس من كونه خَرَق إجماع الملائكة وفارق جميع الملأ الأعلى بخروجه مما دخلوا فيه من السجود لآدم، وذلك مثل قولك أمر الملك بكذا وكذا فأطاع أمره جميع الناس من أمير ووزير إلا فلانا. فإن الإخبار عن معصية هذا العاصي بهذه الصيغة مما يعظم أمر معصيته ويفخم مقدار كبريائه، لأنه خالف الإجماع، بخلاف قولك أمر الملك بكذا فعصاه فلان.
ومثاله قوله تعالى إخبارا عن نوح عليه السلام ( فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما ) فإن في الإخبار عن هذه المدة بهذه الصيغة تهويلا على السامع لتمهيد عذر نوح عليه السلام في الدعاء على قومه وإن في حكمة الإخبار عن المدة بهذه الصيغة العظيمة تعظيمها لكون أول ما يباشر السمع ذكر الألف والإيجاز في اختصار هذا اللفظ بهذه البلاغة العظيمة ظاهر، فإن لفظ القرآن أخصر وأوجز من قولنا تسعمائة سنة وخمسين عاما ولفظ القرآن بتقييد حصر العدد المذكور ولا يحتمل الزيادة عليه.
ومثله قوله تعالى ( فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما يريد وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك عطاء غير مجذوذ ) فالله تعالى لما علم أن وصف الشقاء يعم المؤمن العاصي والكافر استثنى من خلودهم في النار بلفظ مطمع حيث أثبت الإستثناء المطلق وأكده بقوله إن ربك فعال لما يريد أي أنه لا إعتراض عليه في إخراج أهل الشقاء من النار
ولما علم أن أهل السعادة لا خروج لهم من الجنة إستثنى من خلودهم ما ينفي الإستثناء حيث قال عطاء غير مجذوذ أي غير مقطوع وهذه المعاني في هذه الآيات الشريفة زائدة على الاستثناء اللغوي
ومن أمثال الاستثناء اللغوي في الشعر قول النميري
فلو كنتُ بالعَنْقاءِ أو بأَطُومِها **** لخِلتُكَ إلا أن تَصُدَّ تَرانِي
هذا الإستثناء في غاية الحسن فإنه تضمن المبالغة في زيادة مدح الممدوح وذلك أن هذا الشاعر يقول إني لو كنت في حيز العدم لأن العرب تضرب المثل بالعنقاء لكل شيء متعذر الوجود لخلتك متمكنا من رؤيتي ليس لك مانع يمنعك عني فالزيادة هنا في غاية اللطف وهي قوله إلا أن تصد فأنت في القدرة علي غير ممنوع وهذا غاية المبالغة في المدح، والأطوم: ج. أطم وهي الحصون المبنية بالحجارة.
ومنه قول الآخر:
تبَّتْ يدٌ سألتْ سِواكَ وأجدبتْ **** أرض بغير بحار جودك تُوسَمُ
فالعز إلا في حياتك ذلة **** والمال إلا من يديك محرم
وقال أبو بكر بن حجاج:
يقولون إن السحر في أرض بابل **** وما السحر إلا ما أرتك محاجره
وما الغصن إلا ما انثنى تحت برده **** وما الدعص إلا ما طوته مآزره
وما الدر إلا ثغره وكلامه **** وما الليل إلا صدغه وغدائره
وعلى منوال الاستثناء الصناعي الذي هو العمدة في هذا الباب نظم أصحاب البديعيات وهو إخراج القليل من الكثير بزيادة معنى بديع يزيد على معنى الاستثناء فبيت الشيخ صفي الدين الحلي
فكل ما سر قلبي واستراح به **** إلا الدموعَ عصاني بَعدَ بُعدهم
فبيت صفي الدين هنا غير خال من العقادة ومراده فيه أن كل شيء كان يسره قبل الفراق ويطيعه عصاه إلا الدموع فإنها أطاعته
ومعنى هذه الزيادة اللطيفة لا يخفى على أهل الذوق
وبيت الشيخ عز الدين
الناس كل ولا استثناء لي عذروا **** إلا العذول عصاني في ولائهم
مراد عز الدين في زيادة معناه على معنى الإستثناء أن عذوله خالف الإجماع
المصادر:
كتاب البديع في البديع لابن المعتز ت247ه
العمدة في محاسن الشعر لابن رشيق القيرواني ت390ه
خزانة الأدب لابن حجة الحموي ت837ه
أنوار الربيع في أنواع البديع لابن معصوم الحسني ت1119ه
جمع وإعداد وتقديم: محمد أبورزق
يُتبع

الأحد، 7 أكتوبر 2018

[ التصدير أو رد العجز على الصدر ]

اللغة العربية: إبداع وإمتاع وإقناع
علم البديع
دروس مهمة لكل شاعر وكاتب وأديب
الدرس السادس والأربعون (46)
[ التصدير أو رد العجز على الصدر ]
هذا النوع الذي هو رد العجز على الصدر سماه المتأخرون التصدير والأول أولى، لأنه مطابق لمسماه، وخير الأسماء ما طابق المسمى. وهو في النثر: أن يجعل أحد اللفظين المكررين، أعني المتفقين في اللفظ والمعنى أو المتجانسين وهما المتشابهان في اللفظ دون المعنى، أو الملحقين بالمتجانسين، وهما اللفظان اللذان يجمعهما الاشتقاق أو شبهه، في أول الفقرة، واللفظ الآخر في آخرها فيكون أربعة أقسام.
الأول: أن يكونا مكررين، كقوله تعالى: (تخشى الناس والله أحق أن تخشاه) .
والثاني: أن يكونا متجانسين، نحو قولهم: سائلُ اللئيمِ يرجعُ ودمعه سائلٌ.
والثالث: أن يجمع اللفظين الاشتقاق، نحو قوله تعالى: (إستغفروا ربكم إنه كان غفارا) .
والرابع: أن يجمعهما شبه الاشتقاق، نحو قوله تعالى: (قال إني لعملكم من القالين) الأول من القول، والثاني من القِلى وهو الهجر والبغض .
وفي النظم: على أربعة أقسام وهو: أن يقع أحد اللفظين في آخر البيت، والآخر في صدر المصراع الأول، أو حشوه، أو عجزه، أو صدر المصراع الثاني؛ فهذه أربعة أقسام واللفظان إما مكرران، أو متجانسان، أو مشتقان أو ملحقان بالإشتقاق، وسنأتي بأمثلة لهذه الأنواع في كل قسم. .
القسم الأول: ويسمّى تصدير الطرفين وهو وقوع أحد اللفظين في آخر البيت، والآخر في صدر المصراع الأول، واللفظان مكرران، أو متجانسان، أو مشتقان، أو ملحقان بالإشتقاق .
فمثال أن يكون اللفظان مكرران:
قوله تعالى: ( وأحسنوا إن الله يحب المحسنين )
وقول أبي نواس:
وحياة رأسك لا أعود **** لمثلها وحياة رأسك
وقول البستي:
سُحْبانُ من غير مال بَاقِلٌ حصرُ **** وبَاقِلُ في ثراء المال سُحبانُ
سحبان رجل يُضرب به المثل في الفصاحة فيقال : أفصح من سحبان، وباقل رجل يُضرب به المثل في العيّ فيقال أعيى من باقل.
ومثال أن يكون اللفظان متجانسان
قول القاضي الأرجاني:
دعاني من ملامكما سفاها **** فداعي الشوق قبلكما دعاني
ومثال أن يكون اللفظان مشتقان:
مثاله قول السري الرفاء :
ضرائب أبدعتها في السماح **** فلسنا نرى لك فيها ضريبا
ومثال أن يجمعهما شبه إشتقاق
مثاله قول الحريري:
ولاح يلحى على جري العنان إلى **** ملهى فسحقا له من لائح لاح
فالأول ماضي يلوح، والآخر اسم فاعل من لحاه.
القسم الثاني: ويسمى تصدير الحشو وهو وقوع أحد اللفظين المكررين، أو المتجانسين، أو المشتقين، أو الملحقين بالإشتقاق في آخر البيت، والثاني في حشو المصراع الأول.
فمثال اللفظين المكررين:
قول جرير:
سقى الرمل جون مستهل غمامه *** وما ذاك إلا حب من حل بالرمل
وقول أبي تمام:
ولم يحفظ مضاع المجد شيء **** من الأشياء كالمال المضاع
ومثال اللفظين المتجانسين
قول الشاعر:
لا كان إنسان تيمم قاصدا **** صيد المها فاصطاده إنسانها
ومثال اللفظين المشتقين:
قوله تعالى ( ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزءون)
وقول امرئ القيس:
إذا المرء لم يخزن عليه لسانه **** فليس على شيء سواه بخزان
ومثال أن يجمعهما شبه إشتقاق
قول الشاعر:
لعمري لقد كان الثريا مكانه **** تراه فأضحى الآن مثواه في الثرى
فالثريا واوي: تصغير ثروي من الثروة، وهي كثرة العدد، وإنما سمي النجم بذلك لكثرة كواكبه مع ضيق المحل. والثرى يائي.
القسم الثالث: ويسمّى تصدير التقفية وهو وقوع أحد اللفظين المكررين، أو المتجانسين، أو المشتقين، أو الملحقين بالإشتقاق في آخر البيت، والآخر في آخر المصراع الأول.
فمثال اللفظين المكررين
قوله تعالى: ( أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى، فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين)
وقول أبي تمام:
ومن كان بالبيض الكواعب مغرما *** فما زلت بالبيض القواضب مغرما
ومثال اللفظين المتجانسين
قول البحتري:
العيش في ظل داريا إذا بردا **** والراح تمزجها بالماء من بردا
برد الأول: فعل ماض من البرد، والثاني: نهر كبير بدمشق.
ومثال اللفظين المشتقين:
قول الشاعر:
فدع الوعيد فما وعيدك ضائري **** أطنين أجنحة الذباب يضير
ومثال أن يجمعهما شبه إشتقاق
قول الحريري:
ومضطلع بتلخيص المعاني **** ومطلع إلى تلخيص عاني
فالأول من عنى يعني، والثاني من عنا يعنو
القسم الرابع: وهو وقوع أحد اللفظين المكررين، أو المتجانسين، أو المشتقين، أو الملحقين بالإشتقاق في آخر البيت، والآخر في أول المصراع الآخر:
فمثال اللفظين المكررين:
قول ذي الرمة:
وإن لم يكن إلا معرج ساعة **** قليلا فإني نافع لي قليلها
ومثال اللفظين المتجانسين
قول الأرجاني:
أملتهم ثم تأملتهم **** فلاح لي أن ليس فيهم فلاح
ومثال اللفظين المشتقين:
قول أبي فراس:
كأن ابنة القيسي في أخواتها **** خذول تراعيها الظباء الخواذل
ومثال أن يجمعهما شبه إشتقاق
قول الشاعر علي بن محمد التهامي:
تخمُدُ الحرب حين تغْمُدُ بأسا **** وتسيل الدماء حين تُسَلُّ
فالأول من السيلان، والثاني من السَّلّ.
وقد أجمع أهل البديع على أن أحسن هذه الأنواع هو النوع الأول، وهو جعل أحد اللفظين المكررين في آخر البيت، والآخر في صدر المصراع الأول. وقد وقع الاتفاق على أنه أفضل الأنواع، وإذا كان اللفظان متجانسين كان أحسن.
المصادر:
كتاب البديع في البديع لابن المعتز ت247ه
العمدة في محاسن الشعر لابن رشيق القيرواني ت390ه
خزانة الأدب لابن حجة الحموي ت837ه
أنوار الربيع في أنواع البديع لابن معصوم الحسني ت1119ه
جمع وإعداد وتقديم: محمد أبورزق
يُتبع

الخميس، 4 أكتوبر 2018

[ الكلام الجامع ]

اللغة العربية: إبداع وإمتاع وإقناع
علم البديع
دروس مهمة لكل شاعر وكاتب وأديب
الدرس الرابع والأربعون (44)
[ الكلام الجامع ]
الكلام الجامع: هو عبارة عن أن يأتي الشاعر ببيت يكون جملته حكمة، أو موعظة، أو نحو ذلك من الحقائق الجارية مجرى الأمثال. هكذا قال غير واحد من البديعيين. وقال شرف الدين الطيبي في كتابه البيان في التبيان: هو أن يحلي المتكلم كلامه بشيء من الحكمة والموعظة، وشكاية الزمان والإخوان، وهذا أعم من الأول.
فمن ذلك قول أبي بكر الشاشي:
تعلم يا فتى والعود رطب *** وطينك لين والطبع قابل
فإن الجهل واضع كل عال *** وإن العلم رافع كل خامل
فحسبك يا فتى شرفا وعزا *** سكوت الحاضرين وأنت قائل
فهذه الأبيات جمعت بين الحكمة والموعظة والحث على طلب العلم في الصغر.
ــ ومنها ما كتب به الصاحب بهاء الدين الجويني إلى ابنه شمس الدين:
بني اجتهد في اقتناء العلوم *** تفز باجتناء ثمار المنى
ألم تر في رقعة بيدقا *** إذا جد في سيره فززنا
فأجدادنا الغر قد أسسوا *** من المجد شم المباني لنا
فأن لم نشدها بمجهودنا *** سينهار والله ذاك البنا
وقول أبي تمام:
وإذا أراد الله نشر فضيلة *** طويت أتاح لها لسان حسود
لولا اشتعال النار في جزل الغضا *** ما كان يعرف طيب عرف العود
ــ ومنها قول أبي الأسود الدؤلي لابنه، بعد أن قال له: يا بني إذا كنت في قوم فحدثهم على قدر سنك، وفاوضهم على قدر محلك، ولا تتكلمن بكلام من هو فوقك فيستقثلوك، ولا تنحط إلى من دونك فيحتقروك، فإذا وسع الله عليك فأبسط، وإذا أمسك عليك فامسك ولا تجاود الله أجود منك. واعلم أنه لا شيء كالاقتصاد، ولا معيشة كالتوسط، ولا عز كالعلم، إن الملوك حكام الناس، والعلماء حكام الملوك.
ثم أنشأ يقول:
العيش لا عيش إلا ما اقتصدت فإن *** تسرف وتبذر لقيت الضر والعطبا
والعلم زين وتشريف لصاحبه *** فاطلب هديت فنون العلم والأدبا
لا خير فيمن له أصل بلا أدب *** حتى يكون على ما زانه حدبا
كم من حسيب أخي عي وطمطة *** فدم لدى القوم معروف إذا انتسبا
في بيت مكرمة آباؤه نجب *** كانوا رؤوسا فأمسى بعدهم ذنبا
وخامل مقرف الآباء ذي أرب *** نال المعالي بالآداب والرتبا
أضحى عزيزا عظيم الشأن مشتهرا *** في خده صعر قد ظل محتجبا
العلم كنز وذخر لا نفاذ له *** نعم القرين إذا ما صاحب صحبا
قد يجمع ما لا ثم يسلبه *** عما قليل فيلقى الذل والحربا
وحامل العلم مغبوط به أبدا *** ولا يحاذر منه الفوت والسلبا
يا جامع العلم نعم الذخر تجمعه *** لا تعدلن به درا ولا ذهبا
ـــ وقول الشنفرى في لاميته وهي المعروفة بلامية العرب:
وفي الأرض منأى للكريم عن الأذى *** وفيها لمن خاف القلى متحول
لعمرك ما بالأرض ضيق على امرئ *** سرى راغبا أو راهبا وهو يعقل
ـــ وقول مؤيد الدين الطغرائي في لامية العجم:
حب السلامة يثني هم صاحبه *** عن المعالي ويغري المرء بالكسل
فأن جنحت إليه فاتخذ نفقا *** في الأرض أو سلما في الجو واعتزل
ودع غمار العلى للمُقْدِمين على *** ركوبها واقتنع منهن بالبلل
ـــ وقال ابن المعتز:
نسير إلى الآجال في كل ساعة *** وأيامنا تطوى وهن مراحل
وما أقبح التفريط في زمن الصبا *** فكيف به والشيب في الرأس شاعل
ترحل من الدنيا بزاد من التقى *** فعمرك أيام تعد قلائل
ـــ وقول ابن الرومي:
وما الشرف الموروث لادّر درّه **** بمحتسب إلا بآخر مكتسب
إذا الغصن لم يثمر وإن كان شعبة **** المثمرات اعتده الناس في الحطب
ـــ وقول التهامي:
لا تحسبن حسب الآباء مكرمة **** يقصر عن غايات مجدهم
حسن الرجال بحسنى لا بحسنهم **** هم في المعالي لا بطولهم
فهذه الأشعار المذكورة هي من الكلام الجامع وكله حكم ومواعظ وإرشادات ونصائح صادرة عن خبرة وتجربة بأمور الحياة.
ــ وقيل عاش عبيد الجرهمي ثلثمائة سنة، وأدرك زمن معاوية، فدخل عليه وقال له معاوية: حدثني بأعجب ما رأيت، قال: مررت ذات يوم بقوم يدفنون ميتا فاغرورقت عيناي بالدموع وتمثلت بقول الشاعر:
يا قلب أنك من أسماء مغرور **** فاذكر وهل ينفعنك اليوم تذكير
فلست تدري وما تدري أعاجلها **** أدنى لرشدك أم ما فيه تأخير
واستقدر الله خيرا وارْضَينَّ به **** فبينما العسر إذ دارت مياسير
وبينما المرء في الأحياء مغتبطا **** إذ صار في الرمس تعفوه الأعاصير
يبكي الغريب عليه ليس يعرفه **** وذو قرابته في الحي مسرور
فقيل لي: أتعرف قائلها؟ قلت: لا، قيل: قائلها: هذا المدفون، وأنت الغريب الذي تبكي عليه، وهذا الذي وضعه في قبره أقرب الناس به رحما وأسرُّهم بموته، فقال معاوية: لقد رأيت عجبا، فمن الميت؟ قيل له: إنه عثير بن لبيد العذري.
ــ وحكى القاضي ابن خلكان في تاريخه_وفيات الأعيان_قال: أخبرني بعض الفضلاء أنه رأى في مجموع: أن بعض الأدباء إجتاز بدار الشريف الرضي ببغداد وهو لا يعرفها وقد أخنى عليها الزمان، وذهبت بهجتها، وخلقت ديباجتها؛ وبقايا رسومها تشهد لها بالنضارة وحسن الشارة؛ فوقف عليها متعجبا من صروف الزمان وطوارق الحدثان.
وتمثل بقول الشريف الرضي المذكور:
ولقد وقفت على ربوعهم *** وطلولها بيد البلى نهب
فبكيت حتى ضج من لغبٍ *** نضوي ولج بعذلي الركب
وتلفتت عيني فمذ خفيت *** عني الديار تلفت القلب
فمر به شخص وهو ينشد الأبيات فقال له: هل تعرف هذه الدار لمن هي؟ فقال: لا، فقال: هذه الدار لصاحب هذه الأبيات الشريف الرضي فتعجب من حسن الاتفاق.
ـــ ومن الكلام الجامع في شكاية الزمان قول أبو العلاء المعري:
منك الصدود ومني بالصدود رضى *** من ذا علي بهذا في هواك قضى
بي منك ما لو غدا بالشمس ما طلعت *** من الكآبة أو بالبرق ما ومضا
إذا الفتى ذم عيشا في شبيبته *** فما يقول إذا عصر الشباب مضى
وقد تعوضت عن كل بمشبهه *** فما وجدت لأيام الصبا عوضا
الشاهد في البيت الثالث.
ـــ وأما شكاية الإخوان فمنها قول أبي العلاء المعري:
وليس صبا يفاد وراء شيب *** بأعوز من أخي ثقة يفاد
وقول أبي فراس بن حمدان:
أراني وقومي فرقتنا مذاهب *** وإن جمعتنا في الأصول المناسب
فأقصاهم أقصاهم من مساءتي *** وأقربهم مما كرهت الأقارب
غريب وأهلي حيث ماكر ناظري *** وحيد وحولي من رجالي عصائب
وأعظم أعداء الرجال ثقاتها *** وأهون من عاديته من تحارب
وبيت الشيخ صفي الدين في بديعيته
من كان يعلم أن الشهد مطلبه *** فلا يخاف للدغ النحل من ألم
فإنه حصر فيه الكلام الجامع بشروطه وأجراه مجرى المثل مع ما أودع فيه من الحكمة وزاد على ذلك بما كساه من ديباجة الرقة ولطف السهولة وحسن الانسجام.
وبيت بديعية ابن حجة الحموي:
جمع الكلام إذا لم تغن حكمته *** وجوده عند أهل الذوق كالعدم
المصادر:
كتاب البديع في البديع لابن المعتز ت247ه
العمدة في محاسن الشعر لابن رشيق القيرواني ت390ه
خزانة الأدب لابن حجة الحموي ت837ه
أنوار الربيع في أنواع البديع لابن معصوم الحسني ت1119ه
جمع وإعداد وتقديم: محمد أبورزق
يُتبع

[ المُوَارَبَة ]

اللغة العربية: إبداع وإمتاع وإقناع
علم البديع
دروس مهمة لكل شاعر وكاتب وأديب
الدرس الثالث والأربعون (43)
[ المُوَارَبَة ]
المُوارَبَة في اللغة: المداهاة والمخاتلة، كذا في القاموس، وفي الحديث: وإن بايعتهم واربوك، أي خادعوك، من الوَرَب وهو الفساد، وقد ورب يرب، ويجوز أن يكون من الإرب وهو الدهاء، وقلبت الهمزة واوا - قاله في النهاية- وقال ابن أبي الإصبع: هي مشتقة من ورب العرق -بفتح الواو والراء- إذا فسد فهو ورب بكسر الراء، كأن المتكلم أفسد مفهوم ظاهر كلامه بما أبداه من تأويل باطنه.
وحقيقة المواربة: أن يقول المتكلم قولا يتضمن ما ينكر عليه فيه بسببه وتتوجه عليه المؤاخذة فيستحضر بحذقة وجها من الوجوه التي يمكن التخلص به من تلك المؤاخذة، إما بتحريف كلمة أو تصحيفها، أو بزيادة أو نقص، أو غير ذلك من الوجوه. انتهى.
وظاهر أنه لا يتعين نقلها إلى الاصطلاح من الورب بمعنى الفساد بل يجوز أن يكون من المداهاة والمخاتلة كما في القاموس، بل هو أنسب بالمعنى الإصطلاحي كما لا يخفى.
وأحسن شاهد وقع في هذا النوع في الشعر وهو من التخلص بالتحريف أيضاً، ما روي: أن عبد الملك بن مروان أُحْضِرَ إليه رجل يرى رأي الخوارج وهو عِتْبان الحروري فقال له: ألستَ القائل يا عدو الله.
فإن يك منكم كان مروان وابنه *** وعمرو ومنكم هاشم وحبيب
فمنا حصين والبطين وقعنب *** ومنّا أميرُ المؤمنينَ شبيب
فقال: لم أقل كذا يا أمير المؤمنين، وإنما قلت: ومنا أميرَ المؤمنين شبيب -ونصب أمير المؤمنين- فاستحسن قوله وأمر بتخليته.
وهذا الجواب في نهاية الحسن، فأنه إذا كان (أميرُ) مرفوعا كان مبتدأ فيكون: شبيب أمير المؤمنين، وإذا كان منصوبا فقد حذف منه حرف النداء ومعناه: يا أميرَ المؤمنين منّا شبيب، فلا يكون أميرَ المؤمنين بل يكون منهم.
وشاهد المواربة بالحذف، قول أبي نواس في خالصه جارية الرشيد هاجيا لها وكانت سوداء:
لقد ضاع شعري على بابكم *** كما ضاع حلي على خالصة
فلما بلغ الرشيد ذلك تهدده بسببه فقال: لم أقل ذلك وإنما قلت:
لقد ضاء شعري على بابكم ... كما ضاء حلي على خالصة
فاستحسن الرشيد مواربته، وقال بعض الحاضرين: لله دره من شعر قلعت عيناه فأبصر.
وبيت بديعية الشيخ صفي الدين الحلي قوله:
لأنت عندي أَخَصُّ الناس منزلة *** إذ كنت أقدَرُهُم عندي على السلم
المواربة في (أخص) يريد بها (أخس) بالسين المهملة و (أقدرهم) يريد بها (أقذرهم) بالذال المعجمة.
وبيت بديعية الشيخ عز الدين الموصلي قوله:
لأنت أفْتَحُ ذهنا في مواربة *** وبالتَّعَقُّلِ منسوب إلى النعم
مراده ب (أفتح) ؛ (أقبح) بالقاف والباء الموحدة؛ و (بالتعقل) ؛ (التغفل) بالغين المعجمة والفاء، وب (النعم) بكسر النون (النّعم) بفتحها وهو اسم جامع للإبل وغيرها.
وبيت بديعية ابن معصوم هو قوله:
هديت يا لائمي فاترك مواربتي *** فليس يحسن إلا ترك ودهم
المواربة في موضعين: أحدهما (هديت) من الهدى، والمراد (هذيت) بالذال المعجمة من الهذيان وهو التكلم بغير معقول لمرض أو غيره، والثاني (يحسن) بالحاء والسين المهملتين، والمراد (يخشن) بالخاء والشين المعجمتين.
وبيت بديعية الشيخ شرف الدين المقري قوله:
والعاذلان على من قده غصن *** كالبان هزا متى ما ناضحا اتهم
هذا البيت بديع في هذا النوع جدا؛ والمواربة في قوله (كالبان هزا) فأن الظاهر أن الكاف للتشبيه، والبان: الشجر المعروف، وهزا بالزاي المعجمة تمييز من هز الغصن يهزه: إذا حركه، والمراد (كلبان) تثنيه كلب، و (هرا) بالراء المهملة من هرير الكلب، وهو صوته دون نباحه من قلة صبره على البرد.
المصادر:
كتاب البديع في البديع لابن المعتز ت247ه
العمدة في محاسن الشعر لابن رشيق القيرواني ت390ه
زهر الآداب للحصري القيرواني ت453ه
خزانة الأدب لابن حجة الحموي ت837ه
أنوار الربيع في أنواع البديع لابن معصوم الحسني ت1119ه
جمع وإعداد وتقديم: محمد أبورزق
يُتبع

الثلاثاء، 2 أكتوبر 2018

[ التَّفْوِيف ]



اللغة العربية: إبداع وإمتاع وإقناع
علم البديع
دروس مهمة لكل شاعر وكاتب وأديب
الدرس الثاني والأربعون (42)
[ التَّفْوِيف ]
التفويف: مشتق من قولهم: بُرْدٌ مُفَوَّفٌ، وهو الذي فيه خطوط بيض تغاير سائر لونه. وحقيقته: إتيان المتكلم بمعان شتى من أغراض الشعر من غزل أو مدح أو غير ذلك في جمل من الكلام، كل جملة منفصلة من أختها مع تساوي الجمل في الوزنية، ويكون بالجمل الطويلة والمتوسطة والقصيرة وهي أحسنها، لدلالتها على قدرة الشاعر وتذليله صعب الألفاظ، فأنها أصعب مسلكا مما كان بالجمل الطوال والمتوسطة، ووجه تسمية ذلك بالتفويف أن المتكلم خالف بين جمل المعاني في التقفية كمخالفة البياض لسائر الألوان لأن بعده من سائر الألوان أشد من بعد بعضها من بعض، فكان الكلام حينئذ برد مفوف.
ـــ مثال التفويف المطول:
قول ابن قاضي ميلة:
إلا أنه لولا أغنّ مهفهف **** وأشنب براق وأحور أوطف
لراجعَ مشتاقٌ ونامَ مسهّدٌ **** وأيقن مرتابٌ وأقصر مدنفٌ
وسُمّي تفويف مطوّل لأنه جمله تتكون من كلمتين، مثل: أغنّ مهفهف، ومثل: راجع مشتاق، فأنت ترى أن القصيدة متكونة من عدة جمل وكل جملة بها كلمتين، ومع ذلك فهي متماسكة دون تنافر أو إخلال بالمعنى، فكأنها ثوب أسود أو أحمر به خطوط بيضاء متراصة تزينه.
ومن ذلك قول النابغة أيضاً:
فلله عينا من رأى أهل قبة **** أضر لمن عادى وأكثر نافعا
وأعظم أحلاما وأكبر سيدا **** وأفضل مشفوعا إليه وشافعا
وقول ابن عنين:
دعت في أعالي السعد يوما حمامة *** على فنن في ظل ريان بالْيَمِّ
فهاجتْ مَشوقاً واستفزت مُتَيّما *** وأبكت غريبا واستخفت أخا حلم
وقول الآخر:
ولو أن ما بي بالجبال لدكدكت *** وبالنار أطفأها وبالماء لم يجر
وبالناس لم يحيوا وبالدهر لم يكن *** وبالشمس لم تطلع وبالنجم لم يسر
وقول بديع الزمان الهمداني:
ما الليث مقتحما والسيل مرتطما *** والبحر ملتطما والليل مقتربا
أمضى شبا منك أدهى منك صاعقة *** أجدى يمينا وأدنى منك مطلبا
وكاد يحيك صوت الغيث منسكبا *** لو كان طلق المحيا يمطر الذهبا
والدهر لو لم يخن والشمس لو نطقت *** والليث لو لم يصد والبحر لو عذبا
وهنا أيضا التفويف جمله طويلة تتكون من كلمتين وأكثر.
ـــ ومثال التفويف بالجمل المتوسطة:
قول أبي الوليد بن زيدون:
بيني وبينك ما لو شئت لم يضع *** سر إذا ذاعت الأسرار لم يذع
يا بائعا حظه مني ولو بذلت *** لي الحياة بحظي منه لم أبع
يكفيك أنك إن حملت قلبي ما *** لا تستطيع قلوب الناس يستطع
تهْ أَحْتَمِل واحتكمْ أَصْبُر وعُزَّ أَهُن *** ودُلَّ أَخضَعْ وقلْ أسمَعْ ومُرْأطِع
والتفويف هو في البيت الأخير.
وسُمّي تفويف متوسط لأن جمله تتكون من كلمتين متوسطتي الطول مثل: تِهْ أحتمِلْ، إلى آخر البيت، متكون من فعل أمر وفعل مضارع مجزوم بفعل الأمر.
ـــ ومثال التفويف بالجمل القصار:
قول المتنبي:
يا أيها المحسن المشكور من جهتي ***والشكر من قبل الإحسان لا قبلي
أَقِلْ أَنِلْ أَقْطِعْ إِحْمِلْ عُلْ أُسْلُ أَعِدْ *** زِدْ هشْ بَشْ تَفَضَّلْ أَدْنِ سُرْ صِلِ
وسمّي تفويف قصير لأن جمله قصيرة من كلمة واحدة مثل: أقلْ، ومثل أنِلْ.
روي أنه لما أنشد أبو الطيب سيف الدولة هذه القصيدة التي هذان البيتان منها، وناوله نسختها وخرج، نظر فيها سيف الدولة، فلما انتهى إلى هذا البيت المفوف وقع تحت (أقل) قد أقلناك، وتحت (أنل) أنلناك وتحت (اقطع) قد أقطعناك الضيعة الفلانية ضيعة بباب حلب، وتحت (أحمل) يقاد إليك الفرس الفلاني، وتحت (عل) قد فعلنا -وهو من العلو- وتحت (سل) قد فعلنا، فاسل -وهو من السلو- وتحت (أعد) قد أعدناك إلى حالك من حسن رأينا، وتحت (زد) يزاد كذا، وتحت (تفضل) قد فعلنا، وتحت (ادن) قد أدنيناك، وتحت (سر) قد سررناك.
قال ابن جني: فبلغني عن المتنبي أنه قال: إنما أردت (سر) من السرية فأمر له بجارية، وتحت (صل) قد وصلناك.
وقول ديك الجن
أحْلُ وامرُرْ وضُرْ وانفعْ ولِن *** وأخشُنْ ورِشْ وبُرْ وانتدب للمعالي
وقال الواحدي: أصل هذه الطريقة من قول امرئ القيس:
أفاد وجاد وساد وزا *** د وذاد وقاد وعاد وأفضل
ومثله لأبي العميثل في عبد الله بن طاهر ذي اليمنين:
يا من يؤمل أن تكون خصاله *** كخصال عبد الله أنصت واسمع
المصادر:
كتاب البديع في البديع لابن المعتز ت247ه
العمدة في محاسن الشعر لابن رشيق القيرواني ت390ه
زهر الآداب للحصري القيرواني ت453ه
خزانة الأدب لابن حجة الحموي ت837ه
أنوار الربيع في أنواع البديع لابن معصوم الحسني ت1119ه
جمع وإعداد وتقديم: محمد أبورزق
يُتبع

الاثنين، 1 أكتوبر 2018

[ التذييل ]

اللغة العربية: إبداع وإمتاع وإقناع
علم البديع
دروس مهمة لكل شاعر وكاتب وأديب
الدرس الواحد والأربعون (41)
[ التذييل ]
قال ابن حجة الحموي: التذييل هو أن يذيل الناظم أو الناثر كلاما بعد تمامه وحسن السكوت عليه بجملة تحقق ما قبلها من الكلام وتزيده توكيدا وتجري مجرى المثل بزيادة التحقيق.
وقال ابن معصوم الحسني:التذييل - ضرب من الإطناب، وهو تعقيب الجملة التامة نظما كانت أو نثرا بجملة تشتمل على معناها لتوكيد منطوقها، أو مفهومها، ليظهر المعنى لمن لم يفهمه، ويتقرر عند من فهمه.
وهو نوعان :
النوع الأول :
وهو ما يخرج مخرج المثل السائر، بأن يكون مستقلا بإفادة المراد فيكون جائز الاستعمال على الإنفراد، وهذا النوع هو الذي بنى عليه أرباب البديعيات أبياتهم، ومثاله قوله تعالى: (وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا) فالجملة الأولى دلّت بمنطوقها على زهوق الباطل. والجملة الأخيرة تأكيد وتقرير لذلك، وهو التذييل الذي أخرج مخرج المثل السائر
والتذييل لم يفد غير تحقيق الكلام الأول وتوكيده
فلو وقفنا عند قوله تعالى " وقل جاء الحق وزهق الباطل" فهذه جملة تامة مفيدة بنفسها، وتبقى جملة " إن الباطل كان زهوقا" هي تأكيد للكلام السابق ومستقلة بنفسها ولا تَعلُّقَ لها بما قبلها، فهي تذييل للجملة الأولى خرجت مخرج المثل.
وقوله تعالى ( إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله ) ففي هذه الآية الشريفة تذييلان أحدهما قوله تعالى ( وعدا عليه حقا ) فإن الكلام كان قد تم قبل ذلك وحسن السكوت عليه والآخر قوله تعالى ( ومن أوفى بعهده من الله ) فخرج هذا الكلام مخرج المثل السائر
ووقع ذلك في السنة الشريفة وهو قول النبي ( من هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة وإن عملها كتبت له عشرا ومن هم بسيئة فلم يعملها لم تكتب عليه، وإن عملها كتبت عليه سيئة واحدة،ولا يُهلَك على الله إلا هالك)
فقوله ( لا يهلك على الله إلا هالك ) هو التذليل الذي تتعلق البلاغة بأذياله وخرج الكلام فيه مخرج الأمثال وهذا التذليل انفرد بإخراجه مسلم..
ومن هذا الباب قول النابغة
ولستَ بمُستبقٍ أخاً لا تَلُمَّهُ **** على شَعَثٍ أيُّ الرّجالِ المُهذّبُ
فصدر البيت دل بمفهومه على نفي الكامل من الرجال، وقوله: أي الرجال المهذب جملة مشتملة على هذا المعنى مؤكدة له خارجة مخرج المثل السائر وهو التذييل.
ــ وقَوْلُهُ لَا تلمُّه عَلَى شَعَثٍ : أَي لَا تَحْتَمِلُهُ عَلَى مَا فِيهِ مِنَ زَللٍ ودَرْءٍ، فتَلُمُّه وتُصْلحُه، وتَجْمَعُ مَا تَشَعَّثَ مِن
أمْرِه، وقوله:(أيُّ الرّجالِ المُهَذَّبُ) استفهام الإنكار أي ليس في الرجال منقح الفعال مرضي الخصال ــ.
وقول الحطيئة:
نَزورُ فتًى يُعطِي على الحَمدِ مالَه **** ومن يُعطِ أثمانَ المدائحِ يُحْمَدِ
فإن عجز البيت كله تذييل خرج مخرج المثل وصدر البيت استقل بالمعنى المراد على انفراده وفيه أيضا مع اتصاله بالعجز تعطف حسن في قوله يعطي ويعط وبالتعطف صار بين العجز والصدر ملاحمة وملاءمة شديدة ورابطة وثيقة قال ابن أبي الأصبع عجز هذا البيت إذا انفرد استقل مثلا وتذييلا كما أن الصدر إذا انفرد استقل بالمعنى المقصود من جملة البيت والغرض المطلوب من التمثيل أيضا وقَلَّ أن يوجد بيت بين صدره وعجزه مثل هذا التلاحم على استقلال كل قسم بنفسه وتمام معناه ولفظه
ومثله قول أبي الشيص:
وأهنْتِني فأهنتُ نفسي عامدا **** ما مَنْ يهونُ عليك مِمّن يُكرَمُ
فعجز البيت بجملته تذييل خارج مخرج المثل، وفي ضمنه مطابقة بين الهوان والكرامة.
ــ والنوع الثاني:
لا يخرج مخرج المثل لعدم استقلاله بإفادة المراد، وتوقفه على ما قبله، كقوله تعالى: (ذلك جزيناهم بما كفروا وهل نجازي إلا الكفور) إن قلنا: إن المعنى: وهل نجازي ذلك الجزاء المخصوص، فيكون متعلقا بما قبله. وقال الزمخشري: وفيه وجه آخر، وهو أن الجزاء عام لكل مكافأة، يستعمل تارة في معنى المعاقبة، وأخرى في معنى الإثابة، فلما استعمل في معنى المعاقبة في قوله تعالى: ذلك جزيناهم بما كفروا، بمعنى عاقبناهم بكفرهم، قيل: وهل نجازي إلا الكفور بمعنى وهل يعاقب. فعلى هذا يكون من الضرب الأول.
ومن ذلك قول ربيعة بن مقروم الضبّي:
ودَعَوْا نَزَالِ فكنتُ أوّل نازِلٍ ... وعَلامَ أركبُه إذا لم أَنزلِ
فعجز البيت كله تذييل لكنه لم يخرج مخرج المثل به واستقلاله وتوقفه على ما قبله.
ومعنى: "دعوْا نزالِ" أي صاحوا: نزالِ نزال.
وقول أبي الطيب المتنبي:
وما حاجة الأظعان حولك في الدجى ... إلى قمر ما واجد لك عادمه
فقوله: ما واجد لك عادمه، تذييل بديع لكنه لم (يخرج مخرج المثل لعين الأمر) .
وقوله أيضاً:
تمسي الأماني صرعى دون مبلغه ... فما يقول لشيء ليت ذلك لي
فالعجز كله تذييل على حد ما تقدم.
وقد اجتمع الضربان معا في قوله تعالى: (وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإن مت فهم الخالدون، كل نفس ذائقة الموت) فقوله: أفإن مت فهم الخالدون، تذييل الضرب الثاني لتوقفه على ما قبله، وتعلقه به، وقوله: كل نفس ذائقة الموت، من الضرب الأول، لأنه حكم كلي منفصل عما قبله.
وبيت بديعية الشيخ صفي الدين الحلي قوله:
لله لذة عيش بالحبيب مضت *** فلم تدم لي وغير الله لم يدم
فقوله: وغير الله لم يدم، هو التذييل الذي أخرج مخرج المثل السائر.
وبيت بديعية عز الدين الموصلي قوله:
تذييل عيشي ورزقي قسمة حصلت **** في أول الخلق والأرزاق بالقسم
والتذييل فيه ظاهر.
وبيت بديعية ابن حجة قوله:
والله ما طال تذييل اللقاء بهم **** يا عاذلي وكفى بالله في القسم
التذييل في قوله (وكفى بالله في القسم) وأجاد في ذكر الطول الذي ترشحت به التورية، لأن الطول من لوازم الذيل،
وبيت بديعية ابن معصوم الحسني هو قوله:
عدمتُ تذييل حظي حين قصّره **** طول التّفرقِ والدنيا إلى عدم
فقوله: والدنيا إلى عدم، هو التذييل، وقد أخرجه مخرج المثل السائر، وذِكر التقصير رشح التورية في لفظ التذييل الذي هو تسمية هذا النوع. فإن القصر من لوازم الأذيال كالطول، وفيه أيضاً المطابقة، ورد العجز على الصدر، والسهولة، والانسجام، والاستعارة.
المصادر:
كتاب البديع في البديع لابن المعتز ت247ه
العمدة في محاسن الشعر لابن رشيق القيرواني ت390ه
زهر الآداب للحصري القيرواني ت453ه
خزانة الأدب لابن حجة الحموي ت837ه
أنوار الربيع في أنواع البديع لابن معصوم الحسني ت1119ه
جمع وإعداد وتقديم: محمد أبورزق
يُتبع

[ تشابه الأطراف ]

اللغة العربية: إبداع وإمتاع وإقناع
علم البديع
دروس مهمة لكل شاعر وكاتب وأديب
الدرس التاسع والثلاثون (39)
[ تشابه الأطراف ]
تشابه الأطراف: عبارة عن أن يعيد الشاعر لفظة القافية في أول البيت الذي يليها، فتكون الأطراف متشابهة. وسماه قوم: التسبيغ بالسين المهملة، والغين المعجمة، والتسمية الأولى أولى، وقد يكون ذلك في النثر أيضاً، بأن يعيد الناثر سجعة القرينة الأولى في أول القرينة التي تليها. ووقع ذلك في القرآن العظيم وهو قوله تعالى: (وعد الله لا يخلف الله وعده، ولكن أكثر الناس لا يعلمون، يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا) فأعاد فاصلة الآية الأولى "يعلمون" في أول الآية الثانية.
ووقع في غير الفواصل أيضاً، وهو قوله تعالى: (ألله نور السموات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري) .
ومثاله في الشعر قول أبي حية النميري:
رمتني وستر الله بيني وبينها **** عشية آرام الكناس رميم
رميم التي قالت لجيران بيتها **** ضمنت لكم ألا يزال يهيم
تشابه الأطراف في رميم في قافية البيت الأول ورميم في صدر البيت الثاني.
وقول ليلى الأخيلية تمدح الحجاج بن يوسف:
إذا نزل الحجاج أرضا مريضة **** تتبَّع أقصى دائها فشفاها
شفاها من الداء العضال الذي بها **** غلام إذا هز القناة سقاها
سقاها فرواها بشرب سجالها **** دماء رجال يحلبون ضراها
ــ فكلمة "شفاها" في قافية البيت أعيدت في صدر البيت الثاني وكذلك "سقاها" ــ
والضرى: دم العرق الذي لا ينقطع.
ويروى البيت هكذا:
سقاها دماء المارقين وعلها **** إذا جمحت يوما وخف أذاها
ويقال أن الحجاج قال لها: قولي (همام إذا هز القناة سقاها) .
ومنه قول النابغة الذبياني:
لعمري وما عمري علي بهين **** لقد نطقت بطلا علي الأقارع
أقارع عوف لا أحاول غيرها **** وجوه قرود تبتغي من تجادع
وقول فضالة بن وكيع. قال الشريف المرتضى: وهو من أحسن ما وصف به الثغر:
تبسم عن حم اللثاث كأنها **** حصى برد أو أقحوان كثيب
إذا ارتفعت عن مرقد عللت به **** من اليانع القوري فرع قضيب
قضيب نجاه الركب أيام عرفوا **** لها من ذرى مال النبات خضيب
القوري: يعني من يانع الأراك. ونجاه: قطعه. ومال النبات: ناعمه وحسنه. وعرفوا، أي اجتنوه من عرفات. وذكر أنه خضيب بالطيب الذي بيديها. قاله في الغرر والدرر.
ومنه قول عمر بن أبي ربيعة:
فلم أستطعها غير أن قد بدا لنا ****عشية راحت وجهها والمعاصم
معاصم لم تضرب على البهم بالضحى **** عصاها ووجه لم تلحه النسائم
وأحسن ما وقع في هذا النوع، قول أبى نواس:
خزيمة خير بني خازم **** وخازم خير بني دارم
ودارم خير تميم وما **** مثل تميم في بني آدم
ورد على أبي نواس هذا القول الحافظ فتح الدين أبو الفتح محمد بن محمد بن محمد بن سيد الناس اليعمري. فقال وأجاد:
محمد خير بني هاشم **** فمن تميم وبنوا دارم
وهاشم خير قريش وما **** مثل قريش في بني آدم
وفي هذا النوع أعني تشابه الأطراف دلالة على قوة عارضة الشاعر، وتصرفه في الكلام، وإطاعة الألفاظ له، ولا يخلو مع ذلك من حسن موقع في السمع والطبع، فإن معنى الشعر يرتبط ويتلاحم به، حتى كأن معنى البيتين أو الثلاثة معنى واحد.
ولما كان هذا النوع لا يتأتى إلا في بيتين، قال الشيخ صفي الدين في بديعيته:
قالوا ألم تدر أن الحب غايته ... سلب الخواطر والألباب قلت لم
لم أدر قبل هواهم والهوى حرم ... أن الظباء تحل الصيد في الحرم
تشابه الأطراف بين (لم) في قافية البيت الأول و (لم) في أول البيت الثاني.
وبيت بديعية الشيخ عبد القادر الطبري قوله:
شابهت أطراف مدحي في صفاتهم ... صفاتهم ساميات المجد والشيم
وبيت بديعية ابن معصوم الحسني هو قوله:
تشابهت فيهم أطراف وصفهم ... ووصفهم لم يطقه ناطق بفم
المصادر:
كتاب البديع في البديع لابن المعتز ت247ه
العمدة في محاسن الشعر لابن رشيق القيرواني ت390ه
زهر الآداب للحصري القيرواني ت453ه
خزانة الأدب لابن حجة الحموي ت837ه
أنوار الربيع في أنواع البديع لابن معصوم الحسني ت1119ه
جمع وإعداد وتقديم: محمد أبورزق
يُتبع

المغايرة

اللغة العربية: إبداع وإمتاع وإقناع
علم البديع
دروس مهمة لكل شاعر وكاتب وأديب
الدرس الأربعون (40)
المغايرة
المغايرة والتغاير، ويسميه قوم التلطف، هو أن يتلطف الناظم أو الناثر في التوصل إلى مدح مذموم، أو ذم ممدوح، سواء كان هو الذي ذمه أو مدحه من قبل نفسه أو غيره.
وعرّفه ابن رشيق القيرواني فقال: التغاير هو أن يتضاد المذهبان في المعنى حتى يتقاوما ثم يصحا جميعا، وذلك من افتنان الشعراء وتصرفهم وغوص أفكارهم.
فمن ذلك مدح علي كرّم الله وجهه للدنيا بعد أن ذمها هو وغيره. فمن ذمه لها قوله : ما أصف من دار أولها عناء، وآخرها فناء في حلالها حساب، وفي حرامها عقاب، من استغنى فيها فتن، ومن افتقر فيها حزن، ومن ساعاها فاتته؛ ومن قعد عنا واتته، ومن أبصر بها بصرته، ومن أبصر إليها أعمته.
ومن مدحه لها قوله: إن الدنيا دار صدق لمن صدقها؛ ودار عافية لمن فهم عنها؛ ودار غنى لمن تزود منها، ودار موعظة لمن اتعظ بها. مسجد أحياء الله، ومصلى ملائكة الله، ومهبط وحي الله، ومتجر أولياء الله. اكتسبوا فيها الرحمة، وربحوا فيها الجنة. فمن ذا يذمها وقد آذنت ببينها، ونادت بفراقها، ونعت نفسها وأهلها فمثلت لهم ببلائها البلاء، وشوفتهم بسرورها إلى السرور.
ومن أمثلة التغاير:
من ذلك قول بعض العرب المتقدمين يذكر قوما بأنهم لا يأخذون إلا القَوَدَ دون الدِّية:
لا يَشْرَبون دِماءَهم بأكُفِّهِم **** إن الدِّماءَ الشافياتُ تُكالُ
وقال آخر وقد أخذ بثأره إلا أنه فيما زعم قتلَ دون من قُتِلَ له.
فيُقتلُ خيرٌ بامرئٍ لم يكن له **** بَوَاءً، ولكن لا تكايل بالدم
فالأول يقول: لا آخذ بالدم لبنا، لكن آخذ دما بقدره، فكان ذلك مكايلة، والثاني يزعم أن قتيله قليل المثل والنظير، فمتى لم يقتلْ به إلا نظيره بعُدَ انتقامه، وعسُر إدراكه الثأر فقال: إن الدماء ليست مما يُكايل به في الحقيقة، وقيل: إنما يعني بذلك أن الإسلام لما جاء أزال المكايلة بالدم، فكانوا لا يقتلون بالرئيس إلا رئيسا مثله.
ومن هذا الباب قول أبي تمام في التكرم يفضله على الكرم المطبوع:
قد بَلَوْنا أبا سعيد حديثا **** وبلونا أبا سعيد قديما
ووردناه سائحا وقليبا **** ورعَيْناه بارِضاً وجَميما
فعلِمنا أنْ ليس إلاّ بشِقِّ النّـ **** فس صار الكريم يُدعَى كريماً
ــ أراد بالسائح: النهر، والقليب البئر، والبارض أول ما يظهر من النبت، والجميم النبت إذا تحرك وزاد قليلا ــ.
وقال أبو الطيب المتنبي في خلافه:
لو كَفَرَ العالَمون نِعْمتَه **** لمَا عَدَتْ نفسُه سجاياها
كالشمس لا تبتغي بما صنعتْ **** تَكْرِمةً عندهم ولا جاها
ومن التغاير قول الفرزدق يصف إبله ويتفاخر:
ألم تسمعا يا بْنَيْ حكيمٍ حَنينَها **** إلى السيف تشتكي إذا لم تُعْقَر
فجعلها إذا لم تعقر حنّت إلى السيف واستبكت لكثرة عادتها، وهذا غلو مفرط، وكان في مكان آخر يصفها بالجزع إذا رأت الضيف لعلمها أنها تُنحر له:
تَرى النِّيبَ من ضيفي إذا ما رأينه **** ضُموراً على جِرّاتها ما تجيزها
فزعم أنها تُخفي حسّها حتى إنها لا تجترّ خوفا من النحر،
ومن مليح التغاير قول أبي الشِّيص:
أجِدُ الملامةَ في هواكِ لذيذةً **** حُبّاً لذِكركِ فلْيلُمني اللُّوَّمُ
وقول أبي الطيب المتنبي في عكس هذا:
أأُحِبّهُ وأحبّ فيه ملامةً؟ **** إن الملامة فيه من أعدائه
ومن المغايرة قول ابن الرومي يصف القلم ويفضله على السيف:
إنْ يخدُم القلمُ السيفَ الذي خضعتْ **** له الرِّقابُ ودانتْ خوفه الأممُ
كذا قضى الله للأقلام مذ بُريتْ **** أن السيوفَ لها مذ أرهفت خدمُ
فالموت ـ والموت لا شيء يعادله ـ **** ما زال يتبعُ ما يجري به القلمُ
وخالفه أبو الطيب المتنبي مغايرا فقال:
حتّى رجعتُ وأقلامي قوائلُ لي **** المجدُ للسيف ليس المجد للقلم
أكتُب بنا أبداً بعد الكتاب بها **** فإنّما نحن للأسياف كالخدم
وفي مدح القلم قال أبو الفتح البستي:
إذا افتخر الأبطال يوما بسيفهم *** وعدوه مما يكسب المجد والكرم
كفى قلم الكتاب فخرا ورفعة *** مدى الدهر أن الله أقسم بالقلم
: وقال ابن المعتز في ذم القلم
وأجوف مشقوق كأن شباته **** إذا استعجلتها الكف منقار لاقط
وتاه به قوم فقلت رويدكم **** فما كاتب بالكف إلا كشارط
ومن أحسن ما قيل في مدح الشعر: قول أبي تمام:
ولولا خلال سنها الشعر ما درى *** بناة المعالي أين تبنى المكارم
وأحسن منه قول ابن الرومي:
أرى الشعر يحيي الجود والباس بالذي *** تبقيه أرواح له عطرات
وما المجد لولا الشعر إلا معاهد *** وما الناس إلا أعْظُمٌ نخرات
وقال بعضهم:
الشعر يحفظ ما أودى الزمان به *** والشعر أفخر ما ينبي عن الكلم
لولا مقال زهير في قصائده *** ما كنت تعرف جودا كان في هرم
ومن أحسن وأصدق ما ذم به الشاعر قول عبد الصمد بن المعذل لأبي تمام وقد قصد البصرة وشارفها:
أنت بين اثنتين تبرز للنا *** س وكلتاهما بوجه مذال.
لست تنفك طالبا لوصال *** من حبيب أو راغبا في نوال.
أي ماء لحر وجهك يبقى *** بين ذل الهوى وذل السؤال.
فلما بلغت الأبيات أبا تمام قال: صدق والله أحسن. وثنى عنانه عن البصرة وأقسم أن لا يدخلها أبدا.
وفي مدح الغنى قال ابن المعتز:
إذا كنت ذا ثروة من غنى *** فأنت المسود في العالم.
وحسبك من نسب صورة *** تخبر أنك من آدم
وفي ذم الغنى قال محمود الوراق في هذا الباب:
لا تشعرن قلبك حب الغنى *** إن من العصمة أن لا تجد.
كم واجد أطلق وجدانه *** عنانه في بعض ما لم يرد.
ومدمن للخمر غاد على *** سماع عود وغناء غرد.
لو لم يجد خمرا ولا مسمعا *** برد بالماء غليل الكبد.
وكم يد للفقر عند امرء *** طأطأ منه الفقر حتى اقتصد.
وفي مدح الفقرقال أبو العتاهية:
ألم تر أن الفقر يرجى له الغنى *** وأن الغنى يخشى عليه من الفقر.
وقول محمود الوراق:
يا عائب الفقر ألا تنزجر *** عيب الغنى أكثر لو تعتبر.
من شرف الفقر ومن فضله *** على الغنى لو صح منك النظر.
إنك تعصي الله تبغي الغنى *** ولست تعصي الله كي تفتقر.
وفي ذم الفقر قال الثعالبي:
إذا قل مال المرء قل حياؤه *** وضاقت عليه أرضه وسماؤه.
وأصبح لا يدري وإن كان حازما *** أقدامه خير له أم وراؤه.
وقال عروة بن الورد يذم الفقر ويمدح الغنى
دعِيني للغنى أسعى، فإنّي *** رأيتُ الناسَ شرُّهمُ الفقير
وأبعدُهم وأهونُهم عليهم *** وإن أمسى له حسب وخير
ويُقصِيهِ النَّدِيُّ، وتَزْدرِيهِ *** حليلته وينهره الصغير
ويلقى ذا الغنى وله جلال *** يكاد فؤاد صاحبه يطير
قليلٌ ذنبُهُ، والذنبُ جمّ *** ولكن للغنى ربّ غفور
وفي مدح الكتب قال أبو الحسن بن طباطبا:
اجعل جليسك دفترا في نشره **** للميت من حكم العلوم نشور.
فكتاب علم للأديب موانس **** ومؤدب ومبشر ونذير.
ومفيد آداب ومؤنس وحشة **** وإذا انفردت فصاحب وسمير.
وقال المتنبي:
أعز مكان في الدنا سرج سابح **** وخير جليس في الزمان كتاب.
وفي ذم الكتب قال أبو بكر الخوارزمي:
عليك بالحفظ دون الجمع في كتب **** فإن للكتب آفات تفرقها.
الماء يغرقها والنار تحرقها **** واللص يسرقها والفار يخرقها.
وقد كان ابن الرومي ممن يخالف الناس، ويعكس القياس، فيذم الحسن ويمدح القبيح، وهو القائل:
في زخرف القول تزيين لباطله **** والحق قد يعتريه بعض تغيير
تقول هذا مجاج النحل تمدحه **** وإن ذممت تقل قيء الزنابير
مدحا وذما وما جاوزت وصفهما **** سحر البيان يري الظلماء كالنور
وحكى الشريف المرتضى في كتاب الغرر والدرر قال: حكي أن أبا النظام جيء به وهو حَدث إلى الخليل بن أحمد ليعلمه فقال له الخليل يوما يمتحنه وفي يده قدح زجاج: يا بني صف لي هذه الزجاجة فقال: بمدح أم بذم؟ فقال: بمدح، قال: نعم، تريك القذى ولا تقبل الأذى ولا تستر ما ورا.
قال: فذمها، قال: سريع كسرها بطيء جبرها. قال: فصف هذه النخلة - وأومأ إلى نخلة في داره - قال: أبمدح أم بذم؟ قال: بمدح، قال: هي حلو مجتناها، باسق منتهاها، ناضر أعلاها. قال: فذمها؛ قال: هي صعبة المرتقى؛ بعيدة المجتنى؛ محفوفة بالأذى. فقال الخليل: يا بني نحن إلى التعلم منك أحوج.
وفي مدح القمر قال أعرابي
ماذا أقول وقولي فيك ذو حصر **** وقد كفيتني التفصيل والجملا
إن قلت لا زلت مرفوعا فأنت كذا **** أو قلت زانك ربي فهو قد فعلا
وفي ذم القمر وأبلغ ما قيل في ذلك وأجمعه قول بعض ظرفاء الكتاب ممن يسكن دور الكراء، وقد قيل له: أنظر إلى القمر ما أحسنه، فقال: والله ما انظر إليه لبغضي له، قيل: ولم؟ قال لأن فيه عيوبا لو كانت في حمار لرد بالعيب، قيل: وما هي؟ قال: ما يصدقه العيان، ويشهد به الأثر. فإنه يهدم العمر، ويقرب الأجل، ويحل الدين، ويوجب كراء المنزل، ويقرض الكتان، ويشحب الألوان، ويسخن الماء، ويفسد اللحم؛ ويعين السارق؛ ويفضح العاشق الطارق.
وأكتفي بهذا القدر فقد أطلت كثيرا نظرا لروعة الموضوع وكثرة المسائل التي مدحها الشعراء وذموها وهي كثيرة جدا تحتاج إلى أكثر من درس
المصادر:
كتاب البديع في البديع لابن المعتز ت247ه
العمدة في محاسن الشعر لابن رشيق القيرواني ت390ه
زهر الآداب للحصري القيرواني ت453ه
خزانة الأدب لابن حجة الحموي ت837ه
أنوار الربيع في أنواع البديع لابن معصوم الحسني ت1119ه
جمع وإعداد وتقديم: محمد أبورزق
يُتبع